أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

 

تفييم مؤلفات الدكتور داهش 

     تقييم مؤلّفات

        الدّكتور داهش الأدبية

       بأقلام

         أدباء وشعراء وكتّاب وصحافيّي

         البلاد العربيّة

 

 

 

 

 

                                                      فنـاء

 

ها إنّ الأعوام الزّاحفة الهاربة مرّ أمامي موكبها

والحلم الذي كـــــان يراود نفسي قــــد اضمحـــلّ

ونجم أملي الذي كــان يحبّب إليّ الحياة قد أفــــل

وهـــذا الشّباب الجميل الطّروب قد عفت آثــــاره

وشبح المشيب الرّهيب ... قـــد بــدت أخبـــــاره

ربّاه !.. وهل بعد هذا من أمنيّة سوى المنيّة ترقبني وأراقبها

 

                                                    من كتاب بروق ورعود للدكتور داهش

 

 

 

 

                            تعريف بمؤلّفات الدكتور داهش

 

                                                                 بقلم ماجد مهدي

                                                        صاحب ومدير ثانويّة النهضة العلميّة

 

هذا الكتاب يحوي بين دفّتيه طائفة من آراء الأدباء والكتّاب والشعراء والصحافيّين والنقّاد بأدب الدكتور داهش .

وللدكتور داهش أكثر من مئة مؤلّف ومصنّف ، إذ كتب نثراً وشعراً في المراثي والروحيّات والاجتماع والفنّ والنقد والهجاء والعنف والقصّة والغزل والدين ... ثم تجاوز الجميع ، وخاض محيطاً لجباً عندما ألّف كتابه " الجحيم"، وكان عمره يوم تأليفه له 30 عاماً .

وتراه في كتابه الفذّ هذا يجوب آفاق دركات الجحيم المتأجّجة بجهنّم النيران المتلظيّة، ويصف لنا أهوالها ورهبوت عذاب الهلكى في تلك الدركات السحيقة الأغوار ، الدامسة القرار ، الدجوجيّة الاستقرار . إنه وصف هائل الفواجع ، رهيب المناظر ، مُرعب النتائج ، فهو مُقضّ للمضاجع .

لقد وصف دركات سقر ، وأبدع بوصفه لعذاب الهلكى في تلك الديار الحافلة بالأهوال المُحيقة .

لقد حاز الدكتور داهش قصب السبق بتأليفه لهذا السِّفر الجحيميّ ، وأبدع الإبداع كلّه .

فليس من السهل إطلاقاً أن يستطيع الكاتب – أيّ كاتب- أن يلج أبواب ذلك الجحيم ، ويصف دركاته المُهلكة ونخاريبه الابليسيّة المفاجآت .

لهذا لم يجرأ أيّ كاتب أو أديب على طرق هذا الموضوع ، إذ تهيّب كلّ منهم ومكث وراء الباب المُغلق ، دون أن يستطيع ولوج تلك الديار الجحيميّة الأبديّة الدجوجيّة .

فقط دانتي أليجيري أخرج لنا كتابه "الكوميديا الالهيّة" ، وأبو العلاء المعرّي تطرّق للموضوع بكتابه "رسالة الغفران" ، والحارث بن الأسد المحاسبي بكتاب "التوهّم ".

ولكن شتّان ما بين وصف هؤلاء الكتّاب الثلاثة لأهوال الجحيم ووصف الدكتور داهش المُدمّر والمُردِّم . إذ تفوق بوصفه المُرعب العنيف ، بعدما خاض دركات الجحيم السحيق الأغوار ، وانتزع الخوف من تلك الدركات البطّاشة ، وأخرجها للقرّاء بكلمات مفعمة بالرهبوت، مُشبعة بالهلع المُبيد .

فقارئ "جحيم داهش" تشدهه تلك الأهوال التي تحيط بالهلكى الكافرين ، والأفّاكين المذنبين الذين يتقلّبون بين أكفّ الرواعب المزلزلة .

والمعروف عن الأدباء أنّ كلّ أديب منهم مختصّ بموضوع من المواضيع . فمنهم من اختصّ بالدين ، فلا يستطيع تناول أيّ موضوع سواه ، ومنهم من اختصّ بالتاريخ ، فلا يتجاوزه إلى ما عداه . وآخر مختصّ بعلم الاجتماع ، فبحثه يدور حوله ، ولا ينتقل لموضوع آخر ، إذ لا استطاعة له أن يخوض إلاّ موضوع علم الاجتماع . وأديب آخر استهوته العاطفة ، فهو لا يدور إلاّ بفلكها الخ الخ ...

أمّا داهش فقد خاض جميع المواضيع العامّة منها والخاصّة ، إذ ألّف كتباً عديدة في كلّ علم وفنّ، وبسهولة عجيبة غريبة ، فأسلوبه من السهل الممتنع .

وكم قصصه العجيبة رائعة ومُذهلة ! إنّها تستولي على الألباب ، فلا يسع القارئ إلاّ الاستمرار بمطالعة كتاب قصصه من الغلاف للغلاف ، لروعة ما يطالعه .

فقصصه لم يسبقه أيّ قصصيّ آخر بموضوعاتها المُبتكرة ، وخصوصاً ما يتعلّق منها بالتقمّص وأسراره الخفيّة .

وبعد ، فهذا هو الكتاب بين يديّ القارئ ، فليخض عبابه ، وليتصفّح صفحاته ، فيأخذ فكرة عن أدب الدكتور داهش الغزير المادّة ، العجيب التنوّع ، الحافل بأعجب ما دوّنه قلم أو بلغه خيال . والسلام .

 

                                                                ماجد مهدي

                                                       بيروت ، 21 كانون الأوّل 1979

 

 

  دراسات وخواطر وآراء

 في أدب الدّكتور داهش

 

 

    أسرار الدكتور داهش

 الكاتب المُلهَم

 

                   تحت هذا العنوان تشرت جريدة "الشمس" في عددها

                الصادر بتاريخ 11 كانون الأوّل 1945 الكلمة التالية:

 

ولما ولجَ (داهش) السادسة عشرة من عمره أخذَ يشعر بشوقٍ مُلحٍّ لأن يعبّر بالقلمِ عمّا يجيش في صدره من اتّجاهاتٍ فكريّة ، وميولٍ خياليَّة وروحيَّة ....

ومنذ ذلك الحين بدأ يكتب . وقد تجاوزت مؤلّفاته بعددها حتى الآن 100 كتاب .

وهي دُرَر أدبيّة وروحيّة مُلهمة ستفتح أعين الكثيرين من أمم وشعوب لرؤية أنوار الله السنيّة .

وأول قطعة له مؤرخة في 16 تشرين الأول عام 1927 وهي مدونة في كتابه (قيثارة الآلهة) وهي تحمل العنوان الآتي (إلى معبودتي الجميلة).

وكثير من الكتب الداهشيّة تحمل هذا الطابع الغزلي .

ولما نشر قطعته في بعض الصحف أثارت اعجاب المؤلّفين والشعراء والكتّاب في فلسطين ومصر .

وعندما وصلت إلى رجال الدين ظنَّها بعضهم أنها قطعة غراميّة ... فوجدوها فرصة مؤاتية للقضاء على سُمعة صاحبها . فأخذوا يطعنون به وبأخلاقه قائلين :

" إنّ من يتغزّل كهذا بالنساء لا يستطيع أن يتكلّم بأمور الدين ".

وبينما كان (داهش) يتغنَّى بمعبودته (الحقيقة) و(الحكمة) و(الروحانية) وسواها من الصفات المُنبثقة من الله جلّ جلاله ظنّ بعض الغائصين في أوحال الدنيا الدنية وقذارتها أنه يُنشد ما هم يُنشدون ، ويعبد ما هم يعبدون في السرّ والعلانية .

ولكن كان كلّ ذلك ليتمّ ما قيل عنه وعن رسالته الروحية في الأنبياء :

" وسيكون مُقدساً ...

ولكنه سيكون أيضاً حجر عثرة وصخرة شكوك ...

فيعثر بها كثيرون .

ويسقطون فيتحطّمون .

ويعلقون فيلقطون ..."

(أشعياء . الفصل 8 عدد 14-15):

 

 

 

                                  هل للداهشيّة كتاب مقدّس ؟!

          

                                   جريدة الحرية ، في 6 أيار 1946

 

                                                                       بقلم حليم دمّوس

عزيزي مراسل الحرية :

بعثت إليك برسالتي الأولى والثانية وها أنا أبعث إليك برسالتي الثالثة وفيه الجواب الأخير .

أنت تعلم أن الكُتب المُلهمة لا تهبط دفعة واحدة ولا تنتشر بالسرعة التي تنتشر فيها جريدة من الجرائد أو إذاعة من الإذاعات أو برقية من البرقيات .

فهذا الكتاب المُقدّس لم يصل إلينا بحالته الحاضرة إلاّ بعد مرور مئات ومئات من السنوات .

وهكذا قل عن القرآن الكريم فقد دام هبوطه أكثر من 23 سنة كما جاء في كتب التاريخ .

ولكن في الرسالة الداهشيّة رسائل مُتسلسلة اجتماعية أدبيّة خياليّة فنيّة تأتي تباعاً وتطبع في أوقات معيّنة ولا سيّما بعد اضطهاد الدكتور داهش وسجنه وتجريده وإبعاده وتشريده فقد انقطعت تلك السلسلة مدَّةً من الزمنِ ولا بدَّ من عودتها عاجلاً أم آجلاً والأمور مرهونة في أوقاتها .

إلاّ أنّ هناك مجموعات نفيسة للغاية ستظهر للناس في حينها وهي أكثر من تسعين كتاباً بيضت بقلمي أكثر من نصفها وطبع قسم منها وسيطبع قسم آخر في هذا العام .

وإذا سألتني أن أختار لك أهمُّها فأجيبك أنّ هناك مجموعتين هما في نظري من الروائع الملهمة .

الأوّل : مذكّرات يسوع الناصري

والثاني : كتاب "الهادي"

وبما أنّ الوقت قصير معي الآن وأنا تحت سماء مصر فبعد عودتي إلى لبنان سأوافي جريدتكم "الحريّة" بوصف دقيق لكل كتاب من تلك الكتب الداهشيّة وعندئذ يتأكّد لكم صحّة ما أقول .

                                                                 حليم دمّوس

 

                                     المطبوعات الداهشيّة

                            

                     تحت هذا العنوان كتبت جريدة "الدنيا" في العدد 166

                   الصادر بتاريخ 11 كانون الأول 1946 الكلمة التالية :

 

اجتمع مندوبنا بأحد اركان الداهشيّين ، وسأله عن مطبوعات الدكتور داهش ، ومنذ أيّ عام بدأت فأجابه بما يلي :

للدكتور داهش جلدٌ عجيب على المُطالعة والكتابة .

فأحياناً كثيرة ينهض في منتصف الليل ويظلّ دائباً على الكتابة إلى أن يتنفّس صدر الصباح.

ولو شئت أن أصف لكم جميع كتبه لضاق بي المقام فهي تتجاوز التسعين ، وكلها أدبيّة واجتماعيّة وخياليّة ونفسيّة . وليست كلّها على أسلوب واحد . فمنها النثر المرسل ومنها المسجّع، ومنها الشعر المنثور ، ومنها كلمات تنتهي بسطر أو سطرين . ومعظمها يهدف إلى تعاليم سامية متّصلة الحلقات . وكلّما راجعها المرء تفهّم مضمونها وتكشّفت له مراميها الروحيّة التي لا يدركها إلا من دخلوا في الحظيرة الداهشيّة . وتلبية لرغبتكم المُلحة أكتفي بوصف الكتب المطبوعة وهي سبعة :

1- ضجعة الموت

هو أوّل كتاب أصدره الدكتور داهش في القدس .

2- كلمات                                  

مجموعة آراء وأقوال في المرأة والرجل والصديق والصداقة والمال والجمال والحياة والموت والجحيم والنعيم والفناء والبقاء .

3- الالهات الستّ

هو كتاب اجتماعيّ خياليّ ينشد الحقيقة والعدالة فلا يجدهما في هذه الحياة الفانية فيحنّ إليها في الحياة الباقية .

4- نشيد الأنشاد

من راجع التوراة وقرأ نشيد الأنشاد لسليمان الحكيم ظنّ أن هناك توارد خواطر عجيباً . ولكن من قابل بين (النشيدين) وجد تبايناً في بعض الأهداف الروحيّة والرغبات النفسانيّة . ولكن الاثنين في بحيرة الحقيقة السماويّة والمثل العليا الخالدة .

5- عشتروت وأدونيس

قطعة خالدة من الشعر المنثور .

6- بروق ورعود

مجموعة طريفة فيها وصف الحياة وأبناء الحياة من رجال الدين والدنيا والمرأة والمال والجمال والموت والخلود وغير ذلك من أغراض هذا الوجود .

7- جحيم الدكتور داهش

هو من أفخم الكتب التي ظهرت هذا العام من مطبوعات الدكتور داهش .

وصف الكتاب وحلّله الأستاذ حليم دمّوس في مقدّمة لا تنقص عن أربعين صفحة وذكر جميع المشاهير الذين وصفوا الجحيم أمثال دانتي والمعرّي وملتون وغيرهم .

وهي عبارة عن خمسين دركاً من الجحيم المُظلمة المُرعبة التي يُقاسي فيها الخطأة .

 

                           11 كانون الأول 1946               جريدة الدنيا

 

 

 

                                   كتب داهشيّة مخطوطة

                                                               جريدة الدنيا

 

                         تحت هذا العنوان كتبت جريدة "الدنيا" في عددها

                       الصادر بتاريخ 14 كانون الأوّل 1946 الكلمة التالية :

للدكتور داهش كتب مخطوطة لا تزال بدون طبع قد جاوزت التسعين ومن أسمائها : النعيم ، ومحمد سيد الخلق ، ومذكرات دينار ، والقلب المُحطّم ، وأسرار الآلهة ، وقيثارة الآلهة ، وعواطف وعواصف ، وناقوس الأحزان ، والدهاليز ، ونزوات قلب ، وإنجيل الحب, وقدس الأقداس ، ووحي الغاب ، صواعق داهشيّة ، أسراري ، وأسرار التنويم المغناطيسي ، فضح المُشعوذين ، الوقائع الداهشيّة ، داهش بين المدِّ والجزر ، من وحي السجن والتجريد والنفي والتشريد ، أسرار الموت ، كتاب (الهادي)، الديانة الداهشيّة ، مُذكّرات يسوع الناصري الخ الخ ...        

                                                                       جريدة الدنيا

                                                                 14 كانون الأوّل 1946

آراء

         آراء

 

 

          الأدباء والشعراء والصحفيين والأطبّاء والمحامين

      ورجال الدين والحكّام والقضاة

      بمؤسّس العقيدة الداهشيّة

 

 

 

                                 أطماعٌ أبديّة

 

عجبتُ من جشعِ البشر الأشعبي والطّمع الهدّام الرعّاد

وعجبتُ من التكالبِ على العقار ، والتحسّر على الدّرهم والديّنار

وعجبتُ من الصياحِ والنّفار ، ثم الطّعان ، والشّجار

ومن التهالكِ على القيان ، ثم تشييد الدّور والجنان

ومن الرياحين والأزهار ، ثم خفقة الرّوح والجنان

لم جميع ذلك أيّها العباد ... ما دام الموت لكم بالمرصاد

                                                        داهش

 

                     من ينصره الله فلا غالب له

 

إنّ جميع أعداء داهش سوف ينكسرون

وأحطّ ما في انكسارهم هذا أنّهم سوف يحملونه إلى قبورهم

لأنّ هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء

ولا تذوب عناصرها في الفضاء

فهي ترافق مُرتكبيها ، مُلتصقة بهم ، مُندمجةً بخلاياهم

فتُذكر كلّما ذكروا ، ويُذكرون كلّما ذُكرت

فهم وهي عظة وذكرى للأجيال القادمة

 

                                       جبران مسّوح

نشر جبران مسّوح هذه الكلمة في مجلته "المختصر" الصّادرة

في "بونس أيرس" في العدد 10 من السنة الأولى ، أيلول 1946

 

 

 

    جريمة القرن العشرين

    بقلم الأستاذ حليم دمّوس

 

إنّ هذا الكتاب – الذي يضمّ عشرات العشرات من الآراء لكتّاب وأدباء وشعراء وصحافيين ورجال دنيا ودين ، يبدون فيما يكتبونه آراءهم بمؤسّس الداهشيّة ، ويعترفون بنبوغه وعبقريّته – لهو ضربة قاصمة وقاضية على مُضطهد داهش الباغية .

إنّ أصابع هؤلاء الكتّاب تُشير إلى المُتعسّف الطاغية ، مُتّهمة إيّاه ، مندّدةً باضطهاده المُخزي لصاحب اللوذعيّة الفريدة .

فالدكتور داهش تفرّد بروحانيّة خارقة برهانها واضح ونتيجتها ملموسة لا يُستطاع إنكارها إطلاقاً .

فعوضاً عن الافتخار به والاعتزاز بما وهبه الله إيّاه ، وإحاطته بالتكريم التامّ ، انقضّت عليه الصواعق ، ورجمته الصحف بافتراءاتٍ وأكاذيب قذرة ما أنزل الله بها من سلطان ، وجُرّد من جنسيّته ، وشُرّد من وطنه . وهذا الاضطهاد المُجرم هو سبّة عار ومثار شنار لمرتكبه .

إنّ التاريخ لا يرحم . فقد سُجّل هذا الاضطهاد بأحرفٍ من نارٍ متأجّجة اللهيب . تقرأ الأجيال أنباء هذه الجريمة المُزلزلة فتلعن مرتكبها وتضعه في مصافّ القتلة والسفّاحين .

أمّا الأكاذيب النّتنة التي قبض الصحفيّون المُرتشون ثمن نشرها فقد باعوا ضمائرهم في سبيلها ، ولوّثوا شرفهم بواسطتها ، ومرّغوا كرامتهم بدناءة مُدنّسة لأجلها ، فيا لقذارتهم ! ويا لانحطاط أخلاقهم ، وانحلال وجدانهم ، وانعدام مروءتهم !

لقد تمرّغوا بحمأة الرجاسة ، وخاضوا مستنقعات النجاسة لأجل مادّة حقيرة ملوّثة بالعار الأبديّ والشنار السرمديّ .

إنّهم دجاجلة ماكرون ، وخونة مُخاتلون ، وانتهازيّون مُماذقون ، وكذبة أفّاكون .

وهذه الحكاية العربيّة تنطبق عليهم . فهي منهم ولهم :

كتب أعرابيّ لابنه يصف له الكذّاب فقال :

يا بنيّ عجبت من الكذّاب المُشيد بكذبه ، وإنّما يدلّ على عينيه ، ويتعرّض للعقاب من ربّه . فالآثام له عادة ، والأخبار عنه مُختلطة مُتضادَّة .

إن قال حقّاً لم يصدق ، وإن أراد خيراً لو يوفّق . فهو الجاني على نفسه بأكاذيبه ، والدّال على فضيحته بأضاليله . فما صحّ من صدقه نُسب إلى غيره ، وما صحّ من كذب غيره نُسب إليه .

فهو مثلما قال الشاعر :

حسب الكذوب من المهانة                       بعض ما يُحكى عليـه

فــــإذا سمعــــت بكذبـــــةٍ                       من غيره نُسبت إليــه

وبعد فإنّ اعتراف هؤلاء الكتّاب بعبقريّة الدكتور داهش ما هو إلاّ أوسمة فخار توشّي صدره ، وترفع قدره ، وتوغر صدور مُضطهديه ، وتفضح أكاذيبهم الدنيئة ، وتؤجّج أحقادهم القذرة .

ولا يسعنا إلاّ قولنا لهم :

موتوا بغيظكم .

                                                 حليم دمّوس الداهشيّ

                                               بيروت ، 28 آب 1948

 

     رأي المؤمن الرابع

      في

     الوقائع الداهشيّة

 

عثرنا بين أوراقٍ قديمة على كلمة بتاريخ 17 أيّار 1944 كان قد كتبها الأخ المؤمن الرابع السيّد جورج إبراهيم حدّاد عن رأيه في (الوقائع الداهشيّة) فآثرنا نشرها هنا . قال ما ترجمته:

 

                         رأيي في الوقائع الداهشيّة

 

إننا مُحاطون بالمُعجزات والأسرار ، إذ كلّ شيء في هذا العالم مُعجزة وسرّ عظيم .

فما سرّ هذه البزرة الصغيرة التي دُفنت في الأرض ، فإذا بها تصبح شجرة ، ثمّ تحمل ثماراً ، وتعيش ثمّ تموت ؟

وبالرغم من هذا الأمر يظنّ البشر المساكين الغارقون في محيطات كبريائهم أنهم يفهمون جميع أسرار هذا الكون ، تلك الأسرار المُوصدة معرفتها عنهم ، والتي لا يكشفها لهم إلاّ الموت ...

فالويل لهؤلاء الذين لكبريائهم الجنونيّة ، وعجرفتهم السخيفة ، يُطبقون عيونهم عن مشاهدة النور الذي يرسله الله في فتراتٍ من الأزمان رحمةً بالإنسانيّة الضالّة ؛ ذلك النّور الذي يتجلّى بأنبيائه العظام ، ومرسليه الكرام .

إنّ الذين يفتشون عن الحقيقة يتقبّلون بتواضع ودعة هذه النغمة التي يمنحها الله لكلّ فرد .

إنّهم يدركون أنّ التعاليم السامية ، والمُعجزات الإلهيّة الخارقة التي تقوم بها أرواح علويّة تتجسّد بشخصيّة الدكتور داهش ، في إثباتٍ لرسالةٍ هابطة من الله ، لأنّ جميع الرسالات الإلهيّة كانت ترافقها حوادث فائقة ، ومُعجزات خارقة ، وكل من يؤمن بالله يؤمن حتماً بأنّه قادر على كلّ شيء .

وعندئذ يعتقد أنّ جميع ما دوّنه وأتى على ذكره السيّد حليم دمّوس في كتبه (الوقائع الداهشيّة) هو حقّ ، ويعبّر عن الحقيقة والواقعيّة .

وإنني أعلن ، أنا الذي أسير في حياتي جنباً إلى جنب مع حليم دمّوس في خدمة هذه الرسالة الإلهيّة ، أنّ قسماً فقط من المُعجزات والخوارق التي شاهدتها بنفسي مدوّن في هذه الكتب ، لأنّه لو أراد أن يكتب بدون انقطاع وبدون راحة ، فإنّ الوقت لا يكفيه ليدوّن جميع ما شاهدناه .

والذين سيطالعون صفحات (الوقائع) المشوّقة التي أنشأها وسجّلها حليم دمّوس ، سوف يؤمنون أنّ السماء زارت هذه الأرض الشقيّة زيارة جديدة لترشد الإنسانيّة الضالّة إلى طريق الخلاص .

                                                      جورج إبراهيم حدّاد

                                         منزل الرسالة الداهشيّة – بيروت ، 17 أيار 1944

 

 

   رسالة نسيب بك البكري

 

حضرة الأستاذ الكريم الأخ السيّد حليم دمّوس المحترم

أهديكم أزكى التحية وأوفر الاحترام .

وبعد ، أخبر جنابكم الكريم بأنني البارحة قابلت دولة رئيس الوزراء فارس بك الخوري . ومن حسن الصدف ، كان جالساً عنده الأخ إحسان بك الشريف ، مُحافظ حلب .

ففاتحته بأمر صديقكم الدكتور داهش ، وأصبح المجال واسعاً للأخذ والرد طالما إحسان بك هو الذي عمل قرار إبعاده إلى قرية إعزاز (وهي منفاي قبل أن تكون منفى صديقكم). فاستوضح منه فارس بك ، فأجابه عن الأمر ، فاعترضت على أنّ ذلك غير قانونيّ طالما الحكومة المركزيّة هنا ليس لديها أي خبر عن ذلك .

فأجابني الرئيس فارس بك الخوري أنه منذ يومين قابله شقيقي سامي بك البكري وبحث معه بشأن الدكتور داهش أيضاً .

وفي هذه الفترة دخل رئيس الديوان فؤاد بك شباط ، فقال له الرئيس فارس بك :

بلّغ الأخ حليم دمّوس أن يكتب إلى صديقه الدكتور داهش أن يظهر في دمشق إن كان مُختفياً ، وان كان بعيداً عن دمشق فليحضر إليها . وعند وصوله إلى دمشق ، ليأت لعندي ، ويقابلني وهو طليق حرّ لا غبار عليه ولا بأس به ...

ومتى حضر وقابله فارس بك ، يعطيه أمراً يجيز فيه أمر إقامة الدكتور .

هذا ما تمّ في هذا الأمر أطلعتكم عليه حتى تبلّغوا الدكتور ليحضر ، وتروننا ننتظر كل خدمة تلزم يا أخي الحبيب !

                                                           نسيب البكري

                                                         (أحد نوّاب دمشق)

                                                       دمشق ، 3-12-1944

                        

سنهاجر كأصحاب النّبي العربي

بتاريخ 15 تشرين الثاني 1945، أذعنا على الرأي العامّ البيان الآتي:

  سنهاجر مثلما هاجر أصحاب النّبي الكريم

 

ما أروعها عبرة وما أعبرها ذكرى .

حفنة من الرجال الضاربين في صحراء التيه ذات الرمال المتلظية ، وهم حُفاة وشبه عُراة ، وقد ساروا خالي الوفاض إلاّ من الإيمان العميق الذي غمرت به قلوبهم الكبيرة .

هؤلاء هم من هاجروا في سبيل الله ورسوله بعد أن استفحلَ أمر اضطهاد قريش لنبيهم الكريم . غادروا بلادهم وخلّفوا وراءهم أموالهم وأرزاقهم وجميع ما يملكون من متاعٍ دنيوي زائل في سبيل الذود عن العدالة ، كلمة الحقِّ وكلمة الحقيقة والعدل ، كلمة الله التي نزلت على رسوله الكريم كآيات بيّنات تخشع لها النفوس التقية ، وتطمئن إليها القلوب النقيّة المُفعمة بالإيمان التامّ .

أقسم هؤلاء المؤمنون أن يلاقوا كل بلاء مُنكر ، وأن يذوقوا الأمرّين في سبيل عقيدتهم السامية ، وقطعوا عهداً على أنفسهم أنهم سيحاربون من يحارب نبيهم لدرجة الاستشهاد .

ومضت السنوات يلاحق بعضها بعضاً ، ونال هؤلاء المؤمنون كل عناء من مُضطهديهم الذين فرّقوهم أيدي سبأ ، وبدّدوهم شذر مذر ، وأذاقوهم أثقل الأهوال وأشدها . فكم باتوا على الطوى ، وتحمّلوا أروع المصاعب ، وكابدوا الغصص ، وجاهدوا جهاد الأبطال ، وحاربوا ، فاستشهد منهم من استشهد حتى أذن الله لهم بيوم الانتصار العظيم ... وإذا بمن كانوا يتهمونه أنّه دجّال قد ظهر لهم بأنه نبّي كريم عظيم . ومن اتهموه بالدجل والكفر والزندقة يحنون له الهام ويطأطئون له الرؤوس مُعترفين بذنوبهم الفادحة .

ومرّت القرون وما زال اسم النبي العربيّ الأميّ يدوي في مشارقِ الأرضِ ومغاربها ، وتردّد ملايين الشفاه في كل يوم اسمه بتقديس فائق خمس مرّات .

هذا هو النبي محمّد (ص) الذي هرب من كفّار قريش واختبأ في الغار يرافقه أبو بكر الصدّيق ، عندما سارت في أثره شرذمة من الكفار تريد قتله والانتهاء منه بعدما استفحل أمره .

وعندما اقترب من يطلبون روحه من الغار التفت إليه أبو بكر وقال :

-         يا نبيّ الله ، ماذا يتمّ لو عرفوا الآن بمكاننا ؟

فأجابه بكلمة تاريخيّة خالدة :

-         ماذا تقول يا أبا بكر باثنين ثالثهما الله ؟

وهكذا أنقذته العناية من أعدائه لأنها إرادته تعالى ، وليس من يستطيع الوقوف أمام أرادتها العادلة الأحكام .

وهكذا نحن الآن ، فإنّ الاضطهاد العظيم الذي أوقعته السلطات بالدكتور داهش ، ومحاولتهم الاعتداء على حياته ، وإنقاذ الله إياه من الذين يطلبون روحه ، شدّدت من إيماننا وثبتت يقيننا .

فها نحن نُعلن للرأي العامّ عَزْمَنا على الهجرة في سبيل الله ورسوله ومغادرة لبنان الذي اضطهد رسول الصلاح والإصلاح .

ولو درى أعداء الدكتور داهش أنهم سيخلقون له التاريخ منذ اللحظة التي اعتدوا فيها عليه لما قبلوا بالمؤامرة عليه ، ولا أرسلوا شرذمة من المجرمين لاغتياله .

ولكنها إرادة الله ، ولن تجد لإرادة الله تبديلاً .

وها نحن قد صمَّمنا على بيعِ كلّ ما نملك ، ومن ثمّ سنهاجر ، ونقطن حيث يقطن ، ففي الهجرة ذكرى وعبرة لقوم يعقلون .

 

           الداهشي جورج إبراهيم حدّاد           الداهشيّة ماري حدّاد

ما كاد الدكتور داهش يطلع على بياننا هذا وهو خارج لبنان حتى استلمنا منه رسالة جاء فيها ما يلي :" ...إيّاكم والمُهاجرة حيث أقطن ، لأنني سأعود . نعم سأعود وأنوف أعدائي اللئام في الرغام". وهكذا عدلنا عن المُهاجرة لأن العناية ستنصرنا ، وسيكون انتصارنا حاسماً وانكسارهم جازماً بإذن القدير الجبّار والعليّ القهّار .

 

 

        صوت أميركيّة من الولايات المتحدة

    وردّ ماري حدّاد

كان بعض المهاجرين اللبنانيين قد طالعوا في الصحف عن الحركة الداهشيّة وعن مؤسِّسها الدكتور داهش ، والأعمال العجيبة والظاهرات الروحيّة الغريبة التي قام بها ، وذكروا ذلك أمام سيّدة أميركيّة راقية تدعى السيّدة روبي روبنصن ، فبعثت برسالة إنكليزيّة للأستاذ حليم دمّوس تسأله فيها عن مُجمل القضيّة الداهشيّة .

فاطّلعت على رسالتها السيّدة ماري حدّاد وبعثت إليها برسالة إفرنسيّة وهذه ترجمتها :

                           ترجمة رسالة السيّدة ماري حدّاد المرسلة بالافرنسيّة

                           إلى السيّدة الأميركيّة روبي روبنصن في الولايات المتحدة

                                    بيروت ، 23 آذار 1947

سيّدتي العزيزة

بملء السرور ترجمت تحريرك اللطيف المُرسل إلى صديقي السيد حليم دمّوس ، وإنني آسفة لعدم تمكني من أجابتك باللغة الإنكليزيّة لأنني لا أعرف كفاية هذه اللغة .

إنني أشكرك وأشكر أيضاً السيّد (هلال) للعواطف الحارّة السامية نحو الدكتور داهش .

وأشكرك أيضاً للمعلومات التي تكرّمت بها للحصول على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة .

أمّا الآن فليس بإمكان الدكتور داهش أن يحصل على جواز سفر لأنه جُرّد غدراً من جنسيّته .

ولكن لي ملء الثقة أنها ستُعاد إليه قريباً ، قبلت الحكومة اللبنانيّة الحاضرة أم أبت ، لأن المرسوم الذي أصدرته عصابة المُجرمين ، والقاضي بتجريد مواطن من جنسيّته ، هو ظالم وغير شرعي ولا قيمة قانونيّة له . لهذا السبب هو غير نافذ ولا يمكن اعتباره قط .

ونحن هنا نجاهد بلا كلل لإعادة الحقّ إلى نصابه .

وقريباً سيرجع الدكتور داهش إلى وطنه وتعاد إليه جميع حقوقه .

وبما أنّك تهتمين يا سيّدتي العزيزة مع السيّد (هلال) بقضيّة الدكتور داهش فإنني انتهز فرصة كتابتي هذه لأقدّم لك بعض معلومات عنه :

ولد الدكتور داهش سنة 1912 في القدس .

وكل ما تلقّاه من دروس هو بضعة قضاها في ميتم الأميركان في غزير (لبنان).

فليس هنالك معاهد ولا دروس ... ولكنه وهِبَ ذكاءً خارقاً شاملاً ، وله معرفة واسعة الأنحاء : آداب ، علوم ، فنون ...

وليس من شيء يجهله سواء أكان عن العلماء الأقدمين أم المعاصرين . وهو كاتب ممتاز في اللغة العربيّة ، ومؤلفاته المتنوّعة هي أكثر من 60 مؤلفاً ، منها :

كتاب مُهدى إلى روح جبران خليل جبران . ولقد أصدرنا 12 مؤلفاً من مؤلفاته الغريبة . وأنا شخصيّاً ترجمت منها 3 إلى اللغة الإفرنسيّة ، منها كتاب اسمه (مذكرات دينار) وهو الآن تحت الطبع . وموضوع هذا الكتاب متسع الآفاق والمغازي الحيويّة العالميّة . وسيلذّ كثيراً القرّاء ، في حين أن غيره لا يمكن فهمه إلاّ من الطبقة المُثقفة الراقية .

ولدينا الآن عدّة عروض لترجمة بعضٍ من كتبِ الدكتور داهش إلى اللغة الإنكليزيّة ، وأرجو أن نرسل منها قريباً إلى أميركا ، وسيرسل إليك أوّلاً وإلى السيّد هلال .

إنّ العالم سيعرف وسيفهم قريباً شخصيّة الدكتور داهش وأعماله .

وأنا أصفه بأنه فوق البشر ، سوبرمن SUPERMAN . وأنّ لبنان سيندب حظّه بمرارةٍ لأن الحكّام الحاليين القائمين بالأمر فيه جهلوه بهذا المقدار فاضطهدوا العظمة ، والعبقريّة ، والنبالة ...

مع تحيّاتنا وشكرنا الجزيل .

                                                   ماري حدّاد

                                                 MARIE HADAD

أمّا عنوان السيّدة روبي برايس روبنصن فهذا هو :

Mrs RUBY PRICE ROBINSON

UNITED STATES COMMISSIONER- EASTERN DIVISION

NORTHERN DISTRICT – ANNISTORN

حليم دموس والأتجاه الروحي

حليم دمّوس والاتّجاه الروحيّ في أدبه

 

 

نجوى سلام براكس

ماجستير في اللغة العربيّة وآدابها

هذه الدراسة حازت صاحبتها بموجبها شهادة الماجستير في اللغة العربيّة وآدابها من كليّة الآداب في الجامعة اللبنانيّة .

 

                                 إهداء

إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة

حيث العدالــــة الإلهيّة تقتصّ مــــن ظُـــــلاّم البشريّــــة

والسّعـــــــادة تسكب من توهّج الأنـــــوار السّرمديّــــــة

 

إلى السَّيَّال الذي اهتدى بالداهشيّة وبنارِ إيمانها التهبا

فاستلّ مرقمه سيفــاً توقّد في سماء الهـــدى كوكبـــــاً

                           تقدير وشكر

تعاقب في الإشراف على هذه الرسالة عدد من الدكاترة ، كان بعضهم – وللأسف – ينكص دونها تهيّباً أو تعصّباً . لكنّني تجلّدت وثابرت وصبرت حتى قيّض الله عزّ وجلّ لي أستاذاً مشرفاً تُختصر الحياة عنده بكلمات ثلاث :" وقفة جرأة وحقّ " هو الدكتور غازي براكس . وما كنت لأنتظر منه ، بعد أن قرن حياته بحياتي ، التساهل في العمل ، بل على العكس ، فإنّ شهرته الصرامة إزاء طُلاّب الماجستير – لما يكلّفهم به من عمل دائب مضنٍ لتخرج دراساتهم على المستوى الأكاديمي الرفيع – جعلتني أتوقّع شهوراً بل سنين من العمل الشاقّ في ظلّ إشرافه . وفي الواقع ، ما كان يرضى عن هذه الدراسة إلاّ بعد أن بذلت في إعدادها حوالي ألفي ساعة . وقد رافقني فيها ، رافعاً مشعل أصغريه ، مضيئاً لي بإرشاداته الثمينة طريق البحث المعتمة . فله عرفاني وعظيم شكراني .

كذلك أتقدّم بخالص الشكر للدكتور وجيه فانوس الذي استقبل رسالتي بالترحاب ومدّني بالنصائح المفيدة ، فكان موقفه جريئاً ومشجّعاً ومشرّفاً ، في حين اعتذر سواه ! وذكّرني موقفه المشرّف بموقف طه حسين القائل :

" يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربيّ وتاريخه أن ننسى عواطفنا القوميّة وكلّ مشخّصاتها ، وأن ننسى عواطفنا الدينيّة وكلّ ما يتّصل بها ، وأن ننسى ما يضادّ هذه العواطف القوميّة والدينيّة ".

                                                              نجوى

                            مقدّمة           

                                                        بقلم نجوى براكس

لقد استهوتني أشعار حليم دمّوس مذ كنت يافعاً ، فاستظهرتها ، ورويتها . وما إن اضطلعت بمهمّة التعليم ، حتى انبريت ، بدوري ، أعلّمها ، لسهولتها وعذوبتها ومعانيها الوطنيّة والروحيّة والإصلاحيّة . وعندما واجهت مسألة تسجيل موضوع لرسالة الماجستير ، لمع اسم الشاعر الداهشيّ في ذاكرتي ، فأدبه الروحيّ لم يتناوله أيّ باحث بجرأة وجدّيّة ومنهجيّة ، وحياته في ظلّ الداهشيّة لم يتصدّ لتفاصيلها أيّ قلم جامعيّ . وهذا الجانب الروحيّ في أدبه وحياته هو الذي أحببته وأكبرته ورأيت فيه دواءً ناجعاً لكثير من أمراضنا النفسيّة والاجتماعية.

وشاءت الأقدار أن تنشب الحرب اللبنانيّة بعد بضعة أشهر من تسجيلي الموضوع ، فازداد حبّي للشاعر وإكباري له ، لأنّ صوته كان صوت الضمير الأنقى في هذا الوطن ، وأدبه كان النذير المدوّي بما سيضرب الشعب من ويلات وأهوال إذا اجتاحته أنواء الصراع الطائفيّ . بين يديّ كان أدب المحبّة التي تجمع الصفوف وتوحّد القلوب وتسمو بها إلى الخالق عزّ وجلّ ، وفي البلاد كان البغض الذي يفرّق الصفوف ويمزّق القلوب ويهبط بها إلى جحيم الشياطين . لولا سنوات الحرب وما جرّته وما تزال تَلِدَه من شقاءٍ ونكباتٍ لما استطعت أن أدرك مدى العمق والسّموّ في فكرِ حليم وأدبه ، ولما انجلت لي حقيقة قيمته العظيمة ، لأنّ الأحداث الرهيبة والظروف القاسية التي عصفت بنا كانت ترجمةً حيّة للرؤى التي حملها شعره نقلاً عن تنبّؤات مؤسّس الداهشيّة .

كانت الدكتورة نبيلة إبراهيم أوّل من أشرف على هذه الرسالة . تحمّست للموضوع ، وشجّعتني، ووافقت على المخطّط الذي أعددته ؛ فلها الشكر . ولكن الحرب الداهمة حالت بيني وبينها ، فغادرت لبنان إلى القاهرة ، وخلّفتني وحيدة .

لكنّني لم أقف ، بل صمّمت على متابعة المسير . فمشيت بتؤدة ، مُقتحمة سدود المصاعب ، متجاوزة حدود المتاعب . وكأنّما كُتب عليّ أن أخترق حصناً منيعاً لم يجرؤ طالب قبلي على اقتحامه .

ورحت طوال السنة الأولى من الأحداث الدامية أتردّد إلى منزل آل حدّاد الكائن في حيّ القنطاري من بيروت ، والذي أصبح مقرّاً للدعوة الداهشيّة . والحقّ يقال إنّني ولجت عالماً جديداً نقيّاً رحباً تجتمع فيه شتّى الملل والنّحل إخوة متحابّين ، متضامنين ، بينما نيران الاقتتال الطائفيّ تتعالى ألسنة لهبها في الخارج ، مُدمّرة ، قاتلة ، مُرمّلة ، مُيتّمة ، وباسم الأديان ، وربّ الأديان ، وأصحاب الأديان ، يُقتل بنو الأديان !

تعرّفت عن كثب إلى مؤسّس الداهشيّة وإخوان الحليم في الإيمان الذين لازموه سحابة خمس عشرة سنة ، فكانوا عائلته الروحيّة التي آثرها على أسرة الرّحم . أصغيت إليهم يتحدّثون عن مُؤرّخ رسالتهم وعن دفاعه المُستميت لنصرتها ، تلك الرسالة التي وقف عليها حياته وقلمه وعقله ولسانه ، رافضاً أن تضطهده ظلماً وجهالة !

وتكرّرت زياراتي للمنزل الداهشيّ ، حيث كانت تفتح لي ، في كلّ زيارة ، الوثائق والمخطوطات ، فضلاً عن الصّحف والمجلاّت التي كانت متوافرة بجميع أنواعها وعشرات الألوف من أعدادها منذ بدء صدورها ؛ لكنّي ، وللأسف ، لم أستطع الإطّلاع عليها بأكملها بسبب نقل المكتبة الداهشيّة الضخمة المُذهلة إلى خارج لبنان . ثم قصدت مكتبة الجامعة الأمريكيّة ، فاطّلعت على جريدة "الأقلام" بطريقة " الميكروفيلم" . كما تسنّى لي الإطّلاع على بعض آثار المرحلة الأولى من حياة حليم من مُخلّفاته المخطوطة المتواضعة في منزله الذي يشغله حاليّا ابنه فؤاد .

وأقولها حقيقة عاريةً : " إنّ رؤيتي عن كثب للدكتور داهش وأتباعه كانت مخالفة لما يشاع عنه وعنهم في الخارج ! فالناس ما عادوه إلاّ لأنّهم جهلوه ، فتناولته ألسنتهم بالمتناقضات والإشاعات والمفتريات ! ولا عجب ، فكلّ حقيقة لا بدّ من أن تشوّه قبل أن تنتصر ويكتب لها الخلود !

وكانت محطّة السلام الأولى لقطار الحرب مع بداية سنة 1977 . ففتحت الجامعة أبوابها ، وعُيّن الدكتور أسامة عانوتي مشرفاً جديداً على رسالتي . وإنّني أقولها بجرأة ودونما مُواربة : لقد ذقت مرارة " الإعنات" في ظلّ إشرافه . فبعد أن اطّلع على مُخطّط بحثي الذي باشرت توسيعه ، بناء على موافقة الدكتورة نبيلة إبراهيم ، أبى التوقيع حتى يوافق عليه رئيس قسم اللغة العربيّة وآدابها الدكتور الشيخ صبحي الصالح .

وأيم الحقّ ، لقد صدمني موقفه ! فأين الجرأة الأدبيّة التي يجب أن يتحلّى بها أساتذة الجامعات؟! وما علاقة رؤساء الأقسام والإدارات بالموافقة على موضوعات الرسائل ومخطّطاتها وهي ، في العرف الأكّاديمي العالميّ ، من صلاحيّات الأساتذة المشرفين عليها فقط (1)؟!

حملت مُخطّط رسالتي وقصدت رئيس القسم ، فما إن ألقى نظرةً عليه حتى صرخ "الداهشيّة"؟! لا ، لن يُسجّل هذا الموضوع في قسم الأدب العربيّ ؛ سجّليه في فرع الفلسفة !"

أدركت فوراً أنّه إنّما قال ذلك من أجل إعناتي وإحراجي وتغيير موضوعي . فأجبته :" وكيف يكون ذلك والاختصاص يجب أن يكون متكاملاً مع شهادة الإجازة ؛ وإجازتي هي في الأدب العربيّ وليست في الفلسفة ؟ ثم إنّني سأعالج موضوع الداهشيّة معالجة أدبيّة من خلال إنتاج حليم الأدبيّ ، وحليم دمّوس شاعر مشهور وليس فيلسوفاً ". فأردف قائلاً :" هناك من يعتبر الدكتور داهش Charlatan ومن يعتبره نبيّاً ! فيكف نوفّق بين هذا وذاك ؟" أجبته :" جميع الأنبياء والمُصلحين والهُداة والعُظماء لهم أنصار ومحبّون ولهم أيضاً أعداءُ ومبغضون ! فحقيقة الشخص لا تحدّدها مواقف الناس منه . وهل حرّمت الجامعات دراسة المتنبّي ، لأنّ فريقاً من الناس زعم أنّه ادّعى النبوءة ؟ ثم ما يهمّ كلّ ذلك إذا كانت الدراسة منهجيّة علميّة ؟"

وكان جدال طويل ... وكانت زيارات متكرّرة ... أخيراً ، بعد جهد جهيد ، ألزمني بأن أغيّر مُخطّطي الأوّل الذي صدّقت عليه الدكتور نبيلة إبراهيم ، وأعيد كتابة بحثي .

من هنا بدأ يُستضام في حرم جامعة وطنيّة ؛ لكنّي تجلّدت وصبرت ، فاختصرت التصميم الذي سأبني عليه صورة الحليم الداهشيّ . وشعرت أنّ الأستاذ المُشرف ، أصبح أشرافه مُجرّد صورة ، وأنّ سياسة الأمر الواقع فرضت عليّ أن أتعامل مع الشيخ الصالح . لكنّ الشيخ لم يكتف بذلك ، بل تناول قلمه وشطب كلمات "الداهشيّة" ، و"الرسالة" وكلّ ما يستشفّ منه معنى "العقيدة الروحيّة " و"الهداية" وهي المحاور الضروريّة التي ستقوم عليها رسالتي الجامعيّة ، ثم ... وقّع إمضاءه بتاريخ 1/7/1977 . إذ ذاك أسرع الأستاذ المُشرف إلى المُوافقة على المُخطّط !

وهكذا غدت رسالتي ، وأنا معها ، كطائر قُصَّ جناحاه ، ثمّ سُجن في قفصٍ التزمّت والأغراض غير الأكاديميّة ؛ ومع ذلك أوعز إليه بأن يطير !

حاولت أن أطير بدون جناحين ، لكنّي عجزت عن ذلك . فالدكتور عانوتي طلبَ إليّ أن أتحدّث عن شعر حليم دمّوس الداهشيّ من دون أن أتحدّث عن الدكتور داهش ، وأن أبحث في أدب حليم الداهشيّ من غير أن أتكلّم على الداهشيّة بأكثر من أربعة أسطر !

هذا مع العلم أنّ الدكتور أسامة تعرّف إلى مؤسّس الداهشيّة ، وعقدت له جلسة روحيّة اجترحت خلالها الخوارق والمُعجزات الدامغة ؛ وقد ألّفَّ حموه الشيخ العلاّمة عبد الله العلايلي كتاباً في مؤسّس الداهشيّة عنوانه " كيف عرفت الدكتور داهش "(2).

وقد تبيّن لي ، بعد تعمّقي في درس آثار الحليم ، أنّ "الاتّجاه الروحيّ في أدبه" لا يمكن ، على الإطلاق ، مُعالجته بدون التوضيح الكافي للداهشيّة ، لأنّ معظم ما كتبه بعد اعتناقه هذه العقيدة الروحيّة يتمحّور حولها ، وكذلك يستحيل أن نتحدّث عن الداهشيّة بدون الكلام على الدكتور داهش ، إذ هو مؤسّسها وحامل لوائها ، وتأثيرها الشخصيّ جدّ بارز في أدب حليم دمّوس ؛ فضلاً عن أنّ الشاعر لازمه خمس عشرة سنة ، جنّد في خلالها قلمه للتبشير بمبادئه ، وللمنافحة عنه ، وعانى السّجن والاضطهاد من أجله .

ثمّ كيف تقبل أستاذة جامعيّة مُخطّطاً وتصدّق عليه مُرحّبة بموضوعه البكر ، ثم يأتي آخر فيحذف ما شاء له الحذف ممّا وافقت عليه ؟! فوالحالة هذه أين النهج الأكاديمي المُوحّد ؟ وأين المبدأ الذي يسير عليه الأساتذة ؟ بل أين الجرأة الأدبيّة الصادعة بالكلمة الحقّانيّة ؟

فالجامعات يجب أن تكون المهد الذي تولد فيه الحقائق وتنمو وتحتضن ، لتصدّر بفخرٍ واعتزازٍ إلى العالم أجمع . ويجب أن تُصان فيها الحريّات المُقدّسة التي هي هبة المنّان للإنسان ، وأن يُطلق فيها العنان لشتّى الآراء والأفكار والمُعتقدات ، شرط أن تُعالج بمنهجيّة أكاديميّة موضوعيّة لا تُراعي العواطف والأهواء الدينيّة أو السياسيّة أو الشخصيّة ....

فإذا فقدت الجامعات مرتكزاتها الأكاديميّة القائمة على البحث المنهجيّ ، وعلى الحريّة ونشدان الحقيقة ، فقدت شرف رسالتها النيّر ، وتحوّلت إلى شبه معاقل وسجون تُنفى إلى غياهبها الكلمة الجريئة وتُستعبدُ فيها الحريّات ، ثم ... تدرّ على نفسها الويلات والنكبات !

وإذا كانت مثل هذه الجامعات الوطنيّة وسيلةً لطمس أنوار الحقائق ، ألا فالسلام على البلاد الجائرة السائرة نحو الذبول والغائرة في ضبابِ الأفول .

ولست أدري لماذا تخاف الجامعات في لبنان موضوع الداهشيّة الذي اقتحم جامعات أمريكا وأوروبا . تُرى ، ألأنّ الداهشيّة دعوة روحيّة شاءت العناية الإلهيّة أن يكون منبعها لبنان ؟! وأن يتفرّد بها هذا البلد عن سائر البلدان ؟ حقّاً ، لا كرامة لنبيّ في وطنه ، ولا مسند لرسالةٍ روحيّة في مسقطِ رأسها !

إنّ جون ستيورت مل الهادر صوته بقدسيّة الحريّة وضرورة صونها ، يعلن أنّه لو ظهر امرؤ ينادي بأنّه اكتشف أنّ في الحجر إلها ، وأنه سيدعو إلى عبادة الحجر ، ثم تألّب الناس ضدّه ليمنعوه عن التصريح برأيه ، لتوجّب على الحكومة العادلة أن تحميه وتصون حريّته في الجهر بعقيدته ، ولو كلّفها ذلك سجن شعب بأكمله ، لأنّه من يدري بأنّ المستقبل لا يكشف عن أنّ مزاعم ذلك الرجل تحمل نواةً حقيقيّة قد تفيد البشريّة كلّها !

والحقُّ يُقال إنّني أضعت سنوات وأنا أتأرجح بين هذا وذاك ، فما حدث معي لا أتمنّاه لطالب جامعيّ ، ولا تُغبط عليه جامعة حريصة على أن تصون مستواها الأكاديمي بعيداً عن الأهواء والأغراض غير الأكاديميّة .

وكأنّما أراد الله تعالى أن يكافئني على صبري وثباتي ، فقيّض لي الدكتور غازي براكس ، المعروف بجرأته ومنهجيّته الصارمة ، مُشرفاً جديداً في أواخر 1981، فنشطت الدراسة بسرعة ، وشعرت معه أنني أبني على أرض صخريّة يعلو عليها البناء فلا تزعزعه الأواء والأهواء .

وما إن أنجزت رسالتي وتدبّرها القارئ الثاني الدكتور وجيه فانوس برويّة وموضوعيّة ، حتى أُعجب بها وهنّأني ، وطلب إليّ أن أزيد الداهشيّة إيضاحاً . فشتّان ما بين الناس !

وها أنذا فخورة بالكنوز التي نبشتها بمعولِ الدأب والتعب ؛ أقدّمها للقارئ ثمرة طيّبة من دوحة الداهشيّة التي كان حليم دمّوس غصناً من خير أغصانها .

                                                                       نجوى سلام براكس

                                                               بيروت ، مطلع آب 1983

 

                           توطئة

مُبَرِّرُ الدراسة

قليلون من الأحداث لم يستظهروا لحليم دمّوس ، على مقاعد الدراسة ، قصائد في حبّ الوطن ، واستنهاض الهمَمْ ، وتمجيد اللغة العربيّة ، وحنان الأمّ ، وتهذيب النفس الخ ....

وأنا ، إذ كنت طريّة العود ، استهوتني أشعاره الرقيقة السهلة العذبة ، فحفظت كثيراً منها . وهكذا تأصّل حبّه في نفسي ، حتى إذا ما كبرت واضطلعت بمهمّة التعليم ، رحت أعلّم ، بدوري ، قصائد الحليم . فهو بحقّ ، شاعر الناشئة الأوّل في لبنان . وبصفته هذه ذاع اسمه في المعاهد والأندية والجمعيّات في الثّلث الأولّ من هذا القرن (3).

لكنّ لحليم جانباً شعريّاً آخر طغى على شخصيّته في المحافل الأدبيّة حتى سنة 1942، وهو الجانب الاتّباعيّ الذي برز في قصائد المدح والرثاء ، وسائر شعر المناسبات والمجاملات ، فغضّ من قيمته الإبداعيّة ، لا سيّما أنّ النزعات القوميّة والوجدانيّة كانت تشتدّ في الشعر العربيّ ، وأنّ المذاهب الأدبيّة الحديثة من رومنسيّة ورمزيّة وغيرهما أخذت تظهر ملامحها على أقلام الأدباء .

لكن ، في حين أنّ حليم دمّوس تحوّل سنة 1942 إلى منعطفٍ جديد في حياته وأدبه ، فانتقل من الماديّة إلى الروحانيّة ، ومن شعر التكسّب إلى شعر الهداية ، فاكتسب إنتاجه الجديد بُعداً خطيراً وقيمةً جُلّى ، فإنّ دارسيه ظلّوا واقفين عند حدود سنة 1942 ، فما تجاوزوها ، وبقيت أحكامهم على الشاعر تُرسل مقصورةً على عهده الأوّل مُتجاهلين عن عمدٍ أو عن عَجزٍ أهميّة إنتاجه في عهده الروحيّ .

وقد يُردُّ تجاهلهم إلى تخوّفهم من الغوصِ في العقيدة الروحيّة الجديدة التي اعتنقها حليم دمّوس ، وهي الداهشيّة ، إذ اكتنفتها الأسرار ، ورافقت ظهورها وانتشارها الخضّات الدينيّة والسياسيّة ، فارتدّ الدارسون عنها هيّابين . لكنّني أقدمت من حيث أحجموا ولم أكن بنادمة . فقد اكتشفت عالماً جذّاباً ، ونبشت كنزاً ثميناً كان مدفونا .

وإذا كانت قيمة الأدب ، على الصعيد الإنسانيّ ، لا بدّ من أن تعظُم بقدر ما تزداد حاجة الأمّة إلى صوته ، إذ إنّ المشعل الذي يحمله يحتاج شعبه إليه أكثر عندما يخوض في الظلمات ، فإنّ حليم دمّوس – أديب الهداية الروحيّة والوحدة الدينيّة والأُخوّة الوطنيّة والمحبّة الإنسانيّة – لا بدّ من أن يعلو شأنه اليوم وتمسّ الحاجة إلى دراسته ، لا سيّما في بلد تناهشته الفتن والأحقاد ، وتقاسمته النعرات والعصبيّات ، وجعلت حكمه فوضى ، وشعبه شراذم ، وعمرانه خراباً ، ومصيره على فوهة بركان .

قال الأديب لبيب الرياشي في حليم ، في الثلاثينات :

" لو كنت أُسقفاً أو رئيس كنيسة أو شيخ دين ، لأسميتك (شاعر الكنيسة ) أو (شاعر الجامع) ، ورسمت أشعارك في ذاكرات النّشء " (4).

وإنّما قال ذلك ، لأنّ حليم – وهو المسيحيّ – كان يدخل الجوامع ، مُلقياً القصائد الروحيّة والوطنيّة ، مُبشّراً بوحدةِ الأديان ، ومُنادياً بالإخاء الإنسانيّ ، بدافعٍ من أصالته الروحيّة ، قبل أن يعتنق العقيدة الداهشيّة ، ويتفرّغ لدعوة المحبّة والوحدة الدينيّة . وإن صحّ كلام الرياشي في حليم – وهو يخوض حياته الماديّة – فالأحرى أن يصحّ فيه ، وأن يُسمّى "شاعر الروح والهدى والمحبّة"، وهو يحيا في ظلال الروحانيّة .

قال الدكتور غازي براكس في المهرجان التكريميّ الذي أقيم لحليم في زحلة بتاريخ الثاني من تشرين الأوّل سنة 1966:

" ظُلمٌ وأيّ ظلم أن لا يعرفَ الناس في حليم دمّوس ، بعد تسع سنوات من خلعه ثوب التراب ، إلاّ شاعر مدح وتعزيةٍ وتهنئة ، شاعر مُجاملات ومُناسبات ، ذاك هو الوجه الهزيل الزائل من الحليم الذي ولده لبنان التجارة. حليم الذي يخلّد ويُكرّم هو الذي ولدته ، ذات يوم ، لا مشيئة اللحم والدم ، بل مشيئة الرُّوح ، مشيئة لبنان الرسالة (5).

وقال الدكتور محسن جمال الدين الأديب العراقيّ ، وأحد أساتذة الأدب العربيّ في جامعة بغداد:" إنّ هذا الشاعر كان مظلوماً حيّاً وميّتاً ، منسيّاً في وطنه الذي أحبّه ، مُهملاً في دراسات الجامعات العربيّة ومدارس العالم العربيّ "(6).

يُستنتج من القولين أنّ دراسة حليم دمّوس بصورة عامّة قد تكون ضرورة أدبيّة ، وأنّ دراسته في عهده الروحيّ لها الأفضليّة . وهذا ما اعتزمته هذه الرسالة . ذلك بأنّ الأبحاث التي كُتبت فيه لا تعدو أن تكون مقالات وجيزة تناولت نُبَذاً من حياته ، أو أرسلت أحكاماّ سريعة في أدبه، وخصوصاً الذي وضعه قبل سنة 1942 ، باستثناء دراسة جامعيّة أعدّها رضوان وديع أبو فيصل ، عنوانها "حليم دمّوس : حياته وآثاره"، وقد وضعها لإنجاز مُقرّرات شهادة الكفاءة في اللغة العربيّة وآدابها ، بإشراف الدكتور كمال اليازجي ، وذلك في كليّة التربية بالجامعة اللبنانيّة سنة 1979.

تقع هذه الرسالة في 161 صفحة ، يشغل المُلحق منها – وهو يضمّ منتخبات من شعر دمّوس العائد إلى المرحلة الأولى من حياته – ثلاثين صفحة . وتنطوي الدراسة على ثلاثة فصول ، تناولت الباحث في الأوّل منها مراحل حياة الشاعر ، عارضاً أحداثها عرضاً سريعاً في مقطّع السياق ، مارّاً على الداهشيّة مروراً خاطفاً لم يستغرق سوى بضعة أسطر ، مع أنّ هذه العقيدة الروحيّة استأثرت بكلّ اهتمامه ، وشغلته عملاً وكتابةً سحابةَ خمسة عشر عاماً .

ومع أنّه جعل عنوان رسالته يتضمّن حياة حليم دمّوس وآثاره ، فقد أهمل دراسة شخصيّته ، أما آثاره فقد عرضها عرضاً سريعاً هو أقرب إلى التعداد منه إلى التعريف ، باستثناء "قاموس العوامّ" الذي عرّف به في سياق حديثه عن نشاط حليم اللغوي ، و"في سبيل التاج "، و"من أناشيد الملحمة العربيّة الكبرى " اللذين عرّف بهما في أثناء معالجته القصص المُترجم والقصص الملحميّ .

وعلى تأكيده أنه أورد "أسماء جميع آثاره المطبوعة وغير المنشورة "(7)، فقد غفلَ عن ذكر عدد غير قليل من مؤلّفات الشاعر المطبوعة أو التي ما تزال مخطوطة والعائدة إلى مرحلتي حياته . ويبدو أنّه تنبّه لهذا الأمر ، فاعترف قائلاً في خاتمة دراسته : "هنالك الكثير الكثير من الأمور التي لم أستطع التعرّف إليها ، لا تقصيراً ، وإنّما نتيجة لعدم توفّر كامل نتاج الحليم ، وخاصّة المقدّمات التي قدّم بها كتب داهش وما نظمه ، وكان نثراً ، من الكتبِ التي تتعلّق بالداهشيّة (8)؛ وهو تبرير غير كافٍ ، ولا مُقنع .

أما الفصل الثاني فقد تناول فيه شعر دمّوس وشاعريّته . فعرض ، أوّلاً ، نزعاته التقليديّة ، والوجدانيّة ، والملحميّة ، والداهشيّة التي خصّها بصفحةٍ واحدة ، ثم درس أسلوبه وخصائصه حسبما تمثّلت في شعره العائد إلى ما قبل اعتناقه الداهشيّة ، بالدرجة الأولى .

أمّا الفصل الثالث فقد عرض فيه أغراض حليم الشعريّة ، معرّجاً إلى المنحى التأمّلي الروحانيّ في بضع صفحات .

وخير ما توصف به دراسة أبي فيصل قوله فيها إنّها :" إنارة بسيطة لحياة رجل أعطى كثيراً وجاهد أكثر من سبيل بلاده "(9).

ميزة الدراسة وخطّتها

تطمح هذه الدراسة ، أوّلاً ، إلى تقصّي حياة حليم دمّوس ، في معالمها ودقائقها ، من المهدِ إلى اللحد ، تقصّياً موضوعياً منهجيّاً ، فلا تدع أيّ وجه ذي بال من وجوه حياته إلاّ تقف عنده ، فتنعم النظر في أسرته ، ودراسته ، وهجرته ، وزواجه ، وسجنه ، وفجيعته بابنه ، وفي خوضه الحياة العمليّة ، مُنضوياً تحت لواء الصحافة ومُنخرطاً في سلك الجمعيّات .

وإنه لمن العدل القول إنّ تفصيل البحث في حياة حليم دمّوس ، بعد اعتناقه العقيدة الروحيّة الداهشيّة ، لمن أعسر الأمور وأشقّ المهمّات ، لما يحتاج إليه من وثائق ومخطوطات ومقابلات دونها خرط القتاد .

وهذا القطاع الروحيّ من حياته ، إن ألمع إليه بعض الباحثين ، فإنّ أحداً ، من قبل ، لم يقتحم حصنه ويرفع الحُجب عن هيكله ، إمّا حذراً أو تهيّباً ، للغموض الذي أحاط بشخصِ مؤسّس الداهشيّة ، وللضجّة العظمى التي أثارها وما يزال يثيرها في الأوساط جميعها ، علماً بأنّ قطاع حليم الحياتيّ هذا هو الأخصب والأعمق والأبلغ تأثيراً في شخصيّته وأدبه ، حسبما سيتضح من سياق هذه الدراسة .

وترمي هذه الرسالة ، ثانياً ، إلى دراسة شخصيّة الشاعر الزحليّ دراسة لا تستند إلى ركام اتّفاقيّ من الوقائع أو الشواهد التاريخيّة السطحيّة ، بل تعتمد القواعد السيكولوجيّة ، فتفصّل الكلام على سماته النفسيّة الثابتة المتمثّلة في قدراته واستعداداته كما في سماته المزاجيّة وسماته الأسلوبيّة ، ثم تخوض في الحديث عن سماته النفسيّة المتطوّرة وفق تطوّر مثلها العليا من الماسونيّة إلى الداهشيّة ، شاملة مكوّنات شخصيّته الإرثيّة والاكتسابيّة ، ومقوّماتها الثقافيّة .

ويستهدف هذا البحث ، ثالثاً ، عرضاً شاملاً لآثار الحليم مطبوعة ومخطوطة ، في عهديه . ولن يكتفي هذا العرض بذكر عناوين مؤلّفاته ، بل سيكون له جولة سريعة في مضمون كلّ منها ورأي في أهمّها .

وبهذه الفصول الثلاثة تتّضح خطوط حياته وشخصيّته وآثاره ، ويقفل الباب الأوّل من هذه الرسالة .

أما الباب الثاني منها فيهدف إلى دراسة الأتّجاه الروحيّ في أدب الحليم ، وهو الذي ساد المرحلة الثانية من حياته (1942-1957). وقد تمثّل بإيمانه بالعقيدة الداهشيّة وما أوحت إليه من مُثُل عُلّيا وقيم مثلى ومواقف وآراء في شعره ونثره . وهذه العقيدة ، إن التقت الأديان والفلسفات في كثير من موقفها ، فهي تبقى دعوةً روحيّة قائمة بذاتها . وتأثّر حليم بها هو تأثّر مباشر لا يمكن أن يردّ إلى حركات روحيّة أو شبه روحيّة سابقة لها في الزمن ، ولا سيّما التصوّف والإسماعيلية أو البوذيّة أو غيرها .

وقد انبسط البحث في هذا الباب على ثلاثة فصول :

تناول أوّلها جذور الاتّجاه الروحيّ في أدبه ؛ ذلك بأنّ الحياة وإن توزّعتها المراحل ، يبقى فيها خطّ جوهريّ يوحّدها .

وتناول الفصل الثاني محاور أدبه الروحيّ الداهشيّ ، في أربعة أقسام : قسم يتناول شخص مؤسّس الداهشيّة وكيفيّة تجلّيه – بقيمه العليا وميزاته الفريدة وأعماله الخارقة ، ثم اضطهاده ومصرعه – في شعر حليم ونثره .

وقسم ثان يتناول ما استتبع اعتناق الشاعر العقيدة الروحيّة الجديدة من سجنه وحملته على الظالمين والمتخاذلين .

وقسم ثالث تناول العقيدة الداهشيّة نفسها التي أصبحت أهمّ محور في أدبه . فكان لا بدّ من إفاضة الكلام على خصائصها وآثارها المتجلّية في شعره ونثره ، ومن أهمّها ما تميّزت به من دعوة إلى العودة إلى الروحانيّة الدينيّة الحقيقيّة ، وممارسة الحياة الفاضلة ، ومناداة بتوحيد الأديان ، والإيمان بالتقمّص ، وحضّ على إصلاح وطنيّ وإنسانيّ انطلاقاً من إصلاح الفرد لنفسه .

وقسم رابع خُصّص للدراسات الوجيزة التي عقدها حليم دمّوس على أدب الدكتور داهش ، وهي عبارة من مقدّمات لعدد من كتبه ، فكشفت عن مضامينها وميزاتها .

أما الفصل الثالث والأخير فقد عالجت فيه الصياغة الفنيّة في أدب حليم الروحيّ . فأظهرت فيه معالم الكلاسيكيّة ، وومضات الرومنسيّة ، كما كانت لي وقفة عند خاصّة السخرية في بعض كتاباته ، وعند خاصّة أخرى برّز بها وكاد يتفرّد ، وهي تحويل النثر إلى نظم ، وقد استنفدت منه جهداً عظيماً ، إذ حوّل الكثير الكثير من كتابات مؤسّس الداهشيّة النثريّة إلى شعر .

مصادر الدراسة

لقد اعتمدت في دراستي ، على المصادر التالية :

أ‌-       معظم آثار الحليم المطبوعة والمخطوطة ، والتي ستُذكر مفصّلاً في فصل آثاره .

ب‌-  عدد من المقالات والقصائد المنشورة في الصّحف (10).

ج- طائفة من المقدّمات تصدّرت عدداً من الكتب التي وضعها الدكتور داهش .

د- بعض القطع النثريّة للدكتور داهش عقدها الحليم شعراً ؛ علماً بأنّ مُعظم ما ألّفه مؤسّس الداهشيّة ، قبل وفاة حليم – وهو كثير – حوّله الشاعر الزحليّ إلى شعرٍ منظوم ، ولكنّنا لم نتمكّن من دراسته بمجمله ، لوجوده في المكتبة الداهشيّة (11)التي نُقلت في أوائل الأحداث الدامية الأخيرة إلى خارج لبنان .

ه- مقابلات شخصيّة مع شهود لازموه حوالى خمس عشرة سنة ، إذ أصبحوا أسرته الجديدة، ومستودع أسراره ، وهم إخوانه في العقيدة الداهشيّة ؛ منهم الأديبتان ماري حدّاد وابنتها زينا ، والدكتور جورج خبصا وفريد أبو سليمان والأديب جوزيف حجّار (12). فقد كانوا يتساكنون في منزل واحد (منزل آل حدّاد) ، فعرفوا عاداته وأخلاقه ووقائع حياته .

كذلك اجتمعت بابنه فؤاد ، لكنّه للأسف – لم يفدني بشيء جدير بالذكر ، عدا بعض مخطوطات الحليم التي خلّفها في منزله ، وهي تعود إلى عهده الأوّل .

                                          الباب الأوّل

حياة حليم دمّوس

 شخصيّته

   آثاره

                                      الفصل الأوّل

                                         حياته

                                         أوّلاً :

                                   حياته في العهد الأوّل

                                   (1888-1942)

أ- أسرته:

ولد حليم بن إبراهيم بن جرجس دمّوس في زحلة عاصمة البقاع وعروس المدن اللبنانيّة ، في شهر أيّار ، سنة 1888.

تنتمي أسرتا والديه إلى آل عيسى المتحدّرين من بني غسّان ، وقد نزحتا من الكرك إلى ضهر الأحمر من حوالى ثلاثة أجيال ونصف ، فإلى زحلة من نحو مئتي سنة (13).

وكان آل دمّوس – استناداً إلى قول فؤاد حليم دمّوس (14)- يحمون أملاك آل حرفوش ويعتنون بها (15)، فينالون أجرهم قطعاً من الأراضي . وكان نصيب إبراهيم دمّوس (1844-1921) أرضاً في مجدلون (16).

كان إبراهيم – حسبما يظهره حليم – قنوعاً – يعيش من موارد الأرض ومساعدات أبنائه في البرازيل . كما كان حميد الأخلاق ، يحرص على الإخلاص في مودّته ، والتسامح مع الناس ، ويميل إلى التنكّب عن زخارف الدنيا وبهارجها (17).

ويبدو أنّه كان شاعراً ينظم باللهجة الشعبيّة (قوّال معنّى) ، ومن مؤسّسي جمعيّة بزوغ شمس الإحسان (18).

أمّا أمّ حليم سيّدة نعمة عبّود (توفيت سنة 1940) فكانت مُلمّة بالقراءة إلماماً قليلاً ، ولكنّها تروي الشعر والأناشيد القوميّة (19).

ورزق الله إبراهيم أربعة أنجال هم : حليم وفارس ومخايل وجورج (20)، وابنتين هما سليمة ونجلا .

ت‌-   التلميذ النابه :

تعلّم حليم دمّوس ، على نحو ما ذكر جرجي باز (21) بزحلة في المدرسة الأميركيّة ، فمدرسة الروم الأرثوذكس ، فالكليّة الشرقيّة التي تابع دراسته فيها حتى سنة 1904 (22). من أساتذته : بولس الكفوري ، جرجس همّام ، بطرس مختارة ، عيسى المعلوف ، إبراهيم غزالة ، وفي الخطّ نجيب هواويني .

وقد نال الشهادة على عهد الأستاذ بولس الكفوري الذي بعث إليه حليم دمّوس من البرازيل في 15 نيسان 1906 بقصيدة "من وراء البحار" ، وقد جعلها تتصدّر ديوانه ، مع أنّها القصيدة الثانية من حيث تاريخ نظمها ، ومطلعها :

أرض الأحبّة ما أبهى مغانيها                 وما أُحيلى زماناً لي مضى فيها

إلى أن يذكر مدرسته وفضلها عليه :

معاذ ربّي أن أنسى عوارفها                 وإن نأيت فبالذكرى أُناجيها (23)

وقد عُرف ، بأثناء دراسته في الكلّية الشرقيّة ، بنباهته وانفتاحه على النقد ، ومُطالعة الصّحف .

جاء في رسالة بعث بها الشيخ إبراهيم اليازجي (1847-1906) من القاهرة بتاريخ 14/6/1905، إلى الأستاذ بولس الكفوري ، وكان يومذاك رئيس الكلّية الشرقيّة في زحلة :

"....قد وقفت على ما انتقده أحد تلامذتكم النجباء حليم أفندي دمّوس على ما مرّ في بعض أجزاء الضياء ، فسرّني ذلك غاية السرور ، أكثر الله من أمثاله عندكم . غير أنّ كلّ ما ذكره وارد في كلام مكاتبي الضياء ، وليس كلّ من كاتب الضياء يجوز لي أن أبدّل في كلامه ، ومع ذلك فرقعته راجعة وعليها جواب لبعض ما انتقده . وفي الختام أرفع إلى حضرتكم واجب احترامي ؛ وأطال الله تعالى بقاءك "(24).

وإليك ما قاله جرجس همّام في تلميذه الحليم :

" نعلم من أيّام تخرّجكم في المدرسة أنّكم امتزتم عن أقرانكم قبل سنّ التمييز . وحام خاطركم وقتئذٍ على صوغ القريض ، فجاش صدركم وفاضت قريحتكم به مراراً (25).

أمّا تكوين حليم الثقافي فسأفصّل الكلام عليه في أثناء دراستي لشخصيّته ، في الفصل الثاني من هذا الباب .

ث‌-   حليم في البرازيل :

هاجر حليم في السابعة عشرة من عمره إلى البرازيل ليلتحق بأخوته ، وكانت هجرته في تشرين الثاني عام 1905 إلى كورومبا عاصمة ولاية ماتوغروسو (26).

وفي الباخرة التي أقلّته إلى البرازيل نظم أولى قصائده المنشورة ، وعنوانها : "من بحرٍ إلى بحرٍ في بحر"(27).

في البرازيل تعلّم اللغة البرتغاليّة فترجم بعض أشعار كازمير دي أبراو إلى العربيّة ، ونشر قسماً منها ومن منظوماته العربيّة في صحف الوطن والمهجر (28).

وأولى قصائده المنشورة والمنظومة في المهجر عنوانها "لبنان"؛ وقد كان عمره عندما نظمها ثماني عشرة سنة ، وهي تفيض بالشوق إلى وطنه وأحبابه ؛ ومطلع هذه القصيدة :

ذكر الأحبّـــة والغـــرام               فبكى كمــا يبكي الغـلام

إلى أن يأتي ذكر "هيفاء" فيقول :

فإذا جرت في خاطـري                 جرت المدامع بانسجام(29).

ولعلّ من آثار هجرته في أدبه مقارناته – في بعض قصائده – بين الشرق والغرب (30).

وقد أسّس حليم في كورومبا جمعيّة أدبيّة (31).

لكن يبدو أنّ شاعر البردونيّ لم تستهوه البرازيل (32)؛ بل كانت عاطفته الوطنيّة (33)وحنينه إلى زحله والأهل والأصدقاء ، وشوقه إلى لغة الضاد ، تعجّل في رجوعه إلى لبنان .

وقد مرّ في طريق عودته ، ببونس إيرس – الأرجنتين ، في حزيران 1908 (34)، فنزل مدّة وجيزة عند ابني عمّه نايف وجورج (35).

الشهيدة الأولى

الحمامة الذَّبيحة

أو

الشهيدة الداهشيّة الأولى

ماجدا حدّاد

 

قصَّة إضطهادها واستشهادها

ومراثي الدكتور داهش والداهشيين بها

 

 

جمعته

زينا حدّاد الداهشيّة

 

 

 

 

الدار الداهشيّة للنشر

نيويورك 1990

 

 

من ينصره اللّه لا غالب له

 

إنَّ جميعَ أعداءُ داهش سوف ينكسرون ،

وأحطّ ما في إنكسارهم هذا أنّهم سوف يحملونه الى قبورهم ،

لأن هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء ،

ولا تذوب عناصرها في الفضاء ؛

فهي تُرافق مُرتكبيها , مُلتصقةً بهم , مُندمجةً بخلاياهم،

فتُذكر كلّما ذُكروا، ويُذكرون كلّما ذُكرت،

فهم وهي عظة وذكرى للأجيالِ القادمة !

جبران مسّوح

 

نشر جبران مسّوح هذه الكلمة في مجلّة " المُختصر " الصادرة في بونس أيرس في العدد 10 من السنة الأولى , أيلول 1946

 

 

 الدكتور داهش

أين الملوك أين ؟ ..

أين الملوك والقادة العظام , وأين تلك المواقع الشهيرة ؟

أين الغُزاة الفاتحون وأصحاب السلطان ؟

أين الأكاسرة الجبابرة والقياصرة وأرباب التيجان ؟

أين الجنود والبنود وأين حدّ الحسام ؟

أين الأيّام الخوالي ومن يتباهون بالحوادث الجسام ؟

للّـه ... ها هم يرقدون جميعاً في بطنِ حفرةٍ صغيرةٍ حقيرة ...

الدكتور داهش

من كتاب " بروق ورعود "

 

العدالة الموؤدة

يا أعواد المشانق ... كم لك من ضحايا بريئة شريفة !

وكم من أثمةٍ لم يتأرجحوا بحبالكِ القويّة !

ولؤماء لم تطلهم يد الأحكام العدليّة !

إنّ دموعَ الآباء والأبناء تشقّ الفضاء !

وصرخاتهم العميقة تخترق السّحاب فالسماء !

لا كنت يا أحكام ... وتبّاً لك أيّتها القوانين السخيفة !

 

الدكتور داهش

من كتاب " بروق ورعود "

إذا انتصر الظُّلم على العدلِ بعض الوقت

فلا بدَّ من يومٍ يبطش فيه العدل بالظّلم

ثمّ يجعله عبرةً للأجيال الزاحفة

داهش

مهما حاول الطُّغاة البُغاة

أن يدفنوا الحرّيّـة فلن يستطيعوا

لأنّ الحرّيّـة خالدة حتى الأبد والى يوم يبعثون

داهش

  • أسائل عنك الرّكب هل يخبرونني

                                                                              بحالك كيما تستكنّ المضاجـــع

فلم يــــك فيهم مُخبر عنك صادق

                                                                              ولا فيهم من قال إنّك راجــع

  • ويأتيكم الموت ولو كنتم في بروجٍ مُشيّدة
  • وفجأةً يبسط الموت علينا جناحيه الغدافيّين

فيُلاشينــــا بين غمضــــة عين وانتباههـــا

داهش

  • أين الألى بالأمس كانـــوا جيرةً

                                                أمسوا دفيــــن جنــــادل وتـــراب

ماتوا ولــــو أنّي قدرت بحيلــة

                                                لأحدث صرف الموت عن أحبابي

  • كلّ إبن أنثى , وإن طالت سلامته

                                                      يومـاً على آلــــة حدباء محمـــول

  • إنّما الدنيا فناء , ليس للدنيا ثبوت
  • إنّما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت
  • ولعمري عن قليل كلّ من فيها يموت

الأخوات الثلاث

تعريف

 

بقلم ماري حدّاد الداهشيّة

ستة وعشرون عاماً توارت منذ رحلت إبنتي ( ماجدا الفتيّة ) من عالمنا الفاني , سافحةً دمها القاني كاحتجاجٍ على الجريمة المرعبة التي أوقعها المُجرم بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة أللبنانيّة بمؤسِّس الداهشيّة في عام 1943 حتى 1952 . وقد إنتحرت إبنتي ( ماجدا ) لتُسمع صوتها للرأي العام اللبنانيّ والعالميّ , ولتوقظ ضمير الرأي العامّ .

وكانت وفاتها في 27 كانون الثاني 1945 ؛ لأنّ جريمة تجريد الدكتور داهش من جنسيّته اللبنانيّة ما كان ليُقدم عليها بشارة الخوري لو لم أعتنق الداهشيّة أنا وقريني السيّد جورج حدّاد وكريماتي أندره وزينة , ثمّ الفقيدة الغالية ( ماجدا ) قاطنة الفراديس الإلهيّة .

إنّ بشارة الخوري هاله وهال زوجته إعتناقي مع جميع كريماتي وقريني وصهرنا جوزف حجّار الداهشيّة , إذ تفانينا في سبيلها ممَّا جعل بشارة الخوري زوج شقيقتي لور يصدر مرسوماً جرّد بواسطته الدكتور داهش من جنسيّته اللبنانيّة وأنف الدستور في الرّغام!

وإذ ذاك أصدرتُ عشرات الكتب السوداء مندّدةً بالعمل الإجراميّ الذي إرتكبه رئيس الجمهوريّة , شارحة مراحل الجريمة النكراء , ووزّعت هذه الكتب السوداء سرّاً على الشعب اللبنانيّ الذي كان يستيقظ ليرى طرق بيروت وقراها قد فرشت بالكتب السوداء وفيها تفاصيل الجريمة الهائلة .

وقد سجنني بشارة الخوري مدّة عام كامل قضيته مع المُجرمين والمُرتكبين القبائح , إذ لم يكفه إنتحار إبنتي المُفدّاة ماجدا , بل تكملةً لأحزاني الهائلة وإتماماً لأشجاني المُرعبة زجّني في أعماق السجون . والسجن كان حريّاً بمن إعتدى على الحرّيّات وعلى الدستور اللبناني الذي أقسم يمين المُحافظة عليه , وكان أول من حنثَ بيمينه ومزّق أشلاءه , وبعثرها الى جميع الجهات .

إنّ التاريخ لا يرحم . والتاريخ قد سجّل مراحل هذه الجريمة بعشراتِ الكتب التي ستملأ الخافقين ليقرأها جميع شعوب الأرض ويلعنوا من إرتكبها مثلما لعنوا وسيلعنون من إعتدوا على السيّد المسيح .

إنّ الحمامة الذبيحة ماجدا حدّاد التي قدّمت نفسها قرباناً لن يذهب دمها هدراً .

وما دام رجل واحد أو سيّدة تقرأ كتاباً واحداً من سلسلة الكتب السوداء التي صدرت والتي ستتوالى طبعاتها ما دامت الأرضُ أرضاً والسماءُ سماءً , فسيبقى دمها المسفوح هو الدليل لمن سيقرأ تلك الكتب التي تشرح مراحل الجريمة الشنعاء الرهيبة .

إنّ ذكرك , يا ماجدا , لا ولن يبرح خاطري .

ونُبلك أراه مائلاً دوماً أمامي .

ولطفك لن أرى له مثيلاً أيّتها اليمامة الذبيحة .

ورقّتك , ويا لها من رقّة لا يمكنني وصفها .

وتضحيتك سيذكرها الداهشيّون ,

وسيخلّدونها في بطون كتبهم التي سيؤلفونها .

وخيالك لن يبرح أفكارهم .

لقد كنت , يا ماجدا , في إبّان صباي , عندما أطلقت الرصاصة على صدغك فأردتك. واحرّ قلباه عليك !

والآن مضى , منذ تلك الدقيقة , ستة وعشرون عاماً بما كانت تحمله من أهوالٍ مُرعبة وأثقالٍ رهيبة .

وقد تقدّم بي العمر وفعلت السنون فعلها الذريع بي , ولكن هذه السنين المُنصرمة لم تستطع إزالة صورتك التي حُفرت في قلبي , ولن تُمحى حتى ولو طواني الموت بين ذراعيه الرهيبتين .

فإليك , الى روحك النقيّة ,

إلى فتنتك التي ضمّها اللحد بين جنبيه ,

إلى حماستك المُلتهبة في سبيل الرسالة المقدّسة ,

إلى شبابك الريّان الذي طواه اللحد في أعماقه الرهيبة .

إلى روحك البهيّة التي أصبحت تعاين اللّـه

في فراديسه الخالدة ببهجاتها التي لا يمكن لقلم بشريّ أن يصفها ,

ضارعةً إليه أن يجمعني بك قريباً

لأحيّي بطولتك التي سجّلها التاريخ بين دفّتيه !

وإلى اللقـاء أيّتها الشهيدة الغالية !

 

بيروت , 20 شباط 1971                                              

الساعة السادسة مساءً                                                 

ماري حدّاد الداهشيّة

والدة الشهيدة ماجدا

 

 

سيف الحقيقة الرهيف

سيبتر المُجرم والمجرمين

 

بقلم الكتور داهش

منذ سبعة وعشرين عاماً مضت , أطلقت ( ماجدا حدّاد الداهشيّة ) الرصاص على صدغها وضحّت بحياتها , وذلك إحتجاجاً على الظُّلم الرهيب الذي أوقعه أقرباؤها بي , إذ جرّدت من جنسيّتي , وأبعدت , وشرّدت في مشارقِ الأرضِ ومغاربها .

ولور قرينة بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة , يومذاك , هي خالة ماجدا حدّاد الداهشيّة .

وفي أواخر عام 1942 , إعتنق الداهشيّة كلّ من ماري حدّاد وقرينها جورج حدّاد , وكذلك كريماتها : ماجدا الشهيدة , أندره , وزينة , كما آمن بها صهرهما جوزف حجّار قرين السيّدة أندره .

وقد حاول أقرباء آل حدّاد أن يُبعدوا السيّدة ماري وقرينها وكريماتها عن مؤسِّس الداهشيّة , واستعملوا كافة الطرق , ففشلوا وكان فشلهم ذريعاً .

وإذ ذاك صدر مرسوم النفي والإبعاد . فما كان من ماجدا صاحبة العقيدة الداهشيّة الراسخة إلاّ الإحتجاج الصارخ , إذ أطلقت الرصاص على صدغها مُضحّية بحياتها الغالية في سبيلِ إيصال صوتها للرأي العام , إستنكاراً لهذا النفي المُجحف والتشريد الذي تجاوز حدود القانون والدستور .

إنّ هذه المأساة المُرعبة قد مضى عليها سبعة وعشرون عاماً , وما تزال كأنّها ( إبنة ساعتها ) .

وستمضي آجال وتتصرّم أجيال , وستؤلّف كتب كثيرة شارحة مراحل هذه المأساة الهائلة .

والشعوب القادمة ستكون الحكم إذ ذاك ,

ويكون التاريخ القول الفصل .

وسوف يميّز الصالح من الطالح .

وسيكون حكمه صارماً ولكن عادلاً .

وبما أنّني أعتقد إعتقاداً راسخاً بخلود الأرواح , وأنّها تنتقل بعد الوفاة الى عوالم مادّية أخرى , إذاً بوسعي أن أؤكّد تأكيداً جازماً أنّ الحساب لم يسدّد بيني وبين من إرتكب الشرّ الفاضح , وأنّ الإقتصاص سيبتدىء فور إنتقالي من عالمِ المادّة الدنيويّ هذا .

وسيكون الحساب عسيراً , وسيدفع الثمن غالياً . وإذ ذاك تنتصر العدالة بعد أن يُساط الظلم سوطاً رهيباً , إذ لكلّ جريمة ثمن ستدفعه عاجلاً أم آجلاً . وإنّ ربّك لبالمرصاد .

وما أروع الكلمة الخالدة التي تفوّه بها الأديب الروسي العالميّ تولستوي , إذ قال : إنّ اللّـه يُمهل ولكنّه لا يُهمل .

وإذ ظنَّ المُعتدي أنّه قد نجا بعدما انطلقت روحه من عالم الأرض ولم يقتصّ منه على ما إرتكبه من أهوال جسيمة , فظنّه باطل وتخيّلاته وهميّة .

وستوقظه الفجيعة التي ستنقضّ عليه إنقضاض الصواعق في عالمه الذي أوصلته إليه أعماله الرهيبة .

وليثق الجميع بأنّ كلّ آت قريب .

ومن يتهكّم بأقوالي هذه , فإنّما يتهكّم بنفسه وغبائه الشديد . وإنّي أسأل بدوري , من أين أتيت أيّها العلاّمة العارف الغارق في العلوم والفلسفات . ولكنّه سيصمت , ولن يستطيع إعطائي الجواب .

وما دام الإنسان يأتي ولا يعرف من أين كان مجيئه , فما أحراه أن يجهل إلى أي مكان ستكون عودته , عند إنتهاء أيّامه على أرض الشقاء هذه .

ولكنّي أعتقد إعتقاداً راسخاً أنّ كلّ إبن أنثى سيذهب , بعد وفاته , الى عالمٍ ماديٍّ آخر , ويبدأ , هناك , حياةً جديدةً أخرى .

وهكذا يتسلسل موته وبعثه من عالمٍ الى عالم حتى يبلغ عالم الروح , بعدما يكون قد تدرّج في سلسلة إختبارات وتجارب هائلة , وبعدما تكون روحه قد بلغت الكمال , بعد سلسلة مرورها في عوالم عديدة .

هذا هو رأيي الخاص , ولكلٍّ رأيه الخاصّ .

وإنّي أستشهد بالآية القرآنيّة القائلة :

( إنّك لا تهدي من أحببت . إنّ اللّه يهدي من يشاء ) . والسلام .

 

بيروت في 15 – 2 – 1972

داهش

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.