أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

 كيف آمنت بالداهشية

ماجد مهدي

 

 

كيف آمنتُ بالداهشيّة

 

 

محاضرةٌ ألقاهاَ صاحبُ ومديرُ مدرسة النهضة العلميّة المختلطة في قاعة المحاضرات في المدرسة ، وذلك في 20 نيسان 1972

نعيد نشر فقرة من العريضة التي قدّمتها السّيدة ماري حدّاد الداهشيّة للرئيس كميل شمعون ضد زوج شقيقتها في شهر أيلول 1952 والتي نشرتها مجلّة "العالم العربي " المصريّة في عددها السابع من سنتها السادسة أوّل يناير 1953.

قالت ماري حدّاد في عريضتها :

" والآن ... آمل أن يصغي فخامة الرئيس لهذه الحادثة التاريخيّة التي يعرفها ولا ريب ... وها هي :

عندما أُدخلت السّيدة (زينب) ابنة علي بن أبي طالب أمام – ابن زياد – وكان أمامه رأس أخيها (الحسين) الذي قُتِل في معركة "كربلاء" المشهورة .

بادرها قائلاً :

" الحمد لله الذي فضحكم ، وقتلكم ، وأبطلَ أحدوثتكم !"

فلم تمهل زينب (ابن زياد) بل ثارت صائحة بوجهه قائلة له :

" الحمد لله الذي كرّمنَا بنبيّه ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً . إنّما يُفضحُ الفاسقُ الغادر ، ويُكذّب الفاجر الذي هو أنت !.."

ولو أحَبّ (ابن زياد) لبطش بها ، أو أمر فسجنت ، وهو صاحب الدولة والصولجان، والقدرة والسلطان . ولكنه رغما عن سوء أخلاقه ، وانعدام أدبه ، فإنّ نفسه أبت عليه أن يعتدي على امرأة ضعيفة ، وهو صاحب الحول والطول ، وأمر بإطلاق سراحها ...

جئت بهذه الحادثة التاريخيّة لأقارن بين ما صنعه (ابن زياد) بمن يعتبرها عدوّةَ له ، وهي غريبة عنه ، لا تربطها به أيّةُ رابطة .... وبين ما فعله معي (بشارة الخوري) المطرود من الشعب اللبناني ، هذا الوصولي ، الذي هو زوج شقيقتي لور ، شريكته بالجريمة الدنيئة ...

وسوف تُدهش فخامتكم إذا أعلمتكم بأنّ بشارة المذكور أمر فأوقفت في (النظارة) شهراً كاملاً كنت أنام خلالهُ على (طاولة خشبيّة) وبرفقتي عشرات من الحرّاس والموظفين ، فضلاً عن الرجال الموقوفين . وذلك تشفياً وانتقاماً مِنّي لأنّي فضحت بكتبي السوداء جريمتهم النكراء ضِدَّ الدكتور داهش البريء .

إنّني من صلبهم ، وذات صلة رحم بهم ، وعاملوني هذه المعاملة الدنيئة التي لا تشرّفَهُم ، والتي سجّلها التاريخ لعنة مقوضة مزلزلة ، يقرأها الجميع فيلعنون حتى ذكر أسمائهم البغيضة من الله رَبِّ العالمين . والناس أجمعين ."

مجلّة العالم العربي – العدد 67-

                                                       السنة السادسة – يناير 1953

                                                        صفحة 22-23-24

from inspiration od Daheshisme

تمهيــــــد

 

ما يضمُّه هذا الكتاب بين دفَّتيه من موضوعاتٍ كالعدالة الإلهيَّة، و التقمُّص، و الوعي الفكريِّ، النفس ، و الطبيعة و عبث الإنسان بها... إنمَّا هو حصيلةُ تأمُّلاتٍ شخصيَّة في بعض التعاليم الداهشيَّة توخَّيتُ بها إعطاءَ القارئ فكرةً مُوجَزة عنها.

هذه التأّمُّلات استُوحِيَتْ، في الدرجة الأُولى، من إيماني بالعقيدة الداهشيَّة منذ عام 1963. و هذا يَعني أنَّ الآراء المُدَرجَة في هذا الكتاب ناشئةٌ من " انغماسي" النفسيِّ و الروحيِّ في كلِّ ما يتعلَّق بهذه العقيدة، سواءٌ تحصَّل لي ذلك من مُطالعة مؤلَّفات الدكتور داهش المتعدِّدة المتنوِّعة أو ممَّا أُتيح لي الاطِّلاعُ عليه من رسائلَ روحيَّةٍ كانت تُوحى إليه أو ممَّا تَسَقَّطْتُهُ منه مباشرةً أو نقلاً عن رواةٍ ثِقات. زدْ على ذلك كلِّه ما استخلصتُه من معاني بعض الظاهرات الروحيَّة التي كانت تجري على يدَيه.

و لقد حاولتُ ، تعزيزاً لتلك التأَمُّلات ، ربطَ المفاهيم الداهشيَّة بما وردَ في الكتب المقدَّسة، و لا سيَّما الإنجيل المقدَّس و القرآن الكريم؛ كما حاولتُ ربطَها بما بات العِلمُ يتحدَّث عنه في هذا الشأْن من خلال اكتشافاته الحديثة. و مع ذلك كلِّه، فلا يَسعُني إلاَّ أَن أُصارحَ القارئَ بأنَّ ما توصَّلتُ إليه من قناعاتٍ و استنتاجاتِ لا يَعدو الاجتهادَ الشخصيَّ الذي لا يُلزِم أحداً ، سواءٌ أَكان فرداً ام مؤسَّسة.

إنَّ الرسالة الداهشيَّة، بوجهٍ عامٍّ، تَمُدُّ المرءَ بالمبادئ و القواعد العامَّة التي يسهلُ على الجميع فَهمُها و اعتناقُها. و لكنَّ فيها أَيضاً موضوعاتٍ عميقةً لم توضَّحْ تماماً ، و ذلك إمَّا لصعوبةِ فهمها و إمَّا لاقتضائِها قَدْراً كافياً من الاستعداد الفكريِّ و النفسيِّ و الروحيِّ. و لذلك لا يَبعدُ أَن يقعَ الاختلافُ على تفسيرها، فيؤوِّلُها كلُّ امرئٍ بحسب قناعته و مستواه النفسيِّ، فلا تُحمَل على درجةٍ واحدة من القبول و اليقين عند الجميع.

لقد كان الدكتور داهش، مؤسِّسُ العقيدة الداهشيَّة، يوضِّح ، أحياناً، لبعض الإخوة و الأَخوات أُموراً روحيَّة لا يتيسَّرُ فهمُها لعامَّة الداهشييِّين، و ذلك انسجاماً مع المبدأ القائل إنَّ الحقائق الروحيَّة لا تُعطى كاملةً للناس أَجمعين لأنَّهم يختلفون من حيث مستوياتُهم و خصائصُهم النفسيَّة و الروحيَّة ( أو سيَّالاتُهم ، بحسب الُمصْطَلَحِ الداهشيِّ.)

و الواقع أَنَّ حَجْبَ بعض الحقائق الروحيَّة و عدمَ توضيحها لا يقتصران على الرسالة الداهشيَّة فحسب. الرسالات السماويَّة الأُخرى تحتوي كُتُبُها المقدَّسة على أُمورٍ لم توضَّحْ في حينها، و ما تزال حتَّى اليوم عُرضةً لشتَّى ضروب الاجتهاد و التأْويل. السيِّد المسيح، له المجد، قال لتلامذته:" إن كنتُ حدَّثتُكم بأُمور الأرض و لم تؤمنوا، فكيف تؤمنون إنْ حدَّثْتُكم بأُمور السماء؟"( يوحنا 3: 12) و لمَّا أَلحَّ على النبيِّ العربيِّ الكريم بعضُ صحابته ليوضِحَّ لهم حقيقة الروح، نزلَت الآيةُ الكريمة:"و يسأَلونك عن الروح ، قُل الروح من أَمر ربِّي، و ما أُوتيتم من العِلم إلاً قليلاً".(الاسراء 85).

جُملةُ القول إِنَّ الرسالات السماويَّة جمعاء لا تخلو من أُمورٍ تحتملُ التأْويل و الاجتهاد و إنَّ كلَّ مؤمنٍ يفهم تعاليمَ دينه من خلال زاويته الخاصَّة، و من خلال قناعاته النفسيَّة و مُستوى سيَّالاته الروحيَّة.

بالإضافة إلى ذلكَ كلّه فإن المقالات المُدْرَجَة في هذا الكتاب تحتوي على الكثير من الشروحات و المفاهيم الخاصَّة بالعقيدة الداهشيَّة غير الموجودة في سِواها، كمفاهيم السيَّالات الروحيَّة و الثواب و العقاب تلك المفاهيم التي يتحمّلها كل كائن بالنسبة لأفعاله و أفكاره ووجود الوعي الفكري و النفسيّ عند جميع الكائنات و غيرها من الشروح و المفاهيم التي لا يستطيع القارئ الغير مُلمْ بالتعاليم الداهشيَّة أن يتتبّعها بِيُسر ، بينما قد يجدها القارئ الداهشيّ المتفهم لعقيدته سهلة الشرح و الوضوح.

              *            *            *

تنطوي مُعالَجَةُ الموضوعات في هذا الكتاب على تشابُهٍ كبير. ورُبَّما أَخَذَ عليَّ بعضُهم الاسهابَ و التكرار على أَنَّني أُشير منذ البداية إلى أنَّ السببَ هو تداخُلُ المفاهيم الداهشيَّة بعضِها ببعض و ترابُطُها، الأَمر الذي يؤدِّي إلى شيءٍ من التَّرداد سواءٌ في خلال المُعالجَة أَو في الاستنتاج. الاعتقادُ الداهشيُّ، مثلاً،أَنَّ الكائنات جميعها تتمتَّع بالوعي. و الادراك النفسيِّ إنَّما يَستلزِمُه قانونُ التقمُّص الذي يؤمن به الداهشيُّون إِيمانَهم بالله، عزَّ و جلَّ. التقمُّص، عند الداهشيِّين ، قانون يشملُ الكائناتِ كافَّةً. فإذا كانت قوى الوعي النفسيِّ ( أَو ما تدعوه الداهشيَّة سيَّالات) تنتقل ، وفقاً لقانون التقمُّص، بين جميع الموجودات بلا استثناء ، فقد لزمَ أَنَّ الحيوان و النباتَ و الجماد موجودات تتحلَّى ، هي أيضاً بما يتحلَّى به الإِنسان من وعيٍ و إدراك. هذه الحقيقة تحفلُ بها مؤلَّفاتُ الدكتور داهش، و لا سيَّما قصصه المُلهَمة، و تؤكِّدها تأْكيداً قاطعاً . ومن النافل القول انَّ الإيمانَ بالتقمُّص يقودُنا أَيْضاً إلى الإيمان بخلود النفس و عدمِ فنائها بفناء الجسد.

و فضلاً عن ذلك، فإنَّ التعاليم الداهشيَّة تقول إنَّ قانون التقمُّص يستوجبُه مبدأُ العدالة و الاستحقاق الروحيِّ( أو ما يمكن اختصارُه بمفهوم السببيَّة الروحيَّة) . فمَن يُسفِّلْ سيَّالاتِه باقترافه المعاصي يتقمَّصْ ، حينَ توافيه المنيَّة ، نوعاً من أَنواع المخلوقات و حالةً تجسُّديَّة يستحقُّهما ، أُسوةً بما جاء في القرآن الكريم عن فئةٍ من الناس سفَّلَتْ نفوسَها(أَو سيَّالاتها)، فغضبَ الله، عزَّ و جلَّ، عليها فمسخَها قِرَدَةً و خنازير: ( مَن لعَنَه الله و غضبَ عليه و جعلَ منهم القِرَدةَ و الخنازير...) ( المائدة 60) و عليه ، فإنَّ النوعَ المُتقَمَّص و الحالةَ التجسُّديَّة مرتبطان بالسببيَّة الروحيَّة. و السببيَّة الروحيَّة تشملُ ، في ما تشمل، العدالة الإلهيَّة التي تحاسبُ كلَّ مخلوقٍ بما يستحقُّه بالنسبة إلى أَفعالِه و أَفكاره.

زدْ على ذلك أَنَّ السببيَّة الروحيَّة ترتبطُ ، هي أَيضاً ، بسيَّالات المخلوقات كافَّةً، فتفعلُ فيها و تسبِّبُ لها ما تُسبِّبُه من أُمور و أَحداث، سواءٌ في دَورِ حياةٍ واحدة أَو أَدوارٍ مُتعاقِبة، تبعاً لاختلاف سيَّالاتها و ما بلَغَتْه من مستوياتٍ نفسيَّة، سُمُوًّا أَو انحطاطاً . و هي ( أي السيَّالات) ستبقى أَسيرةَ سجونها المادِّيِّة المُمِلَّة التاعسة ريثما تتحسَنُ تحسُّناً روحيًّا كبيراً ، فتتحرَّر عندئذ كلِّياً من مِحَن تقمُّصاتها المادِّيَّة و آلامِها لتعاود الرجوع إلى عوالم الروح التي انبثقت عنها. و هكذا إذا استطاع القارئُ أَن يستوعبَ، و لو بصورةٍ مُبسَّطةٍ، مفهوم السيَّالات الذي جاءتْ به التعاليمُ الروحيَّة الداهشيَّة، و إذا استطاع أَن يُدرِك ماذا تعني كلمة سيَّالات و إلامَ تُشير الداهشيَّة حينما تتحدَّث عنها و كيف تتَّخذُ السيَّالاتُ الحالاتِ المادِّيَّة الآنيَّة التي تستحقُّها و كيف تعمل و تتحرَّك و تؤثِّر في الأَشياء و الأَحداث- إذا استطاع القارئُ ذلك، فانَّه يكون قد قطعَ شوطاً بعيداً في فهم التعاليم الروحيَّة الداهشيَّة. و عندئذٍ يَجدُ أَنَّ المبادئَ الداهشيَّة هي في الحقيقة نظامٌ متكامل من القوانين الروحيَّة المترابطة المتجانسة، يتَّصل بعضُها ببعضٍ اتِّصالاً منطقيَّاً وثيقاً . و هي، إلى ذلك ، مبادئُ جميلةٌ غيرُ عسيرةِ الفهم، يعشقُها مَن يفهمُها و يستوعبها.

              *            *            *

و قد يأْخذُ بعضُهم عليَّ استخدامي مُصطَلَحاتٍ لا توافق المعنى الدقيق الذي أَقصدُه ، كاستخدامي كلمة " الوعي الفكريّ" مثلاً ، للدلالة على القوى الفكريَّة الروحيَّة العاقلة في الانسان مما يدعوه الداهشيون بالسيَّالات الفكريَّة القادرة على التسفّل و الرقي الروحيّين. هذه السيَّالات التي يستطيع بواسطتها الإنسان أن يقيّم الأمور و يميّز بين أفعال و رغبات الخير من الشر، و بين الصحيح و الخاطئ من الأمور و الأَشياء و المفيد و الضار من الأعمال. و الحق أني عقدت العزم على استخدامِ كلمة ( الوعي الفكريّ) بعد طول تأمّل و تردّد و استشارة يبرِّر ذلك عندي أن لنشاط القوى النفسيَّة جذوراً أو أصولاً فكرية. أفليست السيَّالات الفكرية هي التي تحرّك المشاعر و الأحاسيس في النفس و تولد الميول و الرغبات و الغرائز السفليّة فيها؟

فمن أين تأتينا الميول و الرغبات و النزعات التي تعتلج فينا؟ و كيف نحدّدها أو نصِفُها؟ و بأيَّة مفاهيم و مقاييس ندركها و نتحكَّم بها؟ أليس أفضل ما نحدّد به تلك الحالات هو الأفكار؟ أليس بالأفكار و بالأفكار وحدها، نستطيع أن نكبح أو نؤجج ما ينتابنا من ميول سفلية كالطمع و الحسد و التكبّر و الكذب و السرقة والنميمة و الاعتداء و ما إليها؟...

و لقد عزَّز اعتمادي ايَّاها أن مؤسِّس الداهشيَّة استخدمها لوصف المشاعر السفليَّة ( السيَّالات السفليَّة) التي تراودنا من حينٍ إلى آخر، فهو يخاطب الباري، عز وجلَّ، في ابتهالاته الخشوعية قائلاً:" أبعد عنَّا الأفكار الدنيئة، و لا تجعلها تقرب منّا ..."

كل هذه الامور تجعلني اقول بان قوى الوعي الفكري أو السيَّالات الفكرية هي السيَّالات الأساسية في الكائنات، و في سموّها و انحطاطها الروحِيَّيْن الفكريَّيْن ، تتنوّع و تتقرّر الأمور و الأشياء(1).

و مما قد يُؤْخَذ عليّ الالتباس الناشئ عن استخدامي كلمة روحيّ او روحيَّة في مواضع مختلفة من الكتاب، والحقيقة ان الالتباس ناشئ عمّا تتَّخِذْه الكلمةُ نفسُها على أقلام الكُتَّاب من معانٍ مختلفة؛ فهي تعني حيناً ما هو سماويٌّ أو عُلويٌّ او سامٍ، و حيناً ما يَنْجُم عن المشيئة الإلهيَّة . و قد تعني الجانبَ الثقافيَّ أو الفكريَّ أو الخُلقيَّ من المجتمع، كما تعني أيضاً الجانبَ النفسيَّ غيرَ المحسوس في الكائنات الحيَّة – و في رأْسِها طبعاً الإنسان. و أَنا ، عندما أَتكلَّمُ ، مثلاً ، على السببيَّة الروحيَّة أَو الأَفكار أَو السيَّالات الروحيَّة، فإِنَّما أَقصدُ هذا المعنى الأَخير، أَي الحالات النفسيَّة و الفكريَّة غيرَ المحسوسة. لا عند الإنسان فحسب بل في الأَشياء أَو الكائنات المادِّيَّة كلِّها، بصرف النظر عمَا سبَّب تلك الحالاتِ: هل هي ناجمةٌ عن مشيئةٍ سماويَّة أَم مشيئةٍ إنسانيَّة؛ و بصرف النظر عن مستوى تلك الأَفكار أَو السيَّالات : هل هي عُلويَّة أَم سُفليَّة. و عليه، فقد جاز القول ، مُجاراة لِما نقلَه الشاعر الداهشيُّ حليم دمُّوس من شروحٍ روحيَّة:؟" الظُّلم سيَّالٌ روحيٌّ درَّاكٌ مريدٌ مسؤول." فقد استُخدِمَتْ كلمة "روحيّ" هنا في وصفِ سيَّالٍ سُفليّ؛ أَو ، في تعبيرٍ آخر، لقد استُخدِمَتْ بمعنىً وجوديٍّ أَو كينونيٍّ ، لا بمعنىً تراتُبيٍّ أَو تقويميٍّ.

أَخيراً ، لا يَسَعُني إِلاَّ أَن أُقدِّم شكري و امتناني إلى الصديق الأديب السيِّد طوني شعشع الذي كان له فضلٌ كبيرٌ في مُثابَرتي على تأْليف هذا الكتاب و في ضبط مقالاته لغوياًّ، الأَمر الذي أَسهمَ في توضيح بعضِ ما كان مُلتبِساً. كما أَشكر كلَّ مَن اهتمَّ بمواضيع هذا الكتاب ، و زوَّدَني بملاحظاته

 

إهداء

 

إلى الرجل الذي جدّد إيماني بالله تعالى، و بمراحمه العميمة و طرقه العادلة و رسالاته السماوية

إلى الذي أذكى في نفسي مشاعر الأمل و العزاءَ بعدما كدت أفقد الاطمئنان إلى ما في الحياة من قساوة و مظالم و منغّصات ؛

إلى الرجل الذي حارب الفساد و الشرور و الرذيلة في كلّ أشكالها و انواعها بثبات و عزيمة و عناد؛

إلى الرسالة السماويّة المجيدة التي اتى من اجلها و جاهد واُضطهِد بسببها؛

إلى القِيَم و المبادئ الروحية السامية التي عاش من أجلها و اوقف حياته كلّها عليها

إلى الدكتور داهش أهدي هذا الكتاب.

 

 

In Dr. Dahesh Temple

في هيكل الدكتور داهش

 

 ومحراب أدبه

 

 

إلى ملاك

 

لقد طلعَ الفجر!... فإليَّ إليَّ يا ملاكي الّلطيف

 

حوّمْ في الفضَاء الرحب الواسع

 

وخُضْ في الخِضمّ الّلجِب الشَّاسع

 

ثم اصعدْ والمسْ روحي لمسةً منعشَةً رقيقة

 

وهيّا أكشفْ لي عَن أسْرار الحقِيقة

 

وهنا عاد الملاكُ فحلّق ، فإذا لجناحيه خفقةٌ ورفيف

 

 

 

                                                                                  الدّكتوُر دَاهِش

                                                        من كتاب" بروقٌ وَرعُود"

                                        

داهش الأديب المُعجز

ثقافته

 

من يتتبَّع نشأة داهش والظروف القاسية التي مرَّ فيها طفلاً وحدثاً وشابّا يتعذّر عليه أن يؤكّد أنه سيتمكَّن من تحصيل ثقافة ذات قيمة.

فإنَّه إثر وفاة والده سنة 1920 ، وُضِعَ في شبه مَيْتَم للأمريكان في غزير، لكنَّ صحَّته سرعان ما ساءَت . فلم يُمضِ في المدرسة أكثر من ثلاثة أشهر كانت كلَّ عهده بالدراسة النظامية . لكنَّ الفتى العجيب كان يشعر بميْلٍ قويٍّ جدّاً إلى تحصيل المعرفة واكتشاف أغوارها وأبعادها ، وقد أيَّده الله بذكاء خارق اقترن فيه الإدراك النافذ السريع بالذاكرة الفائقة التي يندر أن يسقط شيء منها بعد أن تستوعبه . فأكبَّ يُطالع ، بنهم ، كتاباً إثر كتاب . وإذْ كانت حاله ، في حداثته، عسيرةً لا تسمحُ له بشرائها ، فقد كان يستأجر معظم ما يقرأه .

ومع أنَّ حياته ، في مراهقته وشبابه ، كانت مُهدَّجة بالارتحالات المستمرّة بين لبنان ومُدن فلسطين والبلاد العربية ، وحافلة بالاهتمامات الروحيَّة واتِّصالاته بالناس ، فإنَّه استطاع ، في مدّة وجيزة ، أن يتحوَّل من مُتلقٍّ للثقافة الى مُعْطيها . فقد باشر وضع مؤلفاته الأدبيَّة الروحيَّة في حوالي العشرين من عمره.

وما أنْ أعلنَ رسالته الروحيَّة للناس ، في إبّان شبابه ، حتى امتلأت ساعات نهاره ومُعظَم ليله باستقبال الوافدين وعقد الجلسات الروحيَّة الإعجازيّة . ولم يمضِ سنتان ونصف على تبشيره القويّ بدعوته حتى بدأ الطغاة يشنّون عليه أعنفَ اضطهاد عَرِفَهُ التاريخ ضدّ صاحب رسالة روحيّة . ومع ذلك، وعلى همومه وأحزانه ، لم ينقطع عن القراءَة والتأليف .

وفي خلال الاثنتي عشرة سنة التي رافقتُهُ فيها قبل هجرته الى أميركا (1963-1975) تكشَّفت لي عظمة ثقافته : إنَّها تمتدُّ من الأدبِ موضوعاً في العربية ومترجماً اليها ، عبر مختلف فنونه ، الى التاريخ والرحلات ، الى الفلسفة والدين ، فإلى العلوم الحديثة كلّها ولا سيّما علوم الفضاء والفلك والإجتماع والإنسان .

وإنَّ أوسعَ مجالٍ ثقافيّ تميّز به وتفرَّد عن سائر الناس هو المجال الفنيّ ، بلا ريب . فقد كانت له خبرة في الفنّ ، ولا سيما الرسم منه وملحقاته ، مُذهلة . ولم تكن الأخاديع الفنية العصرية من تكعيبيَّة وغيرها لتنطلي عليه. وقد استطاع ، في السنوات التي احتجب فيها عن الناس ، إثر اضطهاده ، أن يكتب بمساعدة بعض الداهشيين أكثر من نصف مليون رسالة للفنّانين والمعارض والمتاحف العالمية، الأمر الذي مكّنه من أن يجمع ألوف الكتب الفنيّة النفيسة ، وألوف المنحوتات واللوحات الفنية الأصيلة التي أرادها ذُخراً ثميناً للداهشيّة . ذلك فضلا عن جمعه مكتبة فكريّة تضمُّ نحو ستين ألف كتاب في مختلف المجالات ، وباللغات العربية والفرنسية والإنكليزيّة.

لقد عرفتُ الهادي الحبيب يقرأ بسرعة غير عادية ، ويخطُّ ، أحياناً كثيرة ، تحت الأسطر التي يقرأها . وكان معدّل سرعة قراءته ستين صفحة كبيرة في الساعة الواحدة ، أي ما يُعادل صفحة حاشدة في الدقيقة الواحدة . وكان يجلس، أحياناً ، أكثر من اثنتي عشرة ساعة متتابعة يُنهي خلالها مطالعة كتاب يُناهز الألف صفحة . ولا يقطعه عن قراءَته مَلَلٌ أو جوعٌ أو تَعَبٌ أو شرودُ ذهن . وعلى هذه السرعة ، كان يحفظ معظم ما يقرأه ، ويؤرّخه بالساعة والدقيقة على الكتب نفسها.

أحبَّ في الفنّ أعلام الكلاسيكيين ومن نهجَ على غرارهم ، واستهوته ، بنوع خاص ، الرسوم ذات الموضوعات الاسطوريّة ، وتلك الواقعيّة الغنيّة بمحتواها ومدلولها . وفي الأدب كان له تقدير خاصّ لشكسبير وطاغور وجبران خليل جبران. وكان يُحبُّ كلّ أدب جميل ونبيل وأصيل . أمّا الأدب الفارغ من الصدق ، القائم على مجرّد النحت اللفظي والزخارف والألاعيب البيانية ، أو ذاك المغرور أو المستهدف إثارة الغرائز السفلية ، فلم يكن يُوله أيَّ اهتمام أو اعتبار . وفي الفلسفة كانت له محبَّة خاصَّة لديوجينس وسقراط وأفلاطون . وفي العلم لأينشتاين .وفي الحكماء الروحيين لبوذا وغاندي وعلي بن أبي طالب. وفي القادة السياسيين والعسكريين للإسكندر ونابوليون وهتلر . أمّا الأنبياء فكان يُوليهم تقديراً خاصّاً ، وقد حرص على مطالعة سِيَر أولئك العظماء ومن ماثلهم، وعلى قراءة مؤلَّفات الكُتَّاب منهم .

وكان صباح كلّ يوم ، ومدى عشرات السنين ، ينهض باكراً ، في نحو الرابعة صباحاً ، الوقت الذي تصل فيه الصحف اليومية ، فيتصفَّح حوالي عشرين جريدة أو مجلَّة عربيَّة، بسرعة غريبة ، واضعاً إشارات مميّزة على المُهم من أخبارها، بحيث تُقَصُّ فيما بعد لتضمَّها ملفّات مبوَّبة حسب الموضوعات .

وكم من مرَّة كنّا نُجالسُه واجمين فإذا به يدفعنا الى جوّ من المرح والفكاهة باستدراجنا إلى مُساجعته أو مُباراته في كتابة موضوع نختاره ، وقد يكون بيننا أدباء وأساتذة مزهوّون بتضلّعهم من اللغة العربية وبامتلاكهم زمام الإنشاء ، فتنتهي المساجعة أو المباراة الكتابيَّة بيننا، على الدوام ، بانتصاره علينا .

غير أنّ ثقافة الهادي الحبيب الواسعة الفذَّة التي حصَّلها بجُهده الخاص كانت ، أحياناً كثيرة ، تختلط بالمعرفة الروحية التي يُلهمه إيّاها الرُّوحُ العليّ ، بحيث لا نكتشف الأمر إلاّ بعد أن يتركه الرُّوح ، أو يتجلَّى فيه مُعلناً عن نفْسه . فقد سمعتُه عشرات المرَّات يُعْلن لنا ، في سياق محادثاتنا، تواريخ أحداث ماضية ، كنَّا نعْجَبُ من حفظه إيّاها حتى نرتاب بصحّتها فنتحقّق منها في المراجع المختصَّة، فإذا هي في غاية الدقة . ثم ما نلبث أن نكتشف أنّ الرُّوحَ هو الذي كان ينطق فيه مُتَخفّياً .

وأسطعُ ما في هذا المجال الثقافي الإعجازيّ نطقه بمختلف اللغات الأجنبيّة . فالهادي الحبيب لم يكن يجيد إلاّ العربيّة قراءَةً وكتابة ، لكنَّ الرُّوح العليّ كان يحتلّه ، أحياناً كثيرة ، فيحدّث زائريه أو سائليه بلغاتهم المختلفة ، لا سيَّما في حال شرحه التعاليم الروحيَّة الداهشيَّة .

وقد أشرتُ في الفصل الأول من سيرته الى نطقه بالانكليزية إذ كان في المهد مريضاً ، والى محادثته هنديّاً بلغته الهنديّة ، وهو ما يزال صبيّاً . وقد أعلمني الأخ سليم قمبرجي الذي رافقه في رحلته الى أفريقيا السوداء سنة 1971 أنَّه كان يُحادث الزنوج بلغاتهم المحليّة . وقد تسنّى لي أن أراه يُكالمهم في فيلم سينمائي التقط فيه الأخ سليم بعض مشاهد لتلك الرحلة .

كذلك حدّثني الأخ شفيق المقدّم الذي رافقه في رحلته الى نيجيريا أنَّه في 28 كانون الثاني 1971 ، أجرى الهادي الحبيب معجزة أمام الكولونيل جوزف أميني j.Amminy رئيس جمارك نيجيريا الشمالية ، وكان يطلب من شفيق أن يُترجم أقواله للكولونل الى الانكليزيّة ؛ وإذ تعسّرت الترجمة على شفيق طفق الهادي الحبيب ، وقد ارتعش بالرُّوح ، يتكلّم الانكليزيّة ببلاغة وطلاقة غريبتين حتى ادهش مُحدّثه الذي كان يتمتَّع بثقافة انكليزيّة عالية .

كذلك أفضى إليَّ الأخ المهندس جوزف شكّور أنه في 18 كانون الثاني 1974 ، وبحضوره ، اجترح الهادي الحبيب معجزة للآنسة موريال ولكنسن MURIEL WILKINSON، ثم أفاض في شرح المبادئ الداهشيّة بالانكليزية لها ، الأمر الذي أدهش الحاضرين .

وروى حليم دمّوس مؤرّخ الوقائع الداهشيَّة أنه في 27 أيار 1942 ، زار الدكتور داهش صديقه المدّعي العام المركزي الاستاذ ديمتري الحايك في منزله الكائن في طريق النهر من مدينة بيروت. وبعد تبادل الأحاديث المختلفة ، فاجأه الحايك بسؤاله :

هل لك ، يا دكتور ، أن تقرأ في هذا الإنجيل الافرنسي وتُترجم لي ما تقرأه؟ فإذا فعلت – وأنا موقن أنك تجهل الافرنسية- فإنك تكون حقّا قد ملكت زمامَ الروحانيَّة.

وسرعان ما ارتسمَتْ الدهشة البالغة على أسارير وجه الأستاذ ، وذلك عندما شاهد الدكتور داهش قد فتح الإنجيل وأخذ يقرأ بلغة افرنسية صحيحة ؛ ويُترجم ما يقرأه بسهولة وانسجام تامَّين. فصاح ، إذ ذاك ، قائلاً :

-        أقسم بالله أن اللهجة التي تقرأ بها لأفضل من لهجة اليسوعيين الافرنسيين المتعمّقين بدراسة لغتهم... لقد آمنتُ الآن بمقدرتك الروحية وعالم الروح الخالد .

وخلاصة القول إنَّ ثقافة الهادي الحبيب كانت من أوسع الثقافات التي يمكن أن يُحصّلها إنسانٌ في القرن العشرين ، وذلك على ندرة أوقات فراغه . يُضاف اليها معرفة غير بشرية يمدُّه الرُّوحُ العليّ بها في ظروف مفاجئة ؛ أحياناً كثيرة .

ويمكن تبيُّن عظيم حبّه للمعرفة من خلال قولين له . يقول في احدهما :

" أحبُّ الكُتُبَ حُبَّ السكارى للخمر ، لكنّني كلّما ازددتُ منها شربا زادتني صحواً "

ويقول في الثاني ، وقد دوّنه في الساعة الخامسة والنصف من مساء 10 تموز 1975 "

" أحبُّ مطالعة الكُتب على اختلاف أنواعها . سواء أكانت أدبيّة أم فلسفيّة أم دينيّة أم علميّة . ولي رغبة شديدة بمطالعة كتب الرحلات الافريقية والبحرية الخ الخ... فتراني استغرق في مطالعتها غائصاً في لججها ، سابراً لأغوارها ، مُنَقّباً في مجاهلها ، وهكذا تمضي الساعات وهي سميرتي في وحدتي دون أن أشعر بتسرُّب الساعات وانقضاء أجلها ، وذلك لاندماجي بما أطالعه من شتّى الحوادث والأحداث الشيّقة".

من يعرف مشاغل الهادي الحبيب المتنوّعة ، واهتماماته الروحيّة الكبيرة ، ورحلاته الكثيرة ، واستقبالاته لعشرات الألوف من الناس ، الناس الذي يقصدونه منذ ساعات الصباح الأولى حتى ساعات الليل المتأخرة ، يتعرّفون الى شخصه ، أو يستفسرون عن الداهشيَّة، أو يسألونه المعونة الماديّة أو المساعدة الروحيّة ، أو يتجسَّسون أخباره.. من يعرف كلَّ ذلك وغيره بعجب لعدد المؤلَّفات الأدبيّة والروحيَّة وسائر الكتابات التي وضعها . لكنَّ العجب من غزارة التأليف سرعان ما يتحوّل إلى عجب من السرعة الفائقة التي يكتبُ الهادي الحبيب بها .

فقد شاهدتُه بأُم عيني ، عشرات المرّات ، وهو يكتب ، بل باراني كما بارى غيري في موضوعات كنّا نختارها ، فاذا به يُحبّرُ عدَّة صفحات في دقائق لا نستطيع خلالها أن ننجز أكثر من عدّة أسطر . لقد كادت كتابته تكون بسرعة تكوُّن خواطره وعواطفه ، وبالضبط بالسرعة التي تستطيع اليد الحثيثة أن تجري فيها على القرطاس مُلبية اندفاقة أفكاره وأحاسيسه. ويُناهز معدّلها كتابة سطر متوسط الطول في ستّ ثوان ، أي كتابة صفحة من عشرين سطراً بدقيقتين فقط . وقد رافقه مؤرّخ الداهشيّة حليم دمّوس في أثناء كتابته " مذكّرات دينار"، ولَمَس ما لمستُه، وشَهِدَ أنَّه كتبه في تسع ساعات موزّعة على سبعة أيّام .

أمّا الميزة الأولى في كتاباته فهي أنه يكتب بعفويّة ، عجيبة ، من غير كدّ الذهن ، ولا التذكّر ، ولا المراجعة ، فالأفكار والانفعالات والعواطف تتزاحمُ في ذهنه وقد اتّخذت أجسادها من الصور والتعابير، لتفيض منه كما يفيض من النبع الماءُ النمير ، أو من الشمس الضوءُ المنير ، أو من الوردة طيبُ العبير ! وندَرَ أن شهدتُه يمحو عبارةً كتبها . فكأنَّ كتابته هي أحاديثه نفسها وقد أُرسلت على سجيّتها ، تارةً يُناجي بها نفسه ، وطوراً يُناجي الله أو الرُّوح أو القِيم العليا أو الحبيب أو الطبيعة ؛ مرَّة يُرسل رأيه في الناس والأحداث ، في الحياة والموت ، مباشرة ، ومرَّةً أُخرى يُرسله، مداورةً، بصوت غيره . إنَّها الحياة سافرةً عارية ، موحَّدةً الجوهر ، متعدّدة الوجوه ؛ وهي الجمالُ بسيطاً عميقاً أخّاذاً يمسح الكائنات والأشياء ، الأحداث والأحوال ، المكان والزمان ، بأجنحته العجيبة !

لقد وضَع الهادي الحبيب حوالي تسعين مؤلّفاً روحيّاً – أدبيّاً – فضلاً عن ستة وستّين كتاباً أسود ومئة وخمسة وستين بياناً أسود في فضائح بشارة الخوري ومخازي عهده ورجاله . وإذ كان أكثرها ما يزال مخطوطاً غير مطبوع ، فمن الصعب إعطاءُ فكرة شاملة مفصّلة وافية عنها . على أنه يمكن تصنيفها ستة أصناف ، لا تدخل فيها الكتابات السوداء :

الصنفُ الأوَّل يضمُّ الكتابات الروحيّة الموحاة ذات الطابع القُدسي ، وهي كتاب الهادي الِإلهيّ ، ومذكّرات يسوع الناصري ، والديانة الداهشيّة ، وأسرار الموت وغيرها ممّا سيُعلن ويُنشر في يومه الموقوت . والكتاب الأوَّل إرشادات وإيضاحات روحيّة أوحتها الأرواح القدسية بأسلوب يغلب عليه الإيقاع المسجَّع . والثاني أوحته روحُ المسيح نفسها ، وفيه رواية حياته غير المعروفة ، ولا سيّما أسرار الأعوام التي ما قبل الثلاثين ، وجلاء لغوامض وألغاز روحيّة كثيرة .

والصنفُ الثاني يضمُّ المؤلّفات ذات الأبعاد الاسطوريّة ، أو غير الأرضيّة ، وفيها : النعيم ، والجحيم ، كلّ منهما في ثلاثة أجزاء ، وعشتروت وأدونيس ، والإلهات الستّ . والأَساطير ، في مفهوم الداهشيّة ، ليستْ جميعها أوهاماً وخرافات ، بل في أساس الكثير منها وقائع أرضيَّة أو غير أرضيَّة شوَّهتها مفاهيمُ الناس وزوّرتها أقلامهم ، وبيَراعة الهادي الحبيب تستعيد حرارتها وواقعيّتها الأولى . أمّا كتاب النعيم فينطوي على وصف رائع أخّاذ لمشاهد مُفتلذَة من الدرجات العلوية المئة والخمسين حيث تحيا الكائنات المستحقّة في معرفة وغبطة ومجد هيهات أن يُدركها البشرُ إلاَّ بخيالهم . وأمّا كتاب الجحيم فقد طوَّف خيال الهادي الحبيب في دركاتها المئة والخمسين ، فأنطق أهوالها الغريبة وآلامها الرهيبة . وإذا ما قورنت أوصافه النعيميّة أو الجحيميّة بما كتبه مؤلّفون عظام في هذا الموضوع ، وعلى الأخصّ أليغياري دانتي في الكوميديا الإلهيّة ، فإنك تعجب لتفوّقه في غرابة خياله ، واتساع أبعاده ، وتنوُّع أوصافه ، وغزارة رُؤاه ، وصدق مؤَدَّاه . فكأنّه جوّل بنفسه في العوالم العلويَّة والسفليَّة ، ورأى بأمّ عينه مسرّاتها وويلاتها وأفانين ملذّاتها وعذاباتها ، فوصفها وصفاً حيّاً دقيقاً جعله في متناول المدارك البشريّة .

والصنفُ الثالث يضمُّ المؤلّفات الأدبيّة الروحيّة التي تُصوُّر نفسيَّة الهادي الحبيب في أدقِّ اختلاجاتها وانفعالاتها وتأمّلاتها، وأصدق عواطفها ومطامحها وتصوّراتها . وهي تشمل عدداً من كتبه . وفيها : ضجعة الموت ، ونشيد الأنشاد، ونزوات قلب ، ونشيد الحبّ ، وانجيل الحبّ ، وقدس الأقداس ، ووحي الغاب ، والدهاليز ، وكلمات ، وبروق ورعود ، والقلب المحطّم ، وجحيم الذكريات ، وأسرار الآلهة ، وقيثارة الآلهة ، ونبال ونصال ، وعواطف وعواصف ، وناقوس الأحزان ، وقيثارة الأحزان أو روح تنوح ، والصواعق ، وصواعق داهشية .

ويمكن تصنيفُ هذه الكتب الوجدانيّة أو محتوياتها في ثلاث مجموعات رئيسيّة : مجموعة يتغنّى فيها بالحبّ القويّ والجمال الساحر الفتّان وما لهما من أسر للنفوس وسلطان على القلوب. فيشعرنا بأنَّه قريبٌ منّا ، يُعاني تجاربنا ، ولكن بوعي نفّاذ لواقع الرجل والمرأة ، وروح سامية مؤمَّرة على الشّهوات والنزوات . ومجموعة ثانية يصف فيها غربته الروحيّة بين أناس لا ينتمي إليهم إلاّ بعناصره الجسديّة ، وآلامه من هذه الغربة ، وسأمه من حياة فارغة باطلة ، وحنينه الى العودة الى وطنه الروحيّ الأصيل ، هذا الحنين الذي يشرعُ الموت جسر خلاص ، وحبيباً جميلاً مُنقذاً يناجيه برقّة ومحبّة كما لم يُناجه شاعر من قبل؛ والى ذلك يخشعُ أمام الله والأرواح القدسيّة ، ويصعّد ابتهالات لا أحرَّ ولا أجمل ، ويسخطُ على المظالم والمفاسد وتجّار الدين المرائين وكأنَّه على رؤوسهم انقضاضُ الصواعق وانصبابُ الحِمم . ومجموعة ثالثة يبكي فيها أحبّاءَه وشركاءَه في الجهادِ الذين سبقوه بالانطلاقِ من سجن الأرض ، وفي طليعتهم الشهيدة الأولى ماجدا حدّاد ، ووالدته السيدة شموني ، والأخ الدكتور جورج خبضا.

والصنف الرابع يضمُّ المؤلّفات ذات الأبعاد النقدية الاجتماعيّة والنفسيّة ، وفيها : مذكّرات دينار ، ومذكّرات عتّال ، وأسرار التنويم المغنطيسي ، وفضح المشعوذين باسم التنويم المغنطيسي وهتك تدجيلهم . والكتابُ الأوّل يضعُ المجتمعات البشريّة على المشرحة ، في قصة متسلسلة الأحداث تكاد تغطي النصف الأول من القرن العشرين ، شاملة الحربين العالميتين ، ثمَّ قافزة الى أواخر القرن في رؤيا رهيبة ملهمة يتصوَّر الهادي الحبيب خلالها انفجار حرب عالميّة ذريّة ثالثة تضعُ الخاتمة الفاجعة لحضارة فرغت من نسغ الفضيلة ولبشريّة لم تنجع فيها جهود الأنبياء والمصلحين الحُكماء . وفي سياق القصّة ينتقد الأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة ، والقِيَم المزيّفة ، ووعود الدول الكاذبة ، وسعي الإنسان المحموم وراء المال والشهوة ، لا يردعه عنهما شرفٌ ولا ضمير، ومن أجلهما لا يتحرَّج من اقترافِ الجرائم المُنكرة ، بحيث يتأكَّد أنّ هاتين القوّتين هما اللتان تحكمان الأرض ، وفي فلكهما تدور سائر القوى .

والصنفُ الخامس يضمّ الكُتُب التي يصفُ فيها رحلاته الى مختلف أرجاء العالم ، وهي وثائق تاريخيّة واجتماعيّة وفنيّة ذات قيمة كبرى . فالهادي الحبيب كان يصفُ عادات المجتمعات وأخلاقهُم وملاهيهُم ومرافقهُم التجاريَّة بمنتهي الدقّة ، ويصفُ المشاهد الطبيعية والمُشيَّدات العمرانية وصفاً واقعياً يستحضرُ أمامك المنظر. وليس من متحفٍ أو معرضٍ فنّي إلاّ دخله ووصفه ، حتى يُمكن القول إنّ كُتُب الرحلات هي أصدقُ ما كتبته يراعةٌ في موضوع الرحلة . والجديرُ بالذكر أنه كان يُسجّل أوصافه وانطباعاته في اللحظة نفسها من غير أن يدع للزمن أية فرصة للعبث بالصورة الواقعيّة والانفعال الفوريّ . في الطائرة كما في القطار ، وفي الحافلة كما في السيارة ، كان يُسجّل مذكّراته ، وكلّما وقف في معرض أو أمام مشهد . وكان يُرافق ذلك كلّه تسجيل دقيق للأوقات يشمل تنقّلاته جميعها وما تستغرقه من منطقة الى أخرى ، ولا سيّما في الطائرات والسيّارات . وقد انبسطت رحلاته على الشرق والغرب ، العواصم المتحضّرة والقرى المتخلّفة ، الجبال والسهول والسواحل، الغابات والرياض والبراري . فمُدُن الولايات المتّحدة عرفت خُطاه ، وعواصمُ سكندينافيا ، وبلدان أوروبا ، كما عرفها الاتحاد السوفياتي والهند وأفريقيا السوداء، كذلك جميع البلاد العربية .

أمّا الصنفُ السادس فيضمّ الكُتُب التاريخيّة التي تتناول وقائع حياته ولا سيّما في مرحلة الاضطهاد ، وبينها كتاب "من وحي السجن والتجريد والنفي والتشريد" ، في عدة أجزاء ، وكتاب " بريء في الأغلال أو يوميّات سجين الغدر والخيانة " وفيهما رواية للمؤامرة النكراء التي نسجها الطغاةُ وزبانيتهُم لإِهلاكه ، وما عانى من عذاب واضطهاد ، وما قام به من كفاح وجهاد من أجل كسر شوكة الظالم وردّ كيْده الى نحره ، واسترداد الحقّ السليب.

إنّ كتابات الهادي الحبيب ، على مختلف أصنافها ، تعودُ بالأدب الى معناه الأصيل ، التعبير الصادق العفويّ عن تأثّرات النفس بحركاتها الذاتية وبعلاقاتها بالله والإنسان والطبيعة ، وذلك في صيغة مُدهشة بجمال بساطتها . إنَّها المدماك الأصيل الأساسي لصرح الأدب العالميّ الجديد ، بعد أن كادت الصنائع الأدبية تفقد معناها ، وتتحوّل إلى أزياء شكلية ، وبهلوانات خيالية أو فكرية أو لفظيّة ، شأنها شأن الفنون الأخرى التي طغى عليها التهريج والنفاق .

إنّ القيم الأدبيّة والفنيّة الرائجة ، اليوم ، في العالم ، هي بمعظمها قيم مزيّفة ، لأنّها انعكاسٌ للقيم والمقاييس الإنسانيّة المزيّفة التي تستوحيها . إنَّ الأدب إذا لم تتّحد فيه عناصرُ الجمال والحقّ والخير ليس أدباً حقّا . والأدب الذي لا يجمع فيه براءَة الطفولة وعزم الشباب وحكمة الشيخوخة ليس أدباً حقّاً . والأدب الذي لا يهدي النفس ويبني المجتمع ويُقوّض قلاع الباطل والرذائل وهو يهزُّ أوتار الجمال في الإنسانِ ليس أدباً حقّاً . ذلك ما اضطلعت به كتاباتُ الهادي الحبيب ، فكانت صرخة البوق المدوّية لإعادة العافية إلى الجسم المريض ، حتى تستقيم الموازين وتستردّ الحقيقة الأدبية قيمها الأصليّة .

بدأ مؤسّس الداهشيّة عهد الكتابة وهو لم يُناهز العشرين من عمره ، فإذا ما خطَّه في تلك السنّ الباكرة يُضارع ما خطّه بعد أربعين سنة في نضجه العاطفي ونفاذه الفكريّ وبيانه الأدبيّ ، حتى لتعجب لابن العشرين كيف خبر الناس، وعركَ الدهر ، وسئمَ الحياة ، وأحسَّ بالغربة الروحيَّة ، وحنّ الى الموت ! وتعجب لآرائه كيف لم تتقلّب وتتضارب وتعرف الوِهاد كما عرفت الشوامخ !

وإذا هو لم يُبدّل رأياً في أي موضوع طوال تلك العقود ، ولم يعتور كتاباته أيّ خلل على مرور مختلف العهود ، فلأنه استمدَّ معانيه ، منذ البدء ، من ينبوع الحكمة الأزليّة ، ومصدر القِيَم الروحيّة ، فهيمنَ الاتزانُ على أفكاره ، وسطعت الحقيقة في كلماته ، وتوحّدت رؤيته الشاملة الى العالم ، فما اضطربت ولا تناقضت ، بل ترافدت كتاباته وتضافرت لتشيّد صرحاً روحيّاً أدبيا يتعالى بين سائر الصروح كمعبد جميل تدخله بهيج العين ، ولكن خاشع النفس !

وعهْدنا بالأدباء ينجح أحدُهم في المواقف الملائمة لطبعه ويفشل في غيرها . فنرى بعضهم يبرع في مواقف القوة والغضب ، بينما يبرع الآخر في مواقف الرقّة والحنان . وينجحُ هذا في الأسلوب الخياليّ الرمزي ، بينما ينجحُ الآخر في الأسلوب الواقعيّ . لكنَّ الهادي الحبيب لم يقتحم ميداناً إلاّ كان فيه السبّاق المُجلّي . فقد جمعَ في نفسه النسائم والعواصف ، والمزمار والأرغن ، والقيثارة والكمان ، ومختلف الأوتار والألحان . فهو الآلة الموسيقيّة الحيّة التي تعزف عليها روحُ الطبيعة بمختلف سيّالاتها ، بل التي تعزف عليها يد القدير بأصابع الأرواح العلويّة !

ولعمري ، إن في الثبات على المستوى الرفيع الواحد ، في الرأي والبيان ، أكثر من أربعين سنة ، مع القدرة على الكتابة الناجحة في شتّى الموضوعات والأساليب لمعجزة أدبيّة وخارقة فكريّة!

Dr. Dahesh between his leterature planets

الإِهْــدَاء

 

إلى الذي سقَاني خمرة الحقيقة معصُورَةً من كرمةِ الآزال

إلى واصِل السَّماء بالأرض وَوَاهِبِ الدّنيا أقدسَ وَأسمى نوالِ

إلى الأديب العملاق، سكّاب الإبدَاع، نظَّام اللآلي

المجْتني ثمار أفكاره السَّامية من فراديس الحُبّ والفنّ والجمالِ

العازف لحن الخلوُد الإلهيّ على قيثارةِ الصّدقِ والحقّ والكمالِ

النّاثر كويكبات الأنوار في عالمٍ دجُوجيّ مهين الصّلصَالِ

إلى الذي هَزّتني كلماتُه السَّماويَّة، وشدهني قلمُه الحقّاني السّيّالِ

وأدهَشتني سيرتُه البُطوليّة، وأذهلتْني منهُ أعاجيبُ الأعمالِ

إلى مهدّم سدودِ الجَهْل ورافع مَداميك لا يُدركها جناحُ الخيالِ

إلى داهش العالمين أرفعُ كتابي هذا، فهو كأسٌ مُلِئَتْ من خمر وحيهِ الهطالِ

 

بيروت في 21/3/81

                                    نجوى بْراكس

 

 

 

ليــتَني

 

 

ليـتني كالطّير الشـادي على أفنَـان الشجر

فـي فجـر شبَـابٍ زاهٍ يتوِّجُـهُ الزهَــر

ليـتني كالأثيـر الرقيـق يعبَـث بالقمـر

صَاعـداً هَابطـاً فـي دعَابَـةٍ وسَمَــر

غائِصاً في اليـمّ حيث أبلـغ أغلـى الدّرَر

باقيـاً حتى النهايَة حيث لا يحيا الكـدر !...

 

من كتاب "بروُق ورُعُود"

 

الأدب صورةُ الأديب

 

الأدب صورةُ الأديب ، سواء أكانت مباشرةً تعكس صفاته ومقدرته ومزاياه كالمرآة ، أو تُعبّر عن شخصيّته وإحساساته وأفكاره ورغباته واتّجاهاته بطريقةٍ تعويضيَّة رمزيَّة ، مثلما هي الحال عند نيتشه (1844-1900) وجبران خليل جبران (1883-1931). ذلك بأنَّ الفنّ – على حدّ قول الدكتور غازي براكس أستاذ علم النفس الأدبيّ في قسم الماجستر بكليّة الآداب في الجامعة اللبنانيّة –" ليس له وظيفة تصوير الحياة وتكثيفها فحسب ، بل له أيضاً عدّة وظائف سيكولوجيّة أُخرى . منها أن يكون علاجاً نفسيّاً فيه تعويضٌ أو عزاء عن الواقع ، أو إكمالٌ له ، أو فرارٌ منه ... ولهذا السبب كثيراً ما يضع الفنّان في آثاره لا ما هو عليه حقيقةً ، بل ما يظنّ أنّه هو ، أو ما يُريد أن يُصبح ، أو ما يعجز عن أن يكونه ، أو ما يخاف أن يصير إليه "(1).

 

وفي جميع الأحوال فإنّ الأدب يُفصح عن قوَّة الشخصيّة وعظمتها وبطولتها وفَرَادتها وفذوذيّتها ، أو عن ضعفها وعاديّتها وجبانتها وبساطتها .

 

قال الناقد الفرنسيّ سانْت بيف لمّا أراد أن يُحوّل الاهتمام من الآثار الأدبيّة إلى الأدباء :" حين تعرف الشجرة تعرفُ الثمرة ".

والآن لا بُدَّ من طرح السؤال التالي :

 

 

من هو الدكتور داهش؟

 

لشخصيَّة الدكتور داهش تكوينها الخارق ، فلا يملكُ مَنْ يتعرَّف إليها إلاّ الإِحساس العميق بالاحترام والتقدير والإعجاب إزاءَها .

 

وإنّك لترى فيها سِمات العظمة والشموخ والأدب الناضج وروعة السّبْك، وتلمحُ فيها أنوار الحكمة والعبقريّة والموهبة والبطولة، وتقتبس منها العلم والمعرفة ، وتستقي إِكسير الفنّ والجمال ، وتلاحظ فيها نهر الزَّمَن الواصل الغابر بالحاضر ، نهراً لا يُمكن عبوره والغَوصُ في أعماقه !

 

فمن المستحيل فَهْمُ هذه الشخصيَّة الفذَّة فهما كُلّياً ، وتقويمها تقويماً يَفِيها حقَّها ، وتحليلها بشريّاً مهما جَالسْتَها وحَادثْتَها وقرأتَ عنها !

 

لقد تفرَّد الدكتور داهش ، في القرن العشرين ، عن جميع مَنْ تَطَأ وستطأ الأرض أقدامهم ، بأعمالٍ معجزة خارقة قام بها منذ طفولته ، وكانت سبباً في تأسيس رسالة روحيّة انْطلَقتْ يومَ عُقِدَتْ أولى الجلسات الروحيّة التي اجتُرِحَتْ خلالها الخوارقُ والمعجزات ، بتاريخ 23 آذار 1942 .

 

ومنذ هذا التاريخ بدأ المؤمنون يتوافدون عليه أفراداً وجماعات ، معتنقين رسالته الداهشيَّة .

 

وقد آمن بها عددٌ من الأطبّاء والأدباء والمثقّفين ، منهم : الشاعر الفلسطيني مطلق عبد الخالق(2)، والأديب يوسف الحاجّ ، والشاعر حليم دمُّوس، والدكتور جورج خبْصَا ، والأديبة الفنّانة ماري شيحا حدّاد ، والدكتور فريد أبو سليمان ، والدكتور غازي براكس الذي حاضر مراراً عن الداهشيّة في الجامعة الأمريكيّة ، ومعهد الحقوق في الجامعة اللبنانيّة ، وفي غيرهما ....

 

والذين آمنوا بالعقيدة الداهشيّة (3) انتشلتهم مبادئها من أسفاف المادّيّات الى سماء الروحانيّات ، فسُجِنوا لأجلها ، وجَاهَدوا لنُصْرَتها ، وبَذَلوا في سبيلها الأرواح والأموال .

 

تقول إملي فارس إبراهيم الأديبة اللبنانيّة :" إنَّ في تفاني أتباع داهش وتحمّلهم شتّى الاضطهادات نسوةً ورجالاً ما يستوقفُ الأفكارَ حقّاً "(4).

 

وفي 28 آب 1944 حدثت جريمة القرن العشرين التي أدّت إلى إِلقاء القبض ظُلْمَاً على مؤسّس الداهشيّة ، وتجريده افتئاتاً من جنسيّته اللبنانيّة ، وسَجنه ثم تشريده . فما كان من الشاعر الداهشيّ حليم دمُّوس إلاَّ أن نظَّم عدّة قصائد رائعة في هذه الحادثة الفاجعة نكتفي منها بهذين البيتين :

 

"كـذاك داهشُ يشقـى

 

                     في السجن رهنَ القيود

 

مـاذا جَنـاهُ ليلقـى

 

                     نَفْيَـاً وراءَ الحدود ؟!"

 

نعم ، ماذا جناه هذا المُصلح العظيم ؟ وماذا يقول لبنان بهذا الظُلم الهائل يُحيق بالبريء المظلوم ؟

 

إنَّ سبب اضطهاد داهش هو لأنّ جورج حدّاد – عديل بشارة الخوري – وزوجته ماري حدّاد ، وكريماتهما الثلاث قد اعتنقوا الداهشيّة ، وآمنوا بمؤسّسها إيماناً راسخاً لا تزعزعُه هوجُ العواصف ، وهبوبُ الزوابع ، فانفصلوا عن الكنيسة الكاثوليكيّة ، وآمنوا بالنبيّ العربيّ إيمانَهم بالمسيح فاديهم ، حسبما تُملي عليهم عقيدتهم الجديدة القائمة على وحدة الأديان ؛ وراحوا يعاينون المُعجزات الملموسة ، وينهلون الحقائق من منابعها الإلهيّة الصافية ، وهي حقائق تُدين الكثلكة ، وتفضح مآرب ومشارب رجال دينها المرائين .

 

وكم كان جميلاً لو استجاب أبناء لبنان لندائه الروحيّ ، ونفّذوا تعاليم رسالته الهادية ، وساروا في ركابه ليبلغوا مرفأ السعادة !

 

لكنّهم أرادوها حرباً لا هوادة فيها ؛ فصمدَ رجلُ الروح وحيداً ، مُحارباً دولة تألّبت عليه بجميع أجهزتها : فمن رئيس الجمهوريّة ، الى الشخصيّات الرسميّة ، إلى النيابة العامّة ، إلى شراذم المجرمين ، إلى عصابات القتلة والسفّاحين ، ثمّ المأجورين من المشعوذين ، يتبعهم رجال الدين ، وأخيراً أرهاطُ الصحفيّين ....ليُرضوا صاحب الصولجان اللعين .

 

فانتصر عليهم جميعاً ، بعونه تعالى ، وبمؤازرة أتباعه المخلصين ؛ وكان المُعْتَدون خاسرين الحياتَين : الدُنيا والآخرة ، مُخلّدين أسماءهم في سجلّ الجرائم الأبديّ اللعنات .

 


 

cover 1

 

لقد تواروا

 

أين الملوك الذين ساروا في سالفِالأعوام؟

أين القياصرة والأكاسرة والجبابرة العظام؟

أين قوّاد الكتائب وأين الفاتحون الطُّغام؟

أين الكرماء الأعزّة وأين الأذلّة اللئام؟

أين الكواكب الغيد الرائعات الحُسن والقوام؟

ويلاه...لقد أصبحوا جميعهم رُكاماً مُكّدسة العِظَام؟

 

 

                                                         الدكتور داهش

                                                     من كتاب "بروق ورعود"

 

 

 

أشباح الرعب الهائل

وأطياف الجزع المُزلْزل

 

أجل، إنّهما سفْران عملاقان لرجلين عملاقين. لكنّ دانتي أليغييري (1265-1321) شيّدت صرح عظمته الشامخة سبعة قرون وضعت في سياقها ألوف الدراسات عن شاعريّته؛ بينما بنى داهش برج عظمته السامقة- وهو ما يزال رهين الحياة- بخوارق أعماله الفائقة وعجائب أدبه الخارقة!

وليت" جحيم الدكتور داهش" و"نعيمه" كانا مطبوعين بجميع أجزائهما(1)، إذن لكنت عقدت مقارنة فذّة بين الأسفار الداهشيّة الستّة وأقسام" الكوميديا الإلهيّة"(2) الثلاثة: الجحيم والمطهر والفردوس. ولكنّ تهيّؤ "جحيم داهش" بجزئه الأوّل فقط في يدي اضطرّني لقصر الدراسة عليه في مقارنة بينه وبين" جحيم دانتي". والبحث العادل كان يقتضي مقارنة "الجحيمين" كاملين؛ ولكن، مع ذلك وجدت أنّ المقارنة بين ثلث "جحيم داهش" وكامل "جحيم دانتي" كافية لتؤكّد أنّ الرجل الذي طبّقت الآفاق أنباء مُعجزاته سرعان ما ستُبْهر الأحداق شموس مؤلّفاته، وأنّ الذي أدهشَ العقول بآياتِ الرُّوح المتجلّية على يديه، سيشدهها بآياتِ الأدب المتدفّقة من خياله الجبّار وينابيع أصغريه (3).

ومع أنّ كتباً كثيرة تناولت، قبل دانتي وبعده، أوصاف الجحيم، مُفصّلة أو مُوجزة(4)،فإنني لم أقف إلاّ عند أشمخ ذروة بلغها الأدب الوصفيّ لعالم العذاب والعقاب، قبل ظهور الدكتور داهش، وقد رأيتها متمثّلة "بجحيم" دانتي، ولذا لم أجد أيّ كتاب سواه حريّا بالمقارنة" بجحيم داهش". ونظراً لخصب الكتابين وإتّساع آفاقهما كان لا بدّ لي من الإيجاز والتكثيف.

وفي هذا البحث المقتضب الذي هو أشبه بالدليل لمن يودّ التعرّف لبعض المعالم البارزة التي سيلقاها خائض الرحلة المُدهشة المُذهلة الى العالم الرهيب العجيب، رأيت أن أنهج خطّة المقارنة التالية:

1-   عوامل تأليف" الجحيم" عند دانتي والدكتور داهش.

2-   مفهوم الجحيم عند كلّ منهما.

3-   بيئة الجحيم الطبيعيّة ودور الشياطين وزبانيتهم فيها.

4-   التعذيب: عناصره وفنونه.

5-   أحوال المُعذّبين.

6-   مقارنات بين أحوال وموضوعات متشابهة في السّفرين.

أخيراً، تقويم وخاتمة.

Studies of Dinar

 

بَشريَّة ضَالّة

 

أيَّتهَا (الحقِيقة )الضَّائِعَةُ في خِضمّ هَذا الكَون الحَرُون

نحْنُ نخَافكِ ونَهَابكِ وَلا نريدُ أن نَدْنُو منكِ

تسْعينَ إلينَا وتنادِينَنَا كالأُمّ الحَنُون ونحنُ نُوغِلُ في البُعد عَنكِ

نَعم أيَّتهَا الحقِيقة الغَرّاء كم نَفَرت نُفُوسُنَا من مَرآكِ

وَكم أنكَرَت أُمَمُ الأَرض رَوَائعَ مزاياكِ

أنتِ تُردينَ هِدَايَتَنَا وَنحْنُ في ضَلالِنا عَامِهُون !...

 

                                      من كتاب "بروقٌوَرُعود "للمؤلّف

 

 

 

 

دينارُ داهش

صوتُ الديَّان النذير

 

                                                  بقلم ماجد مهدي

                                       صاحب ومدير ثانويّة النهضة العلميّة

 

أتُراه معجزةً حتى في أدبه !

نعم ! أقولُها ، وكفى بالله شهيداً . فمؤلَّفاتُه التي أغنت الأدب العربيّ والعالميّ منذ أكثر من نصف قرن قد شقَّت طريقها إلى المجد رغم مساعي الطغاة والحاقدين والحاسدين الذين ساءهم أن يتبوّأ داهش – نعم ، داهش الذي لم يدخل المدارس والجامعات ، ولا تتلمذَ على أحد ، بل كانَ تلميذ نفسه ومعلِّمها، ومؤَدّب نفسه ومهذِّبها – ساءهم أن يتبوّأ عرش الأدب . فهم قد شاؤوا هذا العرش سلعةً تُباع وتُشرى ، أو تاجاً يتوارثه حَمَلةُ الألقاب والأوسمة المستزلمون لمن بيدهم السلطانُ والصولجان ..

لكنَّ الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه . فداهش الذي ظَلَمه الأدبُ العربيّ عشراتٍ من السنين ولم يَفِهِ حقَّه ، قد اغتصَبَ هذا الحقّ بقوَّة يُراعته وجبروت كلماته وغزير أدبه .

إنَّ ( داهش ) الذي ملأ مسامع الدنيا بمعجزاته وخوارقه ، والذي أعجز دولة الظُّلاّم ممثَّلةً بشخص رئيسها ومرؤوسيها وكامل أجهزتها ودوائرها طيلة عشر سنوات ، غير متهيِّبٍ إلاَّ الله سُبحانه ، وغير مُتسَلِّح إلاّ بإيمانه وبقلمه ليستردَّ منها حقَّه المغتَصَب ، داهش نفسه يُعجزُ أيضاّ وأيضاً دنيا الأدب ، فتَنثُرُ ريشتُهُ الملهَمة في سمائها ألواناً تتَّحدُ وتتآلف برشاقة عجيبة فتتولَّدُ عنها لوحاتٌ رائعةٌ تتمثَّل فيها بفخرٍ واعتزاز كلُّ الفنون الأدبيّة ، وتستحقُّ أن توضَعَ في صدر المكتبة العربية والمكتبات العالميّة ، وأن تدخُلَ رحاب الكليّات والجامعات لتُدرَّس فوق منابرها .

وما "مذكّرات دينار" إلاّ واحدةٌ من لوحاته ، ومعجزةٌ من معجزاته . فكتابتُهُ ، من ألِفِه إلى يائه ، لم تستغرق غير أسبوع واحد ، يشهدُ بذلك عديد من الأدباء والشعراء الذي عاينوه في ساعات كتابته . وهذه الظاهرة الغريبة ما زلنا نشاهد مثلها اليوم ، فنشهدُ صادقين للدكتور داهش بسرعته في الكتابة مع حِفاظه على روح الموضوع وعمقه ، وإخراجه بالأسلوب الذي يليقُ به .

ويكفي أن نعرف في أية مرحلة من حياته كَتبَ داهش مذكِّرات ديناره لنُدرك أيضاً جانباً آخر من جوانب هذه المعجزة الأدبيّة .

لقد كانت هذه المرحلة فترة اضطهاد للدكتور داهش والداهشيّين ممّن اعتنقوا عقيدته ، الداعية فيما تدعو ، إلى الإيمان الصحيح بالله عزَّ وجلّ ، والاهتداء بتعاليم رسالته السماويّة دون الاكتراث لمواعظ المتاجرين باسم الله ورُسُله ورسالاته .

وكأنَّما شاءت العناية الإلهيّة أن يُخلّد اسمُ داهش بالمجدِ والفخار وأنْ يذهبَ هو ، على الأجيال ، رمزاً للبُطُولة والاستبسال في وجه الظالمين الطغاة ، بينما يُخلّد أعداؤهُ بالعارِ والشنار ويذهبون أبد الدهر مثلاً أعظم للفاسدين العتاة ولانهزام شرورهم ، فراحَ طاغيةُ لبنان ، بكلِّ سلطته وتسلّطه ، ومن خلفه زُمرةُ الإكليروس التي أرعبَها أن يُعيدَ داهش إلى أذهان البشر حقائق الإنجيل المُقدّس ، وأن يُجسّد في شخصه صورة الناصريّ الثائر الذي ساطَ باعة الدين وتجَّار الأصنام وطردهم من هيكل الله المقدّس ، راح هذا الطاغية يسوم داهش شتّى الاضطهادات . فبعد ملاحقته وسجنه جرَّده من جنسيّته اللبنانيّة ، مُرتكباً بذلك جريمةً لم يعرف التاريخ البشريّ مثيلاً لها ، وشرَّده على وجهه . فأصبحَ داهش إنساناً غريباً ، وُلِدَ في الأرض لكنْ ليسَ له وطنٌ ينتمي إليه ، ولا أُمّةٌ يعيشُ معها وإنْ كان يتكلَّمُ لغَتَها . أصبح غريباً عن الأرض وقاطنيها كأنّه جُبِلَ من غير طينتها .

لكنَّ داهش لم يسكت عن الظُّلم الذي حاقَ به فعاد إلى لبنان وأقام على بُعدِ 50 متراً من قصرِ الباغية الذي ظَلَمهُ ، فشهَّره بكُتُبه السوداء أمام الملإِ ، وفضحَ ارتكاباته ، ومزَّق أستار الخِداع والرياء التي اختبأت خلفها تلك الطُّغمة الابليسيّة التي كانت تدفعُهُ وتُحرّكه .

وقد استمرَّت هذه الحالة مدَّة عشر سنوات إلى أن أُعِيدت الجنسيّة اللبنانيّة للدكتور داهش .

في هذا الجوِّ المشحون بالقلق ، وحيثُ كان الموتُ مُترصِّداً لداهش في كلِّ مكان ، وسط إجراءات الأمن المشدّدة والعيون والجواسيس التي بُثَّتْ في كلِّ مدينة وكلِّ شارع وأمامَ كلِّ منزل ، نعم ، في هذا الجوِّ الذي تصطكُّ منه الركاب وتخورُ من هوله العزائم ولِدَ كتاب (مذكِّراب دينار) كما ولِدَ سواه من بواكير داهش الأدبيّة وأُنشئ المتحفُ الداهشيّ الذي ضمَّ روائع الفنون العالميَّة . فكأنَّما كان على داهش أن يُعاني المظلمة ، وأن يؤَدِّبَ الظُّلاَّم ، وأن يُكْملَ في الوقتِ نفسه مسيرته التي بدأها منذ طفولته فيوصل إلى الدنيا صوت رسالته الإلهيّة التي بعثته بها السماء .

كانت السيوفُ المسمومة والرماحُ المسنونة تُحيطُ بداهش ظُلماً وعدواناً ، وكان داهش هناك ، بين جدران غرفته المتهيِّبة لجبروته وصُمُوده ، يُطوِّف ديناره العجيب في أرجاء الكرة الأرضيّة ليشهدَ أعمال البشر والأُمم والدول ، ويُسجّل عليهم جميعاً حسناتهم وسيّئاتهم ، فيكون لهم من ذلك عِبَرٌ ودروس إذا شاؤوا أن يعْتَبِروا ويتَّعِظوا . وإنَّ في ذلك لأمراً مُعجزاً بحدِّ ذاته . على أنَّ السرعة التي كُتبَ بها الكتاب ، والمرحلة الزمنيّة التي رأى فيها النور لا يشكّلان إلاّ مظهراً من مظاهر هذه المُعجزة التي لا تكتملُ إلاَّ بما أتى في الكتاب . "فمذكِّرات دينار " بمضمونه وأُسلوبه هو خَلْقٌ جديدٌ في عالم الأدب ، وقد أطلقَتْ عليه بحقّ الأديبة والفنّانة ماري حدّاد الداهشيّة أسم :" أُوذيسَّة القرن العشرين ".

ولا عجب ، فرحلةُ الدينار شبيهةٌ برحلةِ عوليس ، بطل الأُوذيسَّة . فإذا كانَ عوليس يُعتبر من أعاظمِ أبطال الإِغريق ويُمثِّل في شخصه مطامح وبطولات شعب ، فإنَّ دينار داهش ليس بطلاً ، بل هو إلهٌ معبودٌ يخشعُ له البشر من دون الله ويُجسِّدُ أبعد طُموحاتهم وأبهى أحلامهم وأمانيهم .

وإذا كان عوليس قد طوَّف في بقعة معيَّنة من بقاع الأرض تائهاً عن جزيرته ، متعرِّضاً للأهوال والمخاطر ، فإنَّ دينار داهش قد تنقَّل في جميع أنحاءِ المعمور ، وتعرَّض لمخاطرِ الضياع والتحوُّل ، ودوَّن في نفس الوقت ، وبصدقٍ وأمانةٍ تفاصيل الحياة اليوميّة التي يحياها الأفرادُ والشعوبُ والأمم ، وما يمرُّ في الأفكار ، وما يحدثُ في الدهاليزِ ووراء الكواليس من مآثم وجرائم ، وما تعمُر به الدُّول الراقية من فنونٍ وآدابٍ أو ما تتمتّعُ به من حرّيات .

والدينارُ في كلِّ ذلك قصَّاصٌ ماهر وناقدٌ صارم في انتقاداته واحكامه لا يخافُ معها لومةَ لائم ، علماً بأنَّ آراء الدينار وخواطره ، وهدأته وثورته ، ومديحه وهجاءه ما هي إلاّ عمّا يجيشُ في خاطر الدكتور داهش وما يعتمل في نفسه من مشاعرِ الثورة على شرورِ البشر ومفاسد مجتمعاتهم ، ومشاعر الاغتباط بكلِّ ما يشتمُّ منه عبير الفضائل وما يرى فيه ولو ظلاّ من ظلال الخير .

ولعلَّ أول ما يُفاجئ القارئ ويُثير تساؤله هو أنَّ الدينار ، بعد خروجه من منجمه وتحويله في دار سكّ النقود ، قد استهلَّ رحلته بزيارة ديرٍ من أديرة الاكليروس ، وصوَّر بسخريةٍ لاذعة حياة رجال الدين فيه ، ومطامعهم ودجْلهم واستلابهم لخيرات البُسطاء والمساكين الذي يُخدعون بمظاهرهم المزيّفة . ثم عاد غير مرَّة عبر تجواله الطويل يُفنِّد أكاذيبهم التي يفبركونها باسم معلِّم الأمم ، ويكشفُ الأستار عن المحرَّمات التي يرتكبونها على مرأى من صورة الناصريّ المصلوب .

هذا الموقف من رجال الدين يندرج في الخطّ الفكريّ العامّ الذي ينتهجه مُؤَسِّس العقيدة الداهشيّة والمَطْبوع بعدم الثقة بهذه الطُغمة الفاسدة ، وبالدعوة إلى كشفِ جرائمهم والثورة عليهم وهدم مُؤَسَّساتهم .

ولرجال السياسة نصيبٌ كبير من ثورة الدينار ونقمته ، بل قُلْ من ثورةِ داهش ونقمته . فالبلايا والشرور التي تعُمُّ العالم هي ، في مُعظمها ، نتيجةٌ لازمة لأطماعهم في التوسّع ، والحروب التي تندلعُ وتكونُ نتيجتُهَا الخراب الشامل ، إنَّما يُشعلونها لأجل الكسب والسيطرة .

لكنَّ الدينار وإن احتقر مستغلّي السياسة ، فإنّه يُمجِّد منهم أصحاب الوطنيّة الصادقة ، ويمتدح "سعد زغلول" وغيره ممّن يُدافعون بصدقٍ وإخلاص عن أوطانهم لردِّ المستعبدين المستعمرين الذين يريدون إذلالها .

فردٌ واحدٌ يتهلّل الدينارُ لرؤيته حتى ليقولُ فيه :" إنَّ حياةَ هذا الرجل الكامل لهيَ أُعجوبةٌ جديرةٌ بأنْ تُسجَّلَ بأقلامٍ سماويّة على طروسٍ فردوسيَّة ". إنه "غاندي" قدّيس الهند المجاهد الذي تملَّك قلب داهش وحلَّ فوق عرشه السامي حتى أنّ أحداً قبله أو بعده لن يرتقي مكانته أو يجاوره . إنه يقول فيه على لسان ديناره :

" لقد أحببتُ غاندي وسأمكُثُ على حبّي إيّاه لأنه يُمثِّل الرجل الروحانيَّ الكامل ، وهذا أندر ما في هذا الوجود الماكر والعالم الزائل ".

ويُكمل الدينار جولته فيُمجِّدُ الشعوب التي نهضَتْ ببلادها ، ويمتدح الحريّة التي تسودُ ربوع أمريكا . فلقد أحبَّ أمريكا لأنها تُقدِّس الحُريّات ، رغم تعلُّقها بالمادّة . وإنه ليتطلّع بشوقٍ إلى ساعة يستفيقُ فيها الشرقُ من رقاده ويُحطِّم قيود العبوديّة ويسير في ركاب الأمم المتحرِّرة .

وللمرأة أيضاً نصيباً من ثورة الدينار وثنائه . فالمرأة في رأيه " هي المرأة في كلِّ زمان ومكان ". فهي لا شأن لها إلاَّ التحدُّث بالأزياء والطعن بأعراض الصديقات . وكم منهن تاجرن بأعراضهنّ لقاء ذلك الدينار الذهبيّ فتفجّرت ثورته عليهنّ . لكنه يمجّد المرأة التي تصونُ عفافها وشرفها . فهو يحزن على (لوسي) الشريفة التي اعتدى عليها صيدليٌّ نذل ، ويطربُ لما أصاب ذلك القاضي الفاسق الذي حاول أن يستبيح شرف امرأة مسكينة ويشتريها به (أي الدينار)، فصفعته تلك المرأة الشريفة وخرجت معتزَّة فخورة ، ثم أنشدت "نشيد الشرف".

وإذا كان الدينار يمتدحُ الإخلاص والوفاءَ النادرين في دنيا الأرض ، فإنّه يصفع الخيانة ، ويراها مجسَّدة بأحطّ مظاهرها في شخص "الخائن المطرود عبد الرحيم الشريف "(1) الذي خانَ سيّده داهش خيانة عظمى بعد سنوات خمس قضّاها في خدمته . فذلك الصلُّ الأرقم والثعبانُ الحقُود الذي ينفثُ سمَّه في أوّل فرصة تُتاح له للانقضاض ، أصبحَ على لسان الدينار مادّةً للتندُّر والتفكُّه ، فيضحك القارئ مليّاً وهو يقرأ أخبار رقصاته وتخلُّعاته الكركوزيَّة التي كان يقومُ بها أمام سيّده داهش وعددٌ من رجال المجتمع آنذاك .

عِبرَ هذه المشاهدات والمواقف ، ومن خلال التسلسُل القصصيّ المحكم يتأكّد لنا أنَّ الدينار هو صوتُ "العدالة الإلهيّة "، ويَتَبيَّن لنا أنَّ هذه العدالة تحكُم عالم الأرض بكلِّ كائناته مثلما تحكُم عوالم السماء . فلئن كان ظاهرُ الأمور والأحداث التي تمرُّ بحياة الأفراد والجماعات يتبدَّى منه الظُّلم البشريّ ، فإنَّ الدينار يؤكّدُ أنَّ عين العناية الإلهيّة الساهرة تُعطي كلَّ إنسانٍ ، بحسب استحقاقه، ثواباً أو عقاباً ، وإنْ كان البشر لا يشعرون كيف تُنفّد فيهم أحكامُ هذه العدالة . فمَنْ يزرع خيراً يحصد خيراً . ومَنْ يزرع شرّاً يحصد ألماً . فالجزاءُ يكونُ من نوعِ العمل (2).

ولا بدَّ في النهاية مِنَ القول إنّه إذا كان عوليس في الأُوذيسّة يرمزُ إلى قوّة النفس وصُمودِها في وجهِ التجارب الحياتيّة ، فإنَّ الدينار يقفُ بجبروتٍ ويطلُّ من علاه إطلالة الديّان الذي يحكُم على أعمالِ البشر أفراداً وشعوباً ، مُسْتَعرِضاً جنى الأجيال . فمنذُ ألفين من الأعوام جاءَ سيّد المجد ورمى بذوره في تربة النفوس ، وتَبِعَهُ النبيّ العربيّ مُؤدِّباً ومُقوِّماً لاعوجاجاتها . وقد حان الآن وقت الحصاد . وما هذا الدينار المتعالي على تجاربِ الحياة وغير الخاضع لها إلاّ صوتُ النذير الذي يَئِسَ من البشرِ وحياتهم . فنفوسهم هي هي لم تتغيَّر ، وأطماعهم قد ازدادت زيادةً مُطّردة ، والجشع حفر أخاديده في أعماقهم . فهم يفْنون بحُبِّ المال ، ويقدّسون المرأة ، ويسجدون لظلِّ القويّ ، ويعيشون على المظالم ، ويدجّلون على السماء ؛ وهو يرى من عليائه كابوس الفناء الذرّي جاثماً على هذه الكرة ليعصف بها وبقاطنيها الأشرار ، جزاءً عدلاً .

وبعد , فما قلتُهُ ليس إلاَّ صفحةً من مذكِّرات ذلك الدينار العجيب . ومن يقرأ آراء وخواطر ودراسات الأدباء الألبّاء في هذا الكتاب سوف يجد فيه "خارطة مدرسة فكريَّة " على حدِّ قول العلاَّمة الشيخ عبد الله العلايلي ، أو يرى فيه "صورةً صادقةً جليّة للنفس البشريّة " كما قال نقيب الصحافة اللبنانيّة الأستاذ رياض طه .

ولئن قلنا مع السيّد محمد طاهر الكردي " إِنّه لو لم يكن لداهش إلاّ مذكِّرات دينار لكفاه ذلك فخراً"، فماذا نقول إذن ونحنُ أمام عشراتٍ وعشراتٍ من كُتُبه التي تقدّمها المكتبة الداهشيّة لأبناءِ العروبة والعالم وتضعُها في خدمةِ الإنسانيّة ولأجل هدايتها ؟ لا نقولُ سوى أنها ستخلد في قاموس الآداب الإنسانيّة العالميّة ما بقيت الأرض وخلُدت السماء .

                                                           ماجد مهدي

                                             بيروت ، في 29/1/1980

Deraset feh alhadaek-1

 

 

عذارى الفراديس

 

يا ربّات الخيال، وبنات السّحاب

أيتها العذارى اللواتي أراكن في تخيلاتي الفريدة

يا قيان الفراديس وعصافيرها الغرّيدة

أنتنّ أعذب من الأحلام وأبهى من أسلاك النور

أنتنّ أشعّة سحريّة تتألّق في ظلمات الدّيجور

فتضفي عليّ بهاءً رائعاً يطلّ نوره مدى الأحقاب

 

                                                                                   من كتاب "بروق ورعود"

                                                                                     للدكتور داهش

" حدائق الآلهة توشّيها الورود الفردوسيّة" و" فراديس الإلهات يرصّعها اللينوفار المقدّس"(1) رائعتان في الأدب الوجداني مثلهما كمثلِ جنّة الله بين سائر الجنان، وسدرة المنتهى بين ذوات الأفنان؛ فهما تشاركان مولّدات الأدباء الملهمين في أصالة الإبداع، وصدق العاطفة، وإشراق البيان، ولكنّهما تنفردان عنها جميعاً بما تفيض به الينابيع الروحيّة القدسيّة من الرّؤى المعجزة للإنسان!

 

إنهما اللُحمة والسّدى لنسيج عجيب حيّ نسجته شرايين قلبٍ كبير أحياه لطف النسائم وجبروت الإعصار؛ بل هما وجها كوكب سحريّ دريّ أبدعه خيال داهش وعقله الجبّار، ليطلق في مدار الحياة ما دامت الأرض في مدار!....

ولا تطمح هذه الدراسة لأن تكون أكثر من مدخلٍ يقود القارئ الى المتحف الفردوسيّ، ثم توقفه عند منبع الملذّات التي يرتشف منها كلّ متذوّق أصيل يجد نفسه أمام لوحات رائعة تُبدعها قدرة الفنّ العظيم، الفنّ الذي يولد من اقترانِ ربِّ الصدق بإلهة البَسَاطة، ويحيا بروحِ الجمال، ويتغذّى بخبزِ الحقّ والخير، الفنّ الذي يبقى رائعاً يسمو بالحياة حتى في تصويره القباحة والسيّئات.

ومن يخض عباب هذا الأوقيانوس الزخّار بأفكار داهش وعواطفه، والموّار بغضباته ولطائفه، لا بدّ من أن يفاجأ حيناً بالشمس تراقص أنوارها زبد الأمواج، فإذا العسجد واللجين في حفل زواج، وإذا السماء والبحر في عرسِ ابتهاج؛ وحيناً يفاجأ بأطباق من الغمام، وبدفعات كثيفة من الدجنّات والادلهمام، وبغضبِ العناصر المُهتاجة تصكّ منه العظام، فيطغى عليه الذعر ويجتاحه كابوس الموت الزؤام!...

إنهما وجها هذا الكوكب الوجدانيّ: واحد يلفّه قتام الحياة، تصطخب فيه آلام داهش وأحزانه، من حقارة البشر ومفاسدهم، ومن غربته الروحيّة بينهم ومعاناته القاسية لما سبّبوه له من عذابٍ وأهوال، فينتقم عليهم، ويذيقهم من سخطه شرّ الوبال؛ ووجه آخر تلتمع فيه ومضات من الفرح والغبطة، كاشفة عن سعادة الفراديس التي يحلم ببلوغها، وسلوى الطبيعة الفاتنة والمرأة المؤمنة اللتين ينشد فيهما بعض عزاء، ريثما تسطع شمس الرسالة الداهشيّة وتفتح له أبواب السماء.

ولذا جعلت هذه الدراسة السريعة في فصلين: المأساة أو الوجه القاتم، ومنافذ الأمل والعزاء والسعادة أو الوجه المشرق.

وكأنّما المؤلّف كان يتمنّى لو كانت الحياة كلّها نوراً، ودروب الإنسان لا تنبت إلاّ وروداً وزهوراً، فأخرج لنا كتابه بمتعدّد أجزائه وكأنّها مشاهد الفردوس الساحرة يرضي بها ذوقه الفنيّ الرهيف، ويعزّي نفسه عن هذه الدنيا الفاسدة الفاجرة .

 

 

 الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش

 

         اذا انتصر الظّلم على العدل بعض الوقت

         فلا بدّ من يوم يبطش فيه العدل بالظّلم

           ثمّ يجعله عبرة للأجيال الزاحفة

                

                                                        داهش

                                زوّجوه بثانية

 

قيل : انّ ذئبا مفترسا كان ينتاب بعض القرى ويعبث يخرافها ونعاجها ، فترصّده أهلها حتّى دنت ساعته فصادوه !....

وتشاوروا في تعذيبه وقتله ، فقال حليم دمّوس :

" لتقطع يداه ، وتبتر رجلاه ، وتحطّم أسنانه ، ثمّ يستل لسانه !"

وقال الدكتور فريد :

" بل يصلب ويرشق بالنبال حتّى يخرق جسده ويثقّب ...."

وقال جوزف حجّار :

" بل توقد نار عظيمة ، ويشوى في جوفها حيّا ، فهو لها مُلْكٌ حلال!..."

وهنا انبرى الدكتور جورج خبصا وقال :

أقترح عليكم أن تزوّجوه بامرأة لها نفس الصّفات التي تتحلى بها زوجته ، وكفاه بهذا جزاء !...

فذكّرني اقتراح الحكيم ببيتي الشّاعر القائل :

ربّ ذئب أخــذوه                   وتمادوا في عقابـه

ثم قالوا : زوّجوه                   واتركوه في عذابه !...

                  

                                           من كلمات الدكتور داهش

                                               مأخوذة من كتاب

                           "وثائق تتكلّم حول قضيّة الدكتور داهش

                               قذفته ببصقة

سئل الدكتور خبصا عن شبه رجل له جسم ضخم كالثّور :

ترى من هي التي وضعته وأرضعته ؟

فأجابه جورج حدّاد :

ومن تكون غير أمّه ؟

فأجابه الدّكتور :

لقد عرفت الأن أنّ صاحب هذا الوجه الدّميم لا تصبر عليه سوى التي بصقته ! ....              

     من كلمات الدكتور داهش مأخوذة

                   من كتاب "وثائق تتكلم حول قضيّة الدكتور داهش "

                             مهما حاول الطّغاة البُغاة

                       أن يدفنوا الحريّة فلن يستطيعوا

             لأنّ الحرّيّة خالدة حتّى الأبد والى يوم يبعثون

                                                             داهش

 

                               جريمة الجرائم الهائلة

                                     التي ارتكبها

                               بشارة الخوري الباغية

لقد انطوت حقبة من الزمن على الجريمة المروّعة التي أقدم على ارتكابها الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ، بعد أن تسنّم كرسيّ الرئاسة في عام 1943 .

وكان منذ اعتلائه كرسيّ الحكم ، قد بدأ اضطهاد مؤسّس الداهشيّة . والسبب الأساسيّ لاضطهاده هو أنّ السيّدة ماري حدّاد شيحا وقرينها جورج حدّاد وكريماتها ماجدا ، آندره ، وزينا قد اعتنقوا الداهشيّة .

وقد ساء ذلك بشارة الخوري وزوجته لور وهي شقيقة ماري حدّاد . كما استاء شقيقها المتعجرف ميشال شيحا ، واستبدّ الغضب بهنري فرعون صاحب اللطخة الخنزيريّة المدموغ خدّه باسوداده الكريه .

فناصبوه العداء ، وبذلوا كلّ ما بوسعهم لينالوا منه منالا ، فباؤوا بالفشل الذريع اذ لم يؤخذ على داهش أيّ مأخذ قانوني اطلاقا .

واذ ذاك أرسلوا له شرذمة من الرعاع المسلّحين ، فحاولوا اغتياله بعقر داره ، ولكنهم فشلوا ، فاعتقلته الشرطة المكلّفة بهذا الأمر وذلك بتاريخ 28 آب 1944 .

وتبع ذلك نفيه وتجريده من جنسيّته اللبنانيّة وتشريده . ولم يقف الدكتور داهش مكتوف اليدين ، اذ أصدر 66 كتابا أسود و 165 نشرة سوداء مملوءة بما ارتكبوه من اجرام واعتداء على الحقوق والدوس على قوانين البلاد ، والعبث بموادّ الدستور الذي تقول احداها أنّ حريّة العقيدة مباحة ومقدّسة .

كما هاجم الداهشيّون بشارة الخوري وزبانيته ، ودخلوا السجون شامخي الرأس ، ورافعي الجبين .

وعندما لم يبق في قوس الشعب منزع ، ومضَّهم الاصطبار على سلسلة الجرائم التي ارتكبها بشارة الخوري وأفراد عائلته ، هبّوا هبّة رجل واحد ، وأعلنوها ثورة كاسحة ، وقلبوا له ظهر المجنّ ، فاذا بكرسيّه يتحطّم ، وبعرشه يتبخّر ، وبأيّام حكمه تزول ودولته تدول .

لقد طرده الشعب شرّ طردة فاذا هو الشريد الطريد والمنبوذ المريض . أقول المريض ، لأنّ بشارة الخوري – كما يعرف شعب لبنان بأسره – بعدما ارتكب جريمته ضدّ داهش بطريق العسف القسري ، سلّط داهش عليه قوّة روحيّة أفقدته عقله ، فأصبح مخبولا ، وفاقدا لرشده ن ومضيّعا لنهاه . فأخذته عائلته الى حيفا فتلّ أبيب ليرى الأطبّاء رأيهم فيه . وفي أثناء ذهابه الى اسرائيل ، كان يرقص ، ويخرج لسانه ، ثم ينطلق بضحك متواصل ، فبكاء مرير ، ثم يعتلي قضيبا ظانّا ايّاه فرسا عربيّا أصيلا الخ الخ ...وهذا الأمر عرفه الشعب اللبناني بأسره ، وتندّروا به طويلا . لقد جوزي جزاء رهيبا للغاية .

ويومذاك كان مؤسّس الداهشية في منزل جورج حدّاد عديل الشيخ بشاره الخوري ، والداهشيّون فقط كانوا يعرفون هذا السرّ الخطير . أمّا الحكومة اللبنانيّة والشعب فكانوا يظنّونه بالعجم أو في بغداد ، بينما منزل السيّد حدّاد لا يبعد عن قصر الرئاسة أكثر من 40 مترا . ولو علم بشارة الباغية بوجود داهش بجواره لصعق رعبا ، ولهرّ هرير الخوف البالغ .

وبأسف عظيم أقول انه لم يدافع عن داهش المظلوم أيّ نائب أو وزير أو قاض أو محام ...

حتى الصحافة راحت ترشقه بلسان حادّ ملفّقة عليه أساطير مختلفة تنسبها له ترضية لبشارة الخوري ، وكسبا لودّه ، ليقضي لها مصالحها .

وهكذا سجّل رجال لبنان والمسؤولين فيه على أنفسهم مسؤوليّة كبرى دوّنها التاريخ بين طيّاته لتبقى ذكرى مشؤومة خالدة تدين الجميع .

فالتاريخ لا يرحم . انها وصمة عار دمغت لبنان وصحافته ومسؤوليه ، لأنهم نكصوا ولم يؤازروا العدالة ، بل رموها بنبالهم السامّة قضاء لمصالحهم ، وتمشّيا مع مآربهم . فيا للعار العظيم !

انّ اميل زولا الكاتب الفرنسي الكبير دافع عن دريفوس الذي اتّهمته الحكومة الفرنسيّة بالخيانة العظمى ، والذي وقف الشعب بأكمله ضدّه .

كان اميل زولا الرجل الوحيد الذي دافع عن دريفوس البريء ، دفاعه التاريخيّ الخالد الموسوم باسم " اني أتّهم " . وقد اضطرّ زولا للهرب من فرنسا بعد دفاعه العظيم ذلك خوفا من القاء القبض عليه وزجّه بالسّجن .

ومضت الأيام ، وبقي اميل زولا المُدافع الوحيد عن دريفوس المظلوم حتى ظهرت ، وأخيرا ، الحقيقة ، اذ اضطرّت الحكومة لاعادة محاكمة دريفوس مرارا ، وبالنهاية تبيّنت لها براءته ، فخرج مرفوع الرأس ، موفور الكرامة .

واذا باميل زولا تكلّل الجماهير رأسه بالغار ، لأنه كان المُدافع الوحيد عمّن ظلمته حكومة بلاده وشعب بلاده .

ولكن في لبنان ، لم يظهر أيّ رجل أو أيّة صحيفة للدفاع عن المظلوم المضطّهد . فحقّ للتاريخ أن يدوّن هذا العار الذي حاق بلبنان ، وكانت نتيجته ثورة عارمة دمّرت عامره ، فاذا به وقد أصبح بلقعا خرابا ، وقفرا يبابا . والعياذ بالله .

 

                                               انطوان مرعب الداهشيّ .

 

                               تعريف لا بدّ منه

                                                  بقلم حليم دمّوس الداهشيّ

في صيف عام 1951 هبط لبنان الدكتور حسين هيكل باشا الوزير المصري المعروف ، ومؤلّف كتاب " محمّد " و " منزل الوحي " وغيرهما من جمّ مؤلّفاته الأدبيّة العظيمة القيّمة . واصطاف مع عائلته في ضهور الشوير .

وقد اتّصل بي مستفسرا عن حقيقة جريمة تجريد الدكتور داهش من جنسيّته اللبنانيّة ، هذا التجريد الذي يعدّ وزرا لم يقدم على ارتكاب مثله أظلم الطغاة في أشدّ العصور همجيّة .

وقد اجتمع الدكتور حسين هيكل باشا بالسيّدة ماري حدّاد الداهشيّة شقيقة ميشال شيحا صاحب بنك ( شيحا وفرعون ) ، وصاحب جريدة ( له جور ) الافرنسيّة . كما اجتمع مع كريمتها أيضا . وفهم منهما أسباب هذه الجريمة الرهيبة التي تدع عرق العار ينهمر استيحاء وخجلا أمام التاريخ الذي لا يرحم .

وقد تأثّر الوزير المصريّ السابق تأثّرا بالغا من هذه الجريمة النكراء ترتكب في القرن العشرين ، وفي بلد يطلقون عليه اسم ( وطن الحريّة والوعي والدستور وبلد الاشعاع والعلم والنور ).

وللحال حرّر رسالة ضمّنها رأيه الصريح في هذه القضيّة الهامّة ، وبعث بها الى مؤسّس الداهشيّة .

وقد تلقى الدكتور حسين هيكل ردّا على رسالته يراه القارىء مع جواب حسين هيكل باشا عليه أيضا .

واذ نحن ننشر هذه الرسائل المتبادلة بين مؤسّس الداهشيّة وبين رئيس حزب سياسيّ مصريّ مشهور وأديب عربيّ كبير ، نودّ من الصحافة العربيّة الكريمة في المهجر والأقطار العربيّة وألأمطار كافّة أن تذيع في أعمدتها الحرّة أنباء هذه الجريمة التي لم يبق فرد الاّ استنكرها استنكارا تامّا . وليعلم الجميع أنّ الحقّ سينتصر ، وأنف المعتدي الغاشم معفّر بالرغام .  

           " حليم دمّوس . "

Marasi

 

 

انعتاق

 

لن تمكثَ نفسي طويلاً حتّى تتوارى عن هذه الأرض الخادعة الغادرة

 

هذه الأرض التي لم ألقَ عليها سِوى مَطامع البشَر والألم الصّادع

 

والحُزن العميق القاتل ... والأمل السحيق الضَّائع

 

نعَم ، سَأتوارى عنها وأنا ألْعَنُها حتى آخر الزمان

 

وعندما يطويني الدّهْرُ بذراعيه ويضمّني الموتُ بدَعَةٍ وحنان

 

سَاعتذاك ترتاحُ نفسي القلِقة وتطمئنّ رُوحي الحائِرة

                                                                   داهش

 

 

باقةٌ من المراثي والكلمات

التي أُلقيَت في الحفلات التي أُقيمت في لبنان وخارجه

بمناسبة الذكرى الأولى لمصرع الدكتور داهش

 

إنّ نبأ مصرع مؤسّس الداهشيّة العظيم في أذربيجان الإيرانيّة في مطلع تمّوز سنة 1947 أحدث هزَّةً عنيفةً في نفوس الداهشيّين والألوف من أنصارهم في مختلف المدن العربيّة والأجنبيّة ، وضجّة في صحف المهجر والعالم العربيّ ، إذ نشرت جميعها الخبر المفجع وصور مصرع الدكتور داهش الذي ما كان ليحدث لولا المؤامرة الجهنّميّة التي دبّرها ضدَّه رئيس لبنان الطاغية بشارة الخوري وزبانيّته الأشرار .

وقد استثار خبرُ مصرعه قرائح المئات ممّن عرفوا قدره وعبقريّته حتّى من غير الداهشيّين ، فدبّجوا في شخصه مراثياً وكلمات عبّروا فيها عن شعورهم وآرائهم .

وفي الذكرى الأولى لمصرع الدكتور داهش ، اجتمع الإِخوة الداهشيّون في اليوم نفسه والساعة نفسها ، في كلٍّ من أذربيجان ، وبغداد ، والنجف الأشرف ، ودمشق ، وبيروت ، وسان باولو ، وغيرها من مدن العالم ... وبعد صمتٍ رهيب وتأمّلٍ عميق أُلقيَتْ على مسامعهم هذه الباقة من المراثي والكلمات .

والجدير بالذكر أنَّ عدداً ضئيلاً جِدّاً من الداهشيّين المقرَّبين من الدكتور داهش كان يعرف أنّ مؤسّس الداهشيّة ما يزال حيّاً يُرزق وقد أنقذه الله بحكمةٍ منه إذْ استبدل به إحدى شخصيّاته ، تماماً كما تمَّ في حادثة صلب المسيح . وقد بقي هذا الأمر سرّاً أُخفي حتّى عن الداهشيّين مدّةً طويلة من الزمن ، ثم عرفوا بأنّ الشخصيّة هي التي استُبدلت بداهش .

 

 

ماتَ الدّكتُور دَاهش ودُفِنَ ... ثمَّ بُعِثَ حيَّاً

 

                                         بقلم الدكتور فريد أبي سُليمَان

 

 

 

بتاريخ 28 آب 1944 اعتُدِيَ على مُؤَسِّس العقيدة الداهشيّة ، إذْ أرسلَ له المسؤول الأول شرذمةً من الرعاع ليغتالوه بعقر داره . وتبعَ ذلك تجريدُه من جنسيّته اللبنانيّة ، وتشريده ، وأَنف القانون معفَّر بالرغام ومُمرَّغ بالسُّخام .

 

وهكذا اعتُدِيَ على البريء رغماً عن أحد بنود الدستور اللبناني القائل : "إنَّ حرّية المُعتقد مصُونَة ".

 

لقد داس بشاره الخوري القانون ، وخرَق موادَّ الدستور اللبنانيّ ، فاعتدى على بريء ذنبُه الوحيد اعتناق الأديبة والفنّانة (ماري حدّاد) شقيقة زوجته للداهشيّة مع قرينها وكريماتها الثلاث (ماجدا) و(آندره) و(زينا). وإذْ ذاك ثارت ثائرة بشارة الخوري وزوجته لور وشقيقها ميشال شيحا ، وهالهم الأمر ، وتآمروا على داهش ، ففشلَتْ خطّتُهم ، وأنقذه الله من غدرهم .

 

وتابعت المؤامرة فصولها بتجريده من جنسيّته اللبنانيّة وتشريده في أرجاء الكرة الأرضيَّة .

 

وفي 28 حزيران 1947 وصل الدكتور داهش إلى أذربيجان ، فأُلقِيَ القبض عليه لأنّه لم يستَطِعْ إثْبات هويّته ، إذْ لا أوراق رسميَّة لديه بعد نَفْيه ، فظنَّت السلطاتُ أنّه جاسوس ، خصوصاً أنَّ فتنة دامية كانت قد قامت في أذربيجان وجرّت ذيولاً خطيرة ؛ فأُعدم رمياً بالرصاص بتاريخ أول تمّوز 1947، وذكرت الصحافة العربيّة والعالميّة أنباءَ إعدامه ودفنه .

 

ولكنَّ الحقيقة أنَّ مَنْ أُعدِمَ كان إِحدى شخصيّات الدكتور داهش ، فلمُؤَسِّس الداهشيّة ستّ شخصيّات مقرُّها في عوالم أخرى من الكون . وقد تجسّدت هذه الشخصيّات مراراً وتكراراً ، وشاهدها الكثيرون في مناسبات متنوّعة عديدة . وقد ذكرت الصحفُ أخبار ظهورها ، وعُقِدت الفصول الطويلة حول تجسّداتها .

 

وهذا التجسُّد يُثبت بالبرهان المحسوس الملموس الآية الواردة في القرآن الكريم والقائلة :] وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم [ (سورة النساء :آية 157) . أي إِنَّ أعداءَ السيّد المسيح ظنّوا أنهم صلبوه ، لكنّه في الحقيقة لم يُصْلَبْ بل صُلِبَ مكانه "شبهُه" أي شخصيّته الثانية .

 

ومُؤَسِّس الداهشيّة موهوب قوّة روحيّة سماويّة ، وقد اجترح المُعجزات الباهرة أمام الألوف خارقاً بها النظام الطبيعي المعروف وقوانين الطبيعة التي لا تُخرَق .

 

ذلك بأنَّ قوّة الرُّوح هي فوق القوانين ، وهذه القوانين تخضع للقوَّة الروحيَّة .

 

وعندما أُعْدِمَ داهش رَمْياً بالرصاص ، أي عندما أُعْدِمَتْ شخصيّته بأذربيجان ، كان الدكتور داهش في منزلِ الرسالة ببيروت بين أتباعه الداهشيّين المُجاهدين الأُمناء والأَوفياء لمؤَسِّس عقيدتهم الراسخة رسوخ شوامخ الجبال المشمخرّة .

 

وها نحن نضع أمام أنظار القرّاء صورتين لإِعدام الشخصيّة :

 

ولنزيدَ القارئ علْمَاً حول هذه المعجزة نقول :

 

إنَّ الشخصيّة هي من عالمٍ آخر غير عالم الأرض ، إذاً لو أُعيِدَ فتح الحفرة التي دُفِنَتْ فيها الجثّة لما وُجِدَ فيها أيّ شيء ، ذلك لأنَّ الشخصيّة تعود إلى عالمها ثانيةً .

 

وعندما نشرَت الصحف أنباءَ إِعدام الدكتور داهش ، أرسل بشارة الخوري بطلب (رَهْنما) سفير إيران يومذاك في لبنان ، واستوضحه أمر إِعْدَام مُؤَسِّس الداهشيّة . وقد أرسل رَهْنما سائلاً وزارة الخارجيّة الإيرانيّة عن حقيقة الحادث ، فأتاه الجواب مُؤكِّداً أنباء الإعدام بتقرير رسميّ يصف فيه المصرع بتفاصيله . وقد بلّغَ رَهْنما بشارة الخوري الخبر ، مزَوّداً إيّاه بهذا التقرير الرسميّ .

 

حينئذٍ انفرجتْ أسارير بشارة الخوري ، وابتهج لخلاصه من عدوّه داهش الذي سبَّبَ له آلاماً عُظمى بسبب الكُتُب السوداء التي نشرَتْها شقيقة زوجته ماري حدّاد ، وفيها من الفضائح الهائلة ما يُزكّمُ الأنوف .

 

وهكذا أقضَّتْ مضجعه ، وحرَمَتْه من النوم لكثرة ما أوجعَتْه ...

 

وها هو الآن ، وقد تأكَّد له موتُ داهش ، اطمأنَّ إلى أنَّه انتهى من أمره . ولو عرف بأنَّ داهش لا يزال حيّاً يُرزق وأنه يُقيم في منزل شقيقة زوجته، ومنزلها لا يبعد عن القصر الجمهوري أكثر من 40 متراً ، قلتُ لو عَرِفَ ذلك لصُعِقَ ولانطلقت روحهُ ذُعراً ورعباً .

 

وبعدما نشرت الصحفُ اللبنانيّة نبأ إِعدام الدكتور داهش ، بادر العديد من الصحفيين والأدباء والشعراء ورجال الدين والسياسيّين ، فرَثوه . وقد انتخبنا من مئات المراثي مجموعة ضممناها لكتابنا هذا ، مُحتفظين بخطوط من رَثوه لنشرها بالصحف عندما تدعو الحاجة لذلك .

 

واليوم ، وبعد مرور ثلاثين عاماً على هذا الحادث التاريخيّ العجيب ، أحببنا أن نجمع ما انتخبناه من المراثي التي قيلت بمُؤَسِّس الداهشيّة ، وننشرها بكتابٍ ليطّلع عليه الرأي العام . والسلام .

 

 

 

                                                 الدكتور فريد أبو سليمان

 

                                               بيروت ، في 5/3/ 1979

 

 

 

 

 

                           كيفَ نعى الدّاهِشيُّون مؤسِّس عقيدتهم

 

مات داهش ولكنَّ مبادئه حيَّه لا تموت فهي والخلود صنوان لا يفترقان

 

كلُّ من عليها فانٍ

 

-                       والموت راحة خالدة-

 

 

 

أيتها النفس اجملي جزعـاً                     إنّ الذي تحذرين قد وقعــا

 

كان الذي خفت أن يكونـا                     إنّــــا إلى اللـه راجعونــــا

 

 

 

 

 

                        المُجاهد الجبَّار مؤسّس الديانة الداهشيّة

 

الراحل من عالمِ الأرض والعائد إلى الرفيق الأعلى والراتع في جنّاتِ النعيم

 

          

 

لا بارك الله في تلك الساعة التي فتحت فيها عيني فإذا بي في مكان يُطلقون عليه اسم "العالم"

                                                                      داهش

 

 

 

                                   بحقّ الله

 

                           والنبيّ الحبيب الهادي

 

 

 

إن ينصرنا الله نصراً عظيماً ويمدَّنا بروحِ هاديه الثائرة فيفتح لنا فتحاً مبيناً

 

Dahesh voice

صَوتُ داهش

شِعر

 

 

محتوى الكتاب

 

إلهي                   9

فاتحة الكتَاب         11

النشيد الأول          13

مملكة الظّلام         

النشيد الثَاني          35

أنا العاصفة المباركة

النشيد الثالِث         51

عروس لبنان

النشيد الرابع          67

بوق الحقّ

النشيد الخامِس           87

سرَاج الحكمَة

النشيد السَادِس           107

شراع النّصْرَ والرّحيل

 

 

إلهي

أعطِني سيفاً صَارم الحدّ يبترُ بلا رحمة، وقلماً لاهبَ الحرف يجَلدُ بلا رَأفة،ونفساً ثائِرةً لِغَيْر الله لا تخضَع وعزيمة جَبّارة لا تستكين وإيماناً راسِخاً لا يتزعْزَع.

إلهي

إجعَل في قلبي طوالع القوّة عندَ المحن، والبَأس يَوم الكريهة، والجُرْأة على كلّ من يُحَاول النَّيْل من الدّاهِشيَّة.

إلهي

قد حَزَمتُ أمري على المضيّ في طريقك،والعمَل بمبادِئ العقيدَة الداهِشيَّة،والجهَاد من أجْلهَا،والموتُ في نصرتِهَا.

فالهمني الخَير لأسِيرَ بلا كَلالٍ أو مَلالٍ،وسَلّحْني بالحقِ والعَدْل، حتى يَدعوني الوَاجب وتأزفُ الساعة.

إلهي

هَبْني نِعمةَ الصّبْر وفرحةَ النَّصْر.

 

 

 

فاتحة الكتاب

 

رجل لا كالرجال

من كوّة الأبدية

يطلّ على الكون.

وعلى الأمواج الزرقاء،

على الرمال السمراء،

على الغمام الأبيض،

على كلّ ما برأَ الله،

يخطّ،بإذنه تعالى،

أسفار الحق،

بحروف من نور لا ينطفئ

وعطر لا يضمحلّ.

 

داهش العقيدة،

عايشته ربع قرن

أباً وأخاً وصديقاً،

عايشتُه إنساناً

يجذب الإنسان إلى الله.

تعلّمت منه الكثير،

بل أكثر من الكثير الذي عند الناس.

 

وبعض يسير مما علمنيه

روح الحق الذي فيه

سكبته في هذا الكتاب

بعدما انصهر في ذاتي،

واقتطع منها قالب العبارة

وجناح الصورة.

 

إنه صوته

كما سمعته نفسي وأخرجه صوتي.

إنه محاولة لتعريفه من غير تحديد،

للوصول إليه من دون القبض عليه،

للتعبير عن حبي العظيم

لرجل عظيم.

Anasheed Hazineh

                                             لذكرى

                                   وَالدَة مؤسّس الداهشيَّة

 

 

        أناشيدٌ حَزينَة

 

       جَمَعهُ

         ماجد مهدي الداهِشي

           

 

 

خليليَّ كُفّــــــــا ذَا البُكــــــاءِ وخَلّيَــــــــــــا                 دُمُوعَ الأسى فَالنَّوحُ قَد جاوَزَ الحَدّا

ثِقَا بالّذي يُحي الجُسُومَ من البِلـى               وَبعْدَ فَنَــــــاءِ العَيش يُسْكنُها الخُلــــــدا

فإن كان ثوْبَ الــــــذلّ يُلبسَنا هُنَــــــا                   ففي جَنّةِ الأفراحِ يُلبسُنا المَجــــدا

وَمَوْلى الوَرَى قد ذَاق ثكلَ وحِيدِهِ               فليسَ غَريبــــــاً أَن يُسَـــــاوِي بهِ العَبــــــدا

 

 

 

يا مَوتُ ويحَـــكَ كـــــم فرّقْتَ أحْبَابــــــــاً             وَكَـــــــــم أَذبْــــــــتَ حُشَاشَـاتٍ وألْبَابَـــــــا

شُلّتْ يَــدُ الدَّهْر لَيس الدَّهْــــرُ مُنصِفَنَــا              كــــــذَا المَنيّة قــد أَبْدَتْ لنَـــــــــا نَابَــــــــــا

 

يـــــــا عَيـــــــنُ جُودي بدَمْعٍ منـــــكِ مُنْحـــــــدِرِ                      وأُسْقـــــي ثَــــرى كوكَبٍ قَد حَــــــــلّ بالحُفَرِ

مَــــــــا هَـــــــــذهِ الكُـــــــرَةُ الغَبْرَاءُ خَالِـــــــــدَةٌ                      فَمَــــنْ عَليهــــــــا هُـــــــــــمُ رَكبٌ عَلى سَفَرِ

لا يَعْلَــــم الإنْســــــانُ كيـــــف أتــــــى إلـــــــــى                      دُنْيَــــــــــــا المتَاعِـــبِ أَو مَتَـــــــى يَتَرحَّــــــلُ

مَـــا نَحْنُ فـــــي الأكْـــــوَانِ غَيــــر حَديقــــــــةٍ                      أَزهَارُهَــا عَمّــــــــــا قليـــــــــــــلٍ تَذْبُــــــــــــلُ

يَــــــا أيُّهــــــــا الحرصُ ابــــــــكِِ في الدُّنيَا دَماً                      دنيــــــاك ليسَ بهَــــــــــــــا لِحـــيٍّ مَنـْــــــــزِلُ

 

فلولا كثْرةُ الباكين حولي

                   علـــى إخوانهِــــــــم لقتلـــــتُ نفْسي

نَهْنِهْ دمُوعَكَ كُلُّ حيٍّ فَانِِ

                   واصْبْر لقـــرع نوائبِ الحَدَثَــــــــانِ

وغَايَةُ هَذِي الدَّار لَذّة سَاعَةٍ

                   ويَعقبها الأَحزَانُ والهَمُّ والكَربُ

 

مَا بَال أَعْداكَ قد سَالت مَدَامعُهُــــــم                    حُزْنَـــــــــاّ عليكَ كَما أبكيتَ أَحْبَابَاً

نبكي عَليكَ دِماءً من مَحَاجِرِنَــــــــا                    وَيَقطعُ الحُزْنُ من أحْشَائي أَوْصَابَا

 

أُمَّــــــــــاهُ مـــــــــــــزّق قَلبي صَـــوتُ ناعِيــــــكِ                      وأَجّـــجَ النَّار في صَدْري تنَائِيـــــــــكِ

أُمَّـــــاهُ موتُــكِ هـــــــــــزّا الرُّوحَ من أَلـــــــــــــمٍ                      حَتى أمَــاتَ مُنى نفْسٍ تفدّيــــــــــــــكِ

أُمَّـاهُ بُعْدُك عَـــــــن عَينــــــــي وَعَـــــــن وَطنــي                       قَد دَكَّ رُكْنَ رجاءٍ غيرَ مَدكُـــــــــــوكِ

أُمَّـاهُ لا تَرتضــــــــــي نَفْسي وَقَـــــــــد زَهَقَـــــت                       غير المَنيَّة كـي تَدْنـــــو لناديــــــــــكِ

أُمَّــــــــاهُ أُمَّــــــــــاهُ مَــــا أحلى تلاوَتهَــــــــــــــا                       فذكركِ العَذبُ من إحْـــــدى أَمَانيـــــكِ

يَـــا أَقْربَ النّـــــاس من رُوحــــي ومن كبـــــدِي                        ومِن فؤادٍ أنينَ الرُّوح يُسْديــــــــــــكِ

مَــــا أصْـــــ،دَقَ الأُمَّ فــــــي حبٍّ وعاطِفَــــــــــةٍ                         فمن حَنانِك بالنجــــوى أُحيّيـــــــــــكِ

لَقَــــــد شَقيتِ طويـــــلاً فـــي الحَيَـــــــاةِ وفـــي                         شَقَــاءِ نفْسِكِ مَجدٌ خَالِــــدٌ فيـــــــــــكِ

 

                                 عَدَالةُ المَوْت

أَيُّها الموتُ : أَنتَ عَادلٌ وأنتَ رحمةٌ لأَبناء الحَياة

فلولاكَ ... لمَا عرفنا مَعنىً للراحَة السّرمديَّة

ولولاك ... لما تذوَّقنا نعمةَ الغبطَة الأَبديَّة

ولولاك ... لما أطمأنّت قلُوبُنَا الحائِرة في هَذا العالم الفاني

ولولاك ... لما اكتشفنَا أَسرَار ذلك العَالم الثّاني

ولولاك ... لما رأَت عيونُنا وجهَ الحقّ ربّ الحَياة والممات

                                                   داهش

                                          من كتاب بُرُوقٌ وَرُعُود

 

 

 

                                   والِـدَةُ داهِش

                                                     بقلم أنطون مرعب الداهِشي

 

هي سيّدةٌ مثاليَّة بكلِّ ما تعنيه هذه الكلمة . وهي ذات فضيلة وتقوى ، فكلُّ من عرفها يتأكَّد له أَنَّ الكتاب المقدَّس لم يكن ليُفارق يدها . وبتكرار السنين أصبحَتْ مُلِمَّةً بكلّ آيةٍ فيه ، بعهدَيْه القديم والجديد ، إذْ أصبحَتْ حجَّةً ذات برهان فوري . فما تكاد تسألها عن آيةٍ أو واقعةٍ أو عظةٍ أو حربٍ أو حكمةٍ تودُّ أن تعرف مكانها في الكتاب المقدَّس ، حتى تبادرك فوراً وتُعلمك عن مكانها بالصفحة والعدد .

إنَّ هذه السيّدة المقتدرة تُوفي قرينها في 25 كانون الأوّل – عام 1920، وكان طفلها داهش لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره ، فضلاً عن شقيقاته الأربع .

وقد شقيت والدتُهم ، وواصَلَتْ كفاحها في الحياة بقوّة وصلابة ، وعنفوان وجبروت ، وأخيراً عُيِّنَتْ في مدرسة البنات الأمريكيّة بمدينة طرابلس (لبنان).

وعندما شبَّ نجلُها داهش عن الطوق كان سرورها به عظيماً ، وفرحُها لا يُعادله فرح .

ودارت الأيامُ دورتها ...

وإذا بعام 1942 تُدويّ أبواقه العنيفة في مدينة بيروت ، وفي لبنان بأسره ، مذيعةً أنباءَ الخوارق التي يجترحها الدكتور داهش . فلم يبقَ منزل أو شارع أو متجر أو نادٍ أو حقل أو غابٌ لم يسمَعْ بالمعجزات التي تتمّ على يَدَيْ هذا الشابّ، وهو لا يزال بمقتبل العمر .

وضجَّت المدُنُ والقُرى ، وهرعَت الجماهير إلى منزل هذا الفتى المُعجز ، وشاهدوا بأُمّ أَعينهم خوارق مُزلزلة ، فخرجوا مذهولين مأخوذين ، وراحوا يُذيعون أنباءَ ما شاهدوه من مستحيلات خرقت النواميس الطبيعيّة .

واعتنق الكثيرون الداهشية بعدما لمسوا ما لمسوه ، وشاهدوا ما شاهدوه . أو لم تُؤْمنْ ؟ بلى ، لكنْ ليطمئنَّ قلبي . وقد اطمأنَّتْ قلوبُهم فاعتنقوا الداهشية بإيمانٍ وطيد وعزمٍ لا يتزعزع مهما عصفت الريح الزعزع .

وممن اعتنقوا الداهشيَّة السيّد جورج حداد عديل رئيس الجمهوريّة الباغية بشارة ألخوري الطاغية .

فقد اعتنق جورج حداد الداهشيّة ، وشاركته بالعقيدة زوجتهُ السيدة ماري حداد الأديبة والفنّانة المشهورة ، وكذلك كريماتها : ماجدا ، آندره ، وزينا .

وأَوَّل من اعتنق الداهشيّة الصحافي المعروف يوسف الحاج ، والشاعر الغرّيد حليم دمّوس والنطاسي ألاختصاصي جورج خبصا ، والدكتور فريد أبو سليمان ، وجوزف حجّار قرين آندره ابنة ماري حدّاد ، وغيرهم كثيرون ممّن آمنوا بالداهشيّة وتمسكوا بها تمسُّك الغريق بقشَّة النجاة .

ومنذ الدقيقة التي اعتنقت فيها ماري حدّاد الداهشيّة استاءَ شقيقها المتكبّر ميشال شيحا ، كما استاءَ هنري فرعون – وميشال شيحا قرين شقيقة هنري فرعون . كما ذُهِلَتْ لور زوجة بشارة الخوري وهي شقيقة ماري حدّاد التي عند اعتناقها وعائلتها الداهشيّة ، لم تكن شقيقتها لور قد تسنّمت الرئاسة بعد .

وفي خلال عام 1943 جلس الباغية بشارة الخوري على كرسيّ الحكم بلبنان . إذ أصبح رئيساً للجمهوريّة . ومنذ الدقيقة التي اعتلى فيها كرسيّ الرئاسة ابتدأ اضطهاد داهش . وقد ظنَّ بشارة الخوري أنه من السهل إلقاء القبض عليه ؛ وأحبّ أن يُسوّد صحيفته تجاه الرأي العام ، فأَرسل رجال التحريّ يُرابطون حول منزل داهش ، يُحصون أنفاس زوّاره ، ويملأون تقاريرهم بأسمائهم وساعات ولوجهم منزل مؤسّس الداهشيّة .

ومضت تسعة شهور طويلة بأيّامها وأسابيعها ، ولم تستطع زبانيّةُ الحاكم الظالم أن تدين داهشاً بأيّة بيّنة تُمكّنها من إِلقاء القبض عليه ، إذْ فشلوا وكان فشلهُم ذريعاً .

حينذاك شمَّر بشارة الخوري عن زنديه وخَرق قوانين البلاد ، وهشَّمَ موادّ الدستور القائل إِنَّ حريّة العقيدة مصونة ، فالإنسان حرٌّ بعقيدته تمام الحريّة .

قلتُ إِنَّ المجرم بشارة هشَّم دستور البلاد إذْ أرسَلَ شرذمة من عصابة أوغادٍ مسلَّحين بالمسدَّسات والهراوات والخناجر ، وقصدهم اغتيال داهش . وللمرَّة الثانية أَنقذَتْه عينُ العناية ، ومرَّغَتْ أُنوفَهم بالرَّغام .

وحرَّر محمّد علي فيَّاض تقريراً كاذباً أُمْلِيَ عليه ، واتَّهم فيه داهشاً بمحاولة اغتيال شرذمة المجرمين المُرسَلة لاغتياله . يا للهوان ! ويا للشَّرَف المسفوح على أعتاب الرئاسة ! كوميسير شرطة يُحرّر تقريراً كاذباً أُمْلِيَ عليه ، سافحاً شرفه ، مُسخّراً ضميره ، بائعاً ذمّته للشيطان الرجيم ! هذا هو الواقع ، وهذا ما حدث بتاريخ 28 آب 1944 ، ذلك اليوم المشؤوم المشحون بالأحقاد القَذِرة ، ذلك اليوم الذي لا ولن ينساه أيُّ داهشيّ أو داهشيّة ، ولذلك اليوم حساب حتى لو تأخَّر إلى يوم الحساب .

وأُوقِفَ داهش ، وأُطْلِقَ سراح المجرمين برعاية سيّدهم زعيم السفّاحين .

وطُرِبَ بشارة الخوري ، وهلَّلَ ميشال شيحا ، وصفَّقَ هنري فرعون صاحب اللطخة الخنزيريّة المتربّعة على خدّه منذ ولادته والتي سترافقهُ إلى لحْدِه . ورقَصَتْ لور وقد أسكَرتها خمرةُ الانتصار المدنَّسَة ، انتصار الرذيلة على الفضيلة . ولكن ...

ولكن كانت الأهوال تنتظرهم ، وكانت الزلازل المُزَلْزلات تتربَّص بهم وهي تَعدُّ عليهم أنفاسهم .

وجُرِّد داهش من جنسيّته قسراً واغتصاباً ، وأُبعد عن البلاد ، وظنّ السفّاح بشارة الخوري ، والمُنافِقة لور أنّهما قد انتهَيا من أمر مُؤَسّس الداهشيّة ، لكنَّ ظنَّهما خاب ورجاءَهما ذاب ، إذ سرعان ما صدَرَت سلسلة من الكُتُبِ السوداء الرهيبة ، طافحةً بجرائم بشارة ومآثمه ، وملأى بأخبار اللوطيّ هنري فرعون ، مُشْبَّعةً بأسرار لور الجنسيّة القَذِرة . وجميع هذه الكُتُب ممهورة بتوقيع ماري حدّاد الداهشيّة .

وماري شقيقة لور ، شقيقتها سابقاً ، أي قبل ارتكاب الجريمة . أماّ الآن فقد أصبحت غريبة عن ماري حدّاد ولا تمتُّ لها بأيّة صلة . وتبعَ الكُتُب السوداء إلقاء القبض على ماري حدّاد ووضعها بالسجن عاماً كاملاً ، كما زُجَّ الشاعر حليم دمّوس في غياهب السجون أيضاً ، دون أن تكون عليه أيّة بيّنة إطلاقاً . ولكنه الظلم المرعب يرتكبه سيّد المجرمين بشارة الخوري سفّاح لبنان الباغية على الحقّ ومهشّم الدستور بارتكابه الإجراميّ الهائل .

وقد ندم هذا الأقنوم الثلاثيّ المجرم ، ندموا على تدخّلهم في مسألة داهِش ندماً عظيماً لم يُجْدِهم نفعاً ، إذ اُفتُضِحَتْ جرائمهم ، وكُشِفَتْ أستار فضيلتهم المزعومة ، فعرف الجميع أَدقَّ أسرارهم النتنة من الكُتُب السوداء التي كانت تُمطر البلاد من أقصاها لأدناها في كلّ يوم ، دون أن تستطيع دوائر التحريّ معرفة الموزّعين أو الطابعين لهذه الدواهي المرعبة .

وراحت ألسنةُ الخلق تُمطرهم بسهامٍ حادَّة ، وتسلقهم مندِّدة بجرائمهم التي تُؤيّدها البراهين والوثائق المطبوعة بالزنكوغراف .

وأخيراً ، طفَحَ الكَيْل ولم يعدْ في قوس الصبر منزع ، والتهبَت الثورة ، ثورة الشعب على المجرم بشارة المرتكب للجرائم المفضوحة .

وبين غمضة عينٍ وانتباهها حُطِّم كرسيّ حكمه على رأسه ، وطُرد من منصبه . وكان ، إذ ذاك ، مجنوناً إذْ سلَّطَ عليه داهِش سيّالاً روحيّاً أفقده عقله ، فأصبح بهلول لبنان وأضحوكته الأبديَّة .

وقد فقد بشارة عقله ، وطلّقَ رشاده ، وأضاع تمييزه بعدما جرَّد بشارة داهِشاً من جنسيّته بشهرٍ واحد . إذ استيقظ صباحاً وهو يرفع عقيرته بالغناء وقد أمسك بجَرْدَل الماء يقرعه ظانَّاً أنَّه الطبل ، فهرعَتْ لور لترى ما الخبر ، وإذا بها ترى قرينها وهو عاري الثياب ، وقد تأبَّط جردل الماء وهو يُردّد نشيد " يا ريتني حصان" لعمر الزعنّي . ثم اعتلى السطل ظانّاً إيّاه فرساً أصيلة ، وراح يسوطها بحذائه يستحثُّها على الإسراع .

وإذْ ذاك انفجرت لور السفّاحة بالبكاء ، وعرفت أنَّ زوجها قد جوزي على اعتدائه على حريّة داهِش .

 

                            

ولكن سبق السيف العذل

                   فما فات مات ، وهيهاتِ أن يعود مثلما كان هيهات

وتوارى المجرم بشارة الباغية في منزله بالكسليك ، نادباً أَيَّامه ، نادماً على ما فاته . وكان عقله قد تضعضع ، فبرزَتْ عيناه من محجريهما ، وجحظتا ، ممّا جعل أقرب معارفه يستعيذون بالشيطان عند مشاهدته .

لقد كان منظره مخيفاً جدّاً ، وقد قال أحد أصدقائه المقرّبين مُقْسِماً بالله ، ومُردّداً : إذا تجسَّد الشيطان لما كان منظره أشدّ خوفاً من منظر بشارة الخوري المرعب . وتأكيداً لشدّة انزعاج بشارة الخوري وزوجته وخوفهما ممّا أصابهما بعد الاعتداء على الدكتور داهش ، وسلسلة الرعب والمتاعب التي أحاقتْ بهما سأنشر صورة زنكوغرافيّة عن رسالة لور لأختها ماري حدّاد تطلب فيها الصلح معها لتتخلّص مع قرينها من الأهوال التي انصبَّتْ على رأسيهما انصباب الحُمَم . أنظر رسالة الأفعوانة لور في الصفحة 202 من هذا الكتاب .

وقد ردَّت السيدة ماري حدّاد عليها برسالةٍ رأيتُ أَنْ أنشرها ليعرف كلُّ لبناني في أيّ جحيم كانت تحيا هذه الحيَّة الرقطاء لور السفّاحة ، وقرينة السفّاح الباغية بشارة . لعنه الله .

انظر رسالة الأخت ماري حدّاد إلى لور في الصفحة 206 من هذا الكتاب .

والخلاصة أنَّ بشارة الخوري بعهده البغيض سَخَّر وسائل الدولة الإِذاعيّة بأكملها ضدّ داهِش . فكانت الصحف تنشر سلسلة من الأخبار الكاذبة عن مُؤَسّس الداهشيّة ، والراديو يدأَبُ ، ليل نَهار ، على بثّ السموم حوله ، والمدارس الاكليريكيَّة تُلقّنُ الطلبة والطالبات الصغار أشنع الأكاذيب ، ملفّقةً أحطَّ التُّهَمْ عليه ، لتُبعد تأثيره عنهم ، فداهِش هو الحربةُ التي وجَدَتْ مقتلاً من رجال الدين ، فاضحةً أعمالهم ، مندّدةً بتصرفاتهم ، مهاجمةً أكاذيبهم ، معلنةً رجاساتهم، مبرهنةً تدجيلاتهم للرأي العامّ .

وقد هالهم الأمر فتكأكأوا عليه ، وتكالبوا ضدّه بجميع وسائل دعايتهم . حتى على منابر الكنائس كانوا يُذيعون أَخباراً ملفّقةً عنه ليُخيفوا الناس . والجماهير تُقاد كالأَغنام ، والدعاية تُؤثّر ...

ولكنَّ سفينة الداهشيّة استمرَّت سائرة بعزمٍ وثبات ، متخطّيةً جميع الحواجز، مُدمّرةً كلّ العوائق ، مزيلةً كلَّ ما يعترض سيرها من عقباتٍ كأداء.

         وأخيراً ، انتصر الحقُّ وزَهَقَ الباطل ، إِذْ أعاد الرئيس كميل شمعون جنسيَّة داهِش السليبة .

وكان داهش ملازماً لبنان ، لم يُفارقه على الإِطلاق . ولكنْ لم يكن أحدٌ ما يعلم بهذا السرّ سوى الداهشيين .

وقد أُعيدت جنسيته إليه في عام 1953 . وسارت سفينة الداهشيّة مثلما يجب أن تسير رغماً عن الحاسدين والموتورين .

وقد أَحزنت والدة داهِش الجريمةُ التي أوقعها الباغية بشارة بابنها ، كما أَذْوَتْها حادثة انتحار ماجدا ابنة ماري حدّاد ، إذ انتحرَت احتجاجاً على تجريد داهِش من جنسيَّته وتشريده في أرجاءِ المعمور ، وقصدها أن تُسمع صوتها للرأي العام بواسطة الصحف اللبنانيّة ، ولكنْ لا حياة لمن تنادي . فالصحافة في بيروت ، عوضاً عن اتّباعها صوت الضمير ، ودفاعها عن الظلم الهائل ، راحت تنشر أكذب الحوادث ، وتختلق أحطَّ الأمور ، وتلصقها بالمُعتَدى عليه الدكتور داهش استدراراً لعطف المجرم بشارة .

أَقول هذا والألمُ يمضُّني ، والغضبُ يستفزُّني .

وكان نتيجة هذه التلفيقات ، وتسخير الضمائر ، ما حدث في لبنان منذ أَربعة أَعوام .

وما يزال الحبل على الجرّار ، مثلما يقول المثل .

إذْ تهدَّم اليوم لبنان ، وتيتَّم أبناؤه ، وذُبِحَ رجالهُ ، وترمَّلت نساؤه ، وثكلت أُمّهاتُه ، وتردّم بنيانُه ، وتزلزلت أركانُه ....

وما ذلك إلاّ لأنَّ جميع صحف لبنان لم تنحَزْ منها أية صحيفة لمؤازَرة الحقّ ، ومناصرة المعتدى عليه ، والتنديد بالمجرم .

كما لم يبرز أيُّ وزيرٍ ، أو نائبٍ ، أو محامٍ ، أو صاحب شهامة، ليشجب الظلم الذي أوقعه الوصوليُّ برجلٍ بريء .

هذا ما سبَّبَ دمار لبنان وخرابه ، وذهاب ريحه .

فيا أُمَّ داهش ، أيّتها الجبَّارة التي طواكِ الردى حزناً على ابنكِ ، لقد انتقم الله لكِ من الظالمين ، وأَدّب المدينة التي وقفَتْ مكتوفة الأيدي ، دون أن تنحاز لجانب الحقّ الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار ، بل استمرَّت بسيرها في ركاب المجرم والتصفيق له ، فإذا بالمقنبلات تُزلزل مدنها وتُردّم عامرها .

وما ربُّكَ بظالمٍ لعبيده ، إنّما هم لأنفسهم ظالمون .

 

                                                     أنطون مرعب الداهشيّ

                                                 بيروت ، الساعة 4 بعد الظهر

                                                     تاريخ 30/1/1979

 نسمات

نجْوى سَلام بْراكْس

( فَاتَانَالي )

 

 

نسَمات

 

إنَّ في نسَمَاتي لعِطراً

تَسْتَروِحُهُ النفوسُ الزكيَّة

نَجْوى

 

 

دُعَــاء

 

سألتُـــــك رَبّــي

أَن تُفعِـــمَ قَلــبي

إيمَانـــاً و حُبّـــاً،

و تُطلِــق لِسَانـي،

خيْــراً و صِدْقـــاً

و تُكسِـبَ فِكــري

سُمُـــوّاً وعُمْقَــــاً

و تُشهِــرَ قلمــــي

سَيْفـــاً و حَقّـــــــاً،

فأَمتَــد إليـكَ درْبــاً

 

نَجْـوى

 

الإهْداء

 

أَنتَ أَبدَعْتَ فيَّ إنسَاناً روحيَّاً

فكيفَ أَنكِر قدرتَك؟!

أَنتَ هَدَيتَ تائهاً مَنسيَّاً

فكيفَ أَنسى رَحْمَتك؟!

أَنتَ علَّمتَ مُتَعطِّشاً ضَائِعاً

فكيفَ أجحَدُ كلمتَك؟!

أَنتَ أَخصَبتَ قَفراً بَلقَعاً

فكيفَ لا أَتلذَّذ غلَّتَك؟!

أَنتَ حَرَّرْتَ غريباً سَجيناً

فكيفَ أَغفلُ نِعمتَك؟!

أَنتَ كشَفتَ كنزاً دفيناً

فكيفَ لا أكبِرُ مُعجِزَتَك؟!

أَنتَ وَهبْتَني وَوَهبْتَني...

لا مِمَّا يعطيهِ أبنَاءُ الصَّلصَالِ و المَاء

بل مِمَّا يَهبَهُ أبناءُ الرُّوح،

أَبنَاءُ السَّماء.

إليكَ دَاهش هذِهِ النَّسَمات

إليكَهَا عرائِسَ بعبير حُبّي فائِحات

يا مَنْ رَفَدتَني بعطاءٍ يمُدُّهُ عَطاء،

وروَّيتَني من مَعينِ الخُلوُدِ و الضيَاء!

 

                              نجوى

بيروت في 29/7/1975

 

 

مقدِّمَـةُ الكِتاب

بقلم الدّكتور دَاهِش

 

بَينَ يديَّ الآن كتَابٌ هو ليسَ كبقيَّةِ الكُتُب.

إنَّهُ كِتَابٌ فَذّ،كتَابٌ رَائع، كتَابٌ ثمين،كتَابٌحِكَمُهُ بَالِغَة، وتعَابيرُهُ عظيمَة،ومعَانيهمُذهِلَة،وَحَقَائِقُهُ سَاطعَة،وبَراهينُهُ جَلِيَّة.إنَّهكِتَابُ الجيل،كتَابُ القرنِ العِشْرين!

فكَاتِبَتُهُ الشابَّةُ مِنَ المُدْهِشِ والمُثيرِ أَنَّهالم تحلُبْ شطرَي الحَيَاةِ لتَضَعَ لنَا فيهِ حِكمَةَ الدَّهر،وتَصُوغَ لنَا عِبَرَ الدّنيَا بمَا تحْمِلُهُ لنَا منْ خيْرٍ وَشرّ!

فكَيفَ أُتيحَ لِهذِهِ الغَادَةِ الصَّغيرةِ بالسِّنّ أَنْ تُسَابِقَ الشيُوخ منَ الكُتَّابِ والمُحَنَّكينَ مِنَ المُجَرَّبين،وتَبُزَّهُم بما نشَرَتْهُ ونَثَرتْهُ من آياتٍ حِكَميَّةٍ يُبْلىالدَّهرُ ولا تَبْلى جِدَّتُهَا وَحَقِيقَتُهَا النَّاصِعَة؟

لقد سَكِرتُ و أنَا أُطَالِعُ هذِهِ الحِكَمَ المنتَخَبَة؛فهيَ جَواهِرُوَضَّاءَة،ودُرَرٌ يتيمَة سَبَتْ لُبِّي،واسْتَهْوَتْني الاستِهْوَاءَ كُلَّه.

ولا أَشكُّ بأَنَّ قارئَ هذِهِ الإضمَامَة من أَرْوَعِما أَنتَجَتْهُ العقُولُ سَيَشْعُرُ مَا شَعرتُ بهِ مِن لَذَّةٍكُبْرى تَتفَوَّقُ على لَذَّةِ شَاربي الخُمُور المعَتَّقَة.

هذا إذا كَانَ القَارئُ يَسْتَلذُّ قِراءَةَ الجيِّدِ مِنَالكُتُبِ والرَّائعِ مِنَ الأَقوالِ الخَالِدَة.

أمَّا السَّطْحيُّ أو القَارئُ العَابرُ فمِنَ الأَفضَل أنْ يُبْقي هذا الكِتَاب مُغْلَقاً،فهو لم يُكْتّبْ لأجْلهِ قط.

والآن ها إنّي أَضَعُ أَمَامَ القَارئِ بَعضاً من الحِكَمِ والأقوالِ المُمتِعَة،ليُشَاركَني لَذَّتي عندَ تلاوَتِه إيَّاهَا.ومثْلَمَا تَسْكَرُ روحُهُ من سماعِهِ لموسيقى العبَاقِرةِ منهُم،كبتهُوفن، ومُوزارت، وبَارليُوز إلخ...

هكذا سَيُحَلَّقُ بخَيَالِهِ عند سماعِهِ حِكَمَ هذِهِ الكَاعِب الهَيْفَاء،ويتَمَنَّى أنْ لا تنقطعَ سلْسِلَةُ حِكَمِهَا الخالِدة.

فاسْمعْهَا تقول:

 

"لا معنَى لجهَادٍ في غيرِ عقيدةٍ رُوحيَّة."

 

وتمعَّنْ بهذِهِ الكَلِمَاتِ المَاسِيَّة،وهيَ حَقيقَةٌ لا شكَّ فيهَا.

فالجِهَادُ دونَ عقيدَةٍ رُوحيَّةٍ مَهْزَلَةٌ

منَ المهَازِلِ التَّافِهَة.فالذينَ يُجَاهِدُونَ ويُحَارِبُونَ

ويجُودُونَ بأرْواحِهِم لقَاءَ مَادِّياتٍ تَافِهَة ،يُجَازُونَ

أنفسَهُمْ بفَقدِهِم لأَروَاحِهِم جَزاءً لغَبَائِهِم المؤسِف،

أَمَّا مَن يجَاهِدُ في سَبيلِ مَثَلٍ رُوحيٍّ أعلى، فقَد أَمَّنَ لنَفسِهِ جَنَّةَ النعيمِ الوَارِفَةَ الظِّلال.

وأَصْغي لهذِه الكَلِمَة المُبْدِعَة،مَا أروَعَهَا، ومَا أَمتَعَهَا! وها هيَ:

 

"الإنسانُ كالشمْس،تغيبُ منْ مكانٍ ِلتُشرِقَ بمكانٍ آخَر".

لقَد أَبْدَعتِ أيَّتهَا الفيْلَسُوفة نجْوى! فبهذِهِ الحِكمَةِ يتأكَّدُ للقَارئِ أنَّكِ تؤمِنينَ بعَالَمٍ آخَر تحيَا فيه المخْلوقَاتُ البَشَريَّة،وأَنَّهَا لا تفنى بفَنَاءِ أجْسَادِهَا التُّرابيَّة السَّرابيَّة.

وهَاكُم حِكمَةً ثَالثَةً مُبْدِعَة:

"الوَقتُ يَقتَاتُ بأَعمارِنَا،

وأَعْمارُنَا تَأكلُ أَجْسَادَنَا

و أَجْسَادُنَا المتَآكِّلة تُعَدُّ وَليمَةً لِلديدَان".

 

وهذه هيَ خَاتمة المَطافِ لأَجسَادِنَا المادِّيةِ المأسَاويَّة.

 

"الَحياةُ بدَايَتُهَا بكَاء،

وِنَهايَتُهَا نُوَاح!"

 

"قوانينُ الأَرض

أمتِعَةٌ تشْتَرى بعَرض".

 

"الأرضُ أُنثَى عَاهِرَة

لِكثرَةِ ما ضَاجَعَهَا الشيطان،

أَنجَبَتْ توأَمَي الرَّذيلَةِ والبُهتَان!"

 

"إيه أَيُّهَا الصِّدق،

كم مِنْ كذبةٍ لُفِّقَتْ باسْمِك!"

 

"لا تأمنّن من خانك مرة واحدة".

 

"لكلِّ بذرَةٍ تُربَةٌ خاصَّةٌ تنمو فيهَا،

ولكلِّ إنسَانٍ مجتمعٌ خاصٌّ يعيشُ فيه."

 

"التقتيرُ في عِشرَةِ النَّاسِ غنىً".

 

"تجنَّبْ من يوَافقكَ في كلِّ أمرٍ كبيرٍ و صغير".

 

"لو اسْتُشرْتُ،

لأَشرتُ بمُحاكمَةٍ رجَالِ الدّين!"

 

"رجالُ الدّين بلا دين".

 

"حذارِ أثواباً سوْدَاءَ رعَابيل،

يختلِقُ لابسُهَا الأكاذيب،

مُردِّداً شتَّى الأقاويل،

داعماً إيَّاها بآياتٍ اقتبسَهَا من الأناجيل".

"إنْ لم تقضِ على أطماعِك،

قضَتْ عَليك."

 

إِنَّها آياتٌ، بَل معَلَّقَاتٌ جَديرٌ بها الكعبَة، ليقرأَهَا الخلَفُ عَن السَّلَف! ولو قُيِّضَ لي لَطَبعْتُ لهَا هذا الكتَابَ المُذهِلَ بصفحَاتٍ من الذهَبِ الوَهَّاج تُطَرِّزُهُ كَلِماتُهَا الحِكَميَّةُ الخَالِدَةُ بيَوَاقيتَ ومَاس وجَوَاهِرَ يتيمَة.

لقد سَحَرتْني كَلِمتُهَا المبدِعَةُ القَائِلةُ فيهَا:

 

"الحيَاةُ بدايتُها بكَاء،

ونهايتُهَا نواح!"

 

فهَل يوجَدُ أفدَحُ من هذِهِ البدَايَةِ والنهَايَة؟

إنَّهَا كَلمَةٌ أختَصَرتْ فيهَا آلامَ الحَيَاةِ،ومَرارتَهَا العَلقَميَّة،ومُنغِّصَاتِهَا الحنظليَّة،وطبَّقَتِ المثَلَ القَائِلَ:"خير الكَلامِ ما قلَّ و دَلّ."

إنَّ الكَاتِبَة اللوْذعيَّة نجْوى سَلام يَنتَظِرها ،في مُسْتقبَل الأيَّام، مجْدٌ أدّبيٌّ بَاذِخ،إذ سَتَعتَلي قِمَّتَهُ الشامِخَةَ الذُّرى.

ومِن جبَل الإلهَامِ المشْمَخرِّ هذا،سَنَقرأُ مَا سَيُطالِعُنَا بهِ يرَاعُهَا الجبَّار.

و سَيُخَلِّدُ التَّاريخُ اسْمَهَا الأدبيَّ بأحْرفٍ مِن نُورٍ و نَار.

الدّكتور دَاهش

بيروت 26/12/1978

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.