أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

garobat shames

محمد ذيب عطوي

وغرُبت الشمس

 

توطئة

                                                                            

   يضمُّ هذا الكتاب بين دفّتيهِ مجموعة أفكار وأحاسيس وخواطر بدأ بترجَمَتِها المؤلّف ووضْعِها ضمن الإطار الأدبي بدءاً من العام 1974. هذا العام الذي شهد التحوّل الروحي والفكري في حياة الكاتب وذلك بعد تعرّفهِ إلى الدكتور داهش وتقبّله له هادياً ومرشداً ومخلّصاً،.. وهو العام الذي أعلن فيه المؤلف عن ولادته الثانية حيث نراه يودّعه بهذه الكلمات:

" إمضِ يا عام،

إمضِ بما حملته لي من جواهر لا تُقدّر بثمن،

إمضِ فلن أنسى بهاءك مهما حييت،

وكيف أنسى وبك ولدتُّ، ولدتُّ وكان عمري الأرضيُّ 25سنة.

25سنة قضيتها في صراعاتٍ رهيبةٍ لا تُغني عن الحقِّ شيئاً، قضيتها وكأنها لم تكن.

وهكذا نرى، أخي القارىء، أنّ تعرّف الكاتب إلى الدكتور داهش لم يكن أبداً بالأمرِ العادي في حياته، إذْ أنّه أفرغ جعابه من زاد ماضيه حيث كانت تتصارع بداخله صراعات رهيبة بحثاً عن نفسه وعن حقيقة وجوده.. واختار درب داهش، فراحَ يتهادى عليه متلمّساً الحقائق الروحيّة، ناهلاً من عينها ما استطاعت سعة قدرتهِ أنْ تستوعب وتتحمّل، ومعلناً على الملأ إيمانهِ برسالته:

وبداهشٍ أنا مؤمِنٌ

"فلكلِّ قومٍ هادْ"،

   نعم هو الدكتور داهش بأفكاره وتعاليمه مَنْ يقف خلف كلّ كلمةٍ خطّها المؤلف في هذا الكتاب. وهو الدكتور داهش مَنْ دفعَ بهِ إلى رأس الجبل، ومِنْ ذلك العلو، ومن خلال عينيه وفكره وقلبه، نظر إلى العالم وإلى كلّ ما يدور من حواليه نظرةً ثاقبة وأخذ ينقل المشاهد التي يراها ويحسّها مشهداً مشهداً كشاهدٍ رفض الواقع المؤلم وآلمه وقعهِ على مستقبل البشرية الروحي:

"لا شكّ أنّ هناك غاية لوجودنا الإنساني على ظهر هذا الكوكب التّعيس الشّقي بقاطنيه، وهو الذي وصفه رسول الله بنار المؤمن وجنّة الكافر، ووصفه يسوع ا لفادي بالعالم الزّائل الفاني، والغاية أيها الضّائعون المتبلبلي العقول ما هي إلاّ تنقية النّفس من شوائبها وأدرانها، والارتفاع بها حيث البهاء والسّمو والتّعالي .."

   نعم هو الدكتور داهش مَنْ أغدقَ عليه بالمعارف والحقائق عن واقع الحياة وأسرار الموت وخفايا العوالم المعروفة والمجهولة، وهو لا ينكر له ذلك، لا بل نراه يثبّت داهش في حياته معلّماً أنار له درب الله ومحبّة رسلهِ وهداته:

"علّمْتَني حبَّ المسيح الفادي

علّمْتَني عشق الرسول الهادي،

علّمْتَني لله وحده العبادة

علّمْتَني لصادق الأعمال وحده القيادة،

علّمْتَني الكثير والوفير

علّمْتَني للحقِّ أنْ أكون نصير،

لذا بحبّكَ قلبي نابض

ويداي لمحراث الحقيقة قابض،

فالشكر لله الواحد الأحد

على ما علّمْتَني يا داهش الأبد."                                                                

وأخيراً، أخي القارىء، "وغربت الشمس" نضعها الآن بين يديك وفاءً للكاتب بعد مرور عام على وفاته (توفي في 20 تموز 2015)، وقد تمَّ اختيار هذا الإسم من وحي المناسبة بعد أن غَربت شمسه عنّا لتسطع في مكانٍ آخر.

ملاحظة: نرجو أنْ لا يُؤخذ علينا ورود أخطاء في إعداد هذا الكتاب، إذ آلينا على أنفسنا أن نترك الأمور على حالها إلّا في بعضٍ منه حيث عملنا على ما استدعى التدقيق.  

                                                                               أسام محمود عطوي

                                                                                 20/6/2016                                                                

لبنان إنسانك اليوم

     هُنا وهُناك،

     في بيروت وطرابلس، في زحلة وصيدا وصور،

     شبابٌ وشابّات،

     رهبانٌ وشيوخ،

     متعلّمون وجهلة،

     فُقراء وأغنياء،

     بُسطاء وزعماء،

جميعهم للسلاحِ حملوا، وبالخناجرِ تمنطقوا، وللقنابل كدّسوا، وللخنادقِ حفروا، وللمتاريسِ أقاموا، فانقسم الميدان بين يمينٍ ويسار، و(مسيحية) و(إسلام)، فلعلع الرّصاص، هدرت المدافع، وتفجّرَ البارود، وسال الدّم سيلان بركانٍ غاضبٍ فائر، وكُشِّرت الأفواه عن أنيابٍ أين منها أنيابُ الذِّئابِ السِّيبيرية، وطالت الأظافر فكانت كمخالبِ أشرسِ الحيوان، وكان ذلك كلّه لتقتل دون رحمة، وتفتك دون شفقة.

     أتباع يهوذا، ذاك البائع سيّده(سيّد المجد) الطّاهر برنين الفضّة، يريدون بيع الإنسان في لبنان، ناهجين نهج سيّدهم ومُعلمهم الأسخريوطي اللّعين.

     وأ تباع يزيد السِّكير المُعربد، قاتل حفيد رسول الله ببريق السُّلطةِ، يذبحون الإنسان اليوم في لبنان، وهم بذلك مُخلصين وأوفياء لمرشدهم وسيدهم يزيد الشّيطان.

     وأتباع شهوات الحسِّ والحواس، أولئك الجاعلين من القرن العشرين أنهار دماءٍ قانية، فإنهم يريدون نحر الإنسان في لبنان، وهم ما خرجوا بذلك عن درب سادتهم الجزّارين بعدما لنفوسهم السّادية تقمّصوا.

     وأمّا أتباع الجلاد فرنكو، فإنك تراهم يستميتون في تنفيذ كلّ طرق الجلاد وأساليبه الدّكتاتورية البغيضة.

     هؤلاء هم المتصارعون اليوم في لبنان، تراهم أخصاماً في الظّاهر، وحُلفاء في الغاية والهدف، والكلّ، نعم الكلّ، شيطانُ الأرضِ يسيرهم، ونفوسهم الخبيثة المملؤة مكراً وخداعاً ودمويةً هي وحدها الّتي تنير لهم دروبهم، وكم كان وصف الكتاب المُقدس صادقاً حين وصف أجدادهم، وما هم إلاّ امتداداتهم اللعينة، فقال بهم وبأمثالهم:

  • ما من أحدٍ بار، لا أحد
  • ما من أحدٍ يبتغي وجه الله،
  • ضلّوا جميعاً ففسدوا معاً.
  • ما من أحدٍ يعملُ الصّالحات، لاأحد،
  • حناجرهم قبورٌ مُفتّحة، وبألسنتهم يمكرون،
  • سمُّ الأصلالِ على شفاههم،
  • أفواههم ملؤها اللعنةوالمرارة،
  • أقدامهم تخفُّ إلى سفك الدّماء،
  • وعلى طرقهم دمارٌ وشقاء،
  • سبيل السلام لا يعرفون،
  • وليست مخافة الرّبِ نصبَ عيونهم*  

فيا هداكم الله، أفيقوا، إنهضوا من سباتكم العميق، اخرجوا منْ ظلام كهوفكم العفنة، ولتستنيروا بنور الحق السّاطع.

     أيّها الضّالون المخادعون، قايين لم يكن شيطاناً مارداً قطْ، ولا هابيل ملاكاً سماوياً مُتجسداً، بل هما كانا من أبناء أدم السّماوي، وتقاتلا، والباعث كان الحسد والحقد، فكانت صفة إبليس لقايين كونه خضع بخنوعٍ لرغباته السُّفلية السّاقطة، وكانت الشَّهادة صفة هابيل وما ذلك إلاّ لخضوعه لميوله النّفسية العلوية الرّاقية.

     أيّها التائهون الحائرون :

الإنسان أخو الإنسان، أأحبَّ ذلك أمْ كان له كارهاً، هذه هي الحقيقة، فلا أسْودَ ولا أبيض، ولا مؤمن ولا كافر، ولا عالمٍ ولا جاهلٍ، ما كلِّ هؤلاء إلاّ بشراً، والله يشرق شمسه عليهم جميعاً ويرزقهم جميعاً، ويهب لهم الحياة جميعاً، وهو، نعم وحده هو، الحق له بأخذ ما أعطى، واسترداد ما وهب، وليس إطلاقاً لغيره من حق.

     أيها المبجّلون المحترمون:

غاية الطّالب من الجامعة تحصيل المعرفة، وعندما يتناسى الطالب غايته وهدفه، فلا يكترث إلاّ بالنّدوات والمؤتمرات والمباريات والإضرابات والمظاهرات، عندها لن يكون حصاده غير النّدامة والخيبة والفشل الذّريع..

       فيا رعاكم الله،

لا شكّ أنّ هناك غاية لوجودنا الإنساني على ظهر هذا الكوكب التّعيس الشّقي بقاطنيه، وهو الذي وصفه رسول الله بنار المؤمن وجنّة الكافر، ووصفه يسوع ا لفادي بالعالم الزّائل الفاني، والغاية أيها الضّائعون المتبلبلي العقول ما هي إلاّ تنقية النّفس من شوائبها وأدرانها، والارتفاع بها حيث البهاء والسّمو والتّعالي، (فما خلقت الأنس والجن إلاّ ليعبدون) أي يعرفون، وللحقِّ يخضعون وبطرقه يسيرون، وطريقة ذلك ممارسةٌ للفضيلة وتمسّكٌ بأهدابها، ونبذٌ للرذيلة قولاً وعملاً وتطبيقاً، وصقلٌ للنفس بمحاربة خصائص الغرور والكبرياء، والخضوع لمحبّة السّلطة والتّسلط. وعندما ننسى غاية الوجود الأصلية، فلا بدّ ساعتذاك من حصادٍ مخيف، وفشلٍ ذريع.

       لبنان انسانك اليوم سلك دروب الشّيطان، وها هو يحصد نفوس المعذّبين التّائهين الضّائعين، وما خوفي إلاّ على إنسان هذا الكوكب من أن يسلك هو الأخر درب انسان لبنان، وعند ذاك سيمضي ويلٌ ليحلَّ مكانه ويلات. فهل من يسمع؟ وهل هناك (مِنْ ذوي الحلّ والرّبط) مَنْ يعي؟ أمْ أنّه ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون؟

                                                                                                     20/3/1976                                                                                  

وبظلِّه

وبداهشٍ أنا مؤمِنٌ

"فلكلِّ قومٍ هادْ"،

لمحمّدٍ أُعطي دمي

والنفسَ منّي والفؤادْ،

ليسوع قلبي يخفقُ

وبحبّهِ نُلْتُ المُرادْ،

لموسى في نفسي مكانٌ

أعطاني نوراً للجهادْ،

لبوذا إنّي أحترمُ

فالحقُّ واحدٌ يا عِبادْ،

لله أسعى كادِحاً

يا سعد مَنْ نالَ الودادْ،

الربُّ لي حصنٌ منيعٌ

آوي إليهِ وقتَ الشِّدادْ،

وبظلّهِ دوماً أعيشُ

فهو الحبيب وهو المعادْ.

                                                                                  

                                                                                       21/5/2003

أنوارٌ دائمة السطوع

   حالك هو ظلام العالم اليوم، والإنسان فيه ظالمٌ ومتعجرفٌ صلف، لا الغربي ببصيرته يُبصر ولا الشرقي بأفضل منه حالاً. تساوى الجمع بالضياع، والميازين التي يزنون بها أعمالهم وأفكارهم اختلّت، بل قل فُقِدت، الجميع إلى العجل الذهبي أحنى الرّقاب، وأيديهم لا تعرف سوى سفك الدّماء، وألسنتهم لا تنطق غير الأكاذيب، وأفكارهم لا تتغذّى إلاّ من سيّدهم، سيّد عوالم الظلمات الشيطان الرجيم. وكم هو صادقٌ قول الكتاب المقدّس حين وصف الأجداد وكأنّه يصف أحفادهم اليوم حينما قال:

ما من أحدٍ بارٌ، لا أحد.

ما من أحدٍ يُدرك.

ما من أحدٍ يبتغي وجه الله.

ضلّوا جميعاً ففسدوا معاً.

ما من أحدٍ يعمل الصالحات، لا أحد.

حناجرهم قبورٌ مفتّحة

وبألسنتهم يمكرون.

سمُّ الأصلال على شفاههم

أفواههم ملؤها اللعنة والمرارة

أقدامهم تخفُّ إلى سفك الدّماء

وعلى طُرُقِهم دمارٌ وشقاء

سبيل السلام لا يعرفون

وليست مخافة الله نصب عيونهم.

"رسالة بولس الرسول إلى أهل روما. الآيات 3-10 الإصحاح 18"

ورغم هذه الصورة المأسويّة لعالم اليوم، لا تزال في سمائه أنوارٌ مضيئة، وستبقى كذلك، لأنّها من لدن الله لنورها استمدّت، فكانت دائمة الإشراق، وفي كنفها الكثير من بني الإنسان أُنقذ، والكثير منهم إنْ هم رغبوا سينقذون.

   من بين هذه الأنوار الساطعة دائماً نور موسى نبيّ الله الكليم، ونور داوود صاحب المزامير، ونور سليمان المُعطى الحكمة من لدن الله، ونور المسيح يسوع الفادي، ونور محمد الرسول العربي الكريم، ونور داهش رجل الله والهادي الحبيب للقرن العشرين وما يتلوه من قرون.

أوّلاً: موسى النبي كليم الله

كلماته تشعُّ مشرقة بأنوارها منذ أطلقها لتنير الدّرب لكلِّ إنسان نفسه توّاقة للخلاصِ من سجن الأرض للإنطلاق في ملكوت السماء، حيث الهناء وحيث الصفاء، وحيث السرور والحبور. فهل هناك ما يعادل وصاياه العشر التي تلقّاها من الله الرحمن الرحيم؟ وإنْ سار الإنسان على نورها فهو أبداً لن يعثر.

   ولمن لم يحفرها في قلبه لتكون نبراساً له طوال حياته فهو في الظلمات يعيش، وها هي وصايا موسى الذهبيّة فلنتأمل بوعيٍ وإدراك كلَّ كلمةٍ من كلماتها:

الوصيّة الأولى: أنا هو الربّ إلهكَ. لا يكُنْ لكَ آلهةٌ أُخرى أمامي.

الوصيّة الثانية: لا تصنعْ لكَ تمثالاً منحوتاً صورة ما ممّا في السماء من فوقُ وما في الأرض من أسفلُ وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهنَّ لأنّي أنا الربُّ إلهكَ إلهٌ غيُورٌ. أفتقدُ ذنوبَ الآباءِ في الأبناءِ حتّى الجيلِ الثالثِ والرابعِ من الذين يبغضونني. وأصنعُ إحساناً إلى ألوفٍ من محبِّيَّ وحافظي وصايايَ.

الوصيّة الثالثة: لا تنطق باسم الربّ إلهكَ باطلاً.

الوصيّة الرابعة: إحفظ يومَ السّبتِ لتقدّسهُ كما أوصاك الربُّ إلهكَ.

الوصيّة الخامسة: أكرم أباكَ وأمّكَ كما أوصاك الربُّ إلهكَ.

الوصيّة السادسة: لا تقتل.

الوصيّة السابعة: لا تسرق.

الوصيّة الثامنة: لا تزنِ.

الوصيّة التاسعة: لا تشهدْ شهادةَ زُورٍ.

الوصيّة العاشرة: لا تشتهِ بيت جارك ولا زوجتهُ، ولا عبدهُ، ولا أمتّهُ، ولا ثورهُ، ولا حماره، ولا شيئاً ممّا لهُ.

ثانياً: داوود صاحب المزامير

   النفس المتعبة من هموم الدّنيا، والنفس القلقةُ ممّا يحمله الغدُ، والنفس الخائفةُ من غدر الظلمة والظالمين، والنفس التي ترزحُ تحت أحمال الذنوب التي اقترفتْ، والنفس المتوجّعة من آلام المرض وفقد الأحبّة، والنفس الناشدة لخلاصها من أتّون العالم المرعب.. كلُّ هذه النفوس لن تجد عزاءها بأروع ممّا فاضت به قريحة نبيّ الله داوود في مزاميره المدوّنة في الكتاب المقدّس. فهي نورٌ مضيءٌ أبداً ليبلسم الجروح ويطمئن النفس ويعطي الأمل. ومن بين مزاميره القدسيّة هذا المزمور:

المزمور الرابع: الموضوع: الإبتهاج بحماية الله وسلامه.

استجب لي عندما أدعوكَ يا إله برِّي، فقد أفرجت لي دوماً في الضّيق، فأنعمْ عليَّ وأصغِ إلى صلاتي.

إلى متى يا بني البشر تُحوّلونَ مجدي عاراً ؟ وإلى متى تُحبّون الأمور الباطلة، وتسعونَ وراء الأكاذيب ؟

اعلموا أنّ الربّ قد ميّزَ لنفسهِ تقيَّهُ؛

الربّ يسمع عندما ادعوه.

ارْتعدوا ولا تُخطِئوا. فكروا في قلوبِكم على مضاجِعِكمْ مُعتصمين بالصمتِ.

قدّموا ذبائح البرِّ، واتّكلوا على الربِّ.

ما أكثر المتسائلين: " من يُرينا خيراً؟" أشرقْ علينا أيّها الربُّ بنورِ وجهكَ. غرست في قلبي فرحاً أعظمَ من فرحِ من امتلأتْ بيوتهم وأجرانهم بالحنطة والخمر الجديدة.

بسلامٍ اضطجع وأنامُ. لأنّكَ وحدكَ يا ربُّ تُنعم عليَّ بالطمأنينة والسلام.

ثالثاً: سليمان الحكيم

   الحكمة نبراسٌ للسائرِ في الظلمة كان وسيبقى إلى أبد الدهور. ففي الحكمة يهتدي الضّال إلى طريق الصّواب، وبالحكمة يعرف العاقل أن يميّز الخير من الشرّ، وبالحكمة تنال النفس طمأنينتها وتبلغ محطّ خلاصها، فالحكمة شمسٌ دائمة التوّهج وثمنها يفوق كلَّ جواهر الدنيا. ولذا الله سبحانه وتعالى أنعم على نبيّه سليمان بنعمة الحكمة. فكان أن نطق بآيات خالداتٍ الزمن يفنى أمّا هي فباقية، ومن بين روائعه الحكميّة الذهبيّة الخالدة هذه الحكمة الواردة في سفر الأمثال الإصحاح السادس الآيات 16-17-18-19. حيث جاء فيه:

   ستّةُ أمورٍ يمقتها الربُّ، وسبعةٌ مكروهةٌ لديه:

عينان متعجرفتان،

ولسانٌ كاذبٌ،

ويدان تسفكان دماً بريئاً

وقلبٌ يتآمر بالشرِّ

وقدمان تسرعان بصاحبهما لارتكاب الإثمِ

وشاهدُ زورٍ ينفثُ كذباً

ورجلٌ يزرع خصوماتٍ بين الإخوة.

وفي الإصحاح 12 من سفر الأمثال الآيات 1-2-3-4-5-6-7-8-9 جاء:

من يُحبّ التأديب بحبّ المعرفة، ومن يمقت التأنيب غبيٌّ. الصالح يحظى برضى الربّ، ورجل المكائد يستجلب قضاءه. لا يثبتُ الإنسان بالشرِّ، أمّا أصل الصدّيق فلا يتزعزعُ. المرأة الفاضلة تاجٌ لزوجها، أمّا جالبة الخزي فكنخرٍ في عظامه. مقاصد الصدّيق شريفةٌ، وتدابير الشريّر غادرةٌ. كلام الأشرار يتربّص لسفك الدم، وأموال المستقيمين تسعى للإنقاذ. مصير الأشرار الإنهيار والتلاشي، أمّا صرحُ الصدّيقين فيثبتُ راسخاً. يحْمَدُ المرءُ لتعقّلهِ، ويُزْدرى ذو القلب الملتوي. الحقير الكادح خيرٌ من المُتَعاظِم المفتقر للقمة الخبز.

رابعاً: المسيح يسوع الفادي

   كلمة الله العليّ، وروحٌ منه ألقاها إلى مريم المقدّسة، كلّم الناس في المهدِ، وبشّرَ المساكين بالروح بأنّ لهم ملكوت السموات، والحزانى بأنّهم سيُعزَّون، والودعاء بأنّهم سيرثون الأرض، ولأنقياء القلوب لأنّهم سيرون الله ولصانعي السلام فإنّهم سيُدعون أبناء الله.

   مدّة من الزمن جال فيها أرض الأنبياء، بشّر وأنذرَ، وكلّم الناس بسلطةٍ روحيّة لا تقاوم، فكان له منهم بضعٌ ويزيد، أخلصوا لله إيمانهم، وساروا على طريق الهدى الذي رسمه لهم، وأمّا أبناء الضلالة والظلام، فقاوموه واضطهدوه وطاردوه، فيا ويلهم من قساة أجلاف، ويا ويلهم حينما يحشرون إلى جهنّم النار، طعامهم من غسلين ولباسهم من قار.

   فيا سيّدي وسيّد كلّ نفسٍ هدفها في الحياة خلاصها، ويا سيّدي وسيّد كلّ قلبٍ يسعى للحبِّ الصادق المنير، كلماتك الذّهب النقيّ، وعباراتك أسلاك النّور المحي. وهل هناك ما يعادل هذه الكلمات التي أطلقتها في عظة الجبل مخاطباً جمهرة الناس ومن خلفهم البشريّة كافّة، ومن كلماتك في هذه العظة الخالدة هذه الفقرة الرائعة المعاني، المربيّة للنفوس، والمزيلة عنها تراب الوهم، وسراب الأنانيّة.

   وسمعتم أنّه قيلَ: تُحبُّ قريبك وتبغض عدوّكَ. أمّا أنا فأقولُ لكمْ: أحبّوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم، فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنّه يُشرقُ بشمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار وغير الأبرار. فإنْ أحببتم الذين يحبونكم فأيّة مكافأةٍ لكم؟ أما يفعلُ ذلك حتى جُباةُ الضرائب؟ وإنْ رحبّتم بإخوانكم فقط، فأيُّ شيءٍ فائقٍ للعادة تفعلون؟ أما يفعل ذلك حتى الوثنيّون؟ فكونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كاملٌ! العين مصباح الجسد، فإنْ كانت عينكَ سليمةً يكون جسدك كلّهُ مُنوّراً. وإنْ كانت عينكَ سيّئةً يكون جسدكَ كلّهُ مُظلماً، فإذا كان النور الذي فيك ظلاماً، فما أشدّ الظلام!

خامساً: محمّد الرسول العربيّ الكريم

   الجزيرة العربيّة غارقةٌ في الجهالة العمياء، ظلمٌ وظلام، قتلٌ ودماء تهرق، أمّهات ثكلى، وطفولةٌ بريئة ملائكيّة تؤود لا لشيءٍ أو لذنبٍ اقترفت، بل لكونها أُنثى، وفي إمبراطورية فارس وروما فسادٌ لا يعلوه فساد، وهرطقاتٌ دينيّة ومذهبيّة ما أنزل الله بها من سلطان، وسط هذا العمى الذي غشى العالم المعروف آنذاك، سطع نور وأشعّت شمس، إنّه نور محمّد (ص) وشمس الإسلام، جاءا ليطردا ظُلمة العالم، وينيرا بصائر الناس إلى طرق الحق والخير والعدل، ويصحّحا ما اُخلط على العقول فهمه من كتب ومعارف روحيّة سابقة، ومن أروع ما حمله القرآن الكريم لوصف القوّة الموجدة أي الله سبحانه وتعالى كانت هذه الآية التي لو لامست الحجارة الصلدة لخرّت ساجدةً مسبحّةً للمهيمن الرحيم.

   "الله نور السماواتِ والأرض، مَثَلُ نورهِ كمشكاةٍ فيها مصباح، المصباحُ في زجاجة، الزجاجةُ كأنّها كوكبٌ دُرّيٌّ، يوقدُ من شجرةٍ مباركةٍ، زيتونةٍ لا شرقيّة ولا غربيّة، يكادُ زيتها يضيءُ ولو لم تمسسهُ نار، نورٌ على نور، يهدي الله لنورهِ من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكلِّ شيءٍ عليم." النور الآية 35...

   وانظر بتفكّرٍ وتدبرٍ هذه الحكميّات الذهبيّات والتي لا تقدر بأثمانٍ ماسيّة أو ذهبيّة فانية، فهي لها الخلود الدائم، وهي العقد الفريد الذي من طوّق عنقه به فقد فاز في حلبة السبق الفوز المبين، فقد جاء في القرآن الكريم "إنّما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم واتقّوا الله لعلّكم ترحمون، يا أيّها الذين آمنوا لا يسخرُ قوم من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيراً منهنَّ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنِّ إنَّ بعض الظنِّ إثمٌ، ولا تجسّسوا، ولا يعتب بعضكم بعضاً، أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه، واتقّوا الله إنَّ الله توّابٌ رحيم. يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إنّ الله عليمٌ خبير."

   واسمع لمحمّد (ص) حين يقول في حديثٍ شريف: " الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر" "لو كانت الدنيا تعدلُ عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماء." ويقول أيضاً " لو إنّكم تتوكّلون على الله حقَّ توكّلهِ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصاً وتروح بطاناً" . وعن المساواة في العدالة ما أروع ما قاله الرسول الكريم " إنّما أُهلكَ الذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنّ فاطمةً بنت محمّد سرقت لقطعت يدها." وما أروع هذا الوصف النوراني للمجتمع المتعاون أفراده على الخير والبر " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى." وهذه الكلمات الرائعات التي يبيّن فيها النبيّ أن لا شيء للإنسان يصيبه إلاّ نتيجة لاستحقاقه: "يا غلام، إنّي أُعلمكَ كلماتٍ، احفظ الله يحفظك الله تجده تجاهك، وإذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعون بشيءٍ لم ينفعون إلاّ بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلاّ بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف." وإليك هذه الحكمة البيّنة التي نورها يشّع كماسٍ مصقول: "يتبعُ الميت ثلاثةً أهلهُ ومالهُ وعملهُ، فيرجعُ إثنان ويبقى واحد، يرجع أهلهُ ومالهُ، ويبقى عملهُ."

سادساً: رجلُ الله الدكتور داهش الهادي الحبيب

   القدس مدينة الأنبياء، ومنها في آخر الأيّام يخرج الهادي الحبيب وبها يولد، ففي حي العمود من هذه المدينة وفي الأول من حزيران العام 1909 وُلِدَ سليم موسى العشّي، والذي بإلهامٍ روحي قدسي أُختير اسمه الذي يُعرفُ فيه بين الناس اليوم بداهش، فأعطاه الله القدير نعمة اجتراح المعجزات الباهرات والتي تناقلت أخبارها معظم صحف العالم العربي والأوروبي فاستدعته الجمعيّة النفسيّة في باريس ليريها ما يثبتُ صحّة ما تناقلته الأقلام، فكان لها معجزة يونان النبيّ، إذْ وُضِعَ داهش في تابوت مُحكم الإغلاق ومختوماً بالشمع وأُنزل في قاع نهر السين مدّة أسبوعٍ من الزمن، وفي نهاية أيّام الأسبوع أُخرِجَ التابوت بعدما حُرِسَ بصرامةٍ قاسية من أعضاءٍ في الجمعيّة النفسيّة فإذا المسجّى فيه يتحرّك نابضاً بالحياة، فكان هذا الحدث دافعاً لهذه الجمعيّة أن تعطيه شهادة الدكتوراه في العلوم النفسيّة، ومن حينها عُرِفَ سليم موسى العشّي بالدكتور داهش، وكما عُرِفَ سابقاً سميّه بإسم سليمان الحكيم.

   وفي هذا القرن، العلم في مختلف ميادينه تبوّأ عرش المجد، وكشف من المخبوء ما كان مستوراً طوال قرونٍ من الزمن، سطّر الإنسان الكثير الكثير من القوانين وسخّرها لمصلحته وزيادة الرفاه له، ولكن رغم هذا الكشف الباهر، بدل أن يقترب الإنسان من ربّه ويتعبّد إليه بعقله وقلبه، بدل ذلك للأسف، وجدته الرافض الأول لكلِّ ما لا يقع تحت كشفه الحسّي، فإذا به يرفض الله سبحانه ويرفض كلَّ غيبيٍّ تحدّثت عنه كتب السماء، وبدل أن تنمو فيه حاسّة الإنسانيّة، وجدته عابداً للأنانيّة الممقوتة، فاتّخذ له العجل الذهبيّ معبوداً لا يباريه معبود آخر، فأُحنيت له الرقاب، وتذلّلت له النفوس، وشُغِفَتْ به الأنفس شعوباً وأفراداً، رافضين للغيب ومؤمنين به، الكلّ أصبح له عابداً خاشعاً عاشقاً. فكانت ثمراته العلقم المرير، والدماء المهراقة، والنفوس المزهقة، واليتامى والثكالى، فمن حربٍ كونيّة أولى إلى حربٍ كونية ثانية، إلى حروب استقلال واستغلال، مُدنٌ هُدِمت، وبلدانٌ روّعِت، فتّوج كلّ ذلك بحربٍ ذريّة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في هيروشيما وناكازاكي، بكلّ هذا، النفوس في شبكة الحيرة والقلق علقت، وها هي تتخبّط تخبّط العاجز الفاقد للقوّة.

   وسط هذا الضياع الذي غشى المعمور، وفي الثالث والعشرين من آذار العام 1942 أطلق الدكتور داهش بأمرٍ من السماء صرخته المدوّية، وأطلّت على العالم شمسه القدسيّة بأنوارها الأزليّة الأبديّة، داعيةً كلَّ النفوس للخلاص، مُثبِتَةً لكلِّ ذي بصيرة حقيقة وجود العالم الروحيّ الخالد بما أُوتي الهادي الحبيب من قوّة اجتراح المعجزات، فكان لكلماته السند السماوي الذي لا يقاومه إلاّ الجهّال من بني البشر الأغبياء، وكم هم كثرٌ اليوم في عالمنا. لقد كان في صوته صوت موسى وداوود وسليمان والمسيح ومحمّد وبوذا وغاندي وسقراط و...، فرسالته السنيّة فريدة المزايا، فهي العروس التي تغنّى بها سليمان الحكيم حيث قال في سفر نشيد الأنشاد "أختي العروس جنّةً مُغلقة، عينُ مقفلة، ينبوعٌ مختوم"، وشريعته هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله قبل موته في سفر التثنية الإصحاح ال33 حيث قال:" وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعةً لهم". والدكتور داهش هو الذي عناه سيّد المجد يسوع حين قال في إنجيل يوحنّا الفصل الرابع عشر " إنْ كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزّياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد". وهو الذي قال فيه إشعياء النبي مُعزّياً الأمم جميعها في الخلاص المُرتقب من الله سبحانه وتعالى فقال "الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، والمقيمون في أرض ظلال الموت أضاء عليهم نورٌ. كثّرت الأمة وزدتْها فرحاً، ابتهجوا في حضرتك كما يبتهجون في أوان الحصاد، وكما يبتهج الذين يتقاسمون الغنائم. لأنّك قد حطمّتَ كما في يوم مديان، نيرَ ثقله وعصا كتفه وقضيب مُسخّرهِ. إذ كلّ سلاح المتسلّح في الوغى وكلّ رداءٍ ملطّخٍ بالدماء، يطرح وقوداً للنار ويُحرق لأنّه يولدُ لنا ولدٌ، ويُعطى لنا ابنٌ يحمل الرّياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبديّاً، رئيس السلام.".      

   وفي القرآن الكريم وضعه الربّ موضع قسمه إذ جاء في سورة البروج " والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهدٍ ومشهود" فهو الشاهد في هذه الآية المعني بها، وظاهراته الخارقة ومعجزاته الباهرة هي المشهود. فهل من عقولٍ تعي حقيقة الهادي الحبيب ورسالته المقدّسة المنيرة؟؟...

   ومن بين كلماته التي قيلت وكتبت في ما يزيد على المئة والخمسين كتاباً اخترت هذه الأنوار من كتابه المعنون "كلمات الدكتور داهش" :

  1. "المرأة بؤرةٌ نتنة آسنة، والرجل خنزير قذر دائم التمرّغ فيها" فالمرأة المعنيّة من هذا القول هي المتهتّكة البائعة لعرضها في سوق النخاسة، والرجل المذكور هو البائع لشرفه في سبيل شهوته الجنسيّة القذرة.
  2. " المرأة سببُ شقاء وهناء هذا الكون المترامي الأطراف" فهل يستطيع إنكار هذه الحقيقة ناكر، فإن وُجد، فما عليه عندها سوى بقراءة التاريخ.
  3. 3." المرأة تحمل بيمينها مفتاح السعادة، وبيسارها معول التدمير والشقاء." فحنان المرأة لا يعادله حنان في الوجود، وغيرتها أشدّ تدميراً من زلزالٍ مدمّرٍ مردّم.
  4. 4." أنا أشكّ بنفسي ولا أثقُ بها، فكيف تريد منّي أن أثقَ بكَ ثقةً عمياء لا حدّ لها، أوَلا يُعدُّ هذا منك منتهى الغباء، وغاية الجنون؟!" والشكّ المقصود هنا هو الذي يقود الإنسان إلى الحقيقة الساطعة ليخلق بالنفس السكينة والطمأنينة.
  5. 5." أُحبُّ الكتب حُبَّ السكارى للخمر، لكنّي كلّما ازددت منها شرباً، زادتني صحواً." المعرفة زادُ الواعي في الحياة، والكتب هي المائدة العامرة التي من غذائها تنمو النفوس وتسمو.
  6. 6." الحريّة: منحة السماء لأبناء الأرض. فمهما حاول ( الحاكم الوصوليّ ) أن يعتدي على ذمارها، فإنّها تعود لتنقلب عليه ، وتُعميه برشاش غبارها." القيد ممجوج للنفوس الحرّة حتّى لو صيغت سلاسله من الذهب والماس، فالله جلّت قدرته وهب من نعمهِ الكثير الكثير لمخلوقاته، وأعظم العطايا كانت نعمة الحريّة. حتّى أنّه في القرآن الكريم أوحى إلى صفيّه محمّد (ص) قائلاً: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وقال " لست عليهم بمسيطر" وقال: "وهديناه النجدين فأمّا كافراً وأمّا شكوراً" فهل بعد هذا سيطرة ظالمة لفردٍ على آخر؟ فإن وُجد فقانون الحياة يلفظه، وإلى دركات جهنّم يأخذه.
  7. 7." الجبان- في شريعتي- ليس أهلاً للحياة مُطلقاً. فإمّا أن (نجبن) فيستعبدنا القويّ الغاشم، وإمّا نُظهر (شجاعتنا)، ونُطلقُ (بطولتنا) فننتزع بواستطها (حريّتنا) المقدّسة الخالدة." وكم هذا القول الحكميّ يذكّر بالبيت الشعري الخالد للشاعر أبي القاسم الشابي حيث يقول: " إذا الشعب يوماً أراد الحياة   فلا بدّ أن يستجيب القدر"   كما أنّ ذاكرة التاريخ حفظت لنا بطولة شعب صيدا عندما حاصرها الطاغية أرتحششتا، وكيف فضّل هذا الشعب المقدام الموت حرقاً وبيده على أن يُسلّم بذلٍّ وانكسار نفسٍ مدينته إلى الحاكم الظالم الجائر. وفي ذاكرة التاريخ عبرٌ وعبر لكلّ من أراد لنفسه أن تسمو وتخلص من ربقة الطغاة والمستبدّين.
  8. 8." يا رجال التشريع والقضاء!.. إنّ شرائعكم هي إحدى مهازل هذه الدنيا ومساخرها. فالقوانين ليست بقوانين إذا طُبِّقَت على الضعفاء والفقراء دون الأقوياء والأغنياء. فالحرّة ترغمونها على الأكل من ثدييها ثمّ تطلبون محاكمتها. وسارق الرغيف تلقونه في غياهب السجون.... أمّا سارق الألوف فإنّكم تشاركونه الغنيمة وتتقاسمونها فيما بينكم، فيا للعار!" وليس أدلّ على صدقيّة ما جاء إلاّ "الأمم المتّحدة" وعدالتها التي لاكتها ولعنتها جميع أمم الأرض- فيا للمهزلة من الإنسان الذي بمحض إرادته ورغبته صار عبداً للشيطان.
  9. 9

10 " أُشبّه الحياة بقفصٍ رهيبٍ هائل، والبشر بالطيور الرازحة فيه، ومهما بذلت الطيور من مساعٍ وجهودٍ لاجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتّى يأتيها داعي الموت ويحررّها من تلك العبوديّة الصارمة، ويعتقها من ذلك القيد الثقيل." حواسنا المعطاة لنا في هذه الحياة هي السلاسل المشدودين إليها، وعقلنا لا يتغذّى إلاّ من خلال هذه الحواس، فكما هي محدودة، كذلك هو، وعند الموت تتحطّم تلك السلاسل، فنعي ونعرف ما لم يكن بالمستطاع، وما أروع الآية القرآنيّة الكريمة الواصفة النفس حين موتها فتقول:" وكشفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد".

11. " كُنْ حذراً من تقلّبات الأيّام وتغّيرات الأعوام، لأنّ قانون الحياة هو الاستمرار على التحوير، ونظام الكون دائبٌ أبداً على التغيير." فكم من ملوكٍ ورؤساء باتوا ليلهم وهم في عزِّ مجدهم، فأفاقوا وهم بأذلّ حال، وفي التاريخ المدّون عبرٌ وعبر. فسبحان الله المحوّل من حالٍ إلى حال والمنذر للناس أن كلَّ شيءٍ إلى زوال.

12. " أنا أؤمنُ بأنّه توجد عدالة سماويّة، وأنّ جميع ما يصيبنا في الحياة الدنيا من منغّصاتٍ وأكدارٍ إنْ هو إلاّ جزاءً وفاق لما اجترحناه في أدوارنا السابقة من آثامٍ وشرور، ولهذا يجب علينا أن نستقبل كلّ ما يحلُّ بنا من آلام الحياة ومآسيها، غير مُتبرّمين ولا متذمّرين، بل قانعين بعدالة السماء ونُظُمها السامية." وما جاء في القرآن الكريم عن النفس ها هو"كلّ نفسٍ بما كسبت رهينة" ، وجاء أيضاً في موقف عدم التذمّر حين التعرّض للمحن والتجارب "وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون". وجاء أيضاً على لسان عليّ (ع) "لا يلومنّ لائمٌ إلاّ نفسه". وعلى لسان محمّد (ص) حيث قال "ما من عثرة قدمٍ، ولا عرقٍ محمومٍ ولا الشوكة تُشاكها إلاّ بذنب".

   هذه هي الأنوار الدائمة السطوع أبد الدهر ولا ولن يرى نورها المحي سوى ذوي البصائر السويّة والعقول النيّرة. فهل يا أخي منهم أنت ؟!...

                                                                          15 كانون الثاني 2004  

 

 

 

فهرس

 

مقدمة.بقلم ماجد مهدي                                                            11

تمهيد : دواعي ظهور الرسالة الداهشيّة                                         17

 

القسم الأول : حياة الدكتور داهش الإعجازيّة                      23

 

الطفل المُعجزة                                                                       25

تكلمه بالهنديّة                                                                      25

الصَيد الإعجازي                                                                   26

الشفاء العجائبي                                                                    28

اليتيم المُعذب                                                                       28

الفتى الشغوف بالمعرفة                                                           30

عينان تشعّان نوراً                                                                 30

مشيه على صفحة الماء                                                           31

الفتى المؤدب                                                                       33

داهش الناس                                                                        33

الدكتور داهش                                                                      34

الأديبُ المعجز                                                                     36

الرسالة الإلهيّة                                                                     36

الجلسات الروحيّة                                                                  38

إضطهاد مؤسس الداهشيّة و أتباعه                                              39

رجل الرُّوح يؤدب و يُنذر متنبئاً                                                 41

نبوءة خراب لبنان                                                                 42

إهتمام الدكتور داهش المثلث: الرسالة و الثقافة و الفن                        43

 

 

القسم الثاني: معجزات الدكتور داهش                              45

 

ما هي المُعجزة                                                                              47

الغاية من المُعجزات                                                              54

شهود مُعجزات الدكتور داهش                                                   58

أصناف المُعجزات الداهشيّة                                                      64

نماذج من مُعجزات الدكتور داهش                                              66

شفاء الأمراض                                                                     66

الأجوبة الكتابية العجائبية                                                         68

تغيير طبائع الأشياء                                                               69

مُعجزات الإحياء                                                                   72

مُعجزات التكوين                                                                  74

مُعجزات النقل                                                                     75

 

القسم الثالث : الحقائق الروحيَّة الداهشيَّة                         84

 

الحقيقة الأولى : وجود الرُّوح و خلودها                                         91

الحقيقة الثانية : السيّالات الروحيَّة هي نسيج الكون و قوام كائناته          96

الحقيقة الثالثة : السببية الروحيَّة و الجزاء العادل                              101

الحقيقة الرابعة : التقمُّص                                                         105

الحقيقة الخامسة : وحدة الأديان الجوهريَّة                                      111

وبعد,فمن هو داهش؟                                                              120

ألمراجع

 

 

 

تمهيد

دواعي ظهور الرسالة الداهشيّة

 

 

هذا الكتاب لن يكون موضوع لهو وتسلية . حسبنا ما تستنزف ألهيات الحياة من جراح الناس . شئته مشحوناً برعد الروح , مصهوراً بلهب الإيمان , مطروقاً بمطرقة العقل والحجّة الحاسمة .

جئتكم بطعام لم يذقه البشر منذ ألفين من السنين : طعام سيكون منأً وسلوى لبعض , وسمّاً زعافاً لبعض ؛ به سيقوى ويستيقظ كثيرون , وبه سيسقط ويخزى عديدون ؛ لكنّ الحياة المتصاعدة لا تبالي إلاّ بالأقوياء الأنقياء من أبنائها , فلهم وحدهم تسلم قيادها .

لم يشهد التاريخ البشريّ , منذ فجره الجليّ , قلقاً متفاقماً , ويأساً متعاظماً , وحياةً مأساويّة يقاسيها معظم الناس , كما يشهد في هذه الحقبة من القرن العشرين .

فالفرد يقلقه إضطراب العيش , وغموض الغد , وفقدان النظام النفسي الصحيح , وتضعضع الفكر في غمرة المذاهب والفلسفات المضطربة المتناقضة , وفراغ الحياة من معنىً يبعث فيها الأمل والعزاء والقوّة .

والمجتمع يقلقه تنافر مصالح أفراده , وتمزّق وحدة أبنائه , وتلمّس شيعه وأحزابه سبلاً متضاربة للخلاص , وطرقاً يائسة لإقامة دولة آمنة عادلة فاضلة .

والعالم يقلقه تنافس دوله في التبشير بالسلام , وتسابقها في إيقاد الحروب وزرع الخصام , وتخوّف الشعوب الضعيفة من مطامع القويّة , وضياع الثقة ما بينها , وتباري الأمم في تطوير أسلحة الفناء وامتلاكها , وإقتراب شبح حرب ذرّية عالميّة تقضي على الحياة والحضارات . وفي كل ذلك أمسى العلم مطيّة مسخّرة لأهواء النفس ونزوات الشرّ , وتقلّص دور العقل ليخلي مكانه للجنون .

هذا القلق المأساويّ , بل هذا التمزّق النفسي , ما كان ليفترس عالم القرن العشرين , لو لم يهن الإنسان لديه , ويجعل نفسه شلواً بين شدقيه . فالبشر زاغوا عن المثل العليا الصحيحة التي بوسعها أن تنفخ فيهم روحاً يدفعهم في طريق الإتّزان الشخصي , والسلام النفسي , والتكامل الحضاري , وبالتالي الرقيّ الحقيقيّ ؛ وانجذبوا الى مثل عليا زائفة , إستمدّوها من قيم عارضة إعتباطيّة , وقوىً بشريّة وهميّة ظنّوها الحقيقة المعزّية الكبرى , فاذا هي سراب علقت به عيون مخدوعة , وعقول أوهنتها أهواء النفس , فعجزت عن الرؤية الجليّة الصائبة . وقد ظهرت آثار هذا الإنحراف بتفاقم يأس الأمم , يوماً بعد يوم , وبدء إنهيار آمالهم القديمة , في بناء عالم يسوده السلام والعدل والمحبّة والفضيلة والسعادة .

المصير الفاجع الذي صار الإنسان إليه , ما كان إستحقّه لو لم يختاره راضياً . فقد آثر أن ينهج المسلك الماديّ الخارجي , لأنّه يشبع غرائزه البهيميّة , وميوله الفرديّة الأنانيّة , ونزعاته الإجتماعيّة العدائيّة , بما يقدم له من لذّة حسّية آنية سهلة , ومجد دنيويّ سريع , وعصبيّة إقليميّة طمّاعة ؛ وتنكّب عن المسلك الروحيّ الداخلي الذي في إنتهاجه التصاعدي وحده , يكون تكامل الإنسان , وتساميه االحقيقي , وصحة مخطّطاته , وسلامة مؤسّساته , بما يتيح له من هيمنة النزعات الإنسانيّة الخيّرة على الميول السفليّة الشرّيرة , في الفرد والمجتمع . لقد فضّل الإنسان , لإنحلاله النفسي , وتقاعس الإرادة السامية فيه , مدنيّة مادّية صخابة سطحيّة تمتع حواسه , وترهق نفسه , على حضارة روحيّة هادئة عميقة , تجذب السفلي فيه الى العلوي , والخارجي العرضي الى الداخلي الجوهري , وتغمره بسلام وسعادة دائمين .

وقد أغرى البشر في سلوك ذاك الطريق المنحرف تخلّيهم عن الإيمان اليقيني الثابت بوجود الروح وخلودها ؛ وفهم اليوم , بأكثريّتهم الساحقة , إمّا كافرون أو مؤمنون مشكّكون . هذا الوضع النفسي القلق , الجاحد أو المشكّك , المتأثّر بنزعة مادّية خارجيّة في الرؤية والحكم والتصرّف وبضغط الجوّ العلمي , الواقعي , التجريبي , دفع الجميع الى مطالبة واعية أو غير واعية بإثبات واقعي غير نظريّ , لوجود الروح : إثبات علمي يطمئّن قلق الإنسان , ويبلسم جراحه النازفة , ويضيء الأمل بالخلاص في نفسه , ويزيل الشكوك التي أثارتها الإكتشافات والإختراعات التي بهرت عينيه , إثبات يكون بحجم العصر ومستواه .

وما كان للمذاهب الفلسفيّة أن تقدم ذاك الإثبات الواقعي , وهي عمارات عقليّة نظريّة متباينة , كلّ منها بني على قاعدة تقرّها فئة وتنكرها أخرى . وما كان للمذاهب الدينيّة الراهنة أن تأتي أيضاً به , ما دامت براهينها كلّها نظريّة .

وما كان للعلوم العقليّة المعروفة نفسها , أن تقدّم ذاك الإثبات الواقعي أيضاً , ما دام الروح لا يحدّ بمقياس , ولا يسخّر لمشيئة الإنسان , وما دامت وسائل العلم تجريبيّة محدودة . وإزاء هذا العجز البشري الشامل , وضرورة الإيمان الملحّة لإنقاذ الكثيرين , لم يبق إلاّ للروح نفسه , وهو الأعلم والأقوى , أن يعلن ذاته ووجوده للناس, بإذنه تعالى ورحمته .

وإذا الروح يتنزّل من لدنه تعالى على رجل من لبنان , هو الدكتور داهش , ليملأ بحقيقة وجوده العظمى فراغ نفوس الكثيرين , وليبهر أبصار المنكرين , ويذلّ عتو المستكبرين ... ويعزّي قلوب المتواضعين .

وما كان الإنسان يمكنه التحقّق من وجود الريح , وهو لا يراها , لولا تحريكها الأغصان والأشياء , ولفحها وجهه ؛ فآثارها تنبىء عن وجودها .

وما كان الإنسان ليستطيع التثبّت من وجود العقل لولا ثماره وآثاره . فليس بوسع المرء أن يعاينه أو يتلمّسه أو يتحسّسه ؛ ومع ذلك لا يخامره أن يجحده , لأنّه يتّخذ من أفعال  العقل ومنتجاته شهوداً حاسمة على وجوده . كذلك الروح , ما كان للإنسان أن يتيقّن من وجوده لولا آثاره وثماره الخارقة , فهي الشاهد الأصّدق عليه .(1)

والعلوم , ثمرة العقل الفضلى , لا تعدو أن تكون في سيرها التصاعدي , سعياً الى مزيد من الكشف عن القوانين الطبيعيّة التي هي ملمح من ملامح الحقيقة الإلهيّة الأزليّة اللامتناهية ؛ ومع ذلك فهي برهان كاف على قدرة العقل ومدعاة لإجلاله . أفلا تكون معجزات الروح – تلك التي تتحدّى العقل البشري في حشوده وطاقاته وإمكاناته وإختباراته , فيقف دونها قزماً عاجزاً مدهوشاً – حجّة أقوى على عظمة الروح وسلطانه , وقدرته الخارقة الفائقة !  وهيهات ما بين قوّة تحدّها أبعاد المادّة وتخضعها قوانينها , وقوّة تتفلت من نواميس المادّة وأبعاد الزمان –المكان ! هيهات ما بين سراج باهت هو العقل وشمس وضّاءة هي الروح !

العقل البشريّ الذي عجز فاستعلى فأنكر , هو الذي سيقف موقف الحرج , هذه المرّة , أمام إستطاعة الروح وسطوع وجوده . فإمّا أن يأتي بما يأتيه الروح من ظاهرات ومنجزات معجزات , وإمّا أن يخضع لرسول الرحمن مسلّماً تسليماً .

ولدى تأكّد وجود الروح المفارق لعوالم  " المادّة " , المتخطّي لأبعادها , القاهر لقواها , المعجز لبني البشر , ماذا يتأتّى لنا من فائدة ومغزى ؟ فيما إذ تتبدّل نظرة الإنسان الى كل شيء وكل قضيّة , وتتغير مواقفه وتعليلاته وتقويماته ومعانيها . فبدل أن يكون تفسيره للكون  " مادّياً " يصبح " روحيّاً " , وبدل أن تكون قيمه ومثله مستمدّة من قولى مادّية إعتباطيّة عارضة , قوىً خارجيّة وهميّة زائفة , تستمدّ من قوى روحيّة جوهريّة حقيقيّة خالدة . إذ ذاك يتيسّر له فهم أن وراء المنظور لا منظوراً , ووراء المحسوس لا محسوساً , وأن ذلك اللامنظور , أللامحسوس , سرمديّ , قوي , عادل , يعطي كل نصيبه من الحقّ ثواباً وعقاباً ورحمة ؛ وعندئذ يتشوّف  الإنسان الى ما بعد القبر , وقد ثبت لدي تواصل بقاءه النفسي , وارتباط مصيره اآتي بواقعه الحالي , وبناء حياته اللاحقة على حياته السابقة, وتجلّى له الخالق سبحانه مصدراً أعظم للقوى الروحيّة , وغاية نهائيّة لتطوّر الكائنات , وتكامل الحياة , فتدفعه يقظته الروحيّة الى توجيه سلوكه وتفكيره توجيهاً يضمن له رقيّاً حقيقيّاً , وخلاصاً حقيقيّاً , وسلاماً نفسيّاً فرديّاً وجماعيّاً حقيقيّاً .

آمل أن يكون الكشف عن دواعي ظهور الرسالة الداهشيّة نوراً يساعد القارىء على متابعة السير في دروب هذا الكتاب الثلاث :

1 – حياة الدكتور داهش الإعجازيّة .

2 – معجزات الدكتور داهش .

3 – الحقائق الروحيّة الداهشيّة مؤيّدة بالخوارق .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القسم الأول

حياة الدكتور داهش الإعجازيّة

 

 

 

الطفل المعجزة:

 

في القدس , مدينة الأنبياء , ولد الدكتور داهش , في مطلع حزيران سنة 1909 .

والده موسى الياس أليشي ( نسبة الى أليشع النبي ) , و والدته شمونة ابنة حنا مراد كانون . عاشا , قبل زواجهما , في مـا بين النهرين , الأب في بلدة إفسس , و الأم في بلدة آزخ ؛ و كانا ينتميان الى الطائفة السريانية , تلك الطائفة التي تتكلم الآرامية , لغة المسيح , حسب كثيرين من المؤرخين .

ثم اعتنق موسى البروتستنتية , و أنشأ مدرسة , في مسقط رأسه , انصرف فيها الى تعليم الناشئة بنفسه .

و كانت شمونة احدى تلميذاته , فاجتذبت نظره باستقامتها وذكائها , فمال قلبه اليها , و اقترن بها .

ثم هاجرا الى فلسطين , في ظروف خطيرة و مؤلمة , و استقرا في القدس , حتى ولد لهما صبيّ , بعد ثلاث بنات .

و تشاورا في ما يسميانه ,فقر رأيهما على ان يفتح الوالد الكتاب المقدس , عفوياً , و يضع إصبعه , دونما نظر , على احدى الصفحتين .و اذا بأنمله على عبارة وردت في العهد القديم : " فولدت ابناً , فدعاه سليمان , و أحبه الرب"  ( سفر الملوك الثاني 12: 24) . فسميا طفلهما سليمان , ثم خففا اسمه , فصار (سليم) (2).

و ما إن أخذ الصبي يدرج , حتى ترك والداه القدس الى حيفا , ثم انتقلا , مع أولادهما , الى بيروت , حيث سكنوا في حي المصيطبة , بملك جرجي ناصيف.

و في فلسطين , حرّف اسم العائلة من (أليشي) الى (العشي) .

 

 

المعجزة الأولى : في المهد تكلم :

 

كان الطفل ما يزال في المهد , عندما أصابه مرض عضال . فقلق عليه والده الذي كان يعمل في مطبعة الجامعة الأميركية ببيروت, واتصل بطبيب أمريكي اسمه الدكتور سميث . فحضر,  ووجد الطفل في غيبوبة ؛ فعالجه بالعقاقير حتى يسترد وعيه ؛ لكنه فشل . و إذ بدأ اليأس يتسرب الى نفس الأم , و همّ الطبيب بالإنصراف , نهض الطفل فجأة , و قد شفي بصورة عجائبية , و أخذ يتحدث الى الطبيب الأمريكي , بالإنكليزية التي يجهلها  تماماً, ذاكراً له الدواء الذي كان عليه ان يعالجه به . فكان عجب الطبيب أعظم من عجب الأم , و راح يحدث معارفه بما رأى و سمع .

 

 

تكلمه بالهندية :

 

حدثني رجال مسنون كانوا يعيشون , في محلة المصيطبة ببيروت , قبيل الحرب العالمية الأولى , و بينهم السيد انطوان بارود , أنه بينما كانوا واقفين في تلك المحلة يتحادثون , اذا برجل غريب يمرّ, فيطرح عليهم أسئلة بلغة لم يفهموها , فيلتف الناس حوله, يحاولون التفاهم معهم , دونما جدوى .

و اذا بصبيّ في حوالي الخامسة من عمره, يدخل بينهم , متقدماً الى الرجل الغريب الزيّ    واللسان , و يروح يحدثه بطلاقة باللغة نفسها التي كان يتكلّم بها . و تبدو علامات السرور على وجه الغريب , فيشكر الطفل , و يمضي في سبيله , بينما تأخذ الدهشة الناس ؛ فيسألون الطفل كيف استطاع ان يتفاهم معه , و بأية لغة ؟ فيجيبهم :

-كان يتحدث بإحدى لغات الهند , و قد سألني عن وجهة يقصدها , فبينتها له .

و يسأل الناس المدهوشون الصبي عن اسمه , فيعرفون انه سليم العشي .

 

 

الصيد الإعجازي :

 

روى لي السيد أنطوان بارود انه , بعيد الحرب العالمية الأولى , قصد شاطئ بيروت , صباحاً , يبتغي صيد السمك . فأمضى ساعات وهو يلقي شبكته , في البحر , ثم يخرجها فارغة .

و فيما هو يهم بالعودة الى منزله , يائساً , اذا بصبي في حوالي الحادية عشرة من عمره , يقفز على رمال الشاطئ , متقدماً اليه . فنصحه بأن يلقي شباكه في مكان عينه له ؛ لكن الصياد رفض , مؤكداً أنه ألقى شباكه في المكان نفسه مراراً, و لم يظفر بشيء . و اذ ألحّ الصبي عليه , ألقى الصيد بارود شبكته , ثم جذبها ؛ فإذا هي مثقلة بالسمك . وأعاد الكرة , مراراً , فكان يخرج بصيد وافر , كل مرة , حتى استولت عليه الدهشة . و لم يلبث ان عرف ان الصبي هو جاره في محلة المصيطبة , و انه هو نفسه الذي كلم الهندي , منذ بضع سنوات .

 

 

الشفاء العجائبي:

 

فيما كان المسيحيون من أهالي محلة المصيطبة يحتفلون بعيد مار الياس ( إيليا النبي) سنة 1920 , اذا بأحد الصبية يذهب و يجيء بسرعة , على دراجة , بين الناس , في الشارع . و فجأة يحدث له اصطدام , فيسقط أرضاً , و يجرح , و تصاب دراجته بالتواءات ؛ فيأخذ بالعويل .

و بينما كانوا الناس يتجمعون حوله ليساعدوه , و قد علا نواحه , شق الطفل الخارق زحام الجموع الى الصبي الجريح ,  ووضع يده عليه قائلاً :

- قم , واذهب الى بيتك بسلام . شفيت جروحك بإذن الله .

و تلتئم جراحه في الحال .

ثم يضع الطفل العجيب يده الثانية على الدراجة فتختفي منها الإلتواءات و الكسور.

و يتحدث سكان المحلة بهذه المعجزة في حيرة و بلبلة من أمر قوة الطفل العجائبية.

 

 

اليتيم المعذب:

 

في 25 كانون الأول سنة 1920, توفي والد الطفل المعجز , بعد ان اصيب بالسل, و أعيا داؤه الأطباء ؛ فدفن في مصح هملن , في الشبانية ( لبنان ).

فوضع سليم و شقيقته الصغرى أنتوانيت في  مدرسة للأيتام تابعة للإرسالية الأمريكية في غزير, إحدى قرى جبل لبنان .

لكن الصبي ساءت صحته , بعد مضيّ أشهر قليلة ؛ فترك المدرسة ، و كان آخر عهده بها .

وروى رفاقه عنه معجزات ونبوءات كثيرة قام بها , في المدة القصيرة التي أمضاها بينهم .

و قد لازمته الأمراض حوالى ثلاث سنوات , بعد ان أصيب بالعدوى من أبيه , حتى قارب الموت ؛ لكن العناية الإلهية أنقذته و عافته .

 

 

الفتى الشغوف بالمعرفة :

 

كان سليم شغوفاً بالمعرفة ؛ لكن وضع أسرته الإقتصاديّ لم يسمح له بمتابعة دروسه في مدرسة كبيرة , ولا بابتياع الكتب .

فما ان تحسنت صحته مع بداية عام 1923 , حتى أخذ يستأجر الكتب من المكتبات , فيطالعها و يطيل السهر عليها .

 

 

عينان تشع نوراً:

 

ذات ليلة من عام 1923 , أطال الفتى العجيب سهره , في منزل خالته بالقدس , و هو يطالع أحد الكتب المقدسة . فما كان من خالته الأميّة الاّ ان اسرعت و اطفأت قنديل الكاز الذي يستضيء به , ودعته الى النوم حرصاً على صحته و على زيت الإنارة .

إمتثل الفتى لرغبتها . لكن , لم يمض هزيع من الليل حتى استيقظت الخالة , فرأت نوراً يضيء زاوية الغرفة , و الفتى جالس يقرأ. فنهضت مغضبة , و في نيتها اطفاء القنديل و إخفاؤه , وأيقظت زوجها , ليؤدبا معاً الفتى العاصي .

لكنهما سرعان ما تسمرا في الأرض مشدوهين , مذعورين ؛ اذ كان القنديل غير مضاء , و نور ساطع غريب يشع من عينيّ الفتى العجيب .

لم يفهما من الأمر شيئاً , ولم يحصّلا منه الا الخوف , فاتّصلا , عند الصباح , ببعض رجال الدين المسيحيين , و شرحا لهم ما حدث للفتى . فأكّد رجال الدين  لهما ان " مسّاً شيطانيّاً " قد أصابه , و ان الكتاب الذي يطالعه قد يكون تلبسه روح شرّير .

عادت المرأة و زوجها الى المنزل , و الفتى غائب , فبادرا الى الكتاب الذي كان يطالعه , و أحرقاه في إحدى زوايا المنزل .

و ما ان عاد الفتى حتى طالبهما بالكتاب ؛ فأنكرا ان يكونا على علم به . فتوجّه غاضباً الى حيث آثار الرّماد , و ضرب بيده عليها ؛ فإذا الرماد يتكوّن كتاباً كما كان.

و شاع الخبر في الجوار , زارعاً في نفوس الناس الجاهلين الخوف من الفتى الخارق.

 

 

مشيه على صفحة الماء:

 

بدءاً من سنة 1926, أخذت عجائبه تتكاثر , و يزداد شهودها . و في عيد مار الياس, من هذا العام , صنع خوارق كثيرة , أمام جمع غفير , في بيروت , حتى أصبحت أخبار معجزاته موضوعاً يومياً في أحاديث الناس.

ثم انتقل الى بيت لحم . وذات يوم كانت ضفاف برك النبيّ سليمان التي تقوم قرب المدينة التي شهدت ولادة المسيح , تغصّ بالروّاد و المتنزهين , و فيهم كثيرون من السريان , بينهم السيّد كوريّة ملكي عبد الله . و كان الفتى المعجز حاضراً. فذكر أحدهم مشي المسيح على الماء ؛ فقال الفتى الخارق :

- ماذا تقولون عني , اذا مشيت فوق ماء البحيرة , ذهاباً وأيّاباً؟

فاستعظموا الأمر , و استبعدوه .

و على التوّ , بدأ يسير على صفحة الماء رويداً رويداً كأنما يسير على الأرض , حتى اجتاز البحيرة كلها , ثم عاد أدراجه الى نقطة انطلاقه .

و فحص الشهود المشدوهين الكثيرون حذاءه , فوجدوه غير مبلّل ؛ فإزداد عجبهم . و سأله كوريّة عبد الله كيف حصل ذلك ؟ فأجابه :

- أنا أسير فوق المياه كما أسير على اليابسة (3).

 

 

الفتى المؤدب:

 

ما ان بلغ الفتى العجيب الرابعة عشرة من عمره , حتى أخذ يشفع خوارقه التي يصنعها , في مدن فلسطين , بتقريعه رجال الدين على انحرافهم عن تعاليم المسيح , و اتّجارهم  بتعاليمه المقدسة , وبفضحه سلوكهم الشائن و أعمالهم الخفية المنكرة, داعياً الصبية الكثيرين الذين كانوا يلتفون حوله , الى عدم الإنخداع بأقوالهم ؛ حتى بلغ ذروة حملته عليهم , في بيت لحم , سنة 1927؛ فضجّ الكهنة منه , و استعدوا عليه رجال السّلطة و كان رجال الدين يتهدّدونه في كنائس بيت لحم , و يتوعّدون كل من يتردد اليه , محذّرين الشعب منه . لكن خوارقه كانت تزداد , و نفوذه في الناس كان يتعاظم , على صغر سنه , لأن الله أيّده بسلطانه .

 

 

داهش الناس:

 

ما ان ناهز الفتى الخارق العشرين من عمره , حتى أخذ يلتف حوله عدد من المثقفين الفلسطينيين ممن مالت قلوبهم الى الأمور الروحية , فتتلمذوا له . وكان بينهم الشاعر مطلق عبد الخالق والوجيه توفيق العسراوي (4) .

و ذات يوم من سنة 1929 , ألهم الفتى العجيب بأنه يجب ان يغير اسمه و يتخذ اسماً روحيّاً  , و بأنه سيعطى الإسم الجديد عن طريق القرعة . فأخبر تلاميذه بذلك ؛ فعمدوا الى كتابة اسماء كثيرة , على قصاصات من الورق , ثم طووها و خلطوها . و اختار"سليم " واحدة منها , فإذا فيها إسم " داهش" . لقد أراد الله أن يعرف رسوله من بعد , بهذا الإسم الروحيّ , وبه تشيع عجائبه بين الشعوب  ,  ليكون داهش الناس .

 

 

الدكتور داهش :

 

بعد ان اّتسعت شهرة داهش , و تناهت أخبار معجزاته الى المحافل العلمية في باريس, أرسلت اليه جمعية المباحث النفسية الفرنسية تستضيفه . فسافر اليها برفقة شقيقته أنطوانيت .

و اذ طلب اليه ان يري المجتمعين معجزة من معجزاته , أجابهم أنه سيريهم آية يونان النبيّ .

فطلب أن يوضع في صندوق حديديّ و يحكم إغلاقه , و يدفن في قعر نهر السين , سبعة أيام , تحت الحراسة المشددة .

أجفل المجتمعون , أولاً بخطورة العرض ؛ لكنهم عادوا فقبلوا , عندما كتب لهم إقراراً بأنه هو المسؤول عن عاقبة طلبه .

و بعد أن  فحصته لجنة طبية قاموا بتنفيذ طلبه .

و بعد مضيّ سبعة أيام , و أمام  150 شاهداً من المهتمّين بالأمور النفسية , رفع الصندوق و فتح . و اذا بالجسمان الساجي يتحرّك , و بالوجه الواجم يبتسم .

بعد هذه المعجزة المذهلة , منح داهش شهادة العلوم النفسية من قبل " الجمعية النفسية الدولية " SOCIETE PSYVHIQUE INTERNATIONALE بتاريخ 6 أيار 1930 , ثم شهادة الدكتوراه من قبل " معهد ساج " SAGE INSTITUE الإنكليزي في باريس , بتاريخ 22 أيار 1930 .

و هكذا اقترن لقبه العلميّ بإسمه الروحي , ليعرف بهما بين الناس . ألم يشتهر ابن داوود النبيّ بحكمته , حتى بات لا يعرف الا بإسم (سليمان الحكيم ) ؟

 

 

الأديب المعجز :

 

بدأ الدكتور داهش بتدوين أفكاره و عواطفه من سنة 1927 ؛ حتى اذا بلغ  أواسط العام 1933 , كان قد أنهى تأليف كتابه الأول "أسرار الآلهة ". و قبل تمام العام نفسه , أنجز تأليف كتابه الثاني " قيثارة الآلهة " , فالثالث " ضجعة الموت " .

و ما بين 1933 و 1950 توالت مؤلفاته حسب الترتيب التاريخيّ التالي : القلب المحطم , الإلهات الست , كلمات , جحيم الذكريات , الدهاليز , النعيم , الجحيم , بروق و رعود , عواطف وعواصف , مذكرات يسوع الناصري , نشيد الأنشاد , ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا , عشتروت و أدونيس , نبال و نصال , من وحي السجن و التجريد و النفي و التشريد , أوهام سرابية و تخيّلات ترابية , الحمامة الذبيحة أو شهيدة الداهشية الأولى ماجدة حداد , ابتهالات خشوعية , مذكرات دينار .

و بين 1950 و 1983 ألّف الدكتور داهش عشرات الكتب الأخرى التي تضم , في ما تضم , مجموعة " قصص غريبة وأساطير عجيبة " بأربعة أجزاء, و سلسلة " حدائق الآلهة " و " فراديس الإلهات في عشرين جزءاً , و سلسلة " الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية " في اثنين و عشرين جزءاً , بحيث أربت  مؤلفاته على المئة و الخمسين .

و قد خاض الدكتور داهش معظم الميادين الأدبية , و جلّى فيها.

 

 

الرسالة الإلهيّة :

 

ان المعجزات التي صنعها الدكتور داهش لم تكن غاية  بحد ذاتها , بل وسيلة , و بكلمة اصحّ شهادة على صحة الرسالة الإلهيّة التي كان الدكتور داهش يشعر بإرهاصاتها , و يرتقب بشوق عظيم ان يحققها الله على يديه , منذ حداثته ؛ حتى اذا ما بلغ السابعة والعشرين , سنة 1936 , سجّل في كتابه " كلمات " شعوره قائلاً :

" أشعر بأني أحوي في أعماقي قوة روحية خفية هائلة تودّ الإنطلاق , لتقوم بعمل خطير عظيم ؛ و لكني أكتبها الى أجل معلوم . و لن يمضي غير قليل حتى تتفجر ينابيعها , و تجتاح في طريقها كل ما يعترضها من حواجز و عقبات , ثم تبرز للعيان جلية , واضحة , لا لبس فيها و لا غموض " (5).

و ما ان انقضى العام المذكور حتى أثبت الدكتور في كلمة استقباله للعام التالي هذا القسم العظيم :

 

" أقسم بك , يا خالقي , انه لو وجد ملايين

من الأغبياء المارقين , أو الخونة المماذقين ,

و ملأوا طروس الأرض ,

لا بل لو نقشوا حجارة هذا الكون بأسره , قائلين بها :

" ان رسالتي هذه غير صادقة " ,

لمشيت رافع الرأس , موفور الكرامة .

و سأبقى على تبشيري و إذاعة رسالتي ,

حتى تعم الأرض , و تنتشر في السماء أيضاً .

و لن تثنيني البرايا  بأسرها عن أدائها , يا الله ,

ما دمت انت تمدّني بقوتك الالهية .

و هذه يميني يا خالقي ,

أرفعها لك من أعماق قلبي

الذي لا يخفق الاّ بذكر  اسمك القدّوس ,

برهبة و خشوع كليين"(6) .

 

و كان على الأرض ان تنتظر حتى 23 آذار 1942, لتشهد تمام الحدث الجلل , اذ ان الأرواح العلوية تنزّلت , في هذا اليوم , على الدكتور داهش , بحضور المؤمن الأول الأديب يوسف الحاج  , معلنة قيام الرسالة الداهشية , و بدء  التاريخ الداهشي في العالم , و ذلك في أول جلسة روحية عقدها مؤسس الداهشية . 

 

 

 

الجلسات الروحيّة

 

تعقد الجلسة الروحية في ضوء النهار, أو تحت الكهرباء الساطعة , و دون إحراق بخور , او إقامة سواتر, أو سدل حجب. وتتمّ المعجزات فيها بوضوح كليّ , و يقين ملموس , و بكل بساطة . و لا يهم اذا كان حاضروها قليلين أو كثيرين , مؤمنين أو ملحدين ؛ ذلك بأن الخوارق التي تحدث فيها لا تتأثر بإرادة شهودها , لأنها حقيقية , و القوة الروحية التي تجترحها بواسطة الدكتور داهش, لا شيء يصّدها أو يثنيها , لأنها إلهيّة.

و قد أوضح مؤسس الداهشيّة الفرق بين الجلسة الروحيّة و" الوساطة الروحية " التي ما زالت تخدع كثيرين , بقوله:

"الجلسات الروحية التي أعقدها ليست علماً , و ما كنت لأستطيع القيام بها من غير إذن الله, فهي منحة سماوية خصّني تعالى بها في هذا العصر , ليكون فيها مساعدة للتائقين الى الحقيقة وللراغبين في الإيمان و الإستقامة و التوبة . أما " الوساطة الروحية " التي يدعيها بعض الناس المحترفين , كوسيلة مزعومة لاستحضار الأرواح, فهي بعيدة عن " الجلسات الروحيّة " التي أعقدها , بعد الأرض عن السماء ؛ و ما عليك إلاّ ان تحضر , بعينين مفتحتين و ذهن نابه , جلسة من جلسات أولئك القوم , ثم تحضر جلسة  روحية , حتى تدرك الفرق العظيم , و كيف يختلط الظلام بالنور, و يلتبس الحق بالباطل في أذهان الناس ! ذلك بأن "الوساطة الروحيّة" المزعومة ليست , في الحقيقة , الاّ شعوذة و تدجيلاً قد ينطليان على بسطاء العقول , إنما لا ينطليان على الأذكياء المستنيرين . والداهشية تفنّد ببراهين ساطعة لا يمكن النيل منها سفسطات أولئك المشعوذين المحترفين الذين يضلّلون الناس بتوافه الحيل و المخرقات , و اللذين هم أعجز من أن يعطوا حتى دليلاً ضئيلاً واحداً على صحة أعمالهم الإحتيالية (7) . "

 

 

إضطهاد مؤسّس الداهشيّة و أتباعه:

 

بعد اعتناق الأديب يوسف الحاج الداهشيّ , تتابع المؤمنون بها من رجال الأدب و العلم , و أعيان المجتمع . و كان بينهم رئيسةنقابةالفنانين , الأديبة ماري حداد , شقيقة زوجة رئيس الجمهوريةاللبنانيّة الأسبق بشارة الخوري , فآمنت هي وزوجها وأفراد عائلتها .

إزاء هذا المدّ الإيماني الجديد يغزو المجتمع اللبناني , في مختلف طوائفه , موحّداً بينها , مزلزلاً أوهامها و تقاليدها البالية , محدثاً ضجّة مدوّية في الصحافة اللبنانية و العربية , خاف رجال الدين المسيحي  أن يضعف نفوذهم في لبنان و يتلاشى , فأخذوا ينسجون المؤامرات على رجل الروح , متعاونين مع رئيس الدولة بشارة الخوري وزبّانيّته .

حاولوا , أولاً , إقناع ماري حداد بالتخلي عن عقيدتها الجديدة ؛ لكن مساعيهم تحطّمت على صخرة إيمانها الوطيد.

إذ ذاك , حاولت السلطات إحالة رجل الروح على المحاكمة , بتهم راحت تدبر من يفتريها عليه. ففشلت فشلاً  ذريعاً؛ و المدعي العام المركزي الأستاذ ديمتري الحايك الذي كلفه رئيس الدولة بهذه  المهمة , بدل ان يصدر اتهاماً بحق الدكتور داهش  , آمن برسالته السماوية .

حينئذ, عمدت السلطات الى استمالة النواب بمختلف الأساليب الترغيبيّة و الترهيبيّة , ليقرّوا مشروع قانون يمنع " مناجاة الأرواح ", و بالتالي يمنع الدكتور داهش من ممارسة نشاطه , و اجتراح معجزاته ؛ لكن المشروع سقط , أيضاً . عندئذ, نشطت السلطات , بالتعاون مع رجال الدين المسيحي , الى تشويه سمعة رجل الروح الطاهر , بتلفيق الشائعات و الإفتراءات الخسيسة عليه, و تذييعها بين الناس , في الكنائس, و المدارس , والصحف . و منع الداهشّيون من الردّ على تلك الحملات من الأكاذيب الدنيئة.

أخيراً , لجأت السلطات الى أساليبها الجحيميّة لمحاربة رجل الله , فألقت القبض عليه في 28 آب 1944؛ و دونما محاكمة , زجّت به في السجن . ثم ما لبثت أن سجنت الداهشيين البارزين , تباعاً, بينهم الأديبة ماري حداد نفسها دونما محاكمة أيضاً.

و في 9 أيلول 1944, نفت السلطات مؤسس الداهشية الى خارج  الحدود اللبنانية , بعد ان جرّدته من جنسيته اللبنانية , بطريقة تعسفيّة خرقت بها الدستور , و بعد ان سامته من الجلد و العذاب و الإهانة ألواناً . ثم أبعد من قبل السلطات السورية الى الحدود التركية.

و هكذا , شرّد رجل الروح , و رمي في  بحار الأخطار تتقاذفه أمواجها , من دون أن يعلو , في لبنان , صوت واحد يدافع عنه , من نائب او صحافي أو قاض أو مواطن عاديّ

وحدها أصوات من وراء البحار , من أميركا الجنوبية, كانت تسمع غاضبة ؛ و كان أعلاها و أجرأها صوت الأديب جبران مسوح , صاحب مجلة " المختصر" , الصادرة في بونس إيرس ( الأرجنتين ) . و مما قاله في حملته على مضطهدي الداهشيّة التي امتدّت نحو سنتين :

" جميع أعداء داهش سوف ينكسرون . و أحط ما في انكسارهم هذا أنهم سوف يحملونه الى قبورهم ؛ لأن هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء , و لا تذوب عناصرها في الفضاء . فهي ترافق مرتكبيها , ملتصقة بهم , مندمجة بخلاياهم . فتذكر كلما ذكروا , و يذكرون كلما ذكرت . فهم و هي عظة و ذكرى لكل الأجيال القادمة (8).".

 

رجل الروح يؤدب و ينذر متنبئاً:

 

بعد مضي شهر واحد على نفي مؤسس الداهشية , تمكن رجل الروح من العودة سراً الى لبنان . و من عرينه , و رغم انوف الألوف ممن يترصدونه, نجح في شنّ حملة إعلامية رهيبة , لم تعرف الأرض مثيلها , ضد الطغاة و زبانيتهم . فوضع و وزع , على نطاق واسع , 66 كتاباً أسود, و 165 منشوراً تناولت رجال الحكم و الدين ممن تآمروا عليه , ففضحت مخازيهم , و هتكت أسرارهم و مؤامراتهم على الشعب .

و قد ساعدت هذه الكتب و البيانات السوداء على إيقاظ الشعب وإثارته ضد حكامه البغاة , فأسقط بشارة الخوري من على كرسيّ الرئاسة سنة 1952 , و انتخب كميل شمعون رئيساً للجمهورية , فرد الجنسية للدكتور داهش, في أول عهده , سنة 1953.

 

نبوءة خراب للبنان :

 

في 4 كانون الثاني سنة 1948, نشرت جريدة " الحياة " البيروتية " و بعض الصحف اللبنانية الأخرى نبوءة الدكتور داهش , مفادها ان بيروت ستحترق بالكبريت و النار , و ان الخراب سيعمّ لبنان من أقصاه الى أقصاه , وذلك نتيجة لاضطهاد الدولة لمؤسس الرسالة الداهشيّة , وسكوت الشعب الممثل بنوابه و قضاته و ادبائه و صحافييه عن هذه الجريمة .

و لأن أبعاد هذه النبوءة الرهيبة تخطت منطق المراقبين , وناقضت رغبات الظالمين و الطامعين , فقد وقفت الصحافة منها موقف الساخر .

لكن التاريخ , اليوم , بعد النكبات المروعة التي حلت بلبنان      وشعبه , هو الذي يستهزئ بأولئك الساخرين (9).

 

اهتمام الدكتور داهش المثلث : الرسالة و الثقافة و الفنّ:

 

بعد ان استرد الدكتور داهش جنسيّته السليبة بكفاحه العنيد , انصرف الى إتمام رسالته الإلهيّة ؛ فكان ، حتى ساعة متأخرة من الليل , يستقبل زائريه الذين كانوا يتقاطرون عليه بالعشرات , يومياً, فيعاينون معجزاته , و يستمعون الى تعاليمه الروحية , و بينهم كثيرون من الصحافيين الذين كانوا ينشرون في صحفهم تحقيقات مثيرة عن معجزاته , مؤيّدة بالصور الفوتوغرافية التي تسجل مراحل اجتراح الخوارق.

و بدءاً من سنة 1969 , باشر الدكتور داهش " رحلاته حول الكرة الأرضية " التي دوّن وقائعها في سلسلة تحمل هذا الإسم , وتضم 22 جزءاً. و قد سجّل فيها مشاهداته , و انطباعاته , و أحكامه البتارة على مجنية القرن العشرين , حيثما حلّ.

فضلاً عن ذلك , و عن وضعه  عشرات المؤلفات الأخرى , صرف مؤسس الداهشيّة قسطاً وافراً من وقته , لإتمام إنشائه مكتبة ثقافية جامعة كان قد بدأ تجميع كتبها , منذ عنفوان شبابه , و قد ضمّت , حتى الآن , نحو 200 ألف كتاب في لغات متعددة , اختارها بنفسه من بلدان كثيرة , لتكون تراثاً للداهشيين يستحثّهم على الإستزادة من المعرفة.

كذلك تمكن , بفضل مراسلته للفنانين  و معارضهم , تلك المراسلة التي بدأها منذ غلواء شبابه , و اشتملت على نحو نصف مليون رسالة , كما بفضل رحلاته الكثيرة , من إنشاء متحف داهشيّ للفنّ يضمّ ألوف القطع النفيسة في الرسم و النحت . و سيقام هذا المتحف , بعد أن يتهيأ بناؤه قريباً.

و في أول أيلول سنة 1980 , غادر مؤسس الداهشيّة لبنان , ليتابع جولاته في بلدان العالم , و يتمّ رسالته الروحيّة .

تلك كانت الخطوط العريضة لحياة الدكتور داهش العجيبة . بعد ذلك , فلنقترب , أكثر , من عالم المعجزات الداهشيّة , و لنر أنواع الأعمال الخارقة التي قام بها الرجل العظيم .

 

 

القسم الثاني

 

معجزات الدكتور داهش

يشكل هذا القسم من الكتاب جزءاً كبيراً من محاضرة ألقيت

في المنتدى الكبير بالجامعة الأمريكية –بيروت بتاريخ 12 أيار 1970

 

عندما دعتني " رابطة الإخاء الروحيّ " –رابطة الجامعيين المستنيرين –الى إلقاء هذه المحاضرة عن " معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان " , هزّتني خطورة الموضوع : فمن جانب رجل تتعالى قامته فوق هذه الأرض ، منذ نحو خمسين سنة , و تتكاثف الهالات حوله , و تزدحم الألغاز و الأسئلة , وينقسم الناس , و يعلو اللغط , و تشتدّ الحملات , ثم يسود الصمت , حتى كأن الرجل قلعة , لا بأيدي البشر رفعت مداميكها , عن أسوارها تتزحلق الآفات والإتهامات , و عن تشامخها المتزايد رفعة , يرتد الطرف المتجرّئ المستكبر كسيراً . و من جانب آخر إهتمام بالغ بوحدة الأديان , بل بمصير الروح و الإنسان , يلف العالم من الفاتيكان الى أميركا الى أثينا الى لبنان , حتى ليخيّل الى المتأمّل أن ضرورة الوحدة الدينيّة باتت ملحّة , و انها اندرجت حاجة جوهرية في الإتجاه الوحدويّ الثقافيّ الإجتماعيّ الحضاريّ في العالم .

لكن خطورة الموضوع دفعني الى إقتحامها أمران : الأول ان المحاضرة تلقى في إحدى قاعات الجامعة الأميركية , حصن الفكر الحرّ الجريء في لبنان , و الثاني ان المحاضرة و تاريخ إلقائها من خوارق الدكتور داهش نفسه . فبعد أن أبلغتني " رابطة الإخاء الروحي" أن المشرفين في الجامعة , بالإتّفاق مع مجلس الطلبة , عيّنوا يوم الثاني عشر من أيار موعداً لإلقائها , عدت الى الوثائق الداهشية التي بين يديّ , فارتعشت إذ رأيت في بعض الصحف العائدة  الى سنة 1942, أن المحاضرة الأولى في موضوع الداهشية ألقيت في هذا التاريخ نفسه , و الثاني عشر من أيار , منذ ثمانية و عشرين عاماً . و قد ألقاها , يومئذ , في نادي المهاجرين , أول مؤمن بالداهشيّة , الأديب المرحوم يوسف الحاج (10). و ما إن اتصلت بالدكتور داهش أعلمه بهذا الإتّفاق   العجيب الذي لم أعتبره محض صدفة , بل ترتيب روحي غريب , حتى أطلعني على امر أغرب , وهو نبوءة من نبوءاته كتبها الشاعر الزحليّ , المرحوم حليم دمّوس بخطّ يده , منذ ثمانية و عشرين عاماً , في سياق الوقائع الداهشية المتسلسلة التي كان يدونها يومياً , و مفادها أني سألقي محاضرة محاضرة حول معجزات الدكتور داهش في تاريخ اليوم المذكور و في الجامعة الأميركية . يوم كتب حليم دمّوس النبوءة , بخط يده , كنت في السادسة من عمري , و ما كانت الداهشية لتطرق مسمعي الاّ بعد نحو عشرين سنة .

 

ما هي المعجزة ؟

 

كل مثقف ثقافة علمية صحيحة يعرف, كما أعرف , أن العالم محكوم بقوانين طبيعية ثابتة . فقانون الحركة , و قانون الجاذبية , وقانون النسبية , و قانون حفظ الطاقة , و غيرها كثير, كلها كائنة في الوجود , مذ الوجود كان . و كل ما يستطيعه العقل الإنسانيّ هو أن يرفع الحجب تدريجياً عن القوانين التي ما تزال مستورة . لكن الإرادة البشريّة , أية كانت , لا تستطيع خرق القوانين الطبيعية . و هذه حقيقة يؤكدها العالم الفيزيائي الكبير ماكس بلانك(11), الحائز جائزة نوبل, و المكتشف نظرية الكوانتا , كما يؤكدها سائر العلماء . فنواميس الطبيعة لا تخضع لإرادتنا , إذ أنها كانت موجدة قبل ظهور الحياة على الأرض , و ستبقى بعد زوالها .

لكني , على إقتناعي العلميّ الراسخ بخضوع الإرادة البشرية للقوانين الطبيعية , و إستحالة وجود أي إنسان يستطيع خرقها , كما العلم يثبت ذلك , فقد أتيح لي , في أثناء ملازمتي للدكتور داهش مدة سبع سنوات (1963- 1970) , أن أشهد , عشرات المرات , قوانين الطبيعة تخرق على يديه خرقاً ساطعاً. ذلك ما دفعني إلى تحرّ كبير , و تحقيق دقيق , و تثبت طويل ,لم , أترك في خلاله , أي كتاب معتبر يبحث عن الأمور الخارقة , الاّ جلبته , و إن كان في موسكو أو واشنطن أو لندن أو باريس, ثم قرأته و نقدته . وقد شاهدت بعيني , و لمست بيدي , عشرات الخوارق , يصنعها الرجل العجيب أمامي , وتبقى آثارها , بل يشاهد آثارها آخرون , ممن لم يعرفوه و لم يجتمعوا به . لم أكتف بذلك , بل إجتمعت مع عدد كبير جداً , ممن شهدوا خوارقه مثلي , و سمعت منهم مباشرة وقائع ما عاينوه , ونقدت ما رووه , و قابلته بما نقله غيرهم . ثم وضعت ما جمعت على محكّ العلوم الطبيعيّة و النفسيّة و الإجتماعيّة , و على محك الدين والمنطق , و من كل ذلك خلصت الى النتيجة التالية : إن ما يتم من ظاهرات غريبة على يدي الدكتور داهش هو خوارق و معجزات حقيقية, لا يمكن أن تصنف بين ألعاب الخفة أو الإيهام, أو السحر(12) , أو الفقر الهندي, أو مناجاة الأرواح , أو التنويم المغنطيسي(13). و ليس الدكتور داهش هو الذي يصنع تلك الخوارق , بمشيئته , لأن إرادته , كإرادة أي إنسان , خاضعة لقوانين الأرض التي فيها ولد ؛ إنما يصنع تلك المعجزات قوة روحية غير أرضيّة , لا تخضع لقوانين عالمنا , لأنها خارجة عنه, متفوّقة عليه , و هذه القوة اتخذته وسيطاً روحياً, و إناءاً مختاراً , ورسولاً هاديّاً.

و مثلما أن الريح يمكن إثبات وجودها , من جرّاء تحريكها بعض الأشياء , و أن الطاقة المغنطيسية يمكن تأكيد وجودها , من جرّاء تأثير جاذبيتها على بعض الأجسام , مع أنه لا يمكن رؤية الأولى و لا الثانية , و لا القبض عليهما , هكذا لا بد من التسليم بأن وراء كل معجزة قوة روحيّة هي سببها , قوة تتخطى المعرفة البشرية , و" تخرق " القوانين الطبيعية .

غير أن " خرق " القوانين الطبيعيّة يجب أن يفهم فهماً نسبياً , إذ إنه يبدو هكذا بالنسبة إلينا نحن البشر ؛ في حين أن المعجزة , بنظر الروح و الكائنات العلوية , إنما هي نتيجة قدرة فائقة تتخطى العلم البشريّ بأبعاد لا تحدّ .

و قد أوضح مؤسس الداهشيّة هذه الناحية , في أثناء إيضاحه أمر الجلسات الروحيّة بقوله :

" يمكنك , مثلاً , أن تحضر معك صحن الطعام الذي تتناول فيه طعامك بمنزلك , و هذا الصحن مادته بورسلين . فعندما تتجسد الروح , بإمكانك أن تطلب إاليها أن تحوّل لك مادته الى خشب.

" و للحال , يتحوّل الصحن , و أنت ممسك به بكلتا يديك , الى صحن خشبي يبقى عندك بمادته الخشبية طوال الأيّام و الأعوام . كما بإمكانك ان تطلب الى الروح أن تحوّله , مثلاً, الى مادة حديدية ؛ وبلحظة يثقل وزنه, إذ يتحول الى صحن حديدي , بينما انت ممسك به جيّداً بكلتا يديك . و هكذا يمكنك أن تطلب الى الروح أن تحوّله لآي نوع تحبه أنت , الى قصدير أو كريستال إلخ..." (14) , ثم يردف قائلاً:

" لقد سألنا الروح عن كيفية هذا التحول , فشرحته لنا بما يلي . قالت الروح :

" تعرفون أن لكل مادة إهتزازاً ذا سرعة معينة , فللخشب سرعة معيّنة , و للحديد سرعة أخرى , و للفولاذ كذلك , و هكذا لسائر المواد ؛ إذ لكل مادة منها سرعة إهتزاز تختلف عن سرعة  المادة الأخرى . فعندما تطلبون ان أحول منضدة خشبية , مثلاً الى منضدة حديديّة , أرفع ذبذبة المادة الخشبيّة الى مستوى ذبذبة المادة الحديديّة , فيتحول الخشب الى حديد " (15) .

ولا يخفى أنّ اختلاف الذبذبات بين الأجسام , سواء أكانت عناصر بسيطة أم مواد مركبة , ملازم لاختلاف تركيبها الذريّ .

كذلك فقد زاد مؤسّس الداهشيّة ماهيّة المعجزة إيضاحاً عمليّاً , في معرض شرح روحيّ أدلت به الروح أمام عدد من الشهود , بينهم الشاعر حليم دمّوس , و ذلك بعد ان شهدوا عدة معجزات كانت تحرق فيها أشياء , من سندات ماليّة و رسوم و غيرها , حتى تتحول رماداً , ثم يعاد تكوينها بلمح البصر (16) .

قالت الروح الناطقة بفم الدكتور داهش ما أوجزه مؤرخ الوقائع الداهشية , حليم دمّوس , على الوجه التالي :

" لا شيء في هذا الكون يضيع البتة . فالأزهار التي تذبل , اليوم , و تتساقط , تعود ثانية , مثلما كانت قبل أشهر خلت ؛ و مثلها الأثمار.

" فأين كانت ؟ و كيف أتت؟ و ما هو السرّ في ذلك ؟

" أنتم لا تستغربون كيفية حدوث مثل هذا الأمر , لأنكم تعودتموه  وألفتموه , فأصبح لديكم طبيعياً . و لو عقلتم لشاهدتم ان كل ما يحيط بكم يحمل طابع المعجزات و الخوارق , و لكنكم لا تنتبهون .

" فهذا القانون هو نفسه الذي يسري على الشيء الذي تحرقونه و تظنون انه اضمحل الى الابد . و لكنه , في حقيقته , لا يكون قد تلاشى , بل حدث فيه تغيير فقط أنتم تجهلونه , و تجهلون ناموسه و قانونه . فهو , و الحالة هذه , كشجرة الورد التي تذوي وتتساقط أرضاً في فصل الشتاء , لتعود بأجمل حلتها و أروع أناقتها عندما يأتي فصل الربيع .

"فعندما تعيد لكم الروح بذلة أحرقتموها , أو مائدة ألقيتموها طعمة للنيران , او سواهما من الأشياء الماديّة , تكون قد قامت بعمل طبيعيّ تعرف سرّه , لأنها أصبحت في عالم الحقيقة , و أنتم تجهلونه , لأنكم ما تزالون في عالم المادة .

" فضلاً عن ذلك , فأنتم تحملون أجساداً مادية تحجب عن عيونكم مشاهدة الأسرار التي رفعت عنها الستائر لمن خلعوا عنهم , هنا , رداء الجسد البغيض".

و قد دلّلت لنا الروح المرشدة على صحة حديثها الإرشادي ببرهان مادي.

 

 

بذار تنمو و تثمر فوراً

 

قالت الروح :

" أعطوني نوعاً من البذار الذي تريدونه انتم , لأعطيكم دليلاً ثابتاً لا يدحض". فأتيناها بفول يابس , و بعدس , و ببزور البطيخ الأحمر. فقالت:

" أحضروا لي قصعة كبيرة , و إملأوها بالتراب".

ففعلنا . ثم طلبت قدحاً من الماء ؛ فأحضر أيضاً . و هنا قالت :

" انتبهوا لما سأقوم به أمامكم " .و هنا , أخذت الروح من كل نوع حبة واحدة , أي فولة , و عدسة , و بزرة بطيخ , ووضعتها في التراب ؛ ثم سكبت عليها كأس الماء . و للحال , نبتت عروق خضراء , و جعلت تمتد ... ثم – يا للدهشة الرائعة ! – جعلت هذه العروق تحمل ثمراً !

و لم تمض دقيقة واحدة , حتى ارتفعت غرسة الفول و هي ممتلئة بقرون من الفول الأخضر !

و هكذا شتلة العدس!

و تلتها بزرة البطيخ... و إذا بها تحمل بطيختين لم أذق في حياتي أحلى مذاقاً منها ! فدهشنا , ووجمنا , و ما عاد أحد منا ليحير كلاماً . فقالت الروح :

" أما الشرح , فها إني أدلي به إليكم , فإسمعوه وعوه:

" عندما يزرع أحدكم نوعاً من البذار , يحتاج بالطبع الى كمّية من الهواء , ومقدار معلوم من نور الشمس التي تشرق عليه , كل صباح , كي تغذّيه بسيّالها العجيب . أمّا التربة , فانّها تنعشه , وتعطيه قوّة النمو . وتشترك العناصر الطبيعيّة في مساعدته , حتى تكتمل العناصر التي تهبه الحياة , فينمو ويعطيكم الثمر .

" إذاً , كيف إستطعت أنا أن أنمّيه بدقيقة واحدة ؟

" الجواب : بما أنني " روح " , وقد تكشّف لي أسرار الحياة الأرضيّة , فقد عرفت ما أغلق عليكم فهمه . لهذا إستعنّت بسيّالي الروحيّ الخاص , فوهبت هذه البذور الكمّية التي كان يجب أن تحصل عليها بمدّة ثلاث أشهر , بواسطة الشمس والماء والهواء . فأنا قد أعطيتها للبذور في الحال , وليس كالمعتاد , فاستكملت حاجتها من الغذاء الذي هي بحاجة إليه , والذي تحصل عليه عندما تزرع , في خلال الأشهر التي تكون فيها ضمن التربة . فلم يعد عجباً أن يكمل نموّها , ويحين أكلها بدقيقة .

" وقد قمت بهذه الظاهرة وشرحتها لكم , كي أعلمكم أن لا شيء عجيب علينا , نحن معشر الأرواح , بعدما تفهّمنا الأسرار التي كانت خافية علينا مثلكم , عندما كنّا في أجسادنا , كما أسلفت القول " .(17)

 

 

ألغاية من المعجزات :

 

أن الغاية العامة من كل معجزة هي مساعدة شهودها والسامعين بها على الإيمان بأللّه , وما يستلزم ذلك من إيمان بالقيم الروحيّة وممارستها ؛ ذلك بأن حدوث المعجزة يؤكّد تأكيداً مباشراً وجود روح خارق القدرة والمعرفة يجترحها ؛ والروح قوّة إلهيّة تشهد لمبدعها الأزلي وتخشع لذكره .

وبهذا الإيمان يتأكّد لأصحابه مصدر الرسالة الداهشيّة السماويّ .

لكن المعجزات تحمل أيضاً , أحياناً , غاية خاصة , كالمساعدة , أو الشفاء , أو الإنقاذ من الموت , أو إيضاح العقيدة الداهشيّة .

وحسبنا , هنا ,أن نتأمّل جليّاً في معجزة واحدة من مئات المعجزات الداهشيّة الملموسة الثابتة , لنتبين قدرة الروح وعلمها الخارقين , وما يستتبعان من إدراك لضعف الإنسان وجهله وغروره , إزاء العظمة الإلهيّة .

 

صحيفة تتكوّن قبل خمسة أيّام من صدورها

 

في 28 تشرين الثاني 1943 , يدخل السيّد فيليب حدشيتي , وهو شاب مثقف , الى منزل الدكتور داهش في بيروت , وبيده صحيفة " لو جور le jour  " اللبنانيّة اليوميّة التي تصدر بأللغة الفرنسيّة . أتى يريد التثبّت مما ملأ الأسماع من أخبار المعجزات الداهشيّة . أتى جاحداً وجود أللّه عزّ وجل , منكراً وجود الروح , نافياً وجود الخلود والثواب والعقاب . دخل منزل الهداية ممثّلاً معظم البشر . مع فيليب حدشيتي , كانت الإنسانيّة بأسرها تمتحن , وضميرها وعقلها في الميزان .

وعد الزائر بجلسة روحيّة , سمع أن فيها تتنزّل الأرواح العلويّة , وتتجلّى القوّة الإلهيّة ؛ لكنّه لم يصدّق . فأخذ يتصفّح جريدته , ويكتب على هوامشها ما يخطر في باله من أسئلة مختلفة , ليطرحها في أثناء إنعقاد الجلسة العتيدة .

وعقدت الجلسة الروحيّة : تسامى الدكتور داهش بسيّاله الأسمى , حتى إتّصلت به وتجلّت فيه روح قدسيّة , هي نسمة إلهيّة عالمة كل العلم , قادرة كل القدرة .

ولكن , ما يثبت ذلك ؟

دار بين الروح , تنطق بفم الدكتور داهش والحدشيتي هذا الحوار :

-                                  هل تؤمن بألله تعالى ؟

-                                  أصدقك القول يا دكتور , أنني لا أؤمن بوجوده .

-                                  وماذا تريد كي تؤمن ويظهر خطأك الفادح ؟

-                                  أريد معجزة .

لا شكّ بأن فيليب حدشيتي – شأن ملايين البشر – قد إستمع , من قبل الى مواعظ رجال الدين ؛ فما أفادته . ولا ريب بأنّه قرأ كتابات دينيّة أو فلسفيّة تحضّ على الإيمان , وتستشهد ببراهين مختلفة ؛ لكنّها ما أجدته نفعاً . كان يشعر أن شيئاً واحداً يمكن أن يبدّل حياته , ويغير رأيه , هو المعجزة , العمل الذي يعجز عنه البشر جميعاً , ولو إجتمع علماؤهم وعباقرتهم بعضهم لبعض ظهيراً ؛ العمل الذي , إن حدث , برهن برهاناً حاسماً , أن وراءه قوّة فوق قوى البشر .

وحدثت المعجزة بكلمة قالتها الروح : أنظر الى الجريدة التي معك .

وإذا العدد الذي أحضره الحدشيتي معه , وهو يحمل تاريخ 28 تشرين الثاني 1943 , يتحوّل الى عدد آخر يحمل تاريخ 3 كانون الأول , أي عدد سيصدر بعد خمسة أيّام . لقد تغيّرت النصوص كلّها : تغيّرت الموضوعات والعناوين والأحداث والإعلانات والصور ... تغيّر كل شيء , عدا ما كتبه الحدشيتي في هوامش الصحيفة ؛ فوجده بقي مثلما خطّه بيده!

لقد حصل حدث عظيم : قوّة لا شكّ بأنّها غير بشريّة , لأنّها قامت بعمل غير بشريّ , قوّة قدرتها خارقة , وعلمها خارق , سخّرت عناصر الكون وقوى الطبيعة , واستطاعت أن تمحو كلّ ما في الصحيفة , مبقية على خطوط الشاهد فقط , لتنزل محلّ ما محت نصوصاً ومواد جديدة , مرتّبةً ترتيباً جديداً .

لو كان في يدك ورقة مطبوع عليها بضعة أسطر , فاختفت منها هذه الأسطر , بلمح البصر , ودون اللجوء الى أيّّة وسيلة مادّية , لكان عليك أن تقول , إذا كنت من ذوي العقول الصحيحة : هذا عمل غير بشريّ ! ولكن , إذا أمّجت الأسطر , وحلّت محلّها أسطر أخرى طبعت بدون أللجوء الى أيّة وسيلة مادّية  , فلا شكّ بأن خشوعك سيزداد , وسيعظم يقينك بأن القوّة التي أحدثت هذه الظاهرة هي قوّة روحيّة تسمو على قوى البشر ومداركهم وعلومهم بما لا يحدّ ! فكيف بك , إذا أمّحت نصوص مطبوعة منبسطة على عدّة صفحات كبيرة , لتحلّ محلّها نصوص أخرى مختلفة عنها كلّ الإختلاف  , ومرتّبة ترتيباً دقيقاً آخر !

ولكن , حتى الآن , لم تتّضح , بعد , كل أبعاد المعجزة التي حدثت . ذلك أنّه بعد خمسة أيّام , صدر عدد " له جور " le jour   حاملاً تاريخ 3 كانون الأول 1943 . وقابل الحدشيتي عدده العجائبي الذي احتفظ به بالعدد الجديد , وإذا المفاجأة العظمى ! إنّه العدد نفسه من كلمته الأولى حتى الأخيرة !

قبل خمسة أيّام , كثير من احداث العالم لم يكن قد وقع بعد ؛ وكثير من الأحاديث والوقائع السياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة والثقافيّة  والعسكريّة والإجراميّة ...  المحلّية والعالميّة لم يكن قد تمّ بعد . قبل خمسة أيّام , جميع الأمور التي ظهرت في عدد الثالث من كانون الأول كانت ما تزال في ضمير الغيب ؛ ومع ذلك , عرفت وهي في عالم الغيب , بتفاصيلها ودقائقها , أفكاراً وأقوالاً وأعمالاً وأحداثاً , وصيغت , ونظّمت , وطبعت ؛ وكل ذلك بلمح البصر , وبغير يد ولا آلة ! وما دامت عرفت بتفاصيلها , وتطوّراتها , وتشابكاتها , فهذا يعني أنّها قد وجدت بالنسبة للروح القدسيّة , قبل أن توجد بالنسبة للبشر .

أيمكن أن يقوم بهذا العمل غير قوّة إلهيّة  ؟ إذ ما الفرق بين تكوين  كوكب بكلّ ما فيه من أناس يتفاعلون ويتعاملون , وتكوين هذا العالم الذي انطوت عليه الصحيفة , خمسة أيّام قبل أن يوجد ؟!

لقد طلب الحدشيتي معجزة ليؤمن , فأتته المعجزة . أتته بهذه القوّة الجبّارة , لتخاطب عبره , البشر جميعاً ممن هم معاندون ومكابرون , حتى لا تبقى لديهم أيّة حجّة (18) .

 

شهود معجزات الدكتور داهش

 

قبل الخوض في معجزات الدكتور داهش , لا بدّ من إبداء ملاحظتين إيضاحيّتين :

أولاً , إنّ الذين عاينوا خوارقه , وشهدوا لها قبلي ومعي , كانوا في أكثريّتهم الساحقة من الطبقة المثقّفة ثقافة عالية واعية . فبينهم الأطباء والمهندسون , والأدباء والأساتذة الجامعيّون , والأساقفة والشيوخ , والصحافيّون المحنّكون , والمدّعون العامّون , والمحقّقون العدليّون , والقضاة والمحامون , وعدد كبير من النوّاب والوزراء وكبار  الموظّفين . كلّهم شهدوا بأن ما رأوه حقيقة يقينيّة ثابتة , لا جدال فيها  , وإن إختلفت تأويلاتهم وتعليلاتهم لمصدرها (19) .

ثانياً , إنّ كثيرين من هؤلاء الشهود , بعد أن تثبّتوا تثبّت توما , سطعت حقيقة الرسالة الداهشيّة في ذواتهم , فآمنوا بها , وضحّوا من أجلها بكلّ غال , وقاسوا الإضطهاد والتعذيب حتى من أنسبائهم وذويهم: فالأديبة الفنانة السيّدة ماري شيحا حدّاد عانت الأمرّين من شقيقتها لور , زوجة بشارة الخوري , رئيس الجمهوريّة أللبنانيّة الأسبق ؛ فقد أمرت أختها زوجة الرئيس بسجنها , لتردّها عن معتقدها الجديد ؛ لكنّها أصرّت وعاندت وتمسّكت بإيمانها الصخريّ ؛ فأشاعت أختها , إذ ذاك , بأنّها مجنونة , وأمرت بحجزها في مستشفى الأمراض العقليّة ؛ لكنّها ما لبثت أن خرجت منه عزيزة النفس , وطيدة الإيمان , سليمة العقل  , كما كانت , وتابعت ممارسة أدبها وفنّها وملازمة الرجل المعجزة (20) .

والوجيه الأديب جورج حدّاد , عديل الرئيس الأسبق , آثر أن يتخلّى عن مجد دنيويّ وثروة طائلة  ’ وأن يسجن طوال شهور في سبيل معتقده ؛ لأنّه لمس اليقين معجزات باهرة وإرشادات روحيّة وسماويّة أعادت إليه الإيمان بأللّه والروح والفضيلة . وقد توفي في 17 آب عام 1969 (21) .

والدكتور المرحوم جورج خبصا , طبيب الأمراض الجلديّة الشهير , تخلّى عن منصبه كأستاذ للطبّ في معهد الطبّ الفرنسي , إحتجاجاً على مقال نشرته جريدة " البشير " اليسوعيّة ضدّ الدكتور داهش , سنة 1942 . وقد توفي في 8 تشرين الثاني 1969 . كان المؤمن الثالث  .

والدكتور فريد أبو سليمان استعفى من وظيفته في الدولة كطبيب رسمي , بعد أن خيّر بين أن يضاعف راتبه , وأن يتخلّى عن معتقده الداهشيّ . كان المؤمن السادس .

والشاعر حليم دمّوس أمضى في السجن والعذاب زهاء سنة من أجل تمسّكه بإيمانه وإيثاره الروحيّات على المادّيات , وقد توفّي في 27 أيلول 1957 (1) . وقد كان المؤمن الثاني .

والمدّعي العام المركزي في بيروت , سابقاً , الأستاذ ديمتري الحايك , نحّي عن منصبه كمدّع عامّ , بعد أن طلب إليه أن يوجّه الى الدكتور داهش إتهاماً باطلاً , ورفض الطلب . وقد عاين الكثير من معجزاته , وآمن برسالته  .

و لا حاجة لأن أسرد جميع أسماء من ضحوا و ما زالوا يضحون بكل غال في سبيل الدعوة الروحيّة الجديدة . و لن أحدثكم عن نفسي و ما عانيت ، فحكايتي تقتضي مذكرات طويلة.

هؤلاء جميعاً ، أيعقل أن يكونوا كلهم ضحايا الوهم مدة عشرات السنين ؟! أيتركون المنصب الرفيع , و الثروة الطائلة , و العيش الهادئ , و صداقات الناس , و عشرة ذويهم , مفضلين عليها العذاب , من أجل أوهام ؟! و أولئك المئات , أيكونون أيضاً ضحايا الوهم طوال تلك السنين ؟!

كلا و ألف كلا . لو لم تكن الحقيقة ساطعة لما شهدوا لها , و لو لم يلمسوا بأيديهم و يتحققوا بعقولهم ما هو أعظم من الدنيا , لما تركوا أمجادها و إغراءاتها غير آسفين عليها .

 

أصناف المعجزات الداهشية :

 

المعجزات التي ظهرت على يدي الدكتور داهش ليست صنفاً واحداً أو حتى عشرة أصناف , بل هي مئات الأنواع ، تشمل الإنسان و الحيوان و النبات و الجماد , و كلها مادي محسوس ثابت : ثابت في بقائه , ثابت في امتحانه , ثابت في الصورة الفوتوغرافية . و من يستطع أن ينظر إليها جميعاً دفعة واحدة, بألوفها و شمولها وعظمتها الخارقة , لا يسعه إلا أن يخشع و يمجد القوة الروحية الجبارة التي تصنعها . و هي لو فصلت كلها لاقتضت عدداً كبيراً من المجلّدات الضخمة لاستيعابها.

فمن أصناف المعجزات التي تمت على يدي الدكتور داهش بقدرة الروح العليّ :

- شفاء الامراض المستعصية شفاء فورياً؛

- الإنقاذ من الموت , أو من أضرار الحوادث الجسيمة ؛

- تصوير وقائع الحياة , و تسجيل أحاديث الناس الحرفية , مهما كانت خفيّة و أينما كانوا , بصورة عجائبية ؛

- التنبؤ بتفاصيل الأحداث المقبلة , مهما تعقدت و تعددت وتنوعت ؛

- معرفة الفكر و الحلم وما يكتمه الإنسان ؛

- التكلم بأي لغة كانت ؛

- إحياء الجماد و ميت الحيوان ؛

- تجسيم الصور؛

- تكوين الأشياء قبل وجودها المحسوس, و إعادتها الى الجمود بعد فنائها ؛

- إنماء النبات , و إنضاج فج الثمار , بلمح البصر ؛

- تغيير طبائع الأشياء و وظائفها , و تكبيرها و تصغيرها وإطالتها و تقصيرها و تغيير أشكالها و ألوانها ؛

- تحويل المعادن العادية الى معادن كريمة , و الأوراق العاديّة الى عملة فعليّة ؛

- تحويل أوراق اليانصيب الخاسرة الى رابحة لشتى القيم ؛

- معرفة الضائع و استحضاره بلمح العين ؛

- نقل الأشياء المادية من مكان الى آخر بطرفة جفن , و إن وزنت الأطنان, و بعدت ألوف الكيلومترات ؛

- و إن أعظم معجزاته , برأيي ، هو تعدد شخصياته و قدرتها الروحيّة الخارقة .

هذا بعض من أصناف العجائب التي تجري على يدي رجل الروح الخارق , معجزة القرن العشرين . و سأكتفي , لضيق المجال , بذكر ستة نماذج منها , دونما تفصيل , مرجئاً الحديث عن تعدد شخصياته الى القسم الثالث من هذا الكتاب . و لن أقتصر على ما شاهدته أنا , بل سأذكر أيضاً , بعض ما عاينه غيري , و تعدّد شهوده الثّقات , و تأكّد لدي تأكّد اليقين .

 

 

 

 

 

نماذج من معجزات الدكتور داهش

 

1-      شفاء الأمراض:

 

لئن احرز الطب إنتصارات في هذا العصر, فثمة حدود يقف عندها و قيود يتقيد بها . فمن جانب , ما زالت أمراض و عاهات خارج سلطانه , و من جانب آخر ,إذا كان الطب قادراً على شفاء أمراض كثيرة , فإنه لا يستطيع شفاءها بلمح البصر, أو دونما عقاقير. و شفاء المعجزة يتميز بأنه شفاء فوري و ثابت لداء مستعص.    و للبيان , أكتفي بذكر معجزة شفائية واحدة:

 

طفل يشفى من الشلل و الجنون

 

ابتلي الطفل أيلي معلوف , سنة 1964 - و هو في عامه السادس – بالشلل و الجنون , إثر إصابته بالتهابات و اختلال في سحايا الدماغ . و قد نقله ذووه عبثاً من طبيب الى طبيب , , ومن مستشفى الى آخر, حتى استقر به الأمر في مستشفى " أوتيل ديو " حيث أمضى أسبوعين ، من غير أن يطرأ تحسن على وضعه الصحي الجسمي و العقلي .

و بعد ان انفق ذووه اموالاً  طائلة , يئسوا من شفائه , وأحسوا تفاقم الخطر عليه , قصدوا المشعوذين ممن يزعمون كذباً , مخاطبة الجنّ  و الاستعانة بوسائل السحر التدجيليّة , و لم يدعوا منهم واحداً مشهوراً إلاً إلتجأوا إليه . و بعد أن استنفد الدجّالون و صفاتهم الغريبة , و كادوا يستنفدون أموال قاصديهم , احتيالاً و ابتزازاً ، تيقن جد الطفل الياس ربيز  وامه السيدة نوال أنّ شفاءه مستحيل. و ألهم الجدّ أن يتوجّه بحفيده الى الدكتور داهش ؛ فقصده بصحبة ابنته والدة الطفل . و أمام المفجوعين و طفلهما , صعّد الدكتور داهش دعاءً . و حدث الشفاء العجائبي , فكان تكذيباً مخزياً للمشعوذين , و استصغاراً لقدرة العلم حيال قدرة الروح الإلهيّ .

و قد تمت عشرات المعجزات الشفائية  الأخرى غير هذه . و قد حظي بنعمة الشفاء العجائبي , من أمراض أو عاهات مختلفة , الآنسات زينا حداد , ماجدا حداد , و كرايس غبريال , وآخرون كثيرون .

 

2-      الأجوبة الكتابية العجائبية :

72 جواباً ترتسم بلمح البصر تحت 72 سؤالاً

 

إن الوزير السابق الأستاذ إدوار نون , بعد أن شاهد كثيراً من معجزات الدكتور داهش المحسوس الدامغة , أراد الاستزادة  من المعرفة الروحية , فكتب في منزله اثنين و سبعين سؤالاً تتعلّق بمستقبل البشريّة و الأنظمة السياسيّة , وأمور غامضة عن الإنسان و الأديان مما لم يتوصل العلم , بعد , الى تقرير حقائقه النهائيّة . و قد وزّعها على نحو ثلاثين صفحة من الورق الكبير المستعمل في الطباعة على الآلة الكاتبة , و ترك فراغاً بين السؤال و الآخر , مفسحاً المجال لكتابة الأجوبة . ثم قصد منزل الدكتور داهش . و كان الحاضرون كثيرين؛ منهم: آل حداد , و حليم دمّوس , و الدكاترة أبو سليمان و خبصا و عشيّ . و قد اطلعوا جميعاً على أسئلة الأستاذ نون المعقدة . ثم وضعت الأوراق في ظرف ؛ و سرعان ما عقدت الجلسة الروحية . و فجأة لمس الدكتور داهش الظرف المحتوي على الأوراق , قائلاً : " أتتك الأجوبة ". و كانت دهشة الجميع عظيمة حينما فتحوا الظرف , و رأوا اثنين  و سبعين جواباً قد خطّت بوضوح , وبلمح البصر , تحت الإثنين وسبعين سؤالاً الموزّعة على نحو ثلاثين صفحة . هذه الوثائق العجائبيّة ما يزال المحامي الكبير يحتفظ بها حتى الآن , وهي تحتاج الى أكثر من يومين لمجرّد نقلها (22) .

وعشرات هم الّذين أعرفهم ممن تمّت لهم معجزة الأجوبة الكتابيّة , فضلاً عن نفسي .

 

 

3–     تغيير طبائع الأشياء :

مئات بل ألوف هي المعجزات التي غيّرت طبائع الأشياء :

صحن البورسلان يأتي به زائر من منزله , وعليه علامات تميّزه , فيتحوّل في الجلسة الروحيّة الى صحن خشبي أ, زجاجي أ, ذهبي , وتبقى العلامات المميّزة نفسها عليه .. ويتحوّل الماء خمراً , والورق حجراً , والحجر معدناً كريماً .

 

تحويل الورق الأبيض الى عملة لبنانيّة

 

عدّة مرّات قصصت أوراق بيضاء من طلحيّات كبيرة , ودوّنت عليها إسمي وكتابات شتى , وإذا بها تتحوّل في حضرة الدكتور داهش الى عملة لبنانيّة من فئات مختلفة , وعليها باق إسمي , وما دوّنته بخط يدي .

مثل هذا التحويل العجائبي حدث أمام المئات , من بينهم مندوب مجلّة " الأسبوع العربي " (23) والسيّد حافظ خيراللّه مندوب جريدة " النهار " (24) .

وقد صوّرت الصحيفتان مراحل المعجزة في لحظات حدوثها نفسها ؛ فثبتت حقيقتها في الصور الفوتوغرافيّة , كما ثبتت أمام أعين الناس .

 

تحويل أوراق اليانصيب الخاسرة الى رابحة

 

ومن تغيير طبائع الأشياء , تحويل أوراق اليانصيب الوطني الخاسرة الى رابحة . وقد تمّت أمامي هذه المعجزة , إذ تحوّلت ورقة خاسرة الى ورقة تربح عشرة آلآف ليرة لبنانيّة . كما تمّت أمام الأستاذ محسن سليم , نائب بيروت السابق (25) , وأمام كثيرين آخرين .

وما يزال كثيرون يذكرون الضجّة الكبرى التي حدثت , بعد أن تحوّلت ورقة يانصيب خاسرة الى ورقة تربح عشرة آلآف ليرة لبنانيّة , أمام القاضيين محمود البقاعي ومحمود النعمان , والمحامي شفيق السردوك , رئيس بلديّة بيروت , والدكتور فريد أبي سليمان , بحيث إضطرّت مديريّة اليانصيب الوطني الى تكذيب الخبر , خوفاً من تقاعس الناس عن شراء أوراقها . ولكن المديريّة أضطرّت , أيضاً , الى دفع العشرة آلآف ليرة للدكتور أبي سليمان , حينما قدّم إليها الورقة العجائبيّة , وذلك بعد أن فحصتها وتثبّتت من صحّتها مدّة أيّام ( 26) .

 

4–     معجزات الإحياء :

 

إحياء الجماد ؟ ! إحياء الموتى ؟! ولما لا , ما دام الروح الإلهيّ قادر على كلّ شيء يصنع ذلك .

 

بكلمة تموت العصافير , وبكلمة تعود الى الحياة

 

في عشرين كانون الثاني 1944 , أمام الشيخ منير تقي الدين والصحافي إسكندر ريّاشي , ويوسف الحاج , وحليم دمّوس , وقبيل حملة الإضطهاد التي شنّت على الدكتور داهش , وقف الرجل العجيب أمام  قفص العصافير , وبحركة من يده , إنقلبت العصافير ميّتة . والتفت الدكتور داهش , إذ ذاك , الى زائريه قائلاً : " هكذا نفعل أيضاً بالرجال الظالمين " (27) .

وبعد ظهر اليوم نفسه , وبحضور الأستاذ إدوار نون , عقدت جلسة روحيّة , طلب الحاضرون فيها أن تعاد الحياة الى الطيور الميّتة . فاستحضرت جثثها من الحديقة , ووضعت في القفص ؛ وإذا المعجزة تتم , فتعود العصافير الى غنائها .

 

 

رسم العصفور يتجسّد لحماً ودماً .

 

ويشير الدكتور داهش , مرّة , الى لوحة فنّية رسمتها السيّدة ماري حدّاد , وفيها عصفور على شجرة . فتتحرّك الألوان من اللوحة , وتتخذ لحماً ودماً وريشاً , وتتحوّل الى عصفور يوضع في القفص سنتين . أمّا مكانه في أللوحة فبقي أبيض فارغاً ( 28) .

فسبحان المميت المحيي , القادر على كلّ شيء ؛ وما أغبى الإنسان وأتفهه ساعة تسكره بعض الإختراعات العلميّة , فيعمى , ويستكبر , ويتألّه , ويجحد ربّه . فأين عقل الإنسان القزم من جبروت الروح ؟ !

 

5–     معجزات التكوين :

 

تكوين شيء غير موجود ! تكوين شيء قبل وجوده ! تكوين شيء بعد فنائه ! الأمور الثلاثة سواء في نظر الروح العليّ . وذلك بأن القادر على خلق المجرّات , والمهيمن على الموت والحياة قادر على فعل كل شيء .

مستندات ووثائق , وسندات ماليّة وصور , أحرقت أمام كثيرين , وأعيد تكوينها بلمح البصر !

 

أوراق ملأى بالكتابات تحرق ثم يعاد تكوينها

 

عدّة مرّات حدث لي أن ملأت ورقة بالكتابات المختلفة , ثمّ أحرقتها بيدي ّ , واحتفظت برمادها . وإذا الدكتور داهش يكوّن مجدّداً تلك الورقة التي أحرقتها , وعليها كتاباتي كلّها نفسها . وذلك كان يحدث لي , وأنا في حضرته , أو وأنا في منزلي , بعيداً عنه . فالمعجزة تتمّ أينما كان .

ومن أغرب خوارق التكوين وأبعثها على الخشوع على قدرة الروح الإلهيّ , إثنتان : الأولى حدثت للسيّد فيليب حدشيتي , وقد سبق الكلام عليها ( 29) .

 

ندى تتجسّد

 

أمّا المعجزة الثانيّة فقد حدثت سنة 1943 , أمام الأستاذ إدوار نون , والدكتور خبصا , والسيّد جورج حدّاد , والأديبة ماري حدّاد , وغيرهم ؛ وهي في غاية الغرابة .

فبينما كانوا مجتمعين بالدكتور داهش في جلسة روحيّة , إذا بصبيّة حسناء تتجسّد , فجأة أمامهم , تحت النور الساطع . فيبهت الجميع , ويظنّون أنّهم يتوهّمون . فتفاجئهم الفتاة بقولها : " لا تظنّون أنّكم واهمون , فما ترون هو حقيقة أكيدة . إسمي ندى , وقد أتيت من عالم ماديّ آخر إليكم " .  فلم يصدّق الحضور أعينهم , حتى سارعوا الى تحسّسها بأيديهم ؛ فإذا هي لحم ودم كالبشر . لكنّها كانت تلبس فستاناً , وتحمل حقيبة لم يكونا من الزيّ الدارج في الناس , سنة 1943 .

وبعد تسعة عشر عاماً , تزور الدكتور داهش الصبيّة نفسها , وقد أصبحت في عداد سكّان الأرض . وكانت بالعمر نفسه الذي تجسّدت فيه قبل تسعة عشر عاماً , وتلبس الثوب عينه , وتحمل الحقيبة عينها .

وقد أوضح الدكتور داهش للمجتمعين , إذ ذاك , وفيهم من شاهدها قبل تسعة عشر عاماً , أنّ هذه المعجزة الإلهيّة تؤكّد تأكيداً حاسماً إستمرار الحياة وتقمّص النفوس , وانتقالها بعد الوفاة من دور حياتيّ الى دور حياتيّ آخر في الأرض , أو من كوكب الى كوكب آخر , حسب درجة إستحقاقها .

 

 

 

 

 

6–     معجزات النقل :

 

هذه معجزات كانت سبباً لإيمان كثيرين .

 

مفكرة تحضر بلمح البصر بعد ضياعها 12 سنة

فالدكتور خبصا فقد مفكّرته في باريس , قبل تعرّفه الى الدكتور داهش بإثنتي عشرة سنة , وفي الجلسة الروحيّة ولدت المفكّرة بين يديّه .

 

قفّاز يحضر بسرعة البرق بعد ضياعه 3 سنوات

 

والدكتور فريد أبو سليمان فقد قفّاز يده اليمنى , وبحث كثيراً عنه فما وجده . وحينما تعرّف الى الدكتور داهش , بعد ثلاث سنوات , عقدت له جلسة روحيّة , فخطر في باله أن يمتحن حقيقة وجود الروح وقدرتها , فسأل الدكتور داهش أن يعرف موضع القفّاز الضائع , إذا كان حقّاً قادراً . فأجابه فوراً : " إنّه في يدك " .

وحمل الطبيب قفّازه الى بيته , وهو لا يصدّق عينيه , حتى قارنه برفيقه , وكان الإثنان مستعملين ؛ فإذا هو القفّاز الضائع نفسه. وقد أراه المئات من السائلين .

 

قلم حبر ذهبيّ يحضر بطرفة جفن بعد ضياعه بين الثلوج

 

والأستاذ إدوار نون , كانت قرينته السيّدة إيزابيل قد أضاعت بين الثلوج , وهي أثناء التزلّج باللقلوق (30) , قلم حبر ذهبيّاً , وذلك قبل تعرّفهما الى الدكتور داهش بعدّة سنوات . وكانت ترافقهما , يوم إذ , في رياضة التزلّج , السيّدة رينه , قرينة الشيخ فؤاد الخوري , شقيق الرئيس اللبناني الأسبق .

وفي جلسة روحيّة حضرها كثيرون , وبناءً على طلب الأستاذ نون , إستحضر رجل الروح القلم بطرفة عين . فكان ذلك كافياً , ليخبر الأستاذ إدوار نون الرئيس اللبناني بأنّ ما يصنعه الدكتور داهش ليس أوهاماً وخداعاً لآل حدّاد وغيرهم , إنما هو حقيقة ثابتة لا تقبل الشكّ , والبرهان على ذلك إستحضار القلم التي أضاعته زوجته , قبل سنوات , وقد كانت ترافقها قرينة شقيقه الشيخ فؤاد .

 

ساعة تحضر بلمح البصر بعد ضياعها 3 سنوات

 

والأنسة أوديت كارّا فقدت ساعتها في ليبيا , قبل تعرّفها الى الدكتور داهش , بثلاث سنوات ؛ وإذا الساعة تعاد إليها في جلسة روحيّة .

 

خاتم ماسيّ ضائع يولد بصورة عجائبيّة

 

والسيّدة فاطمة البلطجي , قرينة السيّد محمود البلطجي , أضاعت خاتماً من الماس ثميناً جدّاً , وطرقت أبواب المنجّمين ومن لفّ لفّهم , طوال عام كامل , دونما جدوى , حتى تعرّفت , أخيراً الى الدكتور داهش ؛ فعقدت لها جلسة روحيّة , كان من جملة حاضريها زوجها , وابنها عليّ , والسادة وفيق زنتوت , وصلاح وحسن البلطجي , والدكتور أبو سليمان . في أثناء الجلسة إلتفت الدكتور داهش الى زوجها قائلاً : " إفتح كفّك " ؛ ففعل . ثمّ قال له : " أطبق كفّك " ؛ ففعل . فضرب له يده المطبقة قائلاً : " إفتحها الآن " . وشده الجميع ’ لأن الخاتم الضائع ولد في كفّ السيّد محمود البلطجي (31) .

 

طلب مساعدةً فامتلأت جيوبه بألوف الليرات

 

والمستشرق الإنكليزي دانيال أوليفر , Daniel Oliver , رئيس مدرسة  " الفرندز " Friends في رأس المتن , حضر جلسة روحيّة في عشرة كانون الثاني 1944 , وقد ضمّت عشرات الشهود ؛ منهم : الشيخ منير عسيران , والأطبّاء توفيق رزق , إنطوان جدعون , جورج خبصا , فريد أبو سليمان , نجيب العشّي , شاهين صليبي , والسيّدة روز صليبي , والسادة فرنسيس , أمين نمر , شريف البيضاوي " مفوّض البوليس " , جورج نجّار , طانيوس مجدلاني , وسواهم من سيّدات وسادة .

وفي الجلسة الروحيّة قال الدكتور داهش : " من يريد شيئاً فليطلبه " . فقال دانيال أوليفر : " بما أنّ الحرب العالميّة , قائمة , فإنّ الإعانات الماليّة , التي كانت ترسل إليّ من أميريكا  , لأجل الميتم , لم تصلني منذ أكثر من عامين , بسبب عدم وجود مواصلات مضمونة . لهذا أطلب أن تساعدني الروح , وتستحضر لي مبلغاً من المال الموجود في الجمعيّة بأميريكا , كي أستطيع الإستمرار في إيواء الأيتام في مدرستي " .

وما كاد أوليفر ينهي كلماته , حتى قال له الدكتور داهش : " مد يدك الى أيّ جيب من جيوبك , فتجد مطلوبك " .

وأخرجت من جيوب أوليفر الأربعة 23 ألف ليرة سوريّة .

دخل المستشرق الإنكليزي منكراً وجود الروح , وخرج مؤمناً بأللّه والروح وقدرتها , وبالرسالة الداهشيّة .

 

صخرة تنتقل عشرات الكيلو مترات عجائبيّاً

 

وقصد , مرّة , الدكتور داهش , بصحبة الدكتور خبصا , ويوسف الحاج , وحليم دمّوس , غابة الشبّانية التي تبعد عن بيروت حوالي 30 كيلو متراً , حيث كان يملك يوسف الحاج أيضاً أرضاً . وجلس الجميع على صخرة يتجاذبون الحديث . وكتب دمّوس على الصخرة بيتين من الشعر هما :

 

جلسنا على صـخر وفي ظــلّ غابــة      شربنا على ذكر " المؤدّب " ماءنــــا

أقول لصحبي " والحبيب " بجانبـــــي   على صخرة الإيمــان نبني رجــاءنا

 

وبعد أن عادوا الى منزل الدكتور داهش , قال الرفاق الثلاثة له : " حبّذا لو كرّرنا الجلوس معك على تلك الصخرة " . فقال : "  وما يمنع أن نجلس عليها الآن , ما دامت هذه رغبتكم ؟ " . فقالوا : " وكيف يتمّ هذا الأمر والغابة في الشبّانيّة ونحن في بيروت ؟ " فأجاب : " أنظروا الى فضاء الغرفة " . وإذا بهم يرون كتلة ضخمة تتهادى في هبوطها الّلطيف , حتى كأنّها قطعة قماش في الهواء . وما أن حطّت على أرض الغرفة , حتى أمسكوا بها ؛ فإذا هي صلبة لا تزحزح . وبعد أن تفحّصوها , ووجدوا عليها بيتي الشعر تأكّد لهم أنّها الصخرة نفسها التي جلسوا عليها . فخشعوا وجّدوا أللّه , وفهموا قول السيّد المسيح : " لو كان لكم إيمان مثل حبّة الخردل , لكنتم تقولون لهذا الجبل : إنتقل من ههنا الى هناك فينتقل , ولا يعثر عليكم شيء " ( متّى 17 : 19 ) .

و بقيت الصخرة في المنزل الدكتور داهش , مدة طويلة , معروضة يشاهدها مئات الزائرين , حتى فتتها العمال , فيما بعد , وأخرجوها .

 

فكر بذهب مخبوء فأحضر الروح فوراً نماذج منه

 

و في إبان حملة الاضطهاد ضد الدكتور داهش , قرّر رئيس المجلس النيابي , صبري بك حماده , أن يزور الدكتور داهش , ليتثبت بنفسه من حقيقة خوارقه ؛ فعقدت له جلسة روحية , و كان الشهود يربون على الثلاثين ؛ بينهم  النواب , يومئذ , السادة : أديب فرزلي , وديع شقير, و محمد بك العبود , و السيد بهيج بك الخطيب رئيس دولة سوريا السابق , و السادة فيليب أندراوس , و خليل بك معتوق , و جورج نجار , و الشيخ حسن المكي من علماء الأزهر , والسيدة غوين زوجة قنصل أميركا القديم , و غيرهم من سيدات وسادة .

التفت الدكتور داهش الى رئيس المجلس النيابي , و سأله ماذا يريد ؟ فطلب صبري بك استحضار شيء يفكر فيه و لا يقوله . فأجابه الدكتور داهش :" عرفت بما تفكر تماماً , فهل تريد إحضار الشيء الذي تفكر فيه بأكمله ؟ فإذا قلت : نعم , يحضر فوراً ". فأجاب رئيس المجلس : " كلا, لا أريده بأكمله , بل أريد منه شيئاً كبرهان ملموس"؛ فقيل له :" إفتح كفك " , ففتحها . ثم قيل له : " أغلق كفك " ؛ ففعل . و إذ فتحها , ثانية , وجد فيها خمسة دنانير ذهبية عثمانية قديمة التاريخ . و في غمرة الدهشة , سأله الحضور بماذا فكر ؟ فأجابه :" فكرت في صفائح خبئت في أراضينا , أثناء الحرب العالمية الأولى , و هي, كما فهمت , ملأى بالدنانير الذهبية ؛ لكنهم يجهلون مكانها تماماً ". و عندما سأله أحد الحضور :" لماذا لم تطلب استحضار الذهب بأكمله ؟" أجاب صبري بك : " خوفاً من أن يوزع على الجميع , فيكون لي فيه شركاء".  و احتفظ رئيس المجلس بالليرات الذهبية شهرين , ثم عاد فباعها الى احد الصيارفة (32).

******

لقد ثبت بالبرهان المادي , و بألوف الشهود , أن الدكتور داهش , طوال نصف قرن , و هو يبهر العقول , و يحير العلماء والفقهاء بمعجزاته في جميع المجالات . و رغم عواصف الشكوك التي أثارها حوله المغرضون , و رغم الحملات العنيفة المشهرة التي قامت بها صحف رخيصة مأجورة , و رغم محاولات يائسة , مدّة عشرات السنين , لإظهار معجزاته بمظهر الخداع , باء جميع المتجنّين و المفترين الظالمين بالفشل , على كثرتهم و نفوذهم , وبقيت حقيقة الدكتور داهش ساطعة تصفع المستكبرين , و تنادي الجميع , و لا سيّما المخلصين لقضية الروح إخلاصاً حقاً , والصادقين في نشر الإيمان بالله بين البشر بدل الإلحاد .

لذلك , فالبحث في تعاليمه و معجزاته , أعتبره في رأس الأبحاث الملحة الضرورية , لأن لاشيء يمكن ان يصحح المفاهيم المنحرفة , و يعيد الإنسان الى القواعد الصحيحة مثله , و لا قوّة يمكنها ان تزرع الأمل في صحراء الحياة , كالقوّة التي تتجلى على يديه , إذا  استطاعت العقول ان تتجه إليها جريئة , لإنقاذها , و إذا تمكنت النفوس من ان تتخطى التقاليد و المصالح  المذهبية , لاستلهامها .

فعلى المخلصين الواعين أن يفسحوا الطريق أمامه ؛ فإن كان ما يأتي به بطلاناً و زوراً , فإن نصف قرن من الزمن لكاف لفضحه . و إن كان ما يأتي به حقيقة , فالويل ثم الويل لمن يعرقل سيره ,ويشوه نصاعته , لأن العبء الذي  ستحمله الأجيال الآتية عنقه سيكون أثقل من حجر الرحى .

و لم يشهد التاريخ أن الحق , كان و لو مرة , يصدر عن الكثرة و ركام العدد . فالحقائق العلمية أعلنها أفراد قلائل لجمهور من الناس كانوا شكاكين بها , رافضين لها . أذكروا سقراط (33) و غاليليو (34) . و الحقائق الروحية أعلنها أفراد قلائل لبشريّة ضالّة قاومتهم و اضطهدتهم . أذكروا الأنبياء و المرسلين جميعاً . و الهداة القليلون, بين الكثرة الساحقة الضالّة , يبدون للكثرة كالمجانين . لكن هؤلاء المجانين هم الذين يخلّدون .

تلك كانت جولة سريعة في عالم المعجزات الداهشيّة . فلنطرق , الآن , باب العقيدة التي قدمها رجل الروح الى الراغبين في تفهّم الحقائق الروحية , و الاهتداء بها , من أجل خلاصهم .

 

 

 

القسم الثالث

الحقائق الروحية الداهشية

 

كان هذا القسم بمعظمه , في الأصل , محاضرة ألقيت في 21 أيار 1971

   في قاعة الاحتفالات الكبرى في كلية الحقوق اللبنانية

 

من لبنان من بلاد أرز الربّ , أخاطب الإنسان الضائع , الهارب من قلق نفسه , ومن أشباح مأساته , الباحث دونما جدوى عن الطمأنينة . من أرض المشرق , أرض الأنبياء , أخاطب إنسانيّة أسكرتها كبرياء الإكتشافات العلميّة , وخدّرتها خمرة الأطماع , والشهوات الدنيويّة , فنزفت جراحها , واقترب الفناء الرهيب حثيثاً منها , وهي ما فتئت تظنّ أنّ نضارة الحياة ما زالت ملء جسدها .

 

للساعين وراء الحقيقة الهادية , وهي تهرب منهم , أقول : لو كانت الهداية في نظريّات المفكّرين , واجتهادات الفقهاء , وأراء الزعماء , والأرض ملأى بهم , إذن لسطعت شمسها , وتوحّدت إشعاعاتها , واطمأنّت في نورها العقول . لكن الحقيقة الهادية بعيدة عنهم , فهي ترفض النجزّؤ والتناقض , وتأبى أن تكون أوهاماً وافتراضات , ونتائجها شرّاً ورذيلة وفساداً , لأنّها وجود حيّ يجب أن يفعل فعلاً خيّراً في الفرد والمجتمع .

للباحثين عن السعادة في الإغراءات الجنسيّة , والمتع الحسّية , والأمجاد الماديّة , والإغراق في الرفاهية , أقول : لقد حان الوقت لتصحوا من خدركم , فتدركوا أنّكم تبصرون سراباً لا ماء , وتقبضون على جمر يحرقكم وأنتم لا تشعرون , وأنّكم تحاولون الهرب من كوابيس الفواجع الجاثمة فيكم وحولكم , بمجرّد إغماض   العيون , وهذا منتهى الجنون .

فما الذي يبهر عيونكم , يا بني وطني وأبناء الأرض ؟

أمدنيّة غربيّة أم شرقيّة ؟ ومدنيّة العالم , اليوم , شجرة امتدّت فروعها , وتعالت  أغصانها , حتى كادت تملأ الأرض وتلامس السماء , لكنّها شجرة إن بهرت البصر , بكت لها البصيرة , لأن لبّها بدأ ينخر , ونسغ الحياة فيها أخذ يجفّ , وجذعها يتهيّأ لضربة الفأس القاضية , وأغصانها تعدّ محرقةً للنار العظمى .

ما الذي يفتن عقولكم , يا بني وطني وأبناء الأرض ؟

أسفن فضائيّة تحطّ على القمر ؟ والظلم مستشر في نفوس البشر ! حقوق تؤكل , وأراض تغتصب , ومشرّدون يتعيّشون على البؤس والجهل والأحقاد ! وضعفاء بين أنياب وحوش أسياد ! أم تفتنكم مصانع جبّارة , وأسلحة قهّارة , ومختبرات عظيمة , ومكتشفات عجاب , ومبان تناطح السّحاب ؟ ونفوس الناس خراب يباب , والسيّد الآمر الناهي شريعة الغاب !

من الشواطىء التي أطلقت الحرف الى أرجاء المعمور , من المشرق الذي بزغت فيه شمس المسيحيّة والإسلام على العالم تبدّد الديجور , من مهبط الوحي العريق , تعود الحقيقة الروحيّة الحضاريّة الكبرى لتظهر , فتنبّه ضمائر الراقدين , وتبعث الأمل في قلوب اليائسين , وتزف عكّاز الهداية للعميان والمقعدين , وتقدّم خشبة الخلاص لركّاب سفينة الأرض الغارقين ؛ إنّها الحقيقة الداهشيّة .

 

فما هي الداهشيّة ؟

 

قبل أن أقدّم خلاصة عن حقائقها الروحيّة , لا بدّ من إيضاح .

في القسم الثاني من هذا الكتاب , ذكرت عدداً وافراً من خوارق الرجل العظيم , وكلّها محسوس دامغ الحجّة , ثابت على الزمن وفي الصور , مؤيّد بأسماء عشرات الشهود من الإختصاصيين والمثقّفين النابهين , وذلك يصفع شكوك المفترين المكابرين والمؤوّلين المعجزات الحقّة تأويل خداع أو إيهام .

إنّ المحاكم المدنيّة والجزائيّة تصدر حكمها في أيّة قضيّة – وقد يترتب على الحكم حياة أو موت – إذا ما تهيّأ لديها بضعة إثباتات مادّية وبعض شهود . وخوارق الدكتور داهش معروضة أمام محكمة العالم منذ نصف قرن ؛ وألوف هم الشهود الذين يؤكّدون صحّتها , وفيهم مدّعون عامّون , وقضاة كبار , ومحامون لامعون , وأطبّاء مشهورون , وأدباء , وأساتذة جامعيّون , وصحافيّون من مختلف الجنسيّات . أفلا  يكفي هذا الحشد من الشهود لتتنبّه الضمائر الحيّة , وتتجرأ النفوس الشريفة  فتعلن الحقيقة الروحيّة الكبرى , بصوت مدوّ في كلّ أنحاء العالم ؟ ! خصوصاً أنّ بين الشهود مئات ممن يجمعون الى الكفاءات الثقافيّة العالية سيراً نقيّة وأخلاقاً سامية ؛ إذ فضّلوا التخلّي عن مناصبهم ومكاسبهم المادّية , ودخول السجون , ومعاناة الإضطهاد والآلام  , على أن يتخلّوا عن إيمانهم بحقيقة تيقّنت منها عيونهم , واقتنعت بها عقولهم , واهتزّت لها قلوبهم .

فإن كانت الكفاءة العلميّة لا يوثق بأهلها , والكفاءة المسلكيّة لا يطمأن الى شهادة أصحابها , فما الذي يجعلنا نؤمن بالحقائق العلميّة وهي ألوف ,  ولم يختبرها منّا إلاّ القلائل ؟ إذ من يجرؤ على الزعم بأنّه قاس سرعة النور بنفسه , وفحص تكوين الذرّة بعينه , وحلّق بين الكواكب , وغاص في أعماق البحار , ودرس ما فيها من أسرار , مطّلعاً بنفسه على كلّ الحقائق العلميّة التي يسلّم بها دونما جدال ؟ !

وما الذي يجعلنا نؤمن بمعجزات السيّد المسيح ؟ ونحن لم نر منها معجزة واحدة , ولم يخبرنا بها أحد من المؤرّخين أو المعارضين , إنما عدد قليل جدّاً ممن آمنوا بها , بعد أن رأوها أو سمعوا عنها !

إنّ المنطق السليم يجعلنا نؤمن بالحقائق العلميّة كما نؤمن بمعجزات المسيح , لأنّ الذين خبروها وشهدوا لها كانوا يتمتّعون إمّا بكفاءة ثقافيّة أو بأمانة خلقيّة , فكيف بنا والشهادات على معجزات الدكتور داهش تتواتر وتتكاثر حتى الألوف , ومن أنصاره وأخصامه على السواء , ومن عدد كبير من الذين يجمعون العلم الرفيع الى الخلق النبيل ! وكيف بنا ورجل الخوارق ما زال حيّاً بيننا , يستقبل عشرات الوافدين يوميّاً , فيصوّر عجائبه المصوّرون , ويحتفظ بإثباتاتها المادّية الزائرون , ويخرج الكافر من لدنه مؤمناً باللّه وأنبيائه دونما تفريق , ويخرج المعاند المكابر شاهداً لحقيقة المعجزات , وإن لم يؤمن , لعلّة فيه , بدعوة صاحبها . ولا عبرة بقلّة ممن زاغت قلوبهم , وعميت عيونهم , واستؤجرت أقلامهم , فآثروا الباطل على الحقّ ؛ فدولة الباطل ساعة , ودولة الحقّ الى قيام الساعة .

ومع ذلك , فما دام الرجل بيننا , فلكم الحقّ في أن يكون إيمانكم كإيمان توما مبنيّاً على اللمس . فقد سعينا وتيقّنا , فما عليكم إلاّ أن تسعوا لتتيقّنوا . ولكن , " طوبى للذين آمنوا ولم يروا " ( يوحنا 20 : 29 ) , كما قال سيّد المجد .

من المعجزات التي ثبتت , إذن , لدى الألوف , ننطلق لإعلان الحقائق الروحيّة الداهشيّة , فيكون سيرنا , لا في فضاء النظريّات والتخمينات الفلسفيّة أو اللاهوتيّة , بل على أرض الواقع الصامد .

 

الحقائق الداهشيّة

 

لئن استطاع العلماء أن يكشفوا عن بعض أسرار الوجود , فما يزال مغلقاً دونهم ما لا يحصى منها . ولذا فهم يقفون وسط بحار المجهول المحيطة بهم حائرين خاشعين .

لقد أثبتوا , بعد مراجعات كثيرة , وتجارب طويلة , وجهود جبّارة , أنّ الجماد ليس جماداً , فالحركة تحييه , كما تحيي غيره من أنواع الكائنات , وأنّ في أساس تكوينه , كما في أساس تكوينها  , الطاقة الكهربائيّة المغنطيسيّة , وأنّ هذه الطاقة لا تفنى , فهي محفوظة في الكون .

ولكن , ما سرّ هذه الطاقة ؟ وما مصيرها بعد زوال مظاهرها المحسوسة ؟ وما صلة الإنسان الجوهريّة بغيره من الكائنات ؟ وكيف تتطوّر الحياة ؟ وماذا قبل الولادة وبعد الممات ؟ هذه الأسئلة ومتفرّعاتها , ما برح العلم عاجزاً عن الإجابة عليها .

أمّا الإجتهادات  الفلسفيّة , والتأويلات المذهبيّة , فتناقضاتها تزيد الإبهام والبلبلة , وقيمتها تلزم صعيد التخمينات والنظريّات , فلا تكتسب قوّة الحقائق الواقعيّة .

وهنا خطورة معجزات داهش , فهي تستبق العلم في ما تزفّ الى المعرفة البشريّة من فضّ أسرار وإيضاح غوامض , وفي ما تهدي الى الحائرين من أمر دينهم ودنياهم نوراً ساطعاً يضيء لهم الطريق .

حتى الأمس القريب , كان العلم هو السبّاق , والمذاهب الدينيّة تحاول اللحاق به , جاهدة مرغمة . حسبنا الإلماع الى مأساة غاليليو ( 1564 – 1642 ) , ومقاضاة محكمة التفتيش الكنسيّة الرومانيّة لتقدّم المعرفة بمقاضاته , كما الى الحكم الذي أصدره بيوس العاشر , سنة 1907 , ضدّ الحركة العلميّة الحديثة .

أمّا اليوم , فالمعجزات الداهشيّة هي التي تطرح التحدّي على العلم , فيجري وراءها لاهثاً . ذلك بأن الداهشيّة ليست نظريّات وافتراضات , بل حقائق روحيّة مدعومة بالبراهين المحسوسة . وللمرّة الأولى في التاريخ , يرفع القناع عن المجهول بهذه القوّة والعظمة .

فما هي خلاصة هذه الحقائق ؟

يمكن إجمالها بخمس :

 

1 – وجود الروح وخلودها .

2 – السيّالات الروحيّة هي نسيج الكون وقوام كائناته .

3 – السببيّة الروحيّة والجزاء العادل .

4 – التقمّص .

5 – وحدة الأديان الجوهريّة .

 

 

الحقيقة الأولى :

 

وجود الروح وخلودها

 

الكتب الدينيّة كلّها تحدّثت عن وجود الروح , كذلك أكثر الفلاسفة . ومع ذلك , فليس من عصر شاع فيه الإلحاد والتشكيك بوجودها كهذا العصر . ذلك بأنّ الناس باتوا لا يؤمنون بالمجرّدات . فهم يطالبون بإثبات ماديّ لوجود الروح يكون بمستوى العصر , لآنّ العلم المنتشر في أرجاء المعمور رسّخ في أذهانهم منهج التحقّق الماديّ الإختباريّ .

وليس ثمة من برهان ماديّ ساطع على وجود الروح إلاّ المعجزة . فهي " بخرقها " قوانين الطبيعة الأزليّة التي تحكم البشر جميعاً , تثبت أنّ القدرة التي تصنعها لا يمكن أن تكون قدرة بشريّة . فأعظم الإختراعات , وإن تكن الصواريخ والسفن الفضائيّة , لتبدو ضئيلة باهتة لصاحب البصيرة النيّرة , حيال أيّة معجزة من أي نوع كانت . ذلك بأنّ المنجزات العلميّة ليست سوى أعمال بشريّة يستفيد بعضها من بعض , ويبنى أللاحق منها على السابق , ومهمّتها محاولة الكشف عن المزيد من أسرار الطبيعة والإستفادة منها ؛ وهي لا تستطيع خرق قوانينها , بل تجاريها . وكلّ إنسان بوسعه القيام بالأعمال العلميّة إذا  ما راعى الشروط والظروف والوسائل المادّية المقتضاة . أمّا المعجزة فليست من قدرة البشر , وإن احتشد لها علماؤهم من جهات الأرض الأربع .

فهل إستطاع الأطباء , على التقدّم العظيم الذي حقّقوه , أن يشفوا أيّة علّة أو إصابة عضويّة بغير عقاقير , أو دونما لجوء الى عمليّات جراحيّة لدى الإقتضاء ؟ هل إستطاعوا أن يقفوا , مثلاً , أمام برصاء متهرّئة اللحم ويقولوا لها : فلتشفي . وتشفى على الفور ؟

أو هل يستطيع العلماء مجتمعين أن يحوّلوا ورقة يانصيب خاسرة الى ورقة رابحة بمجرّد أمرها ؟ أو أن يكوّنوا صحيفةً , قبل صدورها , بعدّة أيّام , بمجرّد قولهم : كوني , فتكون ؟

ذاك لم يحدث ولن يحدث , لأنّه لو جرى , لخرج الإنسان عن طبيعته البشريّة , وأصبح إلهاً , أو روحاً تطيعه المادّة وتخضع له القوانين التي ما أرادها أللّه تخضع إلاّ لمشيئته , لأنّه مبدعها وحافظها .

أمّا الدكتور داهش فقد إستطاع ذلك , ويستطيعه يوميّاً , لكن ليس بقدرته البشريّة , بل بقوّة الروح العليّ الذي اتّخذه إناءً مختاراً , ليصنع معجزات الهداية , على يديه .

وفي القسم السابق من هذا الكتاب , ذكرت مفصّلاً عشرات المعجزات الملموسة الدامغة التي إجترحها رجل اللّه , أمام مئات من الشهود المثقّفين الكفوئين , مما يدع أعاظم العلماء والمفكّرين , في حيرة وذهول , خاشعين عاجزين .

فإزاء هذه الخوارق لا يسع ذا البصيرة النيّرة إلاّ التسليم بوجود قوّة روحيّة تتخطى القدرة البشريّة , وتخرق القوانين الطبيعيّة وتهيمن على الكائنات , تماماً كما يسلم المرء بوجود الطاقة المغنطيسيّة من جرّاء ملاحظته تأثير جاذبيّتها على بعض الأجسام , مع أنّه لا يستطيع القبض على الطاقة المغنطيسيّة .

فإذا ما زدنا الى خوارق الدكتور داهش التي لا تحصى , مئات من النبوءات سلّمها الى مئات الأشخاص , إزداد يقيننا بوجود هذه القوّة الروحيّة المتفلّتة من قيود الزمان والمكان التي تكبّل كلّ بشريّ .

 

 

ثلاث نبوءات تتعلّق برئيس الجمهوريّة اللبنانيّة

 

 

ومن هذه النبوءات ثلاث تتعلّق برئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الأسبق , بشارة الخوري :

الأولى , سلّمت الى عقيلته السيّدة لور في 13 تشرين الثاني 1943 , إثر إلقاء السلطة الفرنسيّة القبض عليه ؛ وذلك بعد توسّلها الى الرجل الخارق لإطلاعها على مصير زوجها , وذلك بواسطة شقيقتها الأديبة ماري حدّاد التي كانت آمنت بالرسالة الداهشيّة . وممّا جاء فيها أنّ بشارة الخوري سيعود الى الحكم في 22 تشرين الثاني 1943 , مع إيضاح ملابسات الأحداث التي ستجري .

والثانية نشرتها جريدة " الصحافيّ التائه " في 20 شباط 1944 ؛ وخلاصتها أنّ إضطهاداً سيشنّه بشارة الخوري على الدكتور داهش , وسينزل جزاء روحيّ بالمضطهد , وذلك بكسر يده من كتفه , فيضطرّ الى قصد القدس للإستشفاء , في 15 شباط 1945 . وقد تمّت النبوءة بحذافيرها , مع العلم أنّها نشرت , قبل نحو عام من وقوع أحداثها .

والثالثة تكشف تاريخ موت بشارة الخوري , وقد اطّلعت عليها إبنته السيّدة هوغيت كالان بواسطة صديقتها السيّدة وداد نفّاع .

ولو أردنا تفصيل كلّ النبوءات الداهشيّة لملأنا بها مجلّداً . حسبنا الإلماع الى نبوءاته بفوز الأستاذ بشير العثمان في الإنتخابات النيابيّة , مع ذكر عدد الأصوات التي سينالها , وسقوط السيّد محسن سليم , ومصرع الرئيس الأميركيّ جون كندي , وقد تسلّم النبوءة به عشرات الأشخاص , منهم المحامي والوزير السابق إدوار نون , وذلك قبل مقتله بمدّة طويلة (35) .

كلّ تلك الخوارق والنبوءات تلزم الواعين  من البشر الإيمان بوجود الروح وقدرتها . وذلك يستتبع , لزاماً , التسليم بثلاثة أمور :

1 – الإيمان بوجود اللّه عزّ وجلّ ؛ لأنّ الروح تشهد له , فهي نفثة إلهيّة من ذاته , لا يشوبها دنس , ولا يلطّخها أيّة كثافة " مادّيّة " . وهو مبدعها ومعادها . ولأنّها من جوهره الخالد فهي خالدة .

2 – الإيمان بوحدة الأديّان ؛ لأنّ روحاً عليّاً واحداً أوحاها , وغاية سامية واحدة حرّكتها ؛ وبالتالي السعي نحو تحقيق هذه الوحدة في وجود واقعي حيّ .

3 – التسليم بمعرفة الروح الخارقة المحيطة بالأسرار كافّة , والعمل بإرشاداتها الخيّرة .

ومن إرشادات الروح ألاّ يضيّع البشر وقتهم في البحث عن جوهر الألوهيّة , والأختلاف حولها ؛ لأنّ من ولدوا في الأرض لم يعطوا أن يعرفوها . ولسان حال الداهشيّين , إزاء هذا الأمر , قول هاديهم :

 

 

إستسلام

 

عبثاً يحاول ملايين الفلاسفة معرفة الألوهيّة .

فحوادث الدهور قد مرّت وهي تواكبهم ,

والقبور فغرت أفواهها , وضمّت من الأنام مواكبهم ,

الكلّ فان ؛ وليس من خالد سوى اللّه والسماء ,

ومقاصده الخفيّة في خلقنا خفيت حتى على الأنبياء .

فلنخشع , ولنضرع , كي نرتع في جنّاته السّرمديّة (36 ) .

 

 

الحقيقة الثانية :

 

السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته

 

و السيّالات الروحية تعني قوى إشعاعية حية غير منظورة هي امتداد للروح في العوالم الماديّة .

و السيّالات جميعها ذات إدراك و إرادة و نزعات , لكن على درجات متفاوتة .

و قد تأكد لنا , من مئات المعجزات التي شاهدناها و شاهد مثلها الألوف غيرنا , أن السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته ؛ هي الجوهر الخالد الذي يوحد الموجدات , و إن اختلفت مظاهرها المحسوسة . و ليست الطاقة الكهربائيّة المغنطيسية التي اكتشف العلم أنها في أساس الوجود كله إلاّ صفة من صفاتها .

فخصائص الحياة النفسية ليست في الإنسان فقط , بل هي أيضاً في الحيوان و النبات و كل ما يسمى " مادة " .

ووجود السيّالات في البشر , على تفاوت في العدد , و الميزة , و الدرجة , بين فرد و فرد , هو الذي يسبب تباين القدرات الجسدية والعقلية , و اختلاف الميول و المواهب النفسية عندهم . كما إن انسجامها و سموها في الإنسان يبعثان السلام و الاتزان في نفسه , وتناقضها و انحطاطها يسببان الاضطراب و الاختلال . كذلك , فإلى تشابهها  أو تباينها , في الأشخاص و الجماعات , يعود التجاذب والتحابّ , أو التنافر و التباغض .

هذه القضايا البشرية , ما يزال المشتغلون في علم النفس يحاولون الوصول الى تفسيرها , جاهدين , من غير أن يطمئنوا الى رأي صائب يتفقون نهائياً عليه , بينما أدركت الداهشية حقيقتها و سرها من زمن بعيد.

و قد أتيح لي , كما لكثيرين غيري , أن نتيقن من أن الفناء الذي يطرأ على الأشياء , إنما هو تبدل محصور في مظهرها الحسي النسبي , و لا يمس جوهرها الحي .

فمراراً كنا نحرق أشياء مختلفة , بينها أوراق مالية , و سندات أو صور أو مخطوطات , أو تحطم أمامنا كؤوس بلوريّة و ما أشبه , ثم يعيد الدكتور داهش تكوينها , كما كانت , بلمح البصر , و بقوة الروح العليّ . و شهود هذا النوع من المعجزات يعدون بالمئات . أكتفي منهم بذكر النائب السابق محسن سليم , و الأديب جورج حداد , و الوزير السابق المحامي إدوار نون , و السيدة ناديا غبريال , والسيدين أنجلو بولو و امين نمر . وسبق أن فصّلت في القسم الثاني من هذا الكتاب , معجزة إحياء العصافير الميتة أمام الشيخ منير تقي الدين و الصحافي إسكندر رياشي.

فهذه المعجزات التي تعيد الحياة الى الميت , و الشيء الذي احترق أو تحطم , الى وجوده السابق نفسه , إنما تؤكد أن السيّالات الروحيّة خالدة , سواء أكانت في الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد .

أما الحقيقة الأغرب التي أوضحتها الداهشية , فهي أن كل كائن , بل كل عمل أو رغبة أو فكر , يكون لها نموذج حي او صورة أو تسجيل تحفظ  روحياً  في عوالم خاصة , كشهود على حياة الكائن و سلوكه و أعماله . و إيضاح ذلك يتم في المعجزات التالية :

 

حمامة نوح تعود الى الأرض 

 

في 11 حزيران 1943, عقدت جلسة روحية كان من حاضريها الأديب جوزف حجار , و عقيلته السيدة آندره , و مؤرخ الوقائع الداهشية حليم دمّوس .

و ما إن ارتعش داهش بالروح , حتى سمع الحاضرون حفيف أجنحة خفيّة , سرعان ما تبعه تجسد حمامة ناصعة البياض ظهرت في فضاء الغرفة المغلقة , و حطت على كتف السيدة آندره , و في منقارها عرق زيتون أخضر يقطر ماء .

و قد أوضحت الروح , بفم الدكتور داهش , أن هذه الحمامة إنما هي حمامة نوح نفسها . و قد حفظ سيّالها , بعد موتها , في عالم روحي خاص . و كذلك عرق الزيتون , و الماء الذي يقطر منه , حفظ سيّالاهما , أيضاً , بعد زوالهما . وهكذا كل موجود بعد تلاشيه .

و مكثت الحمامة في منزل الرسالة الداهشية ما ينيف على ستة أشهر , كانت في أثنائها تطير من غرفة الى أخرى , و تحط على أكتاف الزائرين , و تأكل من أيديهم بطمأنينة , حتى إذا حل صباح  27 كانون الأول 1943, شاهد المجتمعون في المنزل , تلك الحمامة العجيبة تحوم فجأة حول رأس رجل الروح , ثم تمضي تحوم فوقه مصعدة في فضاء الغرفة , و حجمها يتضاءل شيئاً فشيئاً , حتى تصبح بحجم النحلة محتفظة بشكل الحمامة ؛ و تستمر تصغر , حتى تعجز العيون عن إبصارها . و هكذا تعود الى العالم الذي هبطت منه .

كذلك , فعشرات هي المرات التي كان يفاجأ فيها زائرو الدكتور داهش باطلاعهم عنده على أحاديثهم  مسجلة بحرفيتها , و أفكارهم الصامتة مدونة  بخلجاتها , و أوضاعهم المختلفة مصورة بتفاصيلها. ذلك ما جرى مع السيدة رسمية الحريري و زوجها , و السيدين شفيق المقدم و مصطفى الخطيب , و الآنسة إيلين ضاهر و شقيقها نقولا , و غيرهم كثيرين . مع العلم أنهم كانوا , ساعة حديثهم أو تفكيرهم أو عملهم , منفردين في منازلهم , بعيدين عنه .

بهذه المعجزات وحدها نفهم معنى الآية القرآنية :" و إن من شيء إلاّ عندنا خزائنه , و ما ننزّله إلاّ بقدر معلوم "  (الحجر : 20 ) , و الآية القائلة : " يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون " (النور:24). كما يتحقق أمامنا ما قاله السيد المسيح :" أقول لكم إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس يعطون عنها جواباً في يوم الدين " ( متى 12: 36). و يضيء في أذهاننا قوله تعالى : " أم يحسبون أنّا لا نسمع سرهم و نجواهم ، بلى و رسلنا لديهم يكتبون " ( الزخرف : 80).

 

 

الحقيقة الثالثة :

 

السببية الروحية و الجزاء العادل

 

إن الأحداث اليومية التي تقع , من مرض و موت و خسارة , أو شفاء و نجاة و ربح , و غير ذلك , يعللها معظم الناس بأسبابها  المادية المباشرة , و إن جهلوها فبالصدفة . فإن تدهورت سيارة , مثلاً , و قتل فيها فرد , و جرح ثان , و سلم آخر, عللوا اختلاف مصاير الركاب بالصدفة , أو بأسباب مادية محضة .

و فضل المعجزات الداهشية أنها توضح أنها  مصاير البشر ونتائج أعمالهم تشرف عليها قوة روحيّة عادلة  حكيمة مدبرة , لا يفوتها شيء , مهما صغر و دق , و لا يعجزها أمر , مهما عظم وتعقد .

فالصدفة لا وجود لها , على الإطلاق . و السببية قانون كوني شامل ؛ لكن الإنسان لا يدرك منها سوى الوجه المحسوس , أو الذي يستطيع عقله وعيه , بينما تبقى العلة الحقيقية , و هي دائماً علّة روحية , محجوبة عنه . فالمرء , سواء مات في فراشه ميتة هنيئة , أم في حرب , أم إثر حادثة معينة , فتحديد أجله إنما يكون بموجب نواميس روحية , وفق استحقاقاته و درجة سيّالاته . فأن حان أجله , فاجأه الموت أينما كان , و لم يعصمه حصن , و لا بحر , و لا طبيب , في أي مكان. و إذا لم يحن أجله أنقذ مما لا ينقذ منه سواه .

و بغية الإيضاح الواقعي, سأعطي مثلين عجائبيين:

 

بطيختان ترتفعان ثم تسقطان بصورة عجائبية

 

خلاصة المعجزة الأولى انه بينما كان الدكتور خبصا بصحبة الدكتور داهش وراء صيدلية حمادة في بيروت , إذا برجل الخوارق يرتعش بالروح و يخاطب رفيقه قائلاً :" أنظر الى هذا البائع الجوال" . و كان إزاءهما على بضعة امتار بائع أمام عربة عليها بطيخ . فأشار الدكتور داهش بيده , فإذا بطيخة ترتفع في الهواء , وتقع على الأرض محطمة . ثم أعاد الإشارة , فارتفعت بطيخة أخرى, و سقطت محطمة . فسأله الدكتور خبصا , متأثراً : " لكن لم ذلك ؟ فهذا البائع مسكين , و هذه الخسارة تكلفه غالياً ". فأجابه الروح العليّ بفم الدكتور داهش :" أجريت ذلك أمامك , لأعلمك أن العدالة تجري على جميع الكائنات , كبيرها و صغيرها  , بصورة طبيعية , من غير أن ينتبهوا لكيفية سيرها . فهذا البائع ربح أكثر مما يجب له في هذا النهار , و ربحه غير الحلال , و إن يكن ضئيلاً , خسره بتحطم البطيختين . و لو لم أرك ذلك بالمعجزة , لتتنبه , لكانت العربة سقطت في حفرة من غير انتباه صاحبها , و لتدحرجت البطيختان نفسهما من فوقها و تحطمتا ".

هذه المعجزة , و كثير من أمثالها , وضحت للداهشيين أن ما يزرعه الإنسان يحصده , و أن أعمال البشر جميعاً , وعلاقاتهم بعضهم ببعض , تترتب عليها نتائج من شأنها أن تقيم العدل الإلهيّ بينهم ." فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره , و من يعمل مثقال ذرة شراً يره"(سورة الزلزال:7- 8) و " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " ( سورة النساء:40)

أما المعجزة الثانية فتوضح كيف تتم المساعدات الروحية وفق استحقاق أصحابها .

 

 

سيارة تخترق شاحنة دون أن تصاب هي أو ركابها بخدش

 

في 3 آب 1964, زار السيد شفيق المقدم الدكتور داهش بصحبة عقيلته السيدة رباب و شقيقتها .و كان في الجلسة آخرون .

فارتعش رجل المعجزات بالروح و قال لشفيق :" إن حادثاً فظيعاً سيقع لك و لأسرتك قريباً , و لكن لا تخف, فإني سأطلب مساعدة روحية من العناية الإلهية لرفع الخطر عنك ." و طلب الدكتور داهش الى الدكتور أبي سليمان  الذي كان حاضراً , أن يرسم الرسم الداهشي المقدس, و يضمنه دعاءً لله عز و جلّ , لرفع الخطر. ووقع الحاضرون جميعاً أسماءهم على الدعاء.

و بعد ثلاثة أيام من هذه الزيارة , و عند الساعة الحادية عشرة و النصف ليلاً , بينما كان السيد مقدم عائداً مع بعض أفراد أسرته من النبطية , (37) , في سيارته البويك , و هو يجري بسرعة كبيرة  تتراوح بين 120 و 140 كلم في الساعة , وصل الى منعطف خطر , فحاول أن يخفف السرعة , لكنه فوجئ , بعد نحو خمسة أمتار من المنعطف , بشاحنة كبيرة  واقفة في عرض الطريق الضيق , بسبب عطل طرأ عليها , و امامها بقعة موحلة , و كان الطريق مسدوداً بها, و على أحد جانبيه , صخور عالية , و في الجانب الآخر هاوية . وفقد شفيق السيطرة على سيارته , ووجد نفسه وجهاً لوجه , أمام موت رهيب. و زعق الجميع للمشهد الفظيع , و للمصير الرهيب المنتظر , و برق في رؤوسهم الدكتور داهش  ووعده بتخليصهم من الكارثة المتوقعة. و شاهدوا سيارتهم تصطدم بسرعة فائقة بالشاحنة , ويتقصف المعدن أمامهم , و يتحطم الزجاج , و يحسّ السائق بالصدمة في صدره ؛ كل ذلك في ثانية , و في ثانية أخرى , كانت السيارة و ركابها في الجانب الآخر أمام الشاحنة . لقد تمت المعجزة , و أنقذت الأسرة من الموت الشنيع , بإذن الله , و مساعدة رجل الله. فاخترقت السيارة بصورة روحية إعجازيّة الشاحنة , من غير أن تمسّ بخدش واحد , لا هي ولا ركابها . فحمد الجميع الله و مجّدوه , وازدادوا يقيناً و إيماناً بالدكتور داهش و بصحّة رسالته . (38)

فأية قدرة في العالم تستطيع فعل ذلك ؟ أن تجعل كتلة عظيمة من الحديد تخترق كتلة أخرى من غير خدش يصيبها ؟ أن تسحق المعدن على اللحم و العظم , فيعلك البشر و سيارتهم  في صدام رهيب , ثم ينجوا من الموت المحتوم , و لا جرح في أجسامهم ! إنها قدرة الله , وحده سبحانه , تتجلى على يدي عبده و مصطفاه داهش العظيم .

هذه المعجزات و امثالها تجعلنا ندرك معنى قول السيد المسيح : " أليس عصفوران يباعان بفلس , و مع ذلك فواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم . و أنتم فشعر رؤوسكم جميعه محصى , فلا تخافوا , فإنكم أفضل من عصافير كثيرة" ( متى 10: 29 – 31) . كما تجعلنا نفقه معنى الآية الكريمة: "و لكل أمّة أجل , فإذا جاء أجلهم , لا يستأخرون ساعة , و لا يستقدمون " ( سورة الأعراف : 34) .

 

 

الحقيقة الرابعة :

 

التقمص

 

لقد أدرك حقيقة التقمص فلاسفة عديدون , منهم فيثاغورس وافلاطون , و آمن بها , اليوم , مفكرون كثيرون , بينهم نابغة لبنان , جبران خليل جبران . و كانت عقيدة التقمص قوام البوذيّة و الأديان الهندوسيّة عامة . و صرح بها القرآن الكريم , دونما تفصيل في قوله : " كيف تفكرون بالله , و كنتم أمواتاُ فأحياكم, ثم يميتكم , ثم يحييكم , ثم إليه ترجعون "  ( سورة البقرة : 28 ) , و في آيات كثيرة أخرى اعتمدتها عدة مذاهب إسلامية شيعية , أو درزية , لإعلان إيمانها بالتقمص. كما ألمع إليها السيد المسيح في مواقف كثيرة , منها قوله  لتلاميذ يوحنا المعمدان الذين سألوه عمن يكون معلمهم , فقال لهم : " إذا أردتم أن تقبلوا فهو إيليا المزمع أن يأتي " ( متى 11: 14) , و كذلك جوابه لتلاميذه , بعد ان سألوه لماذا تقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً ؟ فقال لهم : " إن إيليا قد أتى , و لكنهم لم يعرفوه , بل صنعوا به كل ما أرادوا... ففهم التلاميذ , حينئذ , أنه عنى بكلامه يوحنا المعمدان " ( متى 17 : 12 و 13 ) .

لكن الداهشيين إن آمنوا بما أنزل في الكتب المقدسة , فهم يدعمون إيمانهم بمعجزات محسوسة  تؤكد التقمص , بانتقال السيّالات الروحية من جسد الى آخر في الأرض , إنساناً كان أو حيوان او نبات أو جماداً.

فمن الحقائق التي تكشّفت في الجلسات الروحيّة الداهشيّة أن يسوع الناصري هو أحد تجسّدات المسيح الكثيرة في الأرض . وسيّالات المسيح هي التي صنعت  الحضارات الإنسانيّة , و ما تزال تصنعها . و هي متغلغلة في الرسل و الانبياء من مثل إبراهيم وموسى و داود و سليمان و محمد ... كما في الحكماء و الهداة من مثل بوذا و كونفوشيس و لاوتسو و سقراط  و ديوجينس و غاندي... و ما كان يتاح للدكتور داهش أن يؤسّس الرسالة الداهشيّة , و يعقد الجلسات الروحيّة التي تتجلى فيها الأرواح  العلويّة , و تصنع المعجزات , لو لم يكن بعض سيّالات المسيح .

كذلك فقد انتقلت بعض سيّالات الإسكندر الى نابوليون الأول , وبعض سيّالات الأخير الى هتلر ؛ كما انتقل بعض سيّالات ابراهّام لنكولن الى جون كندي , و بعض سيّالات رعمسيس الثاني الى صلاح الدين الأيوبي ثم الى جمال عبد الناصر(39) .

يقول مؤسس الداهشية نظريتنا في التقمص هي الآتية :

إن الأديان قاطبة تقول , بل تؤكد أن الإنسان يولد على هذه الأرض , و في أثناء حياته الأرضية يقوم بأعمال صالحة و أخرى طالحة . و عندما يتوفاه الله , يذهب الى النعيم إذا كانت أعماله صالحة , أو الى الجحيم إذا كانت أعماله شريرة .  و يعمّر الإنسان 70 أو 80 أو 90 عاماً.  و من هذه الاعوام , يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم , و 4 سنوات بالمرض , و 15 عاماً هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . إذاً الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .

" و من المؤكد أنه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثالياً , إذ إن دنيانا حافلة بشتى المغريات التي تسقطه في أشراكها التي لا ينجو منها ناج . فالمرأة له بالمرصاد , تستهويه فيندفع في خضم الشهوات العارمة , و حب المال يكبله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده , والعظمة, و حب الوجاهة , و الكبرياء  الخ... جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكد .

" إذا! بالنسبة لما أكده مؤسسو الأديان , سيذهب البشر جميعهم الى جهنم النار المتقدة , و يمكثون مخلدين فيها من دهر الى دهر , و من أزل الى أبد . و هذا أمر غير جائز إطلاقاً , و ظلم رهيب؛ فرحمة الله عظيمة و عميقة . لهذا أعطانا فرصة إصلاح أنفسنا والإرتقاء بأرواحنا , فمنحنا نعمة التقمص . و ربما أعطانا إياها 6000 مرة نعود فيها الىعالم الأرض , لنتغلب , في خلال هذه التقمّصات الألفية , على ضعفنا البشري , و الأرتقاء بأرواحنا لنبلغ جنة النعيم .

" ففي خلالا هذه التقمّصات الستة آلاف , ممكن لأي بشري أن يحسن سلوكه في خلال دوراته الحياتية , و تكرار ذهابه و إيابه . فإذا تكرر مجيئه 6000 مرة , و بقيت أعماله شريرة , إذاً يستحق , إذ ذاك , أن يخلد في جهنم النار الخالدة بنيرانها , و هذا يكون عدلاّ و حقاّ "(40) .

كذلك يمكن أن تتجاوز السيّالات الأرض , في انتقالها من تقمّص الى آخر , فتنتقل الى كوكب علويّ أو سفليّ , حسب درجة إستحقاقها.

فعشرات هم الأشخاص النابهون , من مؤمنين بالداهشيّة أو غير مؤمنين , الذين شاهدوا الدكتور داهش عدّة شخصيّات , أي عدّة كائنات هي شبهه تماماً . وهي تجالسك وتحادثك ؛ لكنّها مع ذلك , ليست كائنات بشريّة , بل هي إمتدادات روحيّة لداهش تحيا في كواكب علويّة متفرّقة من الكون , ودرجتها الروحيّة تفوق درجة البشر الى حدّ بعيد , ولذا فهي لا تخضع لنواميس الأرض , (41) .

وليست تجسّدات السيّالات غير الأرضيّة مقصورة على شخصيّات الدكتور داهش , فقد حصلت تجسّدات أخرى عديدة أمام شهود كثيرين , ذكرت منها في القسم الثاني , من هذا الكتاب , تجسّد ندى (42) , وأكتفي , هنا , بذكر أحدها "

 

 

أحد سكّان الكواكب يتجسّد

 

في مطلع آب 1942 , كان الدكتور داهش برفقة الأديب يوسف الحاج , والشاعر حليم دمّوس , في منزل الأخير في رأس بيروت . وفي الساعة العاشرة ليلاً , إنتصب رجل المعجزات في الغرفة المضاءة يحدّق من نافذتها الى السماء المتألقة بالنجوم . وما هي إلاّ لحظات , حتى تراءى أمام الثلاثة شبه ضبابة أخذت تقترب وتتكاثف تدريجيّاً , الى أن إنجلت أخيراً عن كائن أشبه بالبشر , إنّما أحمر الوجه , نافذ النظرات , متألّق المحيّا ؛ وأخذ يحدّثهم بسرعة عجيبة , ولغة غريبة لم يفهموا منها شيئاً . فتقّم الدكتور داهش , ورسم الرمز الداهشيّ المقدّس على فمه , فطفق يتكلّم العربيّة .

ومما قال : " إنّه أحد سكان عالم من العوالم التي لا تدركها الأبصار البشريّة , وسبق أن كان أحد أبناء الأرض , منذ بضعة آلاف من السنين . وما أن مات , مخلّفاً جسده طعمة للديدان , حتى وجد نفسه في عالم مجيد بهيّ " . وبعد أن حدّثهم بأمور خطيرة كثيرة , أخذ يتلاشى , أمامهم تدريجيّاً , حتى غيّبه المجهول .

بهذه المعجزات التجسّديّة أصبحنا نفهم ما عناه السيّد المسيح : " إن في بيت أبي منازل كثيرة " ( يوحنا 14 : 2 ) , وما قصده بولس الرسول : " ومن الأجساد أجساد سماويّة وأجساد أرضيّة . ولكن مجد السماويّات نوع , ومجد الأرضيّات نوع آخر , ومجد الشمس نوع , ومجد القمر نوع آخر , ومجد النجوم نوع آخر ؛ لأنّ نجماً يمتاز عن نجم في المجد " ( كورنثوس الأولى 15 : 40 – 41 ) . كذلك إتّضح معنى الآية الكريمة : " فلا  أقسم بمواقع النجوم , وإنّه لقسم لو تعلمون لعظيم " ( الواقعة : 75 و 76 ) .

فالحياة تعمّ الكون بأسره , ذلك بأن الحياة هي المبرّر الوحيد لأي وجود . وما النعيم والجحيم سوى الكواكب والنجوم كلّها مرئيّها وغير مرئيّها . وتنقسم بلايين النجوم والكواكب الى 150 درجة علويّة و150 دركة سفليّة ؛ وتكوّن الدرجات عوالم النعيم , والدركات عوالم الجحيم . وكلّ درجة أو دركة تشتمل على ملايين الأجرام الماديّة ؛ كلّ جرم منها له أنظمته الخاصة وطبيعته وسكّانه . وفي سلم الحضارات الكونيّة يستوي الكوكب الأرضي على عتبة الدركات السفليّة .

وقد حان الوقت لندرك بفضل الداهشيّة , أنّ الإنسان ليس مقياس الحياة , كما كان يظن ّ , ولا حتى مقياس مظاهرها العاقلة , ولا هو ذروة تطوّرها , إنّما الإنسان كائن بسيط ضعيف , ومظهر متخلّف نسبيّاً من مظاهر الحياة الكونيّة التي لا حصر لها . وعليه أن يعرف حدّه وقيمته في سلّم الحضارات الكونيّة التي لا يستطيع أن يرقى الى عظيم مجدها ومعرفتها وقدرتها ونقاوتها وسعادتها , حتى بالخيال . فإذا ما أدرك أن ميوله وأعماله في حياته السابقة هي التي أوصلته الى هذه المرتبة الذريّة بين الكائنات السامية , توجّب عليه أن يسعى الى ترقية ذاته في المعرفة الحقيقيّة والروحانيّة ؛ لأنّ أمجاد العوالم العلويّة لا تنال بصاروخ ولا بسفينة فضائيّة , لكن بإرتقاء روحيّ داخلي يؤهّل الإنسان بعد موته , للتجسّد في الكوكب العلويّ الذي يستحقّ . وإلاّ فأنّه إذا سفّل نفسه , وتشبّث بالدنيويّات , يضع ذاته في جاذبيّة العوالم السفليّة ,فتتجسّد سيّالاته , بعد موته في كوكب يعظم فيه الجهل , ويتفاقم الشرّ , ويشتدّ الشقاء والعذاب .

وإنّما ما كنّا لنبصر شخصيّات الدكتور داهش والتجسّدات الأخرى , لو لم يأتي تجسّدها ضمن مقاييس الأرض . وهذا ما يفسّر عجزنا عن رؤية الروح كما هي , أو رؤية الملائكة وسائر الكائنات العلويّة على حقيقتهم .

فالعلم نفسه أكّد أنّ الإنسان محدود إدراكه الحسّي بشبكة من الحواس له حدود عليا وحدود دنيا لا يمكنه تجاوزها . فالعين لا تبصر من الموجودات إلاّ التي تتراوح أطوال مويجاتها الضوئيّة بي 7600 و4000 أنكستروم في الثانية , والتي تتحرّك بسرعة أدنى كثيراً من سرعة النور التي تبلغ 300,000  كيلومتر في الثانية . والأذن البشريّة لا تسمع من الأصوات إلاّ التي تتراوح بين 15 ونحو 20,000 ذبذبة في الثانية .

ولذا فالروح تبصرنا وتسمعنا , ونحن لا نبصرها ولا نسمعها .

 

الحقيقة الخامسة :

 

وحدة الأديان الجوهريّة

 

روح الإله الواحد هو الذي أوحى الشريعة الى موسى النبيّ , وجعل المسيح مصدّقاً ومتمّماً لما قبله : " لا تظنّوا أنّي أتيت لأنقض الشريعة والأنبياء , لكن لأتمّم " ( متى 5 : 17 ) , قال السيّد . وهو الذي جعل القرآن مصدّقاً لما قبله : " نزّل عليك الكتاب بالحقّ مصدّقاً لما بين يديّه , وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى ً للناس " (سورة آل عمران : آية 3 ) .

وكما ألزم المسيح الإيمان بموسى طريقاً للإيمان به , بقوله :" فلو كنتم تؤمنون بموسى لكنتم تؤمنون بي , لأنّه كتب عنّي . فان كنتم لا تؤمنون بكتبه فكيف تؤمنون بأقوالي ؟ " ( يوحنا 5 : 46 – 47 ) , ألزم القرآن المؤمنين الإيمان بالأنبياء جميعاً , دونما تفريق : " إنّ الذين يكفرون بأللّه ورسله , ويريدون أن يفرّقوا بين اللّه ورسله , ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض , ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً . أولئك هم الكافرون حقّاً , وأعتدّنا للكافرين عذاباً مهيناً .

والذين آمنوا باللّه ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم , وكان أللّه غفوراً رحيماً " ( سورة النساء : آية 150 – 152 ) .

هذه الوحدة الروحيّة الدينيّة نسيها البشر , أو تناسوها , ولا سيّما في هذه البلاد , بلاد الأنبياء . بأيديهم نسجوا غشاوة على عيونهم , خيوطها من المطامع الأرضيّة والمصالح الشخصيّة والطائفيّة . فإذا الإله الواحد يتنازعونه آلهةً , ودين الروح الواحد يمزّقونه طوائف متنابذة متناحرة , مما دفع فئات من العاملين في القضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , بعد أن يئسوا من العودة الى الوحدة الروحيّة , والعمل بجوهر الدين القائم على المحبّة والفضيلة , الى الدعوة لطرح الولاء الدينيّ جانباً , وإحلال الولاء الوطنيّ محلّه , أو للتخلّي نهائيّاً عن العقيدة الدينيّة وإتّخاذ الإلحاد مذهباً وسبيلاً .

لا , ليس طرح الدين جانباً يحلّ معضلتنا ومعضلة الإنسان , ولا الإلحاد . أمّا أن لا نعبد إلهاً فذلك مستحيل , لأنّ الدين نماذج للنفس , لاصق بجبلّتها , إن حذفته من يقظتك , أطلّ عليك في نومك . إنّه حاجة نفسيّة جوهريّة , إذا لم يشبعها الإنسان بعث فيه خللاً وإضطراباً , من غير أن يدري  مصدرهما  .إنّها حقيقة يؤكّدها كبار علماء النفس , من أمثال كارل يونغ c. G. jung السويسري , وولفرد دايم الألماني w. daim  , و شتوكار الفرنسي a. stocker.  فالذين يدّعون أنّهم يعيشون دونما آلهة متوهّمون يخادعون أنفسهم , لأنّهم لم يحذفوا من نفوسهم حقيقة الألوهة , بل قنّعوها وشوّهها . فبدل الإله الكامل , إله المحبّة والعدالة والحقّ , الإله الأزليّ الأبديّ , موجد الكون ومنظّمه مصدر الخلق وغايته , توهّموا خارجهم أو في ذواتهم آلهة ناقصة مزيّفة , يعبدونها من دون أللّه , وهم لا يدرون : نصّبوا من الدولة أو الوطن أو الحزب إلهاً , أقاموا من الأرض أو الطبيعة أو الحياة إلهاً , شرّعوا مطامعهم ونزواتهم وشهواتهم أصناماً يقدّمون لها العبادة . هؤلاء جميعاً يعيشون في وهم الحقيقة , لآنّهم إستبدلوا النسبيّ بالمطلق , والجزئي بالكلّي , والعرضيّ بالجوهري , والزائف بالحقّ , والزائل بالدائم السّرمديّ . ولذا فرؤيتهم للحقائق تكون مختلّة , ومقاييسهم للقيم تكون منحرفة , لأنّها تتأثّر بطبيعة المثل الأعلى  الذي يحرّكها ويهيمن عليها , وهو غير صحيح .

أمّا جعل الدين في هامش الحياة , أو أللامبالاة به , أو منحه أهمّية ثانويّة , فذلك يؤدّي تدريجيّاً الى الإلحاد , وقد يكون شرّاً من الإلحاد ؛ لأنّه سيفضي الى النتيجة نفسها بعد أن يجمّد الذات ويبلّدها, ويفرغها من حرارتها , ويعيّشها في فتور الإيمان , الذي قال المسيح عن صاحبه – وما أكثر أصحابه اليوم - : " إنّي عالم بأعمالك , أنّك لست بارداً ولا حارّاً , وليتك كنت بارداً أو حارّاً . ولكن , بما أنّك فاتر , لا حارّ ولا بارد , فقد أوشكت أن أتقيّائك من فمي " ( رؤيا يوحنا 3 : 15 – 16 ) .

ما الحلّ , إذن , يقول المتحمّسون للقضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , أنبقي على العصبيّات الطائفيّة تقسّم الوطن أشلاء , ويدّعي كلّ منها ملكيّة اللّه والسماء , حتى نفقد الدين والدنيا معاً ؟

الحلّ أوحاه اللّه عزّ وجلّ , لكان على الأذكياء الأنقياء أن يأتوا به : إنّه العودة الى جذور الإيمان الصحيح بوحدة الأديان وجوهر تعاليمها , عبر رسالة روحيّة جديدة مؤيّدة بالمعجزات , أرادها الباري هداية لهذا العالم التائه في ضلالاته , وللبنان قبل غيره .

فالروح الإلهيّ الذي يجري المعجزات على يدي الدكتور داهش , إنمّا يهبط من عليائه , ويصنع الخوارق بإسم اللّه والمسيح , وبإسم اللّه ومحمّد , وبإسم اللّه وموسى . فالأنبياء جميعاً أصابع الرحمة الإلهيّة منبسطة في هذه الأرض الشقيّة .

في حضرة الروح الإلهيّ , وفي حضرة المعجزات , يشعر الإنسان أنّه أخو الإنسان , وأنّه لا فرق بين أبيض وأسود وبين غنيّ وفقير , وعظيم وحقير , ومسلم ومسيحيّ وموسويّ وبوذيّ ...

المسيحيّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر الإنجيل , والمسلم يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر القرآن , والموسويّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر التوراة , والبوذيّ يزداد إيماناً بتعاليم بوذا , ويتيقّن الجميع أنّ الروح الذي أوحى الى أنبيائهم وهداتهم إنّما هو روح إله واحد . عندئذ , يدركون أن الذي يفرّقهم ليس الخير , لكن الشرّ . وتكون عودتهم الى اللّه , على جسر من الإيمان النظيف , لا يقال عنه هو " أفيون الشعوب " ؛ إيمان يكون تجسيداً لحياة روحانيّة عمليّة لا نظريّة , تتحقّق فيها الفضيلة عملاً وقولاً وفكراً , ويتجلّى فيها التعاون والتحاب والتآخي والعدالة الإجتماعيّة بأجلى مظهر . فإذا امتنعوا عن الشرور , لا يكون إمتناعهم رهبة من القوانين البشريّة والروادع الزجريّة , لكن بدافع ذاتي منبثق من إرتقاء نفوسهم وقد سطعت فيها الحقيقة الدينيّة الواحدة , مجرّدة من الطقوس والقشور والطائفيّات التي زادها البشر عليها , وزادوا بها الحواجز والخصومات بينهم .

وقد يحتجّ بعضهم قائلاً : لئن آمنّا بوحدة الأديان , فكيف نوفّق بين المتناقضات في العقائد ؟

وجوابي أنّ الرسالة الداهشيّة قدّمت حلاّ لكل معضلة , حلاّ لم تخترعه إختراعاً , بل أوحته الروح حقيقةً منزلة . ولضيق المجال , أكتفي بعرض قضيّة خلاف واحدة بين المسيحيّين والمسلمين هي قضيّة صلب المسيح . ففي الأناجيل أنّه صلب , وفي القرآن : " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم " ( سورة النساء : آية 157 ) . فأيّ الكتابين على صواب ؟ الحقّ أنّهما كليهما على صواب ؛ لكنّ الحقيقة لا يمكن أن توضّح إلاّ من ضمن الداهشيّة , وتوضيحها يتمّ ببرهان مادّي محسوس .

 

شخصيّات  الدكتور داهش الستّ

 

لقد تبيّن لي , و لعشرات غيري أن للدكتور داهش ست شخصيات أخرى غير شخصه البشري ؛ و هذه الشخصيات كناية عن سيالات , أي قوى روحية هي امتدادات له كائنة في عوالم علويّة متباينة , و بإذن الله يسمح لها , أحياناً , أن تتجسد لإتمام أمور أو غايات روحيّة خطيرة , فتتخذ شكله البشري تماماً بحيث تصبح (شبهه) . و إذ ذاك , يمكن من كان حاضراً أن يجالسها و يحادثها , ويتحسسها , و يؤاكلها ؛ لكنه قد لا يستطيع أن يميزها عن داهش البشري , إلاّ إذا كانت ترتدي ثياباً مختلفة, و كان الناظر يعلم , سابقاً, ما يرتديه الدكتور داهش. و كثيرة هي المرات التي تظهر فيها فجأة , و تتوارى فجأة , بينما تكون أمامنا , و نحن ننظر إليها أو نسلم عليها .و قد يجتمع منها شخصيتان أو أكثر حتى الست , في مكان واحد , وقد تتجسد في اللحظة نفسها في أماكن مختلفة متباعدة . و قد تأكد لي و لكثيرين غيري , ممن شاهدوها أنها لا تخضع إطلاقاً لنواميس الأرض: فهي تخترق الحواجز و الجدران , وتنتقل لمح البرق من مكان الى آخر , و إن يكن من أقصى المشارق الى أقصى المغارب , وتسيطر على الجاذبيّة , فترتفع في الهواء و تمشي على الماء , وتثقل وزنها أو تخففه حتى تلاشيه ؛ و هي قادرة , بإذن الله , على صنع ما تصنعه الروح من معجزات .

 

مصرع الدكتور داهش ثم بعثه

 

و من عجائبها الباهرة أنه في 28 حزيران سنة 1947 , ألقي القبض على إحدى الشخصيات في أذربيجان من أعمال إيران , فقتلت رمياً بالرصاص , و دفنت في البلد عينه , في أول تموز من العام نفسه ؛ و ذلك لأن فتنة دامية كانت قائمة في أذربيجان و لم يستطع الدكتور داهش إثبات هويته , إذ إن السلطات اللبنانية جردته من الأوراق الرسمية , بعد حكمها عليه بالنفي ظلماً .

و قد نشرت الصحف في لبنان و جميع البلاد العربية نبأ مقتل الدكتور داهش و صور مصرعه . و أنشئت فيه مئات المراثي (43) . و مع ذلك , كان مؤسس الداهشية ما يزال بين أتباعه يعلم طرق الحق. أما شخصيته التي أعدمت في أذربيجان , فسرعان ما بعثت من الموت , لأن الموت غير قادر عليها ؛ فهي لا تخضع لنواميس الأرض , لأنها ليست من الأرض .

و لو يرحب المجال , لكنت أذكر من الأحداث المفصلة عن ظهورها وإختفائها ما يملأ مجلداً . حسبي أن أذكر , من بين العشرات الذين شاهدوا تجسّداتها كما شاهدتها : الأستاذ إدوار نون و السيدة قرينته , و الدكاترة شاهين صليبي , و جورج خبصا و فريد أبو سليمان و نجيب العشي , و السادة جورج حداد , و بولس فرنسيس , و نقولا ضاهر , و إميل قساطلي , و أمين نمر , و حسن بلطجي , و السيدات ماري حداد , و زينة حداد , و ناديا غبريال, و هيلدا مراد, وأوديت كارّا , و ليلى مراد , و غيرهم و غيرهن كثير ...

فالأناجيل إذ تؤكد صلب المسيح , إنها تؤكد صلب شخصيّة من شخصياته ؛ لكن الإنجيليين , لسبب روحي لم يوضّحوا ذلك , إنما اكتفوا بالإشارة , بعد الصلب , الى  أن المسيح المصلوب بعث من الموت , و كان يظهر و يختفي أمام تلاميذه عدة مرات ؛ و القرآن الكريم , إذ يقرّر عدم صلب المسيح , إنما يعني  عدم صلب عيسى بن مريم الشخص البشري المولود , موضحاً أن الذي صلب إنما هو شبهه ؛ و ما شبهه إلاّ إحدى شخصياته .

و هكذا نرى أن الداهشية , لا بالنظريات , و الآراء المتضاربة , بل بالبراهين الحسّية تظهر وحدة الإسلام و المسيحيّة و وحدة ما أنزل من قبل  ومن بعد .

 

 

و بعد , فمن هو داهش؟

 

إننا لا نؤمن به إلهاً, بل نؤمن بأنه هاد من هداة الله طبقاً للآية القرآنية الكريمة :" و لكل قوم هاد " (سورة الرعد : 7 ) . و نحن قوم تبلبلت أفكارنا , و تجزّأت أدياننا و تناحرت مذاهبنا و شاع الكفر فينا , و تغلب النفاق على الإيمان , فتدخلت رحمة الله , و أرسلت إلينا هادياً , يهدينا الى سبيل يخرجنا من حيرتنا و اضطرابنا و مآسينا , ويعيد الينا الثقة بالمسيح و الأنبياء والإيمان برب العالمين .

و من الهداة من وهبهم الله عقلاً نيراً و نفساً نقية , كسقراط و غاندي و الإمام علي , و منهم من أيدهم تعالى  بروح من لدنه , فصنعوا المعجزات  بقدرة العليّ , تصديقاً لدعوتهم الروحية . والروح , كما قال السيد المسيح : " يهب حيث يشاء" ( يوحنا 3: 8 ) , و قد شاء أن يهب في لبنان , أفنرفضه فنكون من الأغبياء الخاسرين ! والخالق سبحانه هو الذي يختار من يريد من الناس لإحلال روحه فيه , تصديقاً لقوله :" رفيع الدرجات , ذو العرش , يلقي الروح من أمره  على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاقي" (غافر:15) , و قد شاء أن يلقي الروح على رجل من أرض الأنبياء هو داهش. أفنناقش الله و نرفض مشيئته ؟

لم يبارك التاريخ مضطهدي سقراط و بوذا و المسيح و الرسول العربي و غاندي , بل لعنهم , و خلد اولئك الهداة و الرسل والمصلحين , و خلّد رسالاتهم . أما المؤسسات و التكتّلات و الدول كلها التي قاومتها , فقد قضى التاريخ عليها بالفناء و دمغها باللعنة الأبديّة .

ذلك بأن الحضارات لا تقوى على البقاء الاّ بغذاء القيم الروحية. و كل شعب تخلى  عنها مصيره الإنحلال و التبدد , مهما تعاظم وشمخت مدنيته , و مهما صال و جال الباطل فيه , فالباطل دولته قصيرة , و التاريخ شاهد على ذلك . و القيم الروحية لا سياج لها إلاّ الرسالات السماويّة و الدعوات الإنسانية .

حتى الحركات الإجتماعيّة الثورية تستمد مقومات إصلاحها من تلك القيم . فالعدالة و الأخوة و التعاون ورفع الظلم و الإستثمار التي تنادي بها , تجد أصولها في الرسالات الروحيّة الصحيحة . و القيمة الحقيقيّة لكل حركة إصلاحيّة تكون بنسبة تطبيقها تطبيقاً عمليّاً تلك القيم الروحيّة .

و إذا كان المتاجرون بالقدسيات قد أفرغوا الأديان من معناها الروحي  القويم , كوجود حي سام  فاعل في الإنسان فرداً و جماعة ,ليجعلوها نظريات و غيبيات و أدوات لكسب المغانم  و بسط النفوذ , فإن الداهشيّة , بمشيئته تعالى , ظهرت لتدعو الى إعادة الأديان لنقائها الأصلي و تأثيرها الخير الحيّ ووحدتها الروحيّة , فتبني نفوس الناس فرداً فرداً, مواطنين شرفاء أنقياء السريرة , أبطالاً أحرارا ًمتعاونين متحابين  عادلين , أناساً تسامى فيهم الإنسان , وتصاغرت البهيمة .

فالأنظمة مهما كانت صالحة لا تؤدي وحدها الى أي إصلاح حقيقي إذا كان الإنسان فاسداً . فالإنسان وجد أولاً , و النظام من أجله وجد . و هل يمكن  بناء صرح قويّ , مهما كانت عبقرية مهندسه, إذا كانت حجارته سريعة التفتت ؟ و ماذا ننتفع بالكأس , و إن تكن ذهباً ما دام الماء فيها سمّاً زعافاً , و نحن عطاش ؟ و هل تتبدل قيمة اللوحة التافهة إذا ما أحيطت بأطار ثمين ؟ فكل إصلاح جذريّ , لا يبلغ هدفه ما لم يصلح الفرد نفسه .

ألا فلنرفع الغشاوة عن بصائرنا , و لنع أننا لسنا وحدنا في الكون , فنكف عن الإستكبار و التأله . و لندرك أن الإرتقاء الصحيح يقضي بأن نتخذ لنا مطلقاً صحيحاً فنجعل الله كمالنا و غايتنا الأخيرة , لتستقيم الطريق  التي تبلغنا السعادة العظمى . الا فلنفهم أن اضطراباتنا و ضعفنا و تخلفنا و مشكلاتنا و حيرتنا و شقاءنا سببها كلها نحن , و نحن مختارون و مسؤولون . و ما لم نغير أنفسنا , فلن تغير أوضاعنا . أما قال العليّ : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( سورة الرعد : 11) ؟

******

كان محور هذا الكتاب رجلاً ليس كالرجال. عاش في الأرض , وكان غريباً عنها . الشعوب كلها إنتظرته و الأديان جميعها نادت بمجيئه . و إذ أتى , لم يعرفوه لأنهم قاسوه بمقاييسهم , و بموازينهم و زنوه . و ميزانه هو الذي أرسله , خالق الكون وحده .

نزل في لبنان , فأهدى اليه تعاليمه الروحية خبزاُ سماوياً يقيه من الجوع و الويلات , و أيّد رسالته بخوارق محسوسة مذهلة عاينها ألوف من أهل العلم و الأدب فنبذ لبنان خبزه المقدس , و أنكر معجزاته .

إنه الدكتور داهش .

سيبقى التاريخ يحدث عنه خاشعا ً ممجداً , كما يحدّث عن الرسل و الهداة ؛ أما لبنان الذي جحده , فقد حل به ما حل بسدوم وعامورة , من لعنات و نكبات  .

فهل يصحو لبنان من سكرته الشيطانيّة ؟ و هل يستفيد العالم من أمثولة لبنان القاسية , فيتدارك نفسه , قبل أن تجتاحه الكوارث الوشيكة , و الحروب الإباديّة , بتفهم  تعاليم الداهشيّة السماويّة , واعتناق مثلها الروحيّة العليا التي توحد بين الاديان , و تحتضن الوحي و العقل معاً , و تزفّ العزاء و الخلاص الى ملايين المعذبين ؟

 

 

المراجع

 

( 1) أنظر: c.s lewis ,miracles, collins, fontana books, 1968, p. 9-66

(2) كلمة (سليم ) , باللغة العربية , تؤلف الأحرف الأربعة الأولى من كلمة (سليمان )

(3) أنظر مقابلة كورية ملكي عبد الله مع مجلة " اللواء" الصادرة في بيروت , عدد 97 , تاريخ 6 تشرين الثاني 1964.

و قد وردت , في المقابلة , أسماء شهود آخرين لمعجزة المشي على الماء , هم : ديمو هيمو , عزيز عيسى , يوسف شاشان , يوسف حنو.

(4) توفي توفيق العسراوي في 10 كانون الثاني 1937 , متنسكاً في أحد كهوف البتراء في الأردن , بعد أن وزع أمواله على الفقراء . كما توفي مطلق عبد الخالق في 15 تشرين الثاني 1937. و قد نظم مطلق " ضجعة الموت " للدكتور داهش شعراً , و خلف ديواناً اسمه " الرحيل" .

(5) كتاب" كلمات " طبعة أولى , بيروت , 1939 , ص 104 – 105؛ و طبعة ثانية , مزيدة و منقحة , دار النار و النور, بيروت 1983 , ص 149.

(6) حدائق الآلهة : " ذكريات الماضي" دار النسر المحلق, بيروت , 1980 , ص 57-58.

(7) مجلة " بروق و رعود " , العدد الثالث , بيروت , 1968 , ص 230.

(8) مجلة "المختصر" السنة الأولى العدد العاشر ( أيلول 1946) , ص 5.

(9)أنظر تفصيل النبوءة , في كتاب الدكتور داهش " أفراح و أتراح " من سلسلة " حدائق الآلهة توشيها الورود الفردوسية " , دار النسر المحلق , بيروت , 1980 , ص 86-87. راجع كذلك " النهار العربي و الدولي " عدد 336, تاريخ 10 – 16 تشرين الأول 1983, ص 82.

(10) أديب و خطيب لبناني . توفي سنة 1956. أرخ " الوقائع الداهشية " من 23 آذار 1942 حتى 13 أيار 1942, إذ باشر الشاعر حليم دمّوس تدوينها بعده فوراً . لازم مؤسس الداهشية عدة سنوات . من مؤلفاته : الدكتور داهش و الروحانية .

(11) MAX PLANK , L’image du monde dans la physique moderne, ed. Gonthier, 1963,p.6.

(12) لا نكون مخطئين إن نحن قلنا عن المؤمنين بالسحر , في القرن العشرين , إنهم ما يزالون يعيشون في " عصر ذهني حجري" و ذلك بأن العالم الاجتماعي جايمس فرايزر قد استنتج من دراسته الطويلة لمظاهر السحر في العالم أنه طبيعي أن يسبق, في الجانب الذهني من الثقافة  الإنسانية " عصر سحري" , كما يسبق , في الجانب المادي, عصر حجري. أنظر:

j.g. FRAZER , The golden Bough , a study in Magic and Religion , Ab. Ed ., London , Macmillan and Co .,1963, p. 65.

(13) لقد فند عدد من العلماء أوهام الفقر الهندي و مناجاة الأرواح و و التنويم المغنطيسي و أظهروا أنها علوم مزيفة لا حقيقة لها أنظر:

M. BOLL, L’occultisme devant la science ,p.u.f., paris

(14) مجلة "بروق و رعود" بيروت و1968و العدد الأول وص 5

(15) المصدر السابق نفسه و ص 6-7 .

(16) أنظر حليم دمّوس : "المعجزات و الخوارق الداهشية المذهلة ", دار النار و النور , بيروت , 1983, ص 75( إحراق سندين موحد بألفي جنيه و إعادة تكوينهما ثانية ) و و ص 106
( رسوم المحامي نون و آنجلو بولو)

(17) المصدر السابق ص 50- 53

(18 ) أنظر المصدر السابق و ص 100

(19) لقد أجرت مجلة " اللواء " البيروتيّة مقابلات مع كثيرين من شهود معجزات داهش

أنظر " اللواء" سنة 1964, من العدد 73 حتى 97  و العدد 102, و سنة 1965, الأعداد 111, 133, 143.

(20) توفيت ماري حداد في أول كانون الثاني 1973؛ أما بشارة الخوري فقد توفي سنة 1963.

(21) كان المؤمن الرابع . و قد صنع تابوته بيديه من ألواح الصناديق الخشبية القديمة . خلف مخطوطات بالفرنسية حول الداهشية و البابوية.

(22) انظر نجوى سلام براكس: حليم دمّوس و الإتجاه الروحي في أدبه . رسالة ماجستير. دار النسر المحلق للطباعة و النشر, بيروت ,1983.

(23) أنظر مجلة " اللواء" البيروتية , عدد 92, تاريخ 2-10-1964

(24)العدد 263, تاريخ 22-6-1964

(25) ملحق النهار, العدد 8986, تاريخ 21- 3 – 1965

أنظر كذلك مجلة " اللواء" البيروتية , العدد 78, تاريخ 26- 6 – 1964.

(26) أنظر مقابلة مع النائب الأستاذ محسن سليم في مجلة " اللواء" البيروتية , العدد 84, تاريخ 7-8-1964.

(27) أنظر مجلة " اللواء" البيروتية , العدد 73, تاريخ 22-5-1964

(28)قول الدكتور داهش هذا جاء جواباً لشهود المعجزة الذين سألوه : ترى , ماذا سيكون موقفه من رئيس الجمهورية بشارة الخوري إذا بدأ باضطهاده. و قد نشر اسكندر الرياشي خبر المعجزة في جريدته " الصحافي التائه" , بعد بضعة أيام.

(29) أنظر مقابلة مع السيدة ماري حداد في مجلة "اللواء" البيروتية, العدد 89, تاريخ

11-9-1964

(30) أنظر صفحة 55 من هذا الكتاب

(31) من مراكز التزلّج الشهيرة في لبنان . علوها 1600 متر؛ و هي تقع شمالي نهر ابراهيم  وينابيع أفقا.

(32) أنظر مقابلة أجرتها مجلة " اللواء" البيروتية  مع السيدة بلطجي, العدد 75, تاريخ

5-6-1964

(33)أنظر مقابلة مع صبري بك حمادة , في مجلة " اللواء" البيروتية , العدد 91 , تاريخ

25- 9- 1964

(34) فيلسوف يوناني شهير(نحو 470- 399 ق. م. ) . أنشأ علم الأخلاق . مبادئ فلسفته انتقلت الينا عبر " محاورات " أفلاطون و كزينوفون  تلميذه . اتهمه أعداؤه في السلطة بالخروج على الدين القويم, فأجبروه  على الانتحار بشرب السم.

(35) عالم فيزيائي و فلكي إيطالي ( 1564- 1642). أجبرته محكمة التفتيش الكنسية الرومانية على الركوع و إنكار صحة نظرياته الفلكية العلمية , لأنها كانت تناقض نظرية المنيسة , و اضطهدت أفكاره التي أيدها العلم الحديث.

(36) أنظر صحيفة " الجريدة " البيروتية , تاريخ 29-11-1963, ففيها صورة عن نبوءة مصرع الرئيس الاميركي جون كندي.

(37) الدكتور داهش : " بروق و رعود " , بيروت , 1946, ص 108.

(38) مدينة في جنوب لبنان

(39) أنظر مقابلة مع السيد شفيق المقدم في مجلة " اللواء" البيروتية , عدد 86, تاريخ 21-8-1964.

(40)راجع الدكتور داهش :" قصص غريبة و أساطير عجيبة " بأجزائه الأربعة , دار النسر المحلق, بيروت ؛ فهي ملأى بأخبار التقمص الواقعية.

(41) الدكتور داهش :" قصص غريبة و أساطير عجيبة " الجزء الثاني , ص 11- 12.

(42) سيفصل الكلام على شخصيات الدكتور داهش في سياق الحديث عن الحقيقة الخامسة " وحدة الأديان الجوهرية" .

(43) راجع صفحة 74 من هذا الكتاب.

(44) أنظر " مراثي" الأدباء و الشعراء و الصحفيين و الأطباء  و المحامين و رجال الدين و الحكام و القضاة بمؤسس العقيدة الداهشية " , دار النسر المحلق, بيروت , 1979.

 

 

معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان

 

غازي براكس

دكتوراه في الآداب

 

الطبعة الاولى:12 أيار 1970

 

صورة وجه الغلاف تمثل الدكتور داهش و هو شاب

و الكلمات التي تحتها هي من نظمه

 


 

 

 

وجهت "رابطة الأخاء الروحي"إلى الجمهور المثقف

الواعي، بمناسبة هذه المحاضرة،النداء التالي:

 

الذين آلمتهم مأساة العصر، و هالهم ان يسبر الإنسان الفضاء بضقة فائقة و يعجز عن سبر ذاته ليبث فيها السعادة و السلام.

الذين عانوا من تمزق الإنسان، و ترجمة المضني بين الكفر و الإيمان و سعيه اليأس وراء حقيقة تهرب منه.

الذين يؤمنون بأن كل بناء اجتماعي صالح لا يقوم إلا بحجارة سليمة صالحة.

الذين يتوقون إلى بناء مجتمع أفضل، و يحلمون بإنسان الغد المنقذ.

الذين لا ترتجف أيديهم حينما تقبض على الحقيقة، و لا ترتعش أجفانهم حينما تتأمل وهجها

الذين سئموا من باعة الكلام و تجار الحرام و من التفسّخ و الانقسام.

 

 

 

 

هؤلاء جميعاً تدعوهم

رابطة الإخاء الروحي

رابطة الجامعيين المستنيرين للاستماع إلى

 

الدكتور غازي براكس

 

في محاضرة عن

 

 

معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان

 

 

و فيها إيضاح و تعليل لخوارق الرجل الذي بات لغز القرن العشرين ودعوة نيرة إلى الوحدة و الاخوة.

 


 

تقديم*

 

                                                                                       بقلم الشاعر موسى المعلوف

 

 

الرسالات في الوجــود ربيـــع

                                                                      بوحــــه للحيــــــاة لا للقبـــــور

دفقةالحب في عروق دواليــه

                                                                      اشتهاء الانهار ضـــم البحــــور

ما رؤى الروح غير انها دنيـا

                                                                      جبلتهــا الأحــــــلام بالاكسيــــر

لك جفنـان فيهمـا ألـف عيـــن

                                                                      تتملــى عوالمـــــاً مـــن نــــــور

إقـ،رأ الغيب فالكواكـب سفـــر

                                                                      عسجدي الحروف حالي السطور

هو أفق يغزوه من عانق الشمس

                                                                      بقلـــــب مسافـــــر فـــي العبيـــر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • هذا التقديم القاه مدير :"رابطة الاخاء الروحي" المسؤول تعريفاً بالمحاضر.

 

 

أيها الحفل الكريم،

محاضرنا هذه الامسية غاز غاضب. لقد غزا الحقائق الروحية بمنطق العلم الهادي، و غصب ملكوت ذاته بنور الحق المحيي. تباركت المعرفة الالهية التي اضطهدت و صلبت من دورة إلى دورة لينمو روح الحياة في جسد الموت.

 

من ديوانه البكر " انا و الله و العالم"، إلى البشير النذير، إلى اطروحته السيكولوجية عن نابغة لبنان " جبران خليل جبران" المطبوعة في اوائل 1974 مقرونة بملحق عن الداهشية، يتسامى هذا الصوت الصارخ الأستاذ غازي براكس شاعراً تأملياً و مربياً روحانياً نفسانياً.

 

أراد، إغناء لرسالته الإنسانية، أن يتجرّع خمرة الحكمة الروحية مسكوبة في معجزات الدكتور داهش. و سيكون للأستاذ المحاضر بعد لحظات حظ لإضاءة بها و للجمهور الواعي بهجة الحوار في انعاكاساتها.

 

أماحان الزمن الذي فيه نخرج لعازر هذا الجيل الترابي من قبر إلحاده لنقيم له باسم العقل و الوحي عرس قانا جديداً؟ ألا فض أيها الاخ الغازي، في هيكل المعارف الجامعية، كنزاً من أسرار شخصية الدكتور داهش، وازرع في فلكعصرنا الفضائي ما تنكرت له أيدي العميان و الصم تجار الضمائر السوداء و الأنفس الضالة.

 

وغداً عندما يحين الحصاد سوف تذكر تلك العيون و الآذان و تعي أنك الصوت الصارخ الذي حمل إليها على جراحاته  و آهاته مواسم الضياء الالهي و القيثارة النبوية:

 

 

 

بينمـا الآن مـن جنتــه دهـــور

                                                       و سيجنى مدى اشتياق الدهور

كم تعلمنــا من خطـاه وصايـــا

                                                       الحب و الصلب و افداء الكبير

أطفئ الرؤيا... جسد الحق فينـا

                                                       "داهش" عاد بالسراج الأخيـر

 

 

شكراً لمحاضرنا الأديب على اقتحامه خطورة موضوعه حول معجزات الدكتور داهش ووحدة الاديان و على تلبية دعوة رابطتنا إسهاماً منه في إنعاش حركتها الفكرية، و خالص الامتنان نرفعه إلى مجلس الطلبة الموقر في الجامعة الأميركية على إفساحه لنا فرحة الالتقاء معاً، و عميق التقدير للذين شرفونا بحضورهم إنماء لانطلاقتنا الروحية و الغنسانية.

 

عاشت أخوتنا الوطنية،

و عاش لبنان.


 

هذا الكتاب لن يكون موضوع لهو وتسلية . حسبنا ما تستنزف ألهيات الحياة من جراح الناس . شئته مشحوناً برعد الروح , مصهوراً بلهب الإيمان , مطروقاً بمطرقة العقل والحجّة الحاسمة .

جئتكم بطعام لم يذقه البشر منذ ألفين من السنين : طعام سيكون منأً وسلوى لبعض , وسمّاً زعافاً لبعض ؛ به سيقوى ويستيقظ كثيرون , وبه سيسقط ويخزى عديدون ؛ لكنّ الحياة المتصاعدة لا تبالي إلاّ بالأقوياء الأنقياء من أبنائها , فلهم وحدهم تسلم قيادها .

 

عندما دعتني " رابطة الآخاء الروحيّ " – رابطة الجامعيين المستنيرين – الى إلقاء هذه المحاضرة عن " معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان " , هزّتني خطورة الموضوع : فمن جانب رجل تتعالى قامته فوق هذه الأرض منذ نحو خمسين سنة , وتتكاتف الهالات حوله , وتزدحم الألغاز والأسئلة , وينقسم الناس , ويعلو اللغط , وتشتدّ الحملات , ثمّ يسود الصمت , حتى كأنّ الرجل قلعة لا بأيدي البشر رفعت مدامكها , عن أسوارها تتزحلق الآفات والإتّهامات , وعن تشامخها المتزايد رفعةً يرتدّ الطرف متجرّىء المستكبر كسيراً . ومن جانب آخر إهتمام بالغ بوحدة الأديان, بل بمصير الروح والإنسان يلف العالم من الفاتيكان الى أميركا الى أثينا الى لبنان , حتى ليخيّل الى المتأمّل أ، ضرورة الوحدة الدينيّة باتت ملحّة , وأنّها إندرجت حاجة جوهريّة في الإتجاه الوحدويّ الثقافي الإجتماعي الحضاريّ في العالم .

 

لكنّ خطورة الموضوع دفعني الى إقتحامها أمران : الأول أنّ المحاضرة تلقى في إحدى قاعات الجامعة الأميريكيّة قسم الفكر الحرّ الجريء في لبنان : والثاني أنّ المحاضرة وتاريخ إلقائها من خوارق الدكتور داهش نفسه ؛ فبعد أن أبلغتني " رابطة الآخاء الروحيّ " أنّ المشرفين في الجامعة  بالإتّفاق مع مجلس الطلبة عيّنوا يوم الثاني عشر من أيّآر موعداً لإلقائها , عدّت الى الوثائق الداهشيّة التي بين يديّ , فارتعشت إذ رأيت في بعض الصحف العائدة الى سنة 1942 أنّ المحاضرة الأولى في موضوع الداهشيّة ألقيت في نفس هذا التاريخ , والثاني عشر من أيّآر , منذ ثمانية وعشرين عاماً . وقد ألقاها , يومئذ , في نادي المهاجرين , أول مؤمن بالداهشيّة , الأديب المرحوم يوسف الحاج والد الدكتور كمال الحاج . وما أن إتّصلت بالدكتور داهش أعلمه بهذا الإتّفاق العجيب الذي لم أعتبره محض صدفة , بل ترتيب روحي غريب , حتى أطلعني على أمر أغرب وهو نبوءة من نبوءاته كتبها الشاعر الزحلي المرحوم حليم دمّوس بخطّ يده , منذ ثمانية وعشرين عاماً , في سياق الوقائع الداهشيّة المتسلسلة التي كان يدوّنها يوميّاً , ومفادها أني سألقي محاضرة حول معجزات الدكتور داهش في تاريخ اليوم في الجامعة الأميريكيّة . يوم كتب حليم دمّوس النبوءة بخطّ يده كنت في السادسة من عمري , وما كانت الداهشيّة لتطرق مسمعي إلاّ بعد نحو عشرين سنة .

 

******

 

كلّ مثقّف ثقافة علميّة صحيحة يعرف , كما أعرف , أنّ العالم محكوم بقوانين طبيعيّة ثابتة . فقانون الحركة وقانون الجاذبيّة , وقانون النسبيّة , وقانون حفظ الطاقة , وغيرها الكثير كلّها كائنة في الوجود , مذ الوجود كان . وكلّ ما يستطيعه العقل الإنساني هو أن يرفع الحجب تدريجيّاً عن القوانين التي ما تزال مستورة . لكنّ الإرادة البشريّة أية كانت لا تستطيع خرق القوانين الطبيعيّة . وهذه حقيقة يؤكّدها العالم الفيزيائي الكبير ماكس بلانك الحائز جائزة نوبل و المكتشف نظرية الكوانتا، كما يؤكدها سائر العلماء. فنواميس الطبيعة لا تخضع لارادتنا، إذ إنها كانت موجودة قبل ظهور الحياة على الأرض، و ستبقى بعد زوالها.

لكني، على اقتناعي العلمي الراسخ بخضوع الارادة البشرية للقوانين الطبيعية، واستحالة وجود إيّ انسان يستطيع خرقها، كما العلم يثبت ذلك، فقد أتيح لي، في أثناء ملازمتي للدكتور داهش مدة سبع سنوات، أن أشهد، عشرات المرات، قوانين الطبيعة تخرق على يديه خرقاً ساطعاً. ذلك ما دفعني إلى تحرّ كبير، و تحقيق دقيق، و تثبت طويل، لم أترك في خلاله أي كتاب معتبر يبحث في الامور الخارقة إلا  جلبته و إن كان في موسكو أو واشنطن أو لندن أو باريس، ثم قرأته ونقدته. و قد شاهدت بعيني و لمست بيدي عشرات الخوارق، يصنعها الرجل العجيب أمامي و تبقى آثارها، بل يشاهد آثارها آخرون ممن لم يعرفوه و لم يجتمعوا به. لم أكتف بذلك، بل اجتمعت مع عدد كبير جداً ممن شهدوا خوارقه مثلي، و سمعت منهم مباشرة وقائع ما عاينوه، و نقدت ما رووه، و قابلته بما نقله غيرهم. ثم وضعت ما جمعت على محك العلوم الطبيعية و النفسية و الاجتماعية، و على محك الدين و المنطق، و من كل ذلك خلصت إلى النتائج التالية:

 

  1. إن ما يتم من ظاهرات غريبة على يدي الدكتور داهش هو خوارق و معجزات حقيقية، لا يمكن أن تصنف بين ألعاب الخفة و الإيهام او السحر أو الفقر الهندي او مناجاة الارواح أو التنويم المغناطيسي. و ليس الدكتور داهش هو الذي يصنع تلك الخوارق، بمشيئته،لأن إرادته كإرادة أي إنسان خاضعة لقوانين الأرض التي فيها ولد. إنما يصنع تلك المعجزات قوة روحية غير أرضية،لا تخضع لقوانين عالمنا لأنها خارجة عنه، متفوقة عليه، و هذه القوة اتخذته وسيطاً روحياً و إناء مختار.
  2. إن الذي استدعى تجلي الروح و ظهور الخوارق في هذا القرن هو وضع العالم اليائس المأساوي و حاجته إلى منقذ.فالغاية إصلاحية روحية صرف، و هي إثبات وجود الروح و خلودها، و إثبات وجود الخالق و الثواب و العقاب، ببراهين حسية مادية يحتاجها عصرنا الحسي المادي.
  3. إن وحدة الاديان بمعناها الصافي العميق، و العودة إلى الإيمان النظيف الصحيح، والعيش حياة عادلة فاضلة هي النتيجة اللازمة لمعجزات الروح الراهنة، ةالحاجة الجوهرية لإنسان العصر.

هذه النقاط الثلاث سأفصلها تباعاً، داعماً إياها بالحجج الحاسمة.

 

 

 

 

أولاً – معجزات الدكتور داهش

 

 

قبل الخوض في ذلك , لا بدّ من إبداء ثلاث ملاحظات توضيحيّة :

 

المعجزات التي ظهرت على يدي الدكتور داهش ليست صنفاً واحداً أو حتى عشرة أصناف , بل هي مئات الأنواع ، تشمل الإنسان و الحيوان و النبات و الجماد , و كلها مادي محسوس ثابت : ثابت في بقائه , ثابت في امتحانه , ثابت في الصورة الفوتوغرافية . و من يستطع أن ينظر إليها جميعاً دفعة واحدة, بألوفها و شمولها وعظمتها الخارقة , لا يسعه إلا أن يخشع و يمجد القوة الروحية الجبارة التي تصنعها . و هي لو فصلت كلها لاقتضت عدداً كبيراً من المجلّدات الضخمة لاستيعابها.

فمن أصناف المعجزات التي تمت على يدي الدكتور داهش بقدرة الروح العليّ :

- شفاء الامراض المستعصية شفاء فورياً؛

- الإنقاذ من الموت , أو من أضرار الحوادث الجسيمة ؛

- تصوير وقائع الحياة , و تسجيل أحاديث الناس الحرفية , مهما كانت خفيّة و أينما كانوا , بصورة عجائبية ؛

- التنبؤ بتفاصيل الأحداث المقبلة , مهما تعقدت و تعددت وتنوعت ؛

- معرفة الفكر و الحلم وما يكتمه الإنسان ؛

- التكلم بأي لغة كانت ؛

- إحياء الجماد و ميت الحيوان ؛

- تجسيم الصور؛

- تكوين الأشياء قبل وجودها المحسوس, و إعادتها الى الجمود بعد فنائها ؛

- إنماء النبات , و إنضاج  فج الثمار , بلمح البصر ؛

- تغيير طبائع الأشياء و وظائفها , و تكبيرها و تصغيرها وإطالتها و تقصيرها و تغيير أشكالها و ألوانها ؛

- تحويل المعادن العادية الى معادن كريمة , و الأوراق العاديّة الى عملة فعليّة ؛

- تحويل أوراق اليانصيب الخاسرة الى رابحة لشتى القيم ؛

- معرفة الضائع و استحضاره بلمح العين ؛

- نقل الأشياء المادية من مكان الى آخر بطرفة جفن , و إن وزنت الأطنان, و بعدت ألوف الكيلومترات ؛

- و إن أعظم معجزاته , برأيي ، هو تعدد شخصياته و قدرتها الروحيّة الخارقة.

 

هذا بعض من أصناف العجائب التي تجري على يدي رجل الروح الخارق , معجزة القرن العشرين . و سأكتفي , لضيق المجال , بذكر ستة نماذج منها , دونما تفصيل , مرجئاً الحديث عن تعدد شخصياته الى القسم الثالث من هذا الكتاب . و لن أقتصر على ما شاهدته أنا , بل سأذكر أيضاً , بعض ما عاينه غيري , و تعدّد شهوده الثّقات , و تأكّد لدي تأكّد اليقين .

 


 

       نماذج من معجزات الدكتور داهش

 

1-      شفاء الأمراض:

 

      لئن احرز الطب إنتصارات في هذا العصر, فثمة حدود يقف عندها و قيود يتقيد بها . فمن جانب , ما زالت أمراض و عاهات خارج سلطانه , و من جانب آخر ,إذا كان الطب قادراً على شفاء أمراض كثيرة , فإنه لا يستطيع شفاءها بلمح البصر, أو دونما عقاقير. و شفاء المعجزة يتميز بأنه شفاء فوري و ثابت لداء مستعص. و للبيان , أكتفي بذكر معجزة شفائية  واحدة:

 

       طفل يشفى من الشلل و الجنون

 

ابتلي الطفل أيلي معلوف , سنة 1964 - و هو في عامه السادس – بالشلل و الجنون , إثر إصابته بالتهابات و اختلال في سحايا الدماغ . و قد نقله ذووه عبثاً من طبيب الى طبيب , , ومن مستشفى الى آخر, حتى استقر به الأمر في مستشفى " أوتيل ديو " حيث أمضى أسبوعين ، من غير أن يطرأ تحسن على وضعه الصحي الجسمي و العقلي .

 

و بعد ان انفق ذووه اموالاً  طائلة , يئسوا من شفائه , وأحسوا تفاقم الخطر عليه , قصدوا المشعوذين ممن يزعمون كذباً , مخاطبة الجنّ  و الاستعانة بوسائل السحر التدجيليّة , و لم يدعوا منهم واحداً مشهوراً إلاً إلتجأوا إليه . و بعد أن استنفد الدجّالون و صفاتهم الغريبة , و كادوا يستنفدون أموال قاصديهم , احتيالاً و ابتزازاً ، تيقن جد الطفل الياس ربيز  وامه السيدة نوال أنّ  شفاءه مستحيل. و ألهم الجدّ  أن يتوجّه بحفيده الى الدكتور داهش ؛ فقصده بصحبة ابنته والدة الطفل . و أمام المفجوعين و طفلهما , صعّد الدكتور داهش دعاءً . و حدث الشفاء العجائبي , فكان تكذيباً مخزياً للمشعوذين , و استصغاراً لقدرة العلم حيال قدرة الروح الإلهيّ .

 

و قد تمت عشرات المعجزات الشفائية  الأخرى غير هذه . و قد حظي بنعمة الشفاء العجائبي , من أمراض أو عاهات مختلفة , الآنسات زينا حداد , ماجدا حداد , و كرايس غبريال , وآخرون كثيرون .

 

 

2-      الأجوبة الكتابية العجائبية :

            72 جواباً ترتسم بلمح البصر تحت 72 سؤالاً

 

إن الوزير السابق الأستاذ إدوار نون , بعد أن شاهد كثيراً من معجزات الدكتور داهش المحسوس الدامغة , أراد الاستزادة  من المعرفة الروحية , فكتب في منزله اثنين و سبعين سؤالاً تتعلّق بمستقبل البشريّة و الأنظمة السياسيّة , وأمور غامضة عن الإنسان و الأديان مما لم يتوصل العلم , بعد , الى تقرير حقائقه النهائيّة . و قد وزّعها على نحو ثلاثين صفحة من الورق الكبير المستعمل في الطباعة على الآلة الكاتبة , و ترك فراغاً بين السؤال و الآخر , مفسحاً المجال لكتابة الأجوبة . ثم قصد منزل الدكتور داهش . و كان الحاضرون كثيرين؛ منهم: آل حداد , و حليم دمّوس , و الدكاترة أبو سليمان و خبصا و عشيّ . و قد اطلعوا جميعاً على أسئلة الأستاذ نون المعقدة . ثم وضعت الأوراق في ظرف ؛ و سرعان ما عقدت الجلسة الروحية . و فجأة لمس الدكتور داهش الظرف المحتوي على الأوراق , قائلاً : " أتتك الأجوبة ". و كانت دهشة الجميع عظيمة حينما فتحوا الظرف , و رأوا اثنين  و سبعين جواباً قد خطّت بوضوح , وبلمح البصر , تحت الإثنين وسبعين سؤالاً الموزّعة على نحو ثلاثين صفحة . هذه الوثائق العجائبيّة ما يزال المحامي الكبير يحتفظ بها حتى الآن , وهي تحتاج الى أكثر من يومين لمجرّد نقلها (22) .

 

وعشرات هم الّذين أعرفهم ممن تمّت لهم معجزة الأجوبة الكتابيّة , فضلاً عن نفسي .

 

3 – تغيير طبائع الأشياء :

مئات بل ألوف هي المعجزات التي غيّرت طبائع الأشياء :

 

صحن البورسلان يأتي به زائر من منزله , وعليه علامات تميّزه , فيتحوّل في الجلسة الروحيّة الى صحن خشبي أ, زجاجي أ, ذهبي , وتبقى العلامات المميّزة نفسها عليه .. ويتحوّل الماء خمراً , والورق حجراً , والحجر معدناً كريماً .

 

عدّة مرّات قصصت أوراق بيضاء من طلحيّات كبيرة , ودوّنت عليها إسمي وكتابات شتى , وإذا بها تتحوّل في حضرة الدكتور داهش الى عملة لبنانيّة من فئات مختلفة , وعليها باق إسمي , وما دوّنته بخط يدي .

 

مثل هذا التحويل العجائبي حدث أمام المئات , من بينهم مندوب مجلّة " الأسبوع العربي " (23) والسيّد حافظ خيراللّه مندوب جريدة " النهار " (24) .

 

وقد صوّرت الصحيفتان مراحل المعجزة في لحظات حدوثها نفسها ؛ فثبتت حقيقتها في الصور الفوتوغرافيّة , كما ثبتت أمام أعين الناس .

 

ومن تغيير طبائع الأشياء , تحويل أوراق اليانصيب الوطني الخاسرة الى رابحة . وقد تمّت أمامي هذه المعجزة , إذ تحوّلت ورقة خاسرة الى ورقة تربح عشرة آلآف ليرة لبنانيّة . كما تمّت أمام الأستاذ محسن سليم , نائب بيروت السابق (25) , وأمام كثيرين آخرين .

وما يزال كثيرون يذكرون الضجّة الكبرى التي حدثت , بعد أن تحوّلت ورقة يانصيب خاسرة الى ورقة تربح عشرة آلآف ليرة لبنانيّة , أمام القاضيين محمود البقاعي ومحمود النعمان , والمحامي شفيق السردوك , رئيس بلديّة بيروت , والدكتور فريد أبي سليمان , بحيث إضطرّت مديريّة اليانصيب الوطني الى تكذيب الخبر , خوفاً من تقاعس الناس عن شراء أوراقها . ولكن المديريّة أضطرّت , أيضاً , الى دفع العشرة آلآف ليرة للدكتور أبي سليمان , حينما قدّم إليها الورقة العجائبيّة , وذلك بعد أن فحصتها وتثبّتت من صحّتها مدّة أيّام ( 26) .

 

 

4 – معجزات الإحياء :

 

إحياء الجماد ؟ ! إحياء الموتى ؟! ولما لا , ما دام الروح الإلهيّ قادر على كلّ شيء يصنع ذلك .

 

بكلمة تموت العصافير , وبكلمة تعود الى الحياة

 

في عشرين كانون الثاني 1944 , أمام الشيخ منير تقي الدين والصحافي إسكندر ريّاشي , ويوسف الحاج , وحليم دمّوس , وقبيل حملة الإضطهاد التي شنّت على الدكتور داهش , وقف الرجل العجيب أمام  قفص العصافير , وبحركة من يده , إنقلبت العصافير ميّتة . والتفت الدكتور داهش , إذ ذاك , الى زائريه قائلاً : " هكذا نفعل أيضاً بالرجال الظالمين " (27) .

وبعد ظهر اليوم نفسه , وبحضور الأستاذ إدوار نون , عقدت جلسة روحيّة , طلب الحاضرون فيها أن تعاد الحياة الى الطيور الميّتة . فاستحضرت جثثها من الحديقة , ووضعت في القفص ؛ وإذا المعجزة تتم , فتعود العصافير الى غنائها .

 

ويشير الدكتور داهش , مرّة , الى لوحة فنّية رسمتها السيّدة ماري حدّاد , وفيها عصفور على شجرة . فتتحرّك الألوان من اللوحة , وتتخذ لحماً ودماً وريشاً , وتتحوّل الى عصفور يوضع في القفص سنتين . أمّا مكانه في أللوحة فبقي أبيض فارغاً ( 28) .

 

فسبحان المميت المحيي , القادر على كلّ شيء ؛ وما أغبى الإنسان وأتفهه ساعة تسكره بعض الإختراعات العلميّة , فيعمى , ويستكبر , ويتألّه , ويجحد ربّه . فأين عقل الإنسان القزم من جبروت الروح ؟ !

 

 

5 – معجزات التكوين :

 

تكوين شيء غير موجود ! تكوين شيء قبل وجوده ! تكوين شيء بعد فنائه ! الأمور الثلاثة سواء في نظر الروح العليّ . وذلك بأن القادر على خلق المجرّات , والمهيمن على الموت والحياة قادر على فعل كل شيء .

 

مستندات ووثائق , وسندات ماليّة وصور , أحرقت أمام كثيرين , وأعيد تكوينها بلمح البصر !

 

أوراق ملأى بالكتابات تحرق ثم يعاد تكوينها

 

عدّة مرّات حدث لي أن ملأت ورقة بالكتابات المختلفة , ثمّ أحرقتها بيدي ّ , واحتفظت برمادها . وإذا الدكتور داهش يكوّن مجدّداً تلك الورقة التي أحرقتها , وعليها كتاباتي كلّها نفسها . وذلك كان يحدث لي , وأنا في حضرته , أو وأنا في منزلي , بعيداً عنه . فالمعجزة تتمّ أينما كان .

 

ومن أغرب خوارق التكوين وأبعثها على الخشوع على قدرة الروح الإلهيّ , إثنتان : الأولى حدثت للسيّد فيليب حدشيتي . . فقد دخل منزل الدكتور داهش, وفي يده جريدة " له جور " الفرنسيّة اللبنانيّة اليوميّة , وأخذ يتصفّح الجريدة , ويكتب على حواشيها أسئلة مختلفة ليطرحها في أثناء الجلسة الروحيّة التي وعد بها .

 

وعقدت الجلسة الروحيّة أمام كثيرين . فسأله الدكتور داهش :

 

-          هل تؤمن بألله  تعالى ؟

-         

فأجاب فيليب الحدشيتي : أصدقك القول يا دكتور , أنني لا أؤمن بوجوده , وهذا كنت أقوله في باريس .

 

-          وماذا تريد كي تؤمن ويظهر خطأك الفادح ؟

-         

-          أريد معجزة .

-         

-          فأجابه : أنظر الى الجريدة التي معك .

-         

وعندما نظر الحدشيتي في جريدته مليّاً, صرخ من عظم دهشته . فالعدد الذي أحضره معه كان يحمل تاريخ 28 تشرين الثاني, فإذا به يجد العدد قد أصبح بتاريخ الجمعة في 3 كانون الأول أي قبل صدور العدد بأربعة أيّام والأسئلة التي دوّنها على حواشي الجريدة كانت ما تزال هي نفسها . وبعد أن صدر عدد 3 كانون الأول , قابله بالعدد الذي تكوّن بصورة عجائبيّة , قبل أربعة أيّام, فإذا هو نفسه بكلّ ما كان منشوراً فيه من حوادث وأنباء محلّية أو عالميّة . لقد كانت معجزة تكوينيّة تحمل في ذاتها ألوف النبوءات .

 

دخل فيليب الحدشيتي منزل الدكتور داهش كافراً وخرج منه مؤمناً بقوّة اللّه القادر على كلّ شيء .

 

 

 

أمّا المعجزة الثانيّة فقد حدثت سنة 1943 , أمام الأستاذ إدوار نون , والدكتور خبصا , والسيّد جورج حدّاد , والأديبة ماري حدّاد , وغيرهم ؛ وهي في غاية الغرابة .

 

 

- ندى تتجسّد -

 

فبينما كانوا مجتمعين بالدكتور داهش في جلسة روحيّة , إذا بصبيّة حسناء تتجسّد , فجأة أمامهم , تحت النور الساطع . فيبهت الجميع , ويظنّون أنّهم يتوهّمون . فتفاجئهم الفتاة بقولها : " لا تظنّون أنّكم واهمون , فما ترون هو حقيقة أكيدة . إسمي ندى , وقد أتيت من عالم ماديّ آخر إليكم " .  فلم يصدّق الحضور أعينهم , حتى سارعوا الى تحسّسها بأيديهم ؛ فإذا هي لحم ودم كالبشر . لكنّها كانت تلبس فستاناً , وتحمل حقيبة لم يكونا من الزيّ الدارج في الناس , سنة 1943 .

 

وبعد تسعة عشر عاماً , تزور الدكتور داهش الصبيّة نفسها , وقد أصبحت في عداد سكّان الأرض . وكانت بالعمر نفسه الذي تجسّدت فيه قبل تسعة عشر عاماً , وتلبس الثوب عينه , وتحمل الحقيبة عينها .

 

وقد أوضح الدكتور داهش للمجتمعين , إذ ذاك , وفيهم من شاهدها قبل تسعة عشر عاماً , أنّ هذه المعجزة الإلهيّة تؤكّد تأكيداً حاسماً إستمرار الحياة وتقمّص النفوس , وانتقالها بعد الوفاة من دور حياتيّ الى دور حياتيّ آخر في الأرض , أو من كوكب الى كوكب آخر , حسب درجة إستحقاقها .

 

 

6 – معجزات النقل :

 

هذه معجزات كانت سبباً لإيمان كثيرين .

 

فالدكتور خبصا فقد مفكّرته في باريس , قبل تعرّفه الى الدكتور داهش بإثنتي عشرة سنة , وفي الجلسة الروحيّة ولدت المفكّرة بين يديّه .

 

والدكتور فريد أبو سليمان فقد قفّاز يده اليمنى , وبحث كثيراً عنه فما وجده . وحينما تعرّف الى الدكتور داهش , بعد ثلاث سنوات , عقدت له جلسة روحيّة , فخطر في باله أن يمتحن حقيقة وجود الروح وقدرتها , فسأل الدكتور داهش أن يعرف موضع القفّاز الضائع , إذا كان حقّاً قادراً . فأجابه فوراً : " إنّه في يدك " .

 

وحمل الطبيب قفّازه الى بيته , وهو لا يصدّق عينيه , حتى قارنه برفيقه , وكان الإثنان مستعملين ؛ فإذا هو القفّاز الضائع نفسه. وقد أراه المئات من السائلين .

 

والأستاذ إدوار نون , كانت قرينته السيّدة إيزابيل قد أضاعت بين الثلوج , وهي أثناء التزلّج باللقلوق (30) , قلم حبر ذهبيّاً , وذلك قبل تعرّفهما الى الدكتور داهش بعدّة سنوات . وكانت ترافقهما , يوم إذ , في رياضة التزلّج , السيّدة رينه , قرينة الشيخ فؤاد الخوري , شقيق الرئيس اللبناني الأسبق .

وفي جلسة روحيّة حضرها كثيرون , وبناءً على طلب الأستاذ نون , إستحضر رجل الروح القلم بطرفة عين . فكان ذلك كافياً , ليخبر الأستاذ إدوار نون الرئيس اللبناني بأنّ ما يصنعه الدكتور داهش ليس أوهاماً وخداعاً لآل حدّاد وغيرهم , إنما هو حقيقة ثابتة لا تقبل الشكّ , والبرهان على ذلك إستحضار القلم التي أضاعته زوجته , قبل سنوات , وقد كانت ترافقها قرينة شقيقه الشيخ فؤاد .

 

والأنسة أوديت كارّا فقدت ساعتها في ليبيا , قبل تعرّفها الى الدكتور داهش , بثلاث سنوات ؛ وإذا الساعة تعاد إليها في جلسة روحيّة .

 

والسيّدة فاطمة البلطجي , قرينة السيّد محمود البلطجي , أضاعت خاتماً من الماس ثميناً جدّاً , وطرقت أبواب المنجّمين ومن لفّ لفّهم , طوال عام كامل , دونما جدوى , حتى تعرّفت , أخيراً الى الدكتور داهش ؛ فعقدت لها جلسة روحيّة , كان من جملة حاضريها زوجها , وابنها عليّ , والسادة وفيق زنتوت , وصلاح وحسن البلطجي , والدكتور أبو سليمان . في أثناء الجلسة إلتفت الدكتور داهش الى زوجها قائلاً : " إفتح  كفّك " ؛ ففعل . ثمّ قال له : " أطبق كفّك " ؛ ففعل . فضرب له يده المطبقة قائلاً : " إفتحها الآن " . وشده الجميع ’ لأن الخاتم الضائع ولد في كفّ السيّد محمود البلطجي (31) .

 

والمستشرق الإنكليزي دانيال أوليفر , daniel oliver , رئيس مدرسة  " الفرندز " friends في رأس المتن , حضر جلسة روحيّة في عشرة كانون الثاني 1944 , وقد ضمّت عشرات الشهود ؛ منهم : الشيخ منير عسيران , والأطبّاء توفيق رزق , إنطوان جدعون , جورج خبصا , فريد أبو سليمان , نجيب العشّي , شاهين صليبي , والسيّدة روز صليبي , والسادة فرنسيس , أمين نمر , شريف البيضاوي " مفوّض البوليس " , جورج نجّار , طانيوس مجدلاني , وسواهم من سيّدات وسادة.

 

وفي الجلسة الروحيّة قال الدكتور داهش : " من يريد شيئاً فليطلبه " . فقال دانيال أوليفر : " بما أنّ الحرب العالميّة , قائمة , فإنّ الإعانات الماليّة , التي كانت ترسل إليّ من أميريكا  , لأجل الميتم , لم تصلني منذ أكثر من عامين , بسبب عدم وجود مواصلات مضمونة . لهذا أطلب أن تساعدني الروح , وتستحضر لي مبلغاً من المال الموجود في الجمعيّة بأميريكا , كي أستطيع الإستمرار في إيواء الأيتام في مدرستي " .

 

وما كاد أوليفر ينهي كلماته , حتى قال له الدكتور داهش : " مد يدك الى أيّ جيب من جيوبك , فتجد مطلوبك " .

 

وأخرجت من جيوب أوليفر الأربعة 28 ألف ليرة سوريّة .

 

دخل المستشرق الإنكليزي منكراً وجود الروح , وخرج مؤمناً بأللّه والروح وقدرتها , وبالرسالة الداهشيّة .

 

وقصد , مرّة , الدكتور داهش , بصحبة الدكتور خبصا , ويوسف الحاج , وحليم دمّوس , غابة الشبّانية التي تبعد عن بيروت حوالي 30 كيلو متراً , حيث كان يملك يوسف الحاج أيضاً أرضاً . وجلس الجميع على صخرة يتجاذبون الحديث . وكتب دمّوس على الصخرة بيتين من الشعر هما :

 

جلسنا على صخر وفي ظـلّ غابــة           شربنا على ذكر " المؤدّب " ماءنا

أقول لصحبي " والحبيب " بجانبي          على صخرة الإيمـان نبني رجاءنــا

 

 

 

وبعد أن عادوا الى منزل الدكتور داهش , قال الرفاق الثلاثة له : " حبّذا لو كرّرنا الجلوس معك على تلك الصخرة " . فقال : "  وما يمنع أن نجلس عليها الآن , ما دامت هذه رغبتكم ؟ " .

 

فقالوا: " وكيف يتمّ هذا الأمر والغابة في الشبّانيّة ونحن في بيروت ؟ " فأجاب : " أنظروا الى فضاء الغرفة " . وإذا بهم يرون كتلة ضخمة تتهادى في هبوطها الّلطيف , حتى كأنّها قطعة قماش في الهواء . وما أن حطّت على أرض الغرفة , حتى أمسكوا بها ؛ فإذا هي صلبة لا تزحزح . وبعد أن تفحّصوها , ووجدوا عليها بيتي الشعر تأكّد لهم أنّها الصخرة نفسها التي جلسوا عليها . فخشعوا وجّدوا أللّه , وفهموا قول السيّد المسيح : " لو كان لكم إيمان مثل حبّة الخردل , لكنتم تقولون لهذا الجبل : إنتقل من ههنا الى هناك فينتقل , ولا يعثر عليكم شيء " ( متّى 17 : 19 ) .

 

و بقيت الصخرة في المنزل الدكتور داهش , مدة طويلة , معروضة يشاهدها مئات الزائرين , حتى فتتها العمال , فيما بعد , وأخرجوها .

 

و في إبان حملة الاضطهاد ضد الدكتور داهش , قرّر رئيس المجلس النيابي , صبري بك حماده , أن يزور الدكتور داهش , ليتثبت بنفسه من حقيقة خوارقه ؛ فعقدت له جلسة روحية , و كان الشهود يربون على الثلاثين ؛ بينهم  النواب , يومئذ , السادة : أديب فرزلي , وديع شقير, و محمد بك العبود , و السيد بهيج بك الخطيب رئيس دولة سوريا السابق , و السادة فيليب أندراوس , و خليل بك معتوق , و جورج نجار , و الشيخ حسن المكي من علماء الأزهر , والسيدة غوين زوجة قنصل أميركا القديم , و غيرهم من سيدات وسادة .

 

التفت الدكتور داهش الى رئيس المجلس النيابي , و سأله ماذا يريد ؟ فطلب صبري بك استحضار شيء يفكر فيه و لا يقوله . فأجابه الدكتور داهش :" عرفت بما تفكر تماماً , فهل تريد إحضار الشيء الذي تفكر فيه بأكمله ؟ فإذا قلت : نعم , يحضر فوراً ". فأجاب رئيس المجلس : " كلا, لا أريده بأكمله , بل أريد منه شيئاً كبرهان ملموس"؛ فقيل له :" إفتح كفك " , ففتحها . ثم قيل له : " أغلق كفك " ؛ ففعل . و إذ فتحها , ثانية , وجد فيها خمسة دنانير ذهبية عثمانية قديمة التاريخ . و في غمرة الدهشة , سأله الحضور بماذا فكر ؟ فأجابه :" فكرت في صفائح خبئت في أراضينا , أثناء الحرب العالمية الأولى , و هي, كما فهمت , ملأى بالدنانير الذهبية ؛ لكنهم يجهلون مكانها تماماً ". و عندما سأله أحد الحضور :

 

" لماذا لم تطلب استحضار الذهب بأكمله ؟" أجاب صبري بك : " خوفاً من أن يوزع على الجميع , فيكون لي فيه شركاء".  و احتفظ رئيس المجلس بالليرات الذهبية


 

 

ثانياً – دواعي ظهور الدعوة الداهشيّة

 

 

لم يشهد التاريخ البشريّ , منذ فجره الجليّ , قلقاً متفاقماً , ويأساً متعاظماً , وحياةً مأساويّة يقاسيها معظم الناس , كما يشهد في هذه الحقبة من القرن العشرين .

 

فالفرد يقلقه إضطراب العيش , وغموض الغد , وفقدان النظام النفسي الصحيح , وتضعضع الفكر في غمرة المذاهب والفلسفات المضطربة المتناقضة , وفراغ الحياة من معنىً يبعث فيها الأمل والعزاء والقوّة .

 

والمجتمع يقلقه تنافر مصالح أفراده , وتمزّق وحدة أبنائه , وتلمّس شيعه وأحزابه سبلاً متضاربة للخلاص , وطرقاً يائسة لإقامة دولة آمنة عادلة فاضلة .

 

والعالم يقلقه تنافس دوله في التبشير بالسلام , وتسابقها في إيقاد الحروب وزرع الخصام , وتخوّف الشعوب الضعيفة من مطامع القويّة , وضياع الثقة ما بينها , وتباري الأمم في تطوير أسلحة الفناء وامتلاكها , وإقتراب شبح حرب ذرّية عالميّة تقضي على الحياة والحضارات . وفي كل ذلك أمسى العلم مطيّة مسخّرة لأهواء النفس ونزوات الشرّ , وتقلّص دور العقل ليخلي مكانه للجنون .

 

هذا القلق المأساويّ , بل هذا التمزّق النفسي , ما كان ليفترس عالم القرن العشرين , لو لم يهن الإنسان لديه , ويجعل نفسه شلواً بين شدقيه . فالبشر زاغوا عن المثل العليا الصحيحة التي بوسعها أن تنفخ فيهم روحاً يدفعهم في طريق الإتّزان الشخصي , والسلام النفسي , والتكامل الحضاري , وبالتالي الرقيّ الحقيقيّ ؛ وانجذبوا الى مثل عليا زائفة , إستمدّوها من قيم عارضة إعتباطيّة , وقوىً بشريّة وهميّة ظنّوها الحقيقة المعزّية الكبرى , فاذا هي سراب علقت به عيون مخدوعة , وعقول أوهنتها أهواء النفس , فعجزت عن الرؤية الجليّة الصائبة . وقد ظهرت آثار هذا الإنحراف بتفاقم يأس الأمم , يوماً بعد يوم , وبدء إنهيار آمالهم القديمة , في بناء عالم يسوده السلام والعدل والمحبّة والفضيلة والسعادة .

 

المصير الفاجع الذي صار الإنسان إليه , ما كان إستحقّه لو لم يختاره راضياً . فقد آثر أن ينهج المسلك الماديّ الخارجي , لأنّه يشبع غرائزه البهيميّة , وميوله الفرديّة الأنانيّة , ونزعاته الإجتماعيّة العدائيّة , بما يقدم له من لذّة حسّية آنية سهلة , ومجد دنيويّ سريع , وعصبيّة إقليميّة طمّاعة ؛ وتنكّب عن المسلك الروحيّ الداخلي الذي في إنتهاجه التصاعدي وحده , يكون تكامل الإنسان , وتساميه االحقيقي , وصحة مخطّطاته , وسلامة مؤسّساته , بما يتيح له من هيمنة النزعات الإنسانيّة الخيّرة على الميول السفليّة الشرّيرة , في الفرد والمجتمع . لقد فضّل الإنسان , لإنحلاله النفسي , وتقاعس الإرادة السامية فيه , مدنيّة مادّية صخابة سطحيّة تمتع حواسه , وترهق نفسه , على حضارة روحيّة هادئة عميقة , تجذب السفلي فيه الى العلوي , والخارجي العرضي الى الداخلي الجوهري , وتغمره بسلام وسعادة دائمين .

 

وقد أغرى البشر في سلوك ذاك الطريق المنحرف تخلّيهم عن الإيمان اليقيني الثابت بوجود الروح وخلودها ؛ وفهم اليوم , بأكثريّتهم الساحقة , إمّا كافرون أو مؤمنون مشكّكون . هذا الوضع النفسي القلق , الجاحد أو المشكّك , المتأثّر بنزعة مادّية خارجيّة في الرؤية والحكم والتصرّف وبضغط الجوّ العلمي , الواقعي , التجريبي , دفع الجميع الى مطالبة واعية أو غير واعية بإثبات واقعي غير نظريّ , لوجود الروح : إثبات علمي يطمئّن قلق الإنسان , ويبلسم جراحه النازفة , ويضيء الأمل بالخلاص في نفسه , ويزيل الشكوك التي أثارتها الإكتشافات والإختراعات التي بهرت عينيه , إثبات يكون بحجم العصر ومستواه .

وما كان للمذاهب الفلسفيّة أن تقدم ذاك الإثبات الواقعي , وهي عمارات عقليّة نظريّة متباينة , كلّ منها بني على قاعدة تقرّها فئة وتنكرها أخرى . وما كان للمذاهب الدينيّة الراهنة أن تأتي أيضاً به , ما دامت براهينها كلّها نظريّة .

 

وما كان للعلوم العقليّة المعروفة نفسها , أن تقدّم ذاك الإثبات الواقعي أيضاً , ما دام الروح لا يحدّ بمقياس , ولا يسخّر لمشيئة الإنسان , وما دامت وسائل العلم تجريبيّة محدودة . وإزاء هذا العجز البشري الشامل , وضرورة الإيمان الملحّة لإنقاذ الكثيرين , لم يبق إلاّ للروح نفسه , وهو الأعلم والأقوى , أن يعلن ذاته ووجوده للناس,  بإذنه تعالى ورحمته .

 

وإذا الروح يتنزّل من لدنه تعالى على رجل من لبنان , هو الدكتور داهش , ليملأ بحقيقة وجوده العظمى فراغ نفوس الكثيرين , وليبهر أبصار المنكرين , ويذلّ عتو المستكبرين ... ويعزّي قلوب المتواضعين .

 

وما كان الإنسان يمكنه التحقّق من وجود الريح , وهو لا يراها , لولا تحريكها الأغصان والأشياء , ولفحها وجهه ؛ فآثارها تنبىء عن وجودها .

 

وما كان الإنسان ليستطيع التثبّت من وجود العقل لولا ثماره وآثاره . فليس بوسع المرء أن يعاينه أو يتلمّسه أو يتحسّسه ؛ ومع ذلك لا يخامره أن يجحده , لأنّه يتّخذ من أفعال  العقل ومنتجاته شهوداً حاسمة على وجوده . كذلك الروح , ما كان للإنسان أن يتيقّن من وجوده لولا آثاره وثماره الخارقة , فهي الشاهد الأصّدق عليه .(1)

 

والعلوم , ثمرة العقل الفضلى , لا تعدو أن تكون في سيرها التصاعدي , سعياً الى مزيد من الكشف عن القوانين الطبيعيّة التي هي ملمح من ملامح الحقيقة الإلهيّة الأزليّة اللامتناهية ؛ ومع ذلك فهي برهان كاف على قدرة العقل ومدعاة لإجلاله . أفلا تكون معجزات الروح – تلك التي تتحدّى العقل البشري في حشوده وطاقاته وإمكاناته وإختباراته , فيقف دونها قزماً عاجزاً مدهوشاً – حجّة أقوى على عظمة الروح وسلطانه , وقدرته الخارقة الفائقة !  وهيهات ما بين قوّة تحدّها أبعاد المادّة وتخضعها قوانينها , وقوّة تتفلت من نواميس المادّة وأبعاد الزمان –المكان ! هيهات ما بين سراج باهت هو العقل وشمس وضّاءة هي الروح !

 

العقل البشريّ الذي عجز فاستعلى فأنكر , هو الذي سيقف موقف الحرج , هذه المرّة , أمام إستطاعة الروح وسطوع وجوده . فإمّا أن يأتي بما يأتيه الروح من ظاهرات ومنجزات معجزات , وإمّا أن يخضع لرسول الرحمن مسلّماً تسليماً .

 

ولدى تأكّد وجود الروح المفارق لعوالم  " المادّة " , المتخطّي لأبعادها , القاهر لقواها , المعجز لبني البشر , ماذا يتأتّى لنا من فائدة ومغزى ؟ فيما إذ تتبدّل نظرة الإنسان الى كل شيء وكل قضيّة , وتتغير مواقفه وتعليلاته وتقويماته ومعانيها . فبدل أن يكون تفسيره للكون " مادّياً " يصبح " روحيّاً " , وبدل أن تكون قيمه ومثله مستمدّة من قولى مادّية إعتباطيّة عارضة , قوىً خارجيّة وهميّة زائفة , تستمدّ من قوى روحيّة جوهريّة حقيقيّة خالدة . إذ ذاك يتيسّر له فهم أن وراء المنظور لا منظوراً , ووراء المحسوس لا محسوساً , وأن ذلك اللامنظور , أللامحسوس , سرمديّ , قوي , عادل , يعطي كل نصيبه من الحقّ ثواباً وعقاباً ورحمة ؛ وعندئذ يتشوّف  الإنسان الى ما بعد القبر , وقد ثبت لدي تواصل بقاءه النفسي , وارتباط مصيره اآتي بواقعه الحالي , وبناء حياته اللاحقة على حياته السابقة, وتجلّى له الخالق سبحانه مصدراً أعظم للقوى الروحيّة , وغاية نهائيّة لتطوّر الكائنات , وتكامل الحياة , فتدفعه يقظته الروحيّة الى توجيه سلوكه وتفكيره توجيهاً يضمن له رقيّاً حقيقيّاً , وخلاصاً حقيقيّاً , وسلاماً نفسيّاً فرديّاً وجماعيّاً حقيقيّاً .

 

 

روح الإله الواحد هو الذي أوحى الشريعة الى موسى النبيّ , وجعل المسيح مصدّقاً ومتمّماً لما قبله : " لا تظنّوا أنّي أتيت لأنقض الشريعة والأنبياء , لكن لأتمّم " ( متى 5 : 17 ) , قال السيّد . وهو الذي جعل القرآن مصدّقاً لما قبله : " نزّل عليك الكتاب بالحقّ مصدّقاً لما بين يديّه , وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى ً للناس " (سورة آل عمران : آية 3 ) .

 

وكما ألزم المسيح الإيمان بموسى طريقاً للإيمان به , بقوله :" فلو كنتم تؤمنون بموسى لكنتم تؤمنون بي , لأنّه كتب عنّي . فان كنتم لا تؤمنون بكتبه فكيف تؤمنون بأقوالي ؟ " ( يوحنا 5 : 46 – 47 ) , ألزم القرآن المؤمنين الإيمان بالأنبياء جميعاً , دونما تفريق : " إنّ الذين يكفرون بأللّه  ورسله , ويريدون أن يفرّقوا بين اللّه ورسله , ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض , ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً . أولئك هم الكافرون حقّاً , وأعتدّنا للكافرين عذاباً مهيناً .

 

والذين آمنوا باللّه ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم , وكان أللّه غفوراً رحيماً " ( سورة النساء : آية 150 – 152 ) .

 

هذه الوحدة الروحيّة الدينيّة نسيها البشر , أو تناسوها , ولا سيّما في هذه البلاد , بلاد الأنبياء . بأيديهم نسجوا غشاوة على عيونهم , خيوطها من المطامع الأرضيّة والمصالح الشخصيّة والطائفيّة . فإذا الإله الواحد  يتنازعونه آلهةً , ودين الروح الواحد يمزّقونه طوائف متنابذة متناحرة , مما دفع فئات من العاملين في القضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , بعد أن يئسوا من العودة الى الوحدة الروحيّة , والعمل بجوهر الدين القائم على المحبّة والفضيلة , الى الدعوة لطرح الولاء الدينيّ جانباً , وإحلال الولاء الوطنيّ محلّه , أو للتخلّي نهائيّاً عن العقيدة الدينيّة وإتّخاذ الإلحاد مذهباً وسبيلاً .

 

لا, أيّها السيّدات والسادة, , ليس طرح الدين جانباً يحلّ معضلتنا ومعضلة الإنسان , ولا الإلحاد . أمّا أن لا نعبد إلهاً فذلك مستحيل , لأنّ الدين نماذج للنفس , لاصق بجبلّتها , إن حذفته من يقظتك , أطلّ عليك في نومك . إنّه حاجة نفسيّة جوهريّة , إذا لم يشبعها الإنسان بعث فيه خللاً وإضطراباً , من غير أن يدري مصدرهما  .إنّها حقيقة يؤكّدها كبار علماء النفس , من أمثال كارل يونغ c. G. Jung السويسري, وولفرد دايم الألماني w. daim, و شتوكار الفرنسي a. stocker.  فالذين يدّعون أنّهم يعيشون دونما آلهة متوهّمون يخادعون أنفسهم , لأنّهم لم يحذفوا من نفوسهم حقيقة الألوهة , بل قنّعوها وشوّهها . فبدل الإله الكامل , إله المحبّة والعدالة والحقّ , الإله الأزليّ الأبديّ , موجد الكون ومنظّمه مصدر الخلق وغايته , توهّموا خارجهم أو في ذواتهم آلهة ناقصة مزيّفة , يعبدونها من دون أللّه , وهم لا يدرون : نصّبوا من الدولة أو الوطن أو الحزب إلهاً , أقاموا من الأرض أو الطبيعة أو الحياة إلهاً , شرّعوا مطامعهم ونزواتهم وشهواتهم أصناماً يقدّمون لها العبادة . هؤلاء جميعاً يعيشون في وهم الحقيقة , لآنّهم إستبدلوا النسبيّ بالمطلق , والجزئي بالكلّي , والعرضيّ بالجوهري , والزائف بالحقّ , والزائل بالدائم السّرمديّ . ولذا فرؤيتهم للحقائق تكون مختلّة , ومقاييسهم للقيم تكون منحرفة , لأنّها تتأثّر بطبيعة المثل الأعلى  الذي يحرّكها ويهيمن عليها , وهو غير صحيح .

 

أمّا جعل الدين في هامش الحياة , أو أللامبالاة به , أو منحه أهمّية ثانويّة , فذلك يؤدّي تدريجيّاً الى الإلحاد , وقد يكون شرّاً من الإلحاد ؛ لأنّه سيفضي الى النتيجة نفسها بعد أن يجمّد الذات ويبلّدها, ويفرغها من حرارتها , ويعيّشها في فتور الإيمان , الذي قال المسيح عن صاحبه – وما أكثر أصحابه اليوم - : " إنّي عالم بأعمالك , أنّك لست بارداً ولا حارّاً , وليتك كنت بارداً أو حارّاً . ولكن , بما أنّك فاتر , لا حارّ ولا بارد , فقد أوشكت أن أتقيّائك من فمي " ( رؤيا يوحنا 3 : 15 – 16 ) .

 

ما الحلّ , إذن , يقول المتحمّسون للقضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , أنبقي على العصبيّات الطائفيّة تقسّم الوطن أشلاء , ويدّعي كلّ منها ملكيّة اللّه والسماء , حتى نفقد الدين والدنيا معاً ؟

 

الحلّ أوحاه اللّه عزّ وجلّ , لكان على الأذكياء الأنقياء أن يأتوا به : إنّه العودة الى جذور الإيمان الصحيح بوحدة الأديان وجوهر تعاليمها , عبر رسالة روحيّة جديدة مؤيّدة بالمعجزات , أرادها الباري هداية لهذا العالم التائه في ضلالاته , وللبنان قبل غيره .

 

فالروح الإلهيّ الذي يجري المعجزات على يدي الدكتور داهش , إنمّا يهبط من عليائه , ويصنع الخوارق بإسم اللّه والمسيح , وبإسم اللّه ومحمّد , وبإسم اللّه وموسى . فالأنبياء جميعاً أصابع الرحمة الإلهيّة منبسطة في هذه الأرض الشقيّة .

 

في حضرة الروح الإلهيّ , وفي حضرة المعجزات , يشعر الإنسان أنّه أخو الإنسان , وأنّه لا فرق بين أبيض وأسود وبين غنيّ وفقير , وعظيم وحقير , ومسلم ومسيحيّ وموسويّ وبوذيّ ...

 

المسيحيّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر الإنجيل , والمسلم يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر القرآن , والموسويّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر التوراة , والبوذيّ يزداد إيماناً بتعاليم بوذا , ويتيقّن الجميع أنّ الروح الذي أوحى الى أنبيائهم وهداتهم إنّما هو روح إله واحد . عندئذ , يدركون أن الذي يفرّقهم ليس الخير , لكن الشرّ . وتكون عودتهم الى اللّه , على جسر من الإيمان النظيف , لا يقال عنه هو " أفيون الشعوب " ؛ إيمان يكون تجسيداً لحياة روحانيّة عمليّة لا نظريّة , تتحقّق فيها الفضيلة عملاً وقولاً وفكراً , ويتجلّى فيها التعاون والتحاب والتآخي والعدالة الإجتماعيّة بأجلى مظهر . فإذا امتنعوا عن الشرور , لا يكون إمتناعهم رهبة من القوانين البشريّة والروادع الزجريّة , لكن بدافع ذاتي منبثق من إرتقاء نفوسهم وقد سطعت فيها الحقيقة الدينيّة الواحدة , مجرّدة من الطقوس والقشور والطائفيّات التي زادها البشر عليها , وزادوا بها الحواجز والخصومات بينهم .

 

وقد يحتجّ بعضهم قائلاً : لئن آمنّا بوحدة الأديان , فكيف نوفّق بين المتناقضات في العقائد ؟

 

وجوابي أنّ الرسالة الداهشيّة قدّمت حلاّ لكل معضلة , حلاّ لم تخترعه إختراعاً , بل أوحته الروح حقيقةً منزلة . ولضيق المجال , أكتفي بعرض قضيّة خلاف واحدة بين المسيحيّين والمسلمين هي قضيّة صلب المسيح . ففي الأناجيل أنّه صلب , وفي القرآن : " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم " ( سورة النساء : آية 157 ) . فأيّ الكتابين على صواب ؟ الحقّ أنّهما كليهما على صواب ؛ لكنّ الحقيقة لا يمكن أن توضّح إلاّ من ضمن الداهشيّة , وتوضيحها يتمّ ببرهان مادّي محسوس .

 

فقد تبيّن لي , و لعشرات غيري أن للدكتور داهش ست شخصيات أخرى غير شخصه البشري؛ و هذه الشخصيات كناية عن سيالات , أي قوى روحية هي امتدادات له كائنة في عوالم علويّة متباينة, و بإذن الله يسمح لها , أحياناً , أن تتجسد لإتمام أمور أو غايات روحيّة خطيرة , فتتخذ شكله البشري تماماً بحيث تصبح (شبهه) . و إذ ذاك , يمكن من كان حاضراً أن يجالسها و يحادثها , ويتحسسها , و يؤاكلها ؛ لكنه قد لا يستطيع أن يميزها عن داهش البشري , إلاّ إذا كانت ترتدي ثياباً مختلفة, و كان الناظر يعلم , سابقاً, ما يرتديه الدكتور داهش. و كثيرة هي المرات التي تظهر فيها فجأة , و تتوارى فجأة , بينما تكون أمامنا , و نحن ننظر إليها أو نسلم عليها .و قد يجتمع منها شخصيتان أو أكثر حتى الست , في مكان واحد , وقد تتجسد في اللحظة نفسها في أماكن مختلفة متباعدة . و قد تأكد لي و لكثيرين غيري , ممن شاهدوها أنها لا تخضع إطلاقاً لنواميس الأرض: فهي تخترق الحواجز و الجدران, وتنتقل لمح البرق من مكان الى آخر , و إن يكن من أقصى المشارق الى أقصى المغارب , وتسيطر على الجاذبيّة , فترتفع في الهواء و تمشي على الماء , وتثقل وزنها أو تخففه حتى تلاشيه ؛ و هي قادرة , بإذن الله , على صنع ما تصنعه الروح من معجزات. و من عجائبها الباهرة أنه في 28 حزيران سنة 1947 , ألقي القبض على إحدى الشخصيات في أذربيجان من أعمال إيران , فقتلت رمياً بالرصاص , و دفنت في البلد عينه , في أول تموز من العام نفسه ؛ و ذلك لأن فتنة دامية كانت قائمة في أذربيجان و لم يستطع الدكتور داهش إثبات هويته , إذ إن السلطات اللبنانية جردته من الأوراق الرسمية , بعد حكمها عليه بالنفي ظلماً .

و قد نشرت الصحف في لبنان و جميع البلاد العربية نبأ مقتل الدكتور داهش و صور مصرعه.

و أنشئت فيه مئات المراثي (43) . و مع ذلك , كان مؤسس الداهشية ما يزال بين أتباعه يعلم طرق الحق. أما شخصيته التي أعدمت في أذربيجان , فسرعان ما بعثت من الموت , لأن الموت غير قادر عليها ؛ فهي لا تخضع لنواميس الأرض , لأنها ليست من الأرض .

 

و لو يرحب المجال , لكنت أذكر من الأحداث المفصلة عن ظهورها وإختفائها ما يملأ مجلداً . حسبي أن أذكر , من بين العشرات الذين شاهدوا تجسّداتها كما شاهدتها : الأستاذ إدوار نون و السيدة قرينته , و الدكاترة شاهين صليبي , و جورج خبصا و فريد أبو سليمان و نجيب العشي , و السادة جورج حداد , و بولس فرنسيس , و نقولا ضاهر , و إميل قساطلي , و أمين نمر , و حسن بلطجي , و السيدات ماري حداد , و زينة حداد , و ناديا غبريال, و هيلدا مراد, وأوديت كارّا , و ليلى مراد , و غيرهم و غيرهن كثير ...

 

فالأناجيل إذ تؤكد صلب المسيح , إنها تؤكد صلب شخصيّة من شخصياته ؛ لكن الإنجيليين , لسبب روحي لم يوضّحوا ذلك , إنما اكتفوا بالإشارة , بعد الصلب , الى  أن المسيح المصلوب بعث من الموت , و كان يظهر و يختفي أمام تلاميذه عدة مرات ؛ و القرآن الكريم , إذ يقرّر عدم صلب المسيح , إنما يعني  عدم صلب عيسى بن مريم الشخص البشري المولود , موضحاً أن الذي صلب إنما هو شبهه ؛ و ما شبهه إلاّ إحدى شخصياته .

 

و هكذا نرى أن الداهشية , لا بالنظريات , و الآراء المتضاربة , بل بالبراهين الحسّية تظهر وحدة الإسلام و المسيحيّة و وحدة ما أنزل من قبل  ومن بعد .

 

لقد ثبت بالبرهان الماديّ, وبألوف الشهود, أنّ الدكتور داهش , طوال نصف قرن , وهو يبهر العقول , ويحيّر العلماء والفقهاء بمعجزاته في جميع المجالات, ورغم عواصف الشكوك التي أثارها حوله المغرضون , ورغم الحملات العنيفة المشهّرة التي قامت بها صحف رخيصة مأجورة, ورغم محاولات يائسة, مدّة عشرات السنين , لإظهار معجزاته بمظهر الخداع , باء جميع المتجنّين والمفترين الظالمين بالفشل, على, كثرتهم ونفوذهم , وبقيت حقيقة الدكتور داهش ساطعة تصفع المستكبرين, وتنادي الجميع , ولا سيّما المخلصين لقضية الروح إخلاصاً حقّاً, والصادقين في نشر الإيمان باللّه بين البشر بدل الإلحاد .

 

لذلك , فالبحث في تعاليمه ومعجزاته, أعتبره في رأس الأبحاث الملحّة الضروريّة , لأنّ لا شيء يمكن أن يصحّح المفاهيم المنحرفة, ويعيد الإنسان الى القواعد الصحيحة مثله, ولا قوّة يمكنها أن تزرع الأمل في صحراء الحياة كالقوّة التي تتجلّى على يديه , إذا إستطاعت العقول أن تتجه اليها جريئة لإنقاذها , وإذا تمكّنت النفوس من أن تتخطّى التقاليد والمصالح المذهبيّة لإستلهامها .

 

فعلى المخلصين الواعين أن يفسحوا الطريق أمامه , فإن كان ما يأتي به بطلاناً وزوراً , فإنّ نصف قرن من الزمن لكاف لفضحه . وإن كان ما يأتي به حقيقةً , فالويل ثمّ الويل لمن يعرقل سيره , ويشوّه نصاعته , لإنّ العبء الذي ستحمله الأجيال الآتية عنقه سيكون أثقل من حجر الرحى .

 

ولم يشهد التاريخ أنّ الحقّ , كان ولو مرّة , يصدر عن الكثرة وركام العدد . فالحقائق العلميّة أعلنها أفراد قلائل لجمهور من الناس كانوا شكاكين بها , رافضين لها . أذكروا سقراط وغاليليو . والحقائق الروحيّة أعلنها أفراد قلائل لبشريّة ضالّة قاومتهم وإضطهدتهم . أذكروا الأنبياء والمرسلين جميعاً . والهداة القليلون , بين الكثرة الساحقة الضالّة , يبدون للكثرة كالمجانين . لكن هؤلاء المجانين هم الذين يبنون الحضارات الراقية , ويدفعون الإنسان في معارج التقدّم , وهم الذين يخلدون .


 

 

صلاة داهش

 

يا أبي و أبا البرايا ارحم ضعفنا الموروث

شدد قلوبنا كي نؤمن بقدرتك و نحدث بعجائبك

اغرس في أعماقنا بذور الحب و الشفقة و الرحمة و الحنان

أبعد عنا التجارب التي تريد غوايتنا و إسقاطنا في دياجير الخطايا

سدد خطواتنا في طريق الحق و النور و اليقين

أبعد عنا الأفكار الدنيئة و لا تدعها تقرب منا

أنت خالق البرايا و ما فيها ، فرحمتك و حنانك

يسعان كل الكائنات معلومها و مجهولها.

أشفق علينا يا الله، و لا تحاسبنا مثلما نستحق فنهلك.

لا تدع الطمع يستولي علينا فيجرفنا بتياره الرهيب.

دع القناعة تحتل ارواحنا فلا نطلب سوى القوت فنمجدك

أبعد عنا الأشرار و الهازئين بكلام الله ، أنر بصائرهم

طهر أرواح الخطأة، و ارسل لهم قبساً من انوارك الإلهية

فيخشعوا لعظمتك

أقلنا من العثرات الرهيبة،

و اشمل الجميع بعين عنايتك الساهرة.

أيها الأب العطوف!

كل من ألقى اتكاله عليك ، و عمل بوصاياك ،

و ضحى من أجل اسمك ، و احتقر رغباته الأرضية،

و نَبَذ الدنيويات ، و عطف على البؤساء و بشّر بعجائبك،

و آمنَ بنبيك الحبيب الهادي

فله السعادة و السماء و النور و السناء،

هنالك حيث الضياء و البهاء، إذا يخلد مع الخالدين

و يتنعم بانوارك الوضاءة حتى أبد الآبدين.

آمين.

13 آب 1942

 

 

 

 

 

 

الداهشيّة

حقيقة روحيّة تؤيّدها المعجزات

 

من لبنان من بلاد أرز الربّ , أخاطب الإنسان الضائع , الهارب من قلق نفسه , ومن أشباح مأساته , الباحث دونما جدوى عن الطمأنينة . من أرض المشرق , أرض الأنبياء , أخاطب إنسانيّة أسكرتها كبرياء الإكتشافات العلميّة , وخدّرتها خمرة  الأطماع , والشهوات الدنيويّة , فنزفت جراحها , واقترب الفناء الرهيب حثيثاً منها , وهي ما فتئت تظنّ أنّ نضارة الحياة ما زالت ملء جسدها .

للساعين وراء الحقيقة الهادية , وهي تهرب منهم , أقول  : لو كانت الهداية في نظريّات المفكّرين , واجتهادات الفقهاء , وأراء الزعماء , والأرض ملأى بهم , إذن لسطعت شمسها , وتوحّدت إشعاعاتها , واطمأنّت في نورها العقول . لكن الحقيقة الهادية بعيدة عنهم , فهي ترفض التجزّؤ والتناقض , وتأبى أن تكون أوهاماً وافتراضات , ونتائجها شرّاً ورذيلة وفساداً , لأنّها وجود حيّ يجب أن يفعل فعلاً خيّراً في الفرد والمجتمع .

للباحثين عن السعادة في الإغراءات الجنسيّة , والمتع الحسّية , والأمجاد الماديّة , والإغراق في الرفاهية , أقول : لقد حان الوقت لتصحوا من خدركم , فتدركوا أنّكم تبصرون سراباً لا ماء , وتقبضون على جمر يحرقكم وأنتم لا تشعرون , وأنّكم تحاولون الهرب من كوابيس الفواجع الجاثمة فيكم وحولكم , بمجرّد إغماض   العيون , وهذا منتهى الجنون .

فما الذي يبهر عيونكم , يا بني وطني وأبناء الأرض ؟

أمدنيّة غربيّة أم شرقيّة ؟ ومدنيّة العالم , اليوم , شجرة امتدّت فروعها , وتعالت  أغصانها , حتى كادت تملأ الأرض وتلامس السماء , لكنّها شجرة إن بهرت البصر , بكت لها البصيرة , لأن لبّها بدأ ينخر , ونسغ الحياة فيها أخذ يجفّ , وجذعها يتهيّأ لضربة الفأس القاضية , وأغصانها تعدّ محرقةً للنار العظمى .

ما الذي يفتن عقولكم , يا بني وطني وأبناء الأرض ؟

أسفن فضائيّة تحطّ على القمر ؟ والظلم مستشر في نفوس البشر ! حقوق تؤكل , وأراض تغتصب , ومشرّدون يتعيّشون على البؤس والجهل والأحقاد ! وضعفاء بين أنياب وحوش أسياد ! أم تفتنكم مصانع جبّارة , وأسلحة قهّارة , ومختبرات عظيمة , ومكتشفات عجاب , ومبان تناطح السّحاب ؟ ونفوس الناس خراب يباب , والسيّد الآمر الناهي شريعة الغاب !

من الشواطىء التي أطلقت الحرف الى أرجاء المعمور , من المشرق الذي بزغت فيه شمس المسيحيّة والإسلام على العالم تبدّد الديجور , من مهبط الوحي العريق , تعود الحقيقة الروحيّة الحضاريّة الكبرى لتظهر , فتنبّه ضمائر الراقدين , وتبعث الأمل في قلوب اليائسين , وتزف عكّاز الهداية للعميان والمقعدين , وتقدّم خشبة الخلاص لركّاب سفينة الأرض الغارقين ؛ إنّها الحقيقة الداهشيّة .

 

 

 

فما هي الداهشيّة ؟

 

قبل أن أقدّم خلاصة عن حقائقها الروحيّة , لا بدّ من إيضاح .

في القسم الثاني من هذا الكتاب , ذكرت عدداً وافراً من خوارق الرجل العظيم , وكلّها محسوس دامغ الحجّة , ثابت على الزمن وفي الصور , مؤيّد بأسماء عشرات الشهود من الإختصاصيين والمثقّفين النابهين , وذلك يصفع شكوك المفترين المكابرين والمؤوّلين المعجزات الحقّة تأويل خداع أو إيهام .

إنّ المح   و بعد , فمن هو داهش؟

إننا لا نؤمن به إلهاً, بل نؤمن بأنه هاد من هداة الله طبقاً للآية القرآنية الكريمة :" و لكل قوم هاد " (سورة الرعد : 7 ) . و نحن قوم تبلبلت أفكارنا , و تجزّأت أدياننا و تناحرت مذاهبنا و شاع الكفر فينا , و تغلب النفاق على الإيمان , فتدخلت رحمة الله , و أرسلت إلينا هادياً , يهدينا الى سبيل يخرجنا من حيرتنا و اضطرابنا و مآسينا , ويعيد الينا الثقة بالمسيح و الأنبياء والإيمان برب العالمين .

و من الهداة من وهبهم الله عقلاً نيراً و نفساً نقية , كسقراط و غاندي و الإمام علي , و منهم من أيدهم تعالى  بروح من لدنه , فصنعوا المعجزات  بقدرة العليّ , تصديقاً لدعوتهم الروحية . والروح , كما قال السيد المسيح : " يهب حيث يشاء" ( يوحنا 3: 8 ) , و قد شاء أن يهب في لبنان , أفنرفضه  فنكون من الأغبياء الخاسرين ! والخالق سبحانه هو الذي يختار من يريد من الناس لإحلال روحه فيه , تصديقاً لقوله :" رفيع الدرجات , ذو العرش , يلقي الروح من أمره  على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاقي" (غافر:15) , و قد شاء أن يلقي الروح على رجل من أرض الأنبياء هو داهش. أفنناقش الله و نرفض مشيئته ؟

لم يبارك التاريخ مضطهدي سقراط و بوذا و المسيح و الرسول العربي و غاندي , بل لعنهم , و خلد اولئك الهداة و الرسل والمصلحين , و خلّد رسالاتهم . أما المؤسسات و التكتّلات و الدول كلها التي قاومتها , فقد قضى التاريخ عليها بالفناء و دمغها باللعنة الأبديّة .

ذلك بأن الحضارات لا تقوى على البقاء الاّ بغذاء القيم الروحية. و كل شعب تخلى  عنها مصيره الإنحلال و التبدد , مهما تعاظم وشمخت مدنيته , و مهما صال و جال الباطل فيه , فالباطل دولته قصيرة , و التاريخ شاهد على ذلك . و القيم الروحية لا سياج لها إلاّ الرسالات السماويّة و الدعوات الإنسانية .

حتى الحركات الإجتماعيّة الثورية تستمد مقومات إصلاحها من تلك القيم . فالعدالة و الأخوة و التعاون ورفع الظلم و الإستثمار التي تنادي بها , تجد أصولها في الرسالات الروحيّة الصحيحة . و القيمة الحقيقيّة لكل حركة إصلاحيّة تكون بنسبة تطبيقها تطبيقاً عمليّاً تلك القيم الروحيّة .

و إذا كان المتاجرون بالقدسيات قد أفرغوا الأديان من معناها الروحي  القويم , كوجود حي سام  فاعل في الإنسان فرداً و جماعة ,ليجعلوها نظريات و غيبيات و أدوات لكسب المغانم  و بسط النفوذ , فإن الداهشيّة , بمشيئته تعالى , ظهرت لتدعو الى إعادة الأديان لنقائها الأصلي و تأثيرها الخير الحيّ ووحدتها الروحيّة , فتبني نفوس الناس فرداً فرداً, مواطنين شرفاء أنقياء السريرة , أبطالاً أحرارا ًمتعاونين متحابين  عادلين , أناساً تسامى فيهم الإنسان , وتصاغرت البهيمة .

فالأنظمة مهما كانت صالحة لا تؤدي وحدها الى أي إصلاح حقيقي إذا كان الإنسان فاسداً . فالإنسان وجد أولاً , و النظام من أجله وجد . و هل يمكن  بناء صرح قويّ , مهما كانت عبقرية مهندسه, إذا كانت حجارته سريعة التفتت ؟ و ماذا ننتفع بالكأس , و إن تكن ذهباً ما دام الماء فيها سمّاً زعافاً , و نحن عطاش ؟ و هل تتبدل قيمة اللوحة التافهة إذا ما أحيطت بأطار ثمين ؟ فكل إصلاح جذريّ , لا يبلغ هدفه ما لم يصلح الفرد نفسه .

ألا فلنرفع الغشاوة عن بصائرنا , و لنع أننا لسنا وحدنا في الكون , فنكف عن الإستكبار و التأله . و لندرك أن الإرتقاء الصحيح يقضي بأن نتخذ لنا مطلقاً صحيحاً فنجعل الله كمالنا و غايتنا الأخيرة , لتستقيم الطريق  التي تبلغنا السعادة العظمى . الا فلنفهم أن اضطراباتنا و ضعفنا و تخلفنا و مشكلاتنا و حيرتنا و شقاءنا سببها كلها نحن , و نحن مختارون و مسؤولون . و ما لم نغير أنفسنا , فلن تغير أوضاعنا . أما قال العليّ : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( سورة الرعد : 11) ؟

*              *                *

اكم المدنيّة والجزائيّة تصدر حكمها في أيّة قضيّة – وقد يترتب على الحكم حياة أو موت – إذا ما تهيّأ لديها بضعة إثباتات مادّية وبعض شهود . وخوارق الدكتور داهش معروضة أمام محكمة العالم منذ نصف قرن ؛ وألوف هم الشهود الذين يؤكّدون صحّتها , وفيهم مدّعون عامّون , وقضاة كبار , ومحامون لامعون , وأطبّاء مشهورون , وأدباء , وأساتذة جامعيّون , وصحافيّون من مختلف الجنسيّات . أفلا  يكفي هذا الحشد من الشهود لتتنبّه الضمائر الحيّة , وتتجرأ النفوس الشريفة  فتعلن الحقيقة الروحيّة الكبرى , بصوت مدوّ في كلّ أنحاء العالم ؟ ! خصوصاً أنّ بين الشهود مئات ممن يجمعون الى الكفاءات الثقافيّة العالية سيراً نقيّة وأخلاقاً سامية ؛ إذ فضّلوا التخلّي عن مناصبهم ومكاسبهم المادّية , ودخول السجون , ومعاناة الإضطهاد والآلام  , على أن يتخلّوا عن إيمانهم بحقيقة تيقّنت منها عيونهم , واقتنعت بها عقولهم , واهتزّت لها قلوبهم .

فإن كانت الكفاءة العلميّة لا يوثق بأهلها , والكفاءة المسلكيّة لا يطمأن الى شهادة أصحابها , فما الذي يجعلنا نؤمن بالحقائق العلميّة وهي ألوف ,  ولم يختبرها منّا إلاّ القلائل ؟ إذ من يجرؤ على الزعم بأنّه قاس سرعة النور بنفسه , وفحص تكوين الذرّة بعينه , وحلّق بين الكواكب , وغاص في أعماق البحار , ودرس ما فيها من أسرار , مطّلعاً بنفسه على كلّ الحقائق العلميّة التي يسلّم بها دونما جدال ؟ !

وما الذي يجعلنا نؤمن بمعجزات السيّد المسيح ؟ ونحن لم نر منها معجزة واحدة , ولم يخبرنا بها أحد من المؤرّخين أو المعارضين , إنما عدد قليل جدّاً ممن آمنوا بها , بعد أن رأوها أو سمعوا عنها !

إنّ المنطق السليم يجعلنا نؤمن بالحقائق العلميّة كما نؤمن بمعجزات المسيح , لأنّ الذين خبروها وشهدوا لها كانوا يتمتّعون إمّا بكفاءة ثقافيّة أو بأمانة خلقيّة , فكيف بنا والشهادات على معجزات الدكتور داهش تتواتر وتتكاثر حتى الألوف , ومن أنصاره وأخصامه على السواء , ومن عدد كبير من الذين يجمعون العلم الرفيع الى الخلق النبيل ! وكيف بنا ورجل الخوارق ما زال حيّاً بيننا , يستقبل عشرات الوافدين يوميّاً , فيصوّر عجائبه المصوّرون , ويحتفظ بإثباتاتها المادّية الزائرون , ويخرج الكافر من لدنه مؤمناً باللّه وأنبيائه دونما تفريق , ويخرج المعاند المكابر شاهداً لحقيقة المعجزات , وإن لم يؤمن , لعلّة فيه , بدعوة صاحبها . ولا عبرة بقلّة ممن زاغت قلوبهم , وعميت عيونهم , واستؤجرت أقلامهم , فآثروا الباطل على الحقّ ؛ فدولة الباطل ساعة , ودولة الحقّ الى قيام الساعة .

ومع ذلك , فما دام الرجل بيننا , فلكم الحقّ في أن يكون إيمانكم كإيمان توما مبنيّاً على اللمس . فقد سعينا وتيقّنا , فما عليكم إلاّ أن تسعوا لتتيقّنوا . ولكن , " طوبى للذين آمنوا ولم يروا " ( يوحنا 20 : 29 ) , كما قال سيّد المجد .

من المعجزات التي ثبتت , إذن , لدى الألوف , ننطلق لإعلان الحقائق الروحيّة الداهشيّة , فيكون سيرنا , لا في فضاء النظريّات والتخمينات الفلسفيّة أو اللاهوتيّة , بل على أرض الواقع الصامد .

 

 

 

الحقائق الداهشيّة

لئن استطاع العلماء أن يكشفوا عن بعض أسرار الوجود , فما يزال مغلقاً دونهم ما لا يحصى منها . ولذا فهم يقفون وسط بحار المجهول المحيطة بهم حائرين خاشعين .

لقد أثبتوا , بعد مراجعات كثيرة , وتجارب طويلة , وجهود جبّارة , أنّ الجماد ليس جماداً , فالحركة تحييه , كما تحيي غيره من أنواع الكائنات , وأنّ في أساس تكوينه , كما في أساس تكوينها  , الطاقة الكهربائيّة المغنطيسيّة , وأنّ هذه الطاقة لا تفنى , فهي محفوظة في الكون .

ولكن , ما سرّ هذه الطاقة ؟ وما مصيرها بعد زوال مظاهرها المحسوسة ؟ وما صلة الإنسان الجوهريّة بغيره من الكائنات ؟ وكيف تتطوّر الحياة ؟ وماذا قبل الولادة وبعد الممات ؟ هذه الأسئلة ومتفرّعاتها , ما برح العلم عاجزاً عن الإجابة عليها .

أمّا الإجتهادات  الفلسفيّة , والتأويلات المذهبيّة , فتناقضاتها تزيد الإبهام والبلبلة , وقيمتها تلزم صعيد التخمينات والنظريّات , فلا تكتسب قوّة الحقائق الواقعيّة .

وهنا خطورة معجزات داهش , فهي تستبق العلم في ما تزفّ الى المعرفة البشريّة من فضّ أسرار وإيضاح غوامض , وفي ما تهدي الى الحائرين من أمر دينهم ودنياهم نوراً ساطعاً يضيء لهم الطريق .

حتى الأمس القريب , كان العلم هو السبّاق , والمذاهب الدينيّة تحاول اللحاق به , جاهدة مرغمة . حسبنا الإلماع الى مأساة غاليليو ( 1564 – 1642 ) , ومقاضاة محكمة التفتيش الكنسيّة الرومانيّة لتقدّم المعرفة بمقاضاته , كما الى الحكم الذي أصدره بيوس العاشر , سنة 1907 , ضدّ الحركة العلميّة الحديثة .

أمّا اليوم , فالمعجزات الداهشيّة هي التي تطرح التحدّي على العلم , فيجري وراءها لاهثاً . ذلك بأن الداهشيّة ليست نظريّات وافتراضات , بل حقائق روحيّة مدعومة بالبراهين المحسوسة . وللمرّة الأولى في التاريخ , يرفع القناع عن المجهول بهذه القوّة والعظمة .

فما هي خلاصة هذه الحقائق ؟

يمكن إجمالها بأربع :

1 – وجود الروح وخلودها .

2 – السيّالات الروحيّة هي نسيج الكون وقوام كائناته .

3 – السببيّة الروحيّة والجزاء العادل .

4 – التقمّص .

 

 

 

 

الحقيقة الأولى :

وجود الروح وخلودها

 

الكتب الدينيّة كلّها تحدّثت عن وجود الروح , كذلك أكثر الفلاسفة . ومع ذلك , فليس من عصر شاع فيه الإلحاد والتشكيك بوجودها كهذا العصر . ذلك بأنّ الناس باتوا لا يؤمنون بالمجرّدات . فهم يطالبون بإثبات ماديّ لوجود الروح يكون بمستوى العصر , لآنّ العلم المنتشر في أرجاء المعمور رسّخ في أذهانهم منهج التحقّق الماديّ الإختباريّ .

وليس ثمة من برهان ماديّ ساطع على وجود الروح إلاّ المعجزة . فهي " بخرقها " قوانين الطبيعة الأزليّة التي تحكم البشر جميعاً , تثبت أنّ القدرة التي تصنعها لا يمكن أن تكون قدرة بشريّة . فأعظم الإختراعات , وإن تكن الصواريخ والسفن الفضائيّة , لتبدو ضئيلة باهتة لصاحب البصيرة النيّرة , حيال أيّة معجزة من أي نوع كانت . ذلك بأنّ المنجزات العلميّة ليست سوى أعمال بشريّة يستفيد بعضها من بعض , ويبنى أللاحق منها على السابق , ومهمّتها محاولة الكشف عن المزيد من أسرار الطبيعة والإستفادة منها ؛ وهي لا تستطيع خرق قوانينها , بل تجاريها . وكلّ إنسان بوسعه القيام بالأعمال العلميّة إذا  ما راعى الشروط والظروف والوسائل المادّية المقتضاة . أمّا المعجزة فليست من قدرة البشر , وإن احتشد لها علماؤهم من جهات الأرض الأربع .

فهل إستطاع الأطباء , على التقدّم العظيم الذي حقّقوه , أن يشفوا أيّة علّة أو إصابة عضويّة بغير عقاقير , أو دونما لجوء الى عمليّات جراحيّة لدى الإقتضاء ؟ هل إستطاعوا أن يقفوا , مثلاً , أمام برصاء متهرّئة اللحم ويقولوا لها : فلتشفي . وتشفى على الفور ؟

أو هل يستطيع العلماء مجتمعين أن يحوّلوا ورقة يانصيب خاسرة الى ورقة رابحة بمجرّد أمرها ؟ أو أن يكوّنوا صحيفةً , قبل صدورها , بعدّة أيّام , بمجرّد قولهم : كوني , فتكون ؟

ذاك لم يحدث ولن يحدث , لأنّه لو جرى , لخرج الإنسان عن طبيعته البشريّة , وأصبح إلهاً , أو روحاً تطيعه المادّة وتخضع له القوانين التي ما أرادها أللّه تخضع إلاّ لمشيئته , لأنّه مبدعها وحافظها .

أمّا الدكتور داهش فقد إستطاع ذلك , ويستطيعه يوميّاً , لكن ليس بقدرته البشريّة , بل بقوّة الروح العليّ الذي اتّخذه إناءً مختاراً , ليصنع معجزات الهداية , على يديه .

وفي القسم السابق من هذا الكتاب , ذكرت مفصّلاً عشرات المعجزات الملموسة الدامغة التي إجترحها رجل اللّه , أمام مئات من الشهود المثقّفين الكفوئين , مما يدع أعاظم العلماء والمفكّرين , في حيرة وذهول , خاشعين عاجزين .

فإزاء هذه الخوارق لا يسع ذا البصيرة النيّرة إلاّ التسليم بوجود قوّة روحيّة تتخطى القدرة البشريّة , وتخرق القوانين الطبيعيّة وتهيمن على الكائنات , تماماً كما يسلم المرء بوجود الطاقة المغنطيسيّة من جرّاء ملاحظته تأثير جاذبيّتها على بعض الأجسام , مع أنّه لا يستطيع القبض على الطاقة المغنطيسيّة .

فإذا ما زدنا الى خوارق الدكتور داهش التي لا تحصى , مئات من النبوءات سلّمها الى مئات الأشخاص , إزداد يقيننا بوجود هذه القوّة الروحيّة المتفلّتة من قيود الزمان والمكان التي تكبّل كلّ بشريّ .

ومن هذه النبوءات ثلاث تتعلّق برئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الأسبق , بشارة الخوري :

الأولى , سلّمت الى عقيلته السيّدة لور في 13 تشرين الثاني 1943 , إثر إلقاء السلطة الفرنسيّة القبض عليه ؛ وذلك بعد توسّلها الى الرجل الخارق لإطلاعها على مصير زوجها , وذلك بواسطة شقيقتها الأديبة ماري حدّاد التي كانت آمنت بالرسالة الداهشيّة . وممّا جاء فيها أنّ بشارة الخوري سيعود الى الحكم في 22 تشرين الثاني 1943 , مع إيضاح ملابسات الأحداث التي ستجري .

والثانية نشرتها جريدة " الصحافيّ التائه " في 20 شباط 1944 ؛ وخلاصتها أنّ إضطهاداً سيشنّه بشارة الخوري على الدكتور داهش , وسينزل جزاء روحيّ بالمضطهد , وذلك بكسر يده من كتفه , فيضطرّ الى قصد القدس للإستشفاء , في 15 شباط 1945 . وقد تمّت النبوءة بحذافيرها , مع العلم أنّها نشرت , قبل نحو عام من وقوع أحداثها .

والثالثة تكشف تاريخ موت بشارة الخوري , وقد اطّلعت عليها إبنته السيّدة هوغيت كالان بواسطة صديقتها السيّدة وداد نفّاع .

ولو أردنا تفصيل كلّ النبوءات الداهشيّة لملأنا بها مجلّداً . حسبنا الإلماع الى نبوءاته بفوز الأستاذ بشير العثمان في الإنتخابات النيابيّة , مع ذكر عدد الأصوات التي سينالها , وسقوط السيّد محسن سليم , ومصرع الرئيس الأميركيّ جون كندي , وقد تسلّم النبوءة به عشرات الأشخاص , منهم المحامي والوزير السابق إدوار نون , وذلك قبل مقتله بمدّة طويلة (35) .

كلّ تلك الخوارق والنبوءات تلزم الواعين  من البشر الإيمان بوجود الروح وقدرتها . وذلك يستتبع , لزاماً , التسليم بثلاثة أمور :

1 – الإيمان بوجود اللّه عزّ وجلّ ؛ لأنّ الروح تشهد له , فهي نفثة إلهيّة من ذاته , لا يشوبها دنس , ولا يلطّخها أيّة كثافة " مادّيّة " . وهو مبدعها ومعادها . ولأنّها من جوهره الخالد فهي خالدة .

2 – الإيمان بوحدة الأديّان ؛ لأنّ روحاً عليّاً واحداً أوحاها , وغاية سامية واحدة حرّكتها ؛ وبالتالي السعي نحو تحقيق هذه الوحدة في وجود واقعي حيّ .

3 – التسليم بمعرفة الروح الخارقة المحيطة بالأسرار كافّة , والعمل بإرشاداتها الخيّرة .

 

الحقيقة الثانية :

السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته 

 

و السيّالات الروحية تعني قوى إشعاعية حية غير منظورة هي امتداد للروح في العوالم الماديّة .
و السيّالات جميعها ذات إدراك و إرادة و نزعات , لكن على درجات متفاوتة .

و قد تأكد لنا , من مئات المعجزات التي شاهدناها و شاهد مثلها الألوف غيرنا , أن السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته ؛ هي الجوهر الخالد الذي يوحد الموجدات , و إن اختلفت مظاهرها المحسوسة . و ليست الطاقة الكهربائيّة المغنطيسية التي اكتشف العلم أنها في أساس الوجود كله إلاّ صفة من صفاتها .

فخصائص الحياة النفسية ليست في الإنسان فقط , بل هي أيضاً في الحيوان و النبات و كل ما يسمى " مادة " .

ووجود السيّالات في البشر , على تفاوت في العدد , و الميزة , و الدرجة , بين فرد و فرد , هو الذي يسبب تباين القدرات الجسدية والعقلية , و اختلاف الميول و المواهب النفسية عندهم . كما إن انسجامها و سموها في الإنسان يبعثان السلام و الاتزان في نفسه , وتناقضها و انحطاطها يسببان الاضطراب و الاختلال . كذلك , فإلى تشابهها  أو تباينها , في الأشخاص و الجماعات , يعود التجاذب والتحابّ , أو التنافر و التباغض .

هذه القضايا البشرية , ما يزال المشتغلون في علم النفس يحاولون الوصول الى تفسيرها , جاهدين , من غير أن يطمئنوا الى رأي صائب يتفقون نهائياً عليه , بينما أدركت الداهشية حقيقتها و سرها من زمن بعيد.

و قد أتيح لي , كما لكثيرين غيري , أن نتيقن من أن الفناء الذي يطرأ على الأشياء , إنما هو تبدل محصور في مظهرها الحسي النسبي , و لا يمس جوهرها الحي .

فمراراً كنا نحرق أشياء مختلفة , بينها أوراق مالية , و سندات أو صور أو مخطوطات , أو تحطم أمامنا كؤوس بلوريّة و ما أشبه , ثم يعيد الدكتور داهش تكوينها , كما كانت , بلمح البصر , و بقوة الروح العليّ . و شهود هذا النوع من المعجزات يعدون بالمئات . أكتفي منهم بذكر النائب السابق محسن سليم , و الأديب جورج حداد , و الوزير السابق المحامي إدوار نون , و السيدة ناديا غبريال , والسيدين أنجلو بولو و امين نمر . وسبق أن فصّلت في القسم الثاني من هذا الكتاب , معجزة إحياء العصافير الميتة أمام الشيخ منير تقي الدين و الصحافي إسكندر رياشي.

فهذه المعجزات التي تعيد الحياة الى الميت , و الشيء الذي احترق أو تحطم , الى وجوده السابق نفسه , إنما تؤكد أن السيّالات الروحيّة خالدة , سواء أكانت في الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد .

أما الحقيقة الأغرب التي أوضحتها الداهشية , فهي أن كل كائن , بل كل عمل أو رغبة أو فكر , يكون لها نموذج حي او صورة أو تسجيل تحفظ  روحياً  في عوالم خاصة , كشهود على حياة الكائن و سلوكه و أعماله . و إيضاح ذلك يتم في المعجزات التالية :

في 11 حزيران 1943, عقدت جلسة روحية كان من حاضريها الأديب جوزف حجار , و عقيلته السيدة آندره , و مؤرخ الوقائع الداهشية حليم دمّوس .

و ما إن ارتعش داهش بالروح , حتى سمع الحاضرون حفيف أجنحة خفيّة , سرعان ما تبعه تجسد حمامة ناصعة البياض ظهرت في فضاء الغرفة المغلقة , و حطت على كتف السيدة آندره , و في منقارها عرق زيتون أخضر يقطر ماء .

و قد أوضحت الروح , بفم الدكتور داهش , أن هذه الحمامة إنما هي حمامة نوح نفسها . و قد حفظ سيّالها , بعد موتها , في عالم روحي خاص . و كذلك عرق الزيتون , و الماء الذي يقطر منه , حفظ سيّالاهما , أيضاً , بعد زوالهما . وهكذا كل موجود بعد تلاشيه .

و مكثت الحمامة في منزل الرسالة الداهشية ما ينيف على ستة أشهر , كانت في أثنائها تطير من غرفة الى أخرى , و تحط على أكتاف الزائرين , و تأكل من أيديهم بطمأنينة , حتى إذا حل صباح  27 كانون الأول 1943, شاهد المجتمعون في المنزل , تلك الحمامة العجيبة تحوم فجأة حول رأس رجل الروح , ثم تمضي تحوم فوقه مصعدة في فضاء الغرفة , و حجمها يتضاءل شيئاً فشيئاً , حتى تصبح بحجم النحلة محتفظة بشكل الحمامة ؛ و تستمر تصغر , حتى تعجز العيون عن إبصارها . و هكذا تعود الى العالم الذي هبطت منه .

كذلك , فعشرات هي المرات التي كان يفاجأ فيها زائرو الدكتور داهش باطلاعهم عنده على أحاديثهم  مسجلة بحرفيتها , و أفكارهم الصامتة مدونة  بخلجاتها , و أوضاعهم المختلفة مصورة بتفاصيلها. ذلك ما جرى مع السيدة رسمية الحريري و زوجها , و السيدين شفيق المقدم و مصطفى الخطيب , و الآنسة إيلين ضاهر و شقيقها نقولا , و غيرهم كثيرين . مع العلم أنهم كانوا , ساعة حديثهم أو تفكيرهم أو عملهم , منفردين في منازلهم , بعيدين عنه .

بهذه المعجزات وحدها نفهم معنى الآية القرآنية :" و إن من شيء إلاّ عندنا خزائنه , و ما ننزّله إلاّ بقدر معلوم "  (الحجر : 20 ) , و الآية القائلة : " يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون " (النور:24). كما يتحقق أمامنا ما قاله السيد المسيح :" أقول لكم إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس يعطون عنها جواباً في يوم الدين " ( متى 12: 36). و يضيء في أذهاننا قوله تعالى : " أم يحسبون أنّا لا نسمع سرهم و نجواهم ، بلى و رسلنا لديهم يكتبون " ( الزخرف : 80).

 

الحقيقة الثالثة :

السببية الروحية و الجزاء العادل

إن الأحداث اليومية التي تقع , من مرض و موت و خسارة , أو شفاء و نجاة و ربح , و غير ذلك , يعللها معظم الناس بأسبابها  المادية المباشرة , و إن جهلوها فبالصدفة . فإن تدهورت سيارة , مثلاً , و قتل فيها فرد , و جرح ثان , و سلم آخر, عللوا اختلاف مصاير الركاب بالصدفة , أو بأسباب مادية محضة .

و فضل المعجزات الداهشية أنها توضح أنها  مصاير البشر ونتائج أعمالهم تشرف عليها قوة روحيّة عادلة  حكيمة مدبرة , لا يفوتها شيء , مهما صغر و دق , و لا يعجزها أمر , مهما عظم وتعقد .

فالصدفة لا وجود لها , على الإطلاق . و السببية قانون كوني شامل ؛ لكن الإنسان لا يدرك منها سوى الوجه المحسوس , أو الذي يستطيع عقله وعيه , بينما تبقى العلة الحقيقية , و هي دائماً علّة روحية , محجوبة عنه . فالمرء , سواء مات في فراشه ميتة هنيئة , أم في حرب , أم إثر حادثة معينة , فتحديد أجله إنما يكون بموجب نواميس روحية , وفق استحقاقاته و درجة سيّالاته . فأن حان أجله , فاجأه الموت أينما كان , و لم يعصمه حصن , و لا بحر , و لا طبيب , في أي مكان. و إذا لم يحن أجله أنقذ مما لا ينقذ منه سواه .

و بغية الإيضاح الواقعي, سأعطي مثلين عجائبيين:

خلاصة المعجزة الأولى انه بينما كان الدكتور خبصا بصحبة الدكتور داهش وراء صيدلية حمادة في بيروت , إذا برجل الخوارق يرتعش بالروح و يخاطب رفيقه قائلاً :" أنظر الى هذا البائع الجوال" . و كان إزاءهما على بضعة امتار بائع أمام عربة عليها بطيخ . فأشار الدكتور داهش بيده , فإذا بطيخة ترتفع في الهواء , وتقع على الأرض محطمة . ثم أعاد الإشارة , فارتفعت بطيخة أخرى, و سقطت محطمة . فسأله الدكتور خبصا , متأثراً : " لكن لم ذلك ؟ فهذا البائع مسكين , و هذه الخسارة تكلفه غالياً ". فأجابه الروح العليّ بفم الدكتور داهش :" أجريت ذلك أمامك , لأعلمك أن العدالة تجري على جميع الكائنات , كبيرها و صغيرها  , بصورة طبيعية , من غير أن ينتبهوا لكيفية سيرها . فهذا البائع ربح أكثر مما يجب له في هذا النهار , و ربحه غير الحلال , و إن يكن ضئيلاً , خسره بتحطم البطيختين . و لو لم أرك ذلك بالمعجزة , لتتنبه , لكانت العربة سقطت في حفرة من غير انتباه صاحبها , و لتدحرجت البطيختان نفسهما من فوقها و تحطمتا ".

هذه المعجزة , و كثير من أمثالها , وضحت للداهشيين أن ما يزرعه الإنسان يحصده , و أن أعمال البشر جميعاً , وعلاقاتهم بعضهم ببعض , تترتب عليها نتائج من شأنها أن تقيم العدل الإلهيّ بينهم ." فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره , و من يعمل مثقال ذرة شراً يره"(سورة الزلزال:7- 8) و " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " ( سورة النساء:40)

أما المعجزة الثانية فتوضح كيف تتم المساعدات الروحية وفق استحقاق أصحابها .

في 3 آب 1964,  زار السيد شفيق المقدم الدكتور داهش بصحبة عقيلته السيدة رباب و شقيقتها .و كان في الجلسة آخرون .

فارتعش رجل المعجزات بالروح و قال لشفيق :" إن حادثاً فظيعاً سيقع لك و لأسرتك قريباً , و لكن لا تخف, فإني سأطلب مساعدة روحية من العناية الإلهية لرفع الخطر عنك ." و طلب الدكتور داهش الى الدكتور أبي سليمان  الذي كان حاضراً , أن يرسم الرسم الداهشي المقدس, و يضمنه دعاءً لله عز و جلّ , لرفع الخطر. ووقع الحاضرون جميعاً أسماءهم على الدعاء.

و بعد ثلاثة أيام من هذه الزيارة , و عند الساعة الحادية عشرة و النصف ليلاً , بينما كان السيد مقدم عائداً مع بعض أفراد أسرته من النبطية , (37) , في سيارته البويك , و هو يجري بسرعة كبيرة  تتراوح بين 120 و 140 كلم في الساعة , وصل الى منعطف خطر , فحاول أن يخفف السرعة , لكنه فوجئ , بعد نحو خمسة أمتار من المنعطف , بشاحنة كبيرة  واقفة في عرض الطريق الضيق , بسبب عطل طرأ عليها , و امامها بقعة موحلة , و كان الطريق مسدوداً بها, و على أحد جانبيه , صخور عالية , و في الجانب الآخر هاوية . وفقد شفيق السيطرة على سيارته , ووجد نفسه وجهاً لوجه , أمام موت رهيب. و زعق الجميع للمشهد الفظيع , و للمصير الرهيب المنتظر , و برق في رؤوسهم الدكتور داهش  ووعده بتخليصهم من الكارثة المتوقعة. و شاهدوا سيارتهم تصطدم بسرعة فائقة بالشاحنة , ويتقصف المعدن أمامهم , و يتحطم الزجاج , و يحسّ السائق بالصدمة في صدره ؛ كل ذلك في ثانية , و في ثانية أخرى , كانت السيارة و ركابها في الجانب الآخر أمام الشاحنة . لقد تمت المعجزة , و أنقذت الأسرة من الموت الشنيع , بإذن الله , و مساعدة رجل الله. فاخترقت السيارة بصورة روحية إعجازيّة الشاحنة , من غير أن تمسّ بخدش واحد , لا هي ولا ركابها . فحمد الجميع الله و مجّدوه , وازدادوا يقيناً و إيماناً بالدكتور داهش و بصحّة رسالته . (38)

فأية قدرة في العالم تستطيع فعل ذلك ؟ أن تجعل كتلة عظيمة من الحديد تخترق كتلة أخرى من غير خدش يصيبها ؟ أن تسحق المعدن على اللحم و العظم , فيعلك البشر و سيارتهم  في صدام رهيب , ثم ينجوا من الموت المحتوم , و لا جرح في أجسامهم ! إنها قدرة الله , وحده سبحانه , تتجلى على يدي عبده و مصطفاه  داهش العظيم .

هذه المعجزات و امثالها تجعلنا ندرك معنى قول السيد المسيح : " أليس عصفوران يباعان بفلس , و مع ذلك فواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم . و أنتم فشعر رؤوسكم جميعه محصى , فلا تخافوا , فإنكم أفضل من عصافير كثيرة" ( متى 10: 29 – 31) . كما تجعلنا نفقه معنى الآية الكريمة: "و لكل أمّة أجل , فإذا جاء أجلهم , لا يستأخرون ساعة , و لا يستقدمون " ( سورة الأعراف : 34) .

 

 

 

 

 

الحقيقة الرابعة :

التقمص

لقد أدرك حقيقة التقمص فلاسفة عديدون , منهم فيثاغورس وافلاطون , و آمن بها , اليوم , مفكرون كثيرون , بينهم نابغة لبنان , جبران خليل جبران . و كانت عقيدة التقمص قوام البوذيّة و الأديان الهندوسيّة عامة . و صرح بها القرآن الكريم , دونما تفصيل في قوله : " كيف تفكرون بالله , و كنتم أمواتاُ فأحياكم, ثم يميتكم , ثم يحييكم , ثم إليه ترجعون "  ( سورة البقرة : 28 ) , و في آيات كثيرة أخرى اعتمدتها عدة مذاهب إسلامية شيعية , أو درزية , لإعلان إيمانها بالتقمص. كما ألمع إليها السيد المسيح في مواقف كثيرة , منها قوله  لتلاميذ يوحنا المعمدان الذين سألوه عمن يكون معلمهم , فقال لهم : " إذا أردتم أن تقبلوا فهو إيليا المزمع أن يأتي " ( متى 11: 14) , و كذلك جوابه لتلاميذه , بعد ان سألوه لماذا تقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً ؟ فقال لهم : " إن إيليا قد أتى , و لكنهم لم يعرفوه , بل صنعوا به كل ما أرادوا... ففهم التلاميذ , حينئذ , أنه عنى بكلامه يوحنا المعمدان " ( متى 17 : 12 و 13 ) .

لكن الداهشيين إن آمنوا بما أنزل في الكتب المقدسة , فهم يدعمون إيمانهم بمعجزات محسوسة  تؤكد التقمص , بانتقال السيّالات الروحية من جسد الى آخر في الأرض , إنساناً كان أو حيوان او نبات أو جماداً, أو بانتقالها الى كوكب آخر علوي أو سفلي , حسب درجة إستحقاقها .

فعشرات هم الأشخاص النابهون , من مؤمنين بالداهشيّة أو غير مؤمنين , الذين شاهدوا الدكتور داهش عدّة شخصيّات , أي عدّة كائنات هي شبهه تماماً . وهي تجالسك وتحادثك ؛ لكنّها مع ذلك , ليست كائنات بشريّة , بل هي إمتدادات روحيّة لداهش تحيا  في كواكب علويّة متفرّقة من الكون , ودرجتها الروحيّة تفوق درجة البشر الى حدّ بعيد , ولذا فهي لا تخضع لنواميس الأرض , (41) .

وليست تجسّدات السيّالات غير الأرضيّة مقصورة على شخصيّات الدكتور داهش , فقد حصلت تجسّدات أخرى عديدة أمام شهود كثيرين , ذكرت منها في القسم الثاني , من هذا الكتاب , تجسّد ندى (42) , وأكتفي , هنا , بذكر أحدها "

في مطلع آب 1942 , كان الدكتور داهش برفقة الأديب يوسف الحاج , والشاعر حليم دمّوس , في منزل الأخير في رأس بيروت . وفي الساعة العاشرة ليلاً , إنتصب رجل المعجزات في الغرفة المضاءة يحدّق من نافذتها الى السماء المتألقة بالنجوم . وما هي إلاّ لحظات , حتى تراءى أمام الثلاثة شبه ضبابة أخذت تقترب وتتكاثف تدريجيّاً , الى أن إنجلت أخيراً عن كائن أشبه بالبشر , إنّما أحمر الوجه , نافذ النظرات , متألّق المحيّا ؛ وأخذ يحدّثهم بسرعة عجيبة , ولغة غريبة لم يفهموا منها شيئاً . فتقّم الدكتور داهش , ورسم الرمز الداهشيّ المقدّس على فمه , فطفق يتكلّم العربيّة .

ومما قال : " إنّه أحد سكان عالم من العوالم التي لا تدركها الأبصار البشريّة , وسبق أن كان أحد أبناء الأرض , منذ بضعة آلاف من السنين . وما أن مات , مخلّفاً جسده طعمة للديدان , حتى وجد نفسه في عالم مجيد بهيّ " . وبعد أن حدّثهم بأمور خطيرة كثيرة , أخذ يتلاشى , أمامهم تدريجيّاً , حتى غيّبه المجهول .

بهذه المعجزات التجسّديّة أصبحنا نفهم ما عناه السيّد المسيح : " إن في بيت أبي منازل كثيرة " ( يوحنا 14 : 2 ) , وما قصده بولس الرسول : " ومن الأجساد أجساد سماويّة وأجساد أرضيّة . ولكن مجد السماويّات نوع , ومجد الأرضيّات نوع آخر , ومجد الشمس نوع , ومجد القمر نوع آخر , ومجد النجوم نوع آخر ؛ لأنّ نجماً يمتاز عن نجم في المجد " ( كورنثوس الأولى 15 : 40 – 41 ) . كذلك إتّضح معنى الآية الكريمة : " فلا  أقسم بمواقع النجوم , وإنّه لقسم لو تعلمون لعظيم " ( الواقعة : 75 و 76 ) .

فالحياة تعمّ الكون بأسره , ذلك بأن الحياة هي المبرّر الوحيد لأي وجود . وما النعيم والجحيم سوى الكواكب والنجوم كلّها مرئيّها وغير مرئيّها .

وقد حان الوقت لندرك بفضل الداهشيّة , أنّ الإنسان ليس مقياس الحياة , كما كان يظن ّ , ولا حتى مقياس مظاهرها العاقلة , ولا هو ذروة تطوّرها , إنّما الإنسان كائن بسيط ضعيف , ومظهر متخلّف نسبيّاً من مظاهر الحياة الكونيّة التي لا حصر لها . وعليه أن يعرف حدّه وقيمته في سلّم الحضارات الكونيّة التي لا يستطيع أن يرقى الى عظيم مجدها ومعرفتها وقدرتها ونقاوتها وسعادتها , حتى بالخيال . فإذا ما أدرك أن ميوله وأعماله في حياته السابقة هي التي أوصلته الى هذه المرتبة الذريّة بين الكائنات السامية , توجّب عليه أن يسعى الى ترقية ذاته في المعرفة الحقيقيّة والروحانيّة ؛ لأنّ أمجاد العوالم العلويّة لا تنال بصاروخ ولا بسفينة فضائيّة , لكن بإرتقاء روحيّ داخلي يؤهّل الإنسان بعد موته , للتجسّد في الكوكب العلويّ الذي يستحقّ . وإلاّ فأنّه إذا سفّل نفسه , وتشبّث بالدنيويّات , يضع ذاته في جاذبيّة العوالم السفليّة ,فتتجسّد سيّالاته , بعد موته في كوكب يعظم فيه الجهل , ويتفاقم الشرّ , ويشتدّ الشقاء والعذاب .

وإنّنا ما كنّا لنبصر شخصيّات الدكتور داهش والتجسّدات الأخرى , لو لم يأتي تجسّدها ضمن مقاييس الأرض . وهذا ما يفسّر عجزنا عن رؤية الروح كما هي , أو رؤية الملائكة وسائر الكائنات العلويّة على حقيقتهم .

فالعلم نفسه أكّد أنّ الإنسان محدود إدراكه الحسّي بشبكة من الحواس له حدود عليا وحدود دنيا لا يمكنه تجاوزها . فالعين لا تبصر من الموجودات إلاّ التي تتراوح أطوال مويجاتها الضوئيّة بي 7600 و4000 أنكستروم في الثانية , والتي تتحرّك بسرعة أدنى كثيراً من سرعة النور التي تبلغ 300,000  كيلومتر في الثانية . والأذن البشريّة لا تسمع من الأصوات إلاّ التي تتراوح بين 15 ونحو 20,000 ذبذبة في الثانية .

ولذا فالروح تبصرنا وتسمعنا , ونحن لا نبصرها ولا نسمعها .

 

   و بعد , فمن هو داهش؟

إننا لا نؤمن به إلهاً, بل نؤمن بأنه هاد من هداة الله طبقاً للآية القرآنية الكريمة :" و لكل قوم هاد " (سورة الرعد : 7 ) . و نحن قوم تبلبلت أفكارنا , و تجزّأت أدياننا و تناحرت مذاهبنا و شاع الكفر فينا , و تغلب النفاق على الإيمان , فتدخلت رحمة الله , و أرسلت إلينا هادياً , يهدينا الى سبيل يخرجنا من حيرتنا و اضطرابنا و مآسينا , ويعيد الينا الثقة بالمسيح و الأنبياء والإيمان برب العالمين .

و من الهداة من وهبهم الله عقلاً نيراً و نفساً نقية , كسقراط و غاندي و الإمام علي , و منهم من أيدهم تعالى  بروح من لدنه , فصنعوا المعجزات  بقدرة العليّ , تصديقاً لدعوتهم الروحية . والروح , كما قال السيد المسيح : " يهب حيث يشاء" ( يوحنا 3: 8 ) , و قد شاء أن يهب في لبنان , أفنرفضه  فنكون من الأغبياء الخاسرين ! والخالق سبحانه هو الذي يختار من يريد من الناس لإحلال روحه فيه , تصديقاً لقوله :" رفيع الدرجات , ذو العرش , يلقي الروح من أمره  على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاقي" (غافر:15) , و قد شاء أن يلقي الروح على رجل من أرض الأنبياء هو داهش. أفنناقش الله و نرفض مشيئته ؟

لم يبارك التاريخ مضطهدي سقراط و بوذا و المسيح و الرسول العربي و غاندي , بل لعنهم , و خلد اولئك الهداة و الرسل والمصلحين , و خلّد رسالاتهم . أما المؤسسات و التكتّلات و الدول كلها التي قاومتها , فقد قضى التاريخ عليها بالفناء و دمغها باللعنة الأبديّة .

ذلك بأن الحضارات لا تقوى على البقاء الاّ بغذاء القيم الروحية. و كل شعب تخلى  عنها مصيره الإنحلال و التبدد , مهما تعاظم وشمخت مدنيته , و مهما صال و جال الباطل فيه , فالباطل دولته قصيرة , و التاريخ شاهد على ذلك . و القيم الروحية لا سياج لها إلاّ الرسالات السماويّة و الدعوات الإنسانية .

حتى الحركات الإجتماعيّة الثورية تستمد مقومات إصلاحها من تلك القيم . فالعدالة و الأخوة و التعاون ورفع الظلم و الإستثمار التي تنادي بها , تجد أصولها في الرسالات الروحيّة الصحيحة . و القيمة الحقيقيّة لكل حركة إصلاحيّة تكون بنسبة تطبيقها تطبيقاً عمليّاً تلك القيم الروحيّة .

و إذا كان المتاجرون بالقدسيات قد أفرغوا الأديان من معناها الروحي  القويم , كوجود حي سام  فاعل في الإنسان فرداً و جماعة ,ليجعلوها نظريات و غيبيات و أدوات لكسب المغانم  و بسط النفوذ , فإن الداهشيّة , بمشيئته تعالى , ظهرت لتدعو الى إعادة الأديان لنقائها الأصلي و تأثيرها الخير الحيّ ووحدتها الروحيّة , فتبني نفوس الناس فرداً فرداً, مواطنين شرفاء أنقياء السريرة , أبطالاً أحرارا ًمتعاونين متحابين  عادلين , أناساً تسامى فيهم الإنسان , وتصاغرت البهيمة .

فالأنظمة مهما كانت صالحة لا تؤدي وحدها الى أي إصلاح حقيقي إذا كان الإنسان فاسداً . فالإنسان وجد أولاً , و النظام من أجله وجد . و هل يمكن  بناء صرح قويّ , مهما كانت عبقرية مهندسه, إذا كانت حجارته سريعة التفتت ؟ و ماذا ننتفع بالكأس , و إن تكن ذهباً ما دام الماء فيها سمّاً زعافاً , و نحن عطاش ؟ و هل تتبدل قيمة اللوحة التافهة إذا ما أحيطت بأطار ثمين ؟ فكل إصلاح جذريّ , لا يبلغ هدفه ما لم يصلح الفرد نفسه .

ألا فلنرفع الغشاوة عن بصائرنا , و لنع أننا لسنا وحدنا في الكون , فنكف عن الإستكبار و التأله . و لندرك أن الإرتقاء الصحيح يقضي بأن نتخذ لنا مطلقاً صحيحاً فنجعل الله كمالنا و غايتنا الأخيرة , لتستقيم الطريق  التي تبلغنا السعادة العظمى . الا فلنفهم أن اضطراباتنا و ضعفنا و تخلفنا و مشكلاتنا و حيرتنا و شقاءنا سببها كلها نحن , و نحن مختارون و مسؤولون . و ما لم نغير أنفسنا , فلن تغير أوضاعنا . أما قال العليّ : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( سورة الرعد : 11) ؟

*              *                *

 

Nicolai Daher

 

الداهشيّة

وَأثَرُ الأخْلاقِ في حياةِ الأُمَمْ

 

تقديم

فُطِرَ الإنسانُ على تعليلِ الحوادث التاريخيَّة وتفسيرِها. فهو لا يقتصِرُ على سَرْدها، بل يحاولُ ردَّها إلى مُخْتَلفِ أسبابٍ منها الطبيعيّ، أو الأجتماعيّ، أو الإقتصاديّ...

ولكنْ، مهما تتباينِ الآراءُ في تعليلِ التاريخ، يبْقَ للأخلاقِ والقيمِ دورها الكبير في تقريرِ الوجْهةِ التي ينتحيها الزَمَنْ.

 

من هنا يَنْطَلِقُ الأستاذ نقولا ضاهر المُجاز في التاريخِ والآثارِ والفنون، فيردُّ حوادثَ التاريخ إلى أسباب أخلاقيَّة نفسيَّة. إنَّ قيام الأمَم وزوالها، في إعتقاده، وَقْفٌ على نهضةِ الأخلاق أو انحطاطها.

 

فلنرافقه في رحلته عَبْرَ التاريخ، منذ طُوْفانِ نوح حتَّى عصرنا الراهن، مروراً بالأمبراطوريّتين الرومانيّة والعربيّة... وَلنسْتَمعْ، أخيراً، إلى رأيه في كيفيَّةِ الخلاص من أزْمَةِ القرن العشرين، علَّنا نَتَبيَّنُ، في غَمْرَةِ الظلام، طريقَ التَقدُّم والإرتقاء...

 

طوني شعشع

 

شغل موضوع " الأخلاق " عقول كثيرين من الفلاسفة والمفكّرين، وليس في وسعنا أن نعرض جميع الآراء والمناقشات التي دارت حوله، لأنَّ بحثنا يقتصر على تبيين مدى تأثير الأخلاق والقيم الروحيّة في حياة الأمم. وقد يكون إنحطاطها سبباً في كارثة تقضي لا على الأمم فحسب، بل على البشريّة جمعاء، ذلك ما لم تستجب لنداء الرسالة الداهشيّة وتُطَبِّقْ فضائلها وقيمها الروحيّة السامية.

ولا يَخْفَ علينا أنَّ الأخلاق نوعان متضادَّان: أخلاق كريمة، وأخلاق ذميمة. أمّا الأخلاق الكريمة أو المناقب – موضوع بحثنا – فهي مجمل الفضائل التي يتَّصف بها الإنسان، ومجمل القيم الروحيّة التي يعتنقها الفرد أو المجتمع.

ولا مُدعاة للقول أنَّ مقياس الأخلاق هو الأعمال. وأقصد بذلك أنَّ قيمة الإنسان المعنويّة ليست في أقواله ومواعظه، ولكنَّ قيمته تكمنْ، قبل كلِّ شيء، في أعماله الفاضلة وتصرّفاته الحميدة.

فأيُّ قيمة، ترى، لإنسان يدَّعي العفّة وهو غارق في حمأة الخطيئة؟ ولفرد يدعو إلى التواضع وهو متكبّر متعجرف؟ ولامرىء يتشدّق بالصدق وقلبه مملوءُ بالكذب والمراءاة؟ وأيُّ قيمة لأمّة تنادي بالسلم ومساعيها جميعها من أجل الحروب؟ أو تبشِّر بالاخاء والعدالة والمساواة وهي تستعمر الشعوب الضعيفة وتستثمر قواها؟ هذه الحقيقة البديهية ألحَّ عليها الأنبياء كثيراً. لنتذكّرْ قول السيّد المسيح: " ليس كلَّ من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات. ولكنَّ الذي يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات هو يدخل ملكوت السماوات " ( متى 7:21 ). ولنتذكّرْ قول القرآن الكريم: " مَنْ عَمِلَ صالحاً مِنْ ذَكَر أوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلْنحْيِينَه حياةً طيِّبةً وَلنجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانوا يَعْمَلون " ( سورة النحل 97 ).

وإذا كان لا بدَّ للفضائل والقيم الروحيّة من أن يكون لها أثرٌ حيٌّ فاعل في الإنسان والمجتمع، فيجب أن تقترن إقتراناً وثيقاً بالإيمان باللّه عزَّ وجلّ، لأنّه وحده المصدر المُطلق لكلِ قيمة عليا. إنَّ الإيمان باللّهِ نافذة تطلُّ منها أشعة السماء على الأرض، فتؤنس قلوب المؤمنين وتمنحهم القوّة للسير بركب الإنسانيّة إلى مزيد من المعرفة والحرّيّة والسعادة.

هذه الفضائل والقيم الروحيّة هي من الحضارة بمقام النسغ من الشجرة. فنحنُ نعتقد أنَّ مفهوم الحضارة يختلف عن مفهوم المدنيّة. فالمدنيّة تقتصر على الجانب الآلي التقنيّ الماديّ من المجتمع الإنسانيّ، بينما تشتمل الحضارة على معطياته الفكريّة والفنيّة والقيم الروحيّة، وهذه الأخيرة هي جوهر الحضارة وعلَّة وجودها. وعليه، فإنَّ في العصر الراشدي من مخزونٍ حضاريّ ما يربو بكثير على حضارة القرن العشرين. ومجمل القول إنَّ الحضارة هي إنجذاب داخليّ مطّْرَدْ في المجتمع نحو الأسمى، في حين أنَّ المدنيّة هي إمتدادُه الأفقيّ الخارجيّ. وإلى ذلك أشار العالِمُ الفرنسي " لكونت دي نوي " بقوله:

" وفي كلِّ الحالات، من الواضح إنَّ الغاية الحقيقيّة من الحضارة يجب أنْ تكونَ مساعدة الإنسان على التحسُّن من كلِّ النواحي لا على اختراع آلاتٍ يُقْصَد منها الإنقاص من الجهد الجسديّ... ومن الضروري أنْ تُشاد من الداخل لا من الخارج. وكلُّ حضارةٍ تخضعُ لنموٍّ آليّ وحلولٍ تقنيّة مصيرها الفشل " (1).

وإنّي سأحاول في هذا البحث الموجز أن أُظهر، بالاستناد إلى براهين من الكتب المُقدّسة والتاريخ، كيف أنَّ الأمم ترتفع أو تنهار بمقدار تمسّكها بالمناقب والقيم الروحيّة، أو تخلّيها عنها.

 

*   *   *   *   *   *

 

كم من أمَّةٍ تخلَّت عن أخلاقها وقيمها الروحيّة السامية، فعمَّ فيها الفساد والرذيلة، وكان عقابها الهلاك. " لأنَّ الذين يتركون سُبُلَ الاستقامة ليسيروا في طريق الظلمة، ويفرحون بصنيع الشرِّ، ويبتهجون بخدائع السُّوء، لهم عذابٌ أليم "، كما يقول أشعيا النبيّ. وتؤكّد الكتب المقدّسة هذه الحقيقة في مواضع كثيرة منها.

فلنصغِ مثلاً إلى التوراة تصفُ لنا كيفَ حلَّ غضبُ الإله طوفاناً أفنى البشريّة الأثيمة وغسل الأرض من الشرور والخطايا: " ورأى الربُّ أنَّ شرَّ الناس قد كثُرَ على الأرض، وفسُدت الأرض أمام اللّه ومُلِئتْ جوراً. أمّا نوح فقد كان رجلاً باراً كاملاً في أجياله، فقال اللّه لنوح: لقد دنا أجلُ كُلِّ بشرٍ بين يديّ، فقد امتلأت الأرض من أيديهم جوراً. فها أنذا مُهْلكهم مع الأرض. فاصنع لك فُلْكاً من خشبٍ واجعله مساكنَ لك ولأهلكَ ولجميع البهائم والطيور، وها أنذا آتٍ بطوفانِ مياه على الأرض لأهلك كُلَّ جسدٍ فيه رُوحُ حياة من تحت السماء. وبالفعل كان المطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلةً، فكثرت المياه جدّاً وسارت الفلك على وجه الماء، ومحا اللّه كلَّ كائنٍ على وجه الأرض من الناس والبهائم وطير السماء. وبقي نوحٌ وَمَنْ معه في الفلك فقط ".( سفر التكوين، الفصل السادس والفصل السابع).

وقد أيّد القرآن الكريم هذه الحادثة بآياتٍ متعدّدة، منها قوله تعالى: " وقَوْمَ نوحٍ لمَّا كذَّبوا الرُسُلَ أغْرقناهم وجَعَلْناهم للناسِ آيةً، وأعتدْنا للظالمين عَذًاباً أليماً " ( سورة الفرقان، الآية 37).

ولكنَّ البشر، كما تروي التوراة، لم يرتدعوا ولم يتّعظوا من ذلك العقاب الرهيب، بل عادوا إلى اللهوِ والمجونِ والعبث، وانغمسوا في ملذّاتهم وآثامهم، وكفروا بالخالق عزَّ وجلّ، فاستحقّوا " وخصوصاً سكّان مدينتي سدوم وعمورة " سُخط الإله. وَرَدَ في التوراة أنّهُ " بعد أنْ تدنّست الأرض تحت سكّانها وكثر صراخ الشعب في سدوم وعمورة، وعظُمَتْ خطيئتهم لأنّهم تعدّوا الشرائع الدينيّة السماويّة ونقضوا الحقَّ ونكثوا عهد الأبد، غضِبَ الربُّ الإله، وأمطر عليهم كبريتاً وناراً، فأصبحَ الهاربُ من صوت الرعْبِ يسقط في الحفرة، والصاعدُ من الحفرةِ يؤخذ بالفخِّ، لأنَّ كُوَى العلاءِ قد تفتّحتْ، وأُسُس الأرض قد تزلزلت، وأُحرِقتْ تلك المدن بجميع ما فيها من سكّان ونبات وجماد. ولم يخلُصْ من تلك البقعة من الأرض إلاَّ رجلٌ صالحٌ اسمه "لوط " مع ابنتيه " ( العهد القديم: سفر التكوين – الفصل 19 )، لأنّه كان من أتباع النور، والنور يسطعُ في سماءِ الفضائل، والفضيلة ما ساكنت يوماً ولن تُساكن الرذائل.

ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة التاريخيّة بآياتٍ كثيرة منها: " وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ القُرُوْنِ من بَعْدِ نوحٍ. وكفى برَبِّكَ بذنوبِ عِباده خبيراً بصيراً " ( سورة الإسراء، الآية17 ).

ومن هذه الآيات قوله تعالى: " وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانت ظالمةً وأنشأنا بَعْدَها قَوْماً آخرين ". ( سورة الأنبياء، الآية 11).

بعد أن استنطقنا الكتب المقدّسة، لنستنطقْ كتب التاريخ. وأودُّ أن أشير إلى أنَّ كتب التاريخ هي أشبهُ بمرآةٍ تنعكسُ عليها أعمالُ البشر وتجعلُ الماضي حاضراً ليأخذَ الإنسانُ العبرةَ منه، ويبتعد عمّا يسيءُ إليه.

لقد اختلف الباحثون في أسباب انهيار الأمم، فمنهم من ردَّها إلى عوامل إقتصاديّة، ومنهم من ردَّها إلى عوامل إجتماعيّة...

وإذا كانت هذه أو تلك من الأسباب المباشرة، فإنَّ جوهر أسباب سقوط الدول والأمبراطوريّات لدى المتأمّل البصير هو أخلاقيٌّ يعودُ إلى إنعدام القيم الروحيّة وفقدان الإيمان بالعزَّة الإلهيّة. فكمْ أُمَّةٍ عظُمتْ حضارتها وشمخت علومها، ولكنّها لم تصمد ساعةَ شرعَ الفسادُ ينهشُ أخلاقها، فانهارت. وأكتفي لضيق المجال بذكر حضارتين عريقتين بلغتا أوج مجدهما ثمَّ إنهارتا، وكان إنهيارهما عظيماً، وهما: الحضارة الرومانيّة، والحضارة العربيّة.

أمّا الأمبراطوريّة الرومانيّة، فبعد أنْ حكمت العالم القديم بالقوّة، واكتسحت معظم البلدان، دبَّ الفسادُ الأخلاقيّ في أرجائها، فانغمس معظمُ أباطرتها في ملذّاتهم الدنيويّة الحقيرة. وقد تمادوا في عبادة اللذَّة والشهوات إلى حدَّ أنّهم كانوا بعد أنْ يتخمهم الطعام، يحاولون أنْ يتقيّأوا ما تناولوه حتى يستعيدوا من جديد لذَّة الأكل والشراب. ويروي التاريخ أنَّ الأباطرةَ في عهد الأمبراطوريّة كانوا يصرفون معظم أوقاتهم بإحياء ليالي الأنس والسمر ومعاقرة الخمر والخلاعة وإقامة الحفلات الماجنة الصاخبة التي تضجُّ بصورة التهتُّك والتبذُّل.

ورغم وجود الرحمة الإلهيّة المتجلّية في الدعوة المسيحيّة التي تنادي بالإيمان والحقَّ والمحبّة، ما كانوا يرتدعون بل إضطهدوا المسيحيين ونكّلوا بهم تنكيلاً. وبالرغم من تعسّف الرومان وجورهم، وبالرغم من قوّة السلاح لديّهم، إنتصرتْ الدعوة المسيحيّة في النهاية بسلاح المحبّة والإيمان، إنتصار الفضيلة على الرذيلة، وانتصار الحقَّ على الباطل.

هذا الإضطهادُ الجائر، وتلك التصرُّفات الفاسدة، جاءت نتيجة تخلّي الرومان عن روح الحقِّ وممارسة الفضائل، ففسدوا، وتداعت قواهم، مٍمّا أتاح لشعوب البرابرة الصغيرة أنْ تقوّض أركان الأمبراطوريّة الرومانيّة، فتعجّل بسقوطها. هذا ما دعا العالم الإجتماعي " ول ديورانت " إلى القول في كتابه " تاريخ الحضارات " : " لم يشهد التاريخ أنَّ حضارةً سقطت تحت ضغط الغزوات الخارجيّة. الحضاراتُ دائماً تنهارُ من الداخل". لقد صدق ديورانت! إنَّ الأُمّة كالشجرة، إذا كانت سليمةً تحدَّت الرياح وهزأت بالعواصف، أمّا إذا قرضها السُّوس فإنّها تتهافت من تلقاءِ ذاتها.

وهكذا الأمم إذا دبَّ الفسادُ فيها، وسيطرت المطامع على نفوسِ أبنائها، انقسمت على ذاتها، واندثرت. وهذا مصداق لقول السيّد المسيح في الإنجيل المقدّس:" إنَّ بيتاً منقسماً على نفسه لا يثبت "( إنجيل متَّى، 25). ويؤكّد الإمام علي بن أبي طالب كلام السيّد المسيح بقوله" أيّها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامُكم يوهي الصُّمَّ الصًلاب، وفعلكم يُطمع فيكم الأعداء " (1)

ويجدر بنا، ونحن نتحدّث عن الحضارة الرومانيّة، أنْ نقف قليلاً عند مدينة بومبي. فالمؤرّخون يروون أنّها كانت قائمة في إيطاليا قرب مدينة نابولي، وبقربها بركان " فيزوف " ويذكرون أنَّ سكّان بومبي كانوا ذوي مدنيّة متقدّمة جدّاً، وأنّهم بلغوا أقصى حدود الكفر والشرور، والفساد والفجور. وبعد أنْ تفشَّتْ الرذيلة في قلوبهم ، وطغت على القيم الروحيّة والإنسانيّة، حلّت اللعنة عليهم، فتفجّر بركان " فيزوف "، قاذفاً إيّاهم بحممه الملتهبة، فسالت الحمم في شوارع المدينة، واجتاحت البيوت والمخادع، والتهمت بألسنتها كلَّ ما وقعت عليه، وانتهت مدنيّة بومبي، وأصبحتْ أثراً بعد عين... وتجدرُ الإشارة إلى أنَّ سكان بومبي لم يُعاقبوا هذا العقاب الشديد إلاَّ بعد أنْ انحدروا إلى دركٍ رهيب من الإسفاف الخلقي. وخير دليل على ذلك آثار الهياكل العظميّة المتحجّرة في أوضاع تهتُّكيّة والباقية حتى يومنا هذا. مثلُ هذا العقاب يُشير إليه القرآن الكريم في الآية: " وإذا أَرَدْنا أن نُهلك قريةً أمرنا مُتْرِفيها فَفَسَقوا فيها، فحقَّ عليهم القول فدمّرناها تدميرا " ( سورة الإسراء، الآية 16) وفي الآية: " ولو أنَّ أَهْلَ القُرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماءِ ولكنْ كذَّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون " ( سورة الأعراف، الآية 96).

أمّا الصورة التاريخيّة الثانية، فهي صورةُ الحضارة العربيّة.

كان العرب يعيشون في جاهليَّة عندما دوَّى صوتُ القرآن في نفوسهم، فاتّحدوا تحت راية الإسلام. واستطاعوا في العصر الراشدي أنْ يبسطوا نفوذهم من حدود الهند شرقاً حتى أفريقيا غرباً، وأنْ يدكّوا عرش الأمبراطوريّتين الفارسيّة والبيزنطيّة. كلُّ ذلك بفضل إيمانهم بالدين الجديد وتمسُّكهم بالمثُلِ العليا التي دعا إليها الإسلام. ولكنْ ما كاد يخفُت صوتُ القرآن في ضمائرهم حتى انقطعوا إلى الملذّات وانجرفوا في تيّار الغيّ والضلال. فقامت الحانات في جوار المساجد واختلط غناءُ القيان بدعاء المآذن، وعشّشتْ الضغينة في قلوب الناس ففرَّختْ أحقاداً أدّت إلى إنقساماتٍ صدَّعتْ أركان الدولة العربيّة، وأعادت إلى الأذهان ذكرى الجاهليّة وعصورها المظلمة. وهكذا كان ضعفُ الإيمان وانهيار الأخلاق سببين رئيسيين أدّيا إلى تفسُّخ قوّة العرب وشلّ عزيمتهم واستعبادهم زهاءَ خمسة قرون، إلى أنْ تنبَّهوا من سُباتهم وشعروا بالحاجة إلى إصلاح أخلاقيّ. فانبرى زعماء الإصلاح أمثال محمد عبده والأفغاني والكواكبي في مطلع " عصر النهضة الحديثة " يُنادون بالعودة إلى إقتفاء أثر الخلفاء الراشدين. يقول محمد عبده في كتاب " العروة الوثقى ": " ألا ترى لو عمّت الصفات الحميدة أمّةً من الأمم أو غلبت في أفرادها، لا يكون بينها سوى الإتّحاد والإلتئام التامّ؟ أمّا واللّه لو نفخت نسمة من الفضائل على أرضِ قومٍ وكانت مواتاً لأحيتها ولأقامت لها من الوحدة سياجاً لا يُخرق... وإنَّ أولى الأمم بأن تبلغ الكمال في هذه الصِفات الشريفة أُمَّة قال نبيُّهم : " إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق " (1).

وقد فطن كثيرون من الشعراء والأدباء إلى أهمّية القيم والفكر الخلقيّة ودورها في حياة الشعوب والأمم. فالشاعر أحمد شوقي يقول:

وإنّما الأمم الأخـلاق ما بقيـت            فإنْ هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

ويقول أيضاً:

وليــس بعـــــــــــامـرٍ بنيـــــــانُ قـــــــــــــــــــومٍ       إذا أخلاقهـــــــــــــم كانـــــت خرابـــــــــــــــــا

 

وقد أدركَ الشاعر الداهشيّ حليم دمّوس كذلك، خطورة الوضع الإجتماعي الناجم عن المفاسد والشرور، فكتب يخاطب شباب الوطن قائلاً:

قـــلْ للشبيبة أنْ تكـــــون صفوفهـــا    قدسيّـــــــــــــــــــــــــة الأهـــــــــــــــــدافِ والأرواحِ

لا عذر بعد اليــوم إن لــم تنطلق    كالسهم نحـــــــــــو مواطـنِ الإصــــــــــــــــلاحِ

فتعهَّدوا أرواحكم قبـــــــــل الرَّدى،     فصلاحكـم في الأرض خيرُ سـلاحِ

حطَّمتمُ جُنحَ الإخاء وقد هوى    أيطيــــــــــر طائركــــــــــــــــم بغيـــــــر جَنـــــــــاحِ؟

*   *   *   *   *    *

 

والآن، بعد أنْ استنطقنا الكتب المقدَّسة وكتب التاريخ واستخلصنا أنَّ مصاير الأمم والحضارات تقرّرها إرادة الإنسان وسلوكه، أطرح السؤال التالي: ما هو واقع القرن العشرين الأخلاقي؟

كثيرون هم المفكّرون والفلاسفة وعلماء الإجتماع الذين بحثوا في الأوضاع العالميّة الراهنة على ضوء مناهج علميّة منطقيّة. وقد خرجوا بنتيجةٍ مؤدّاها أنَّ العالم بأسره يعاني قلقاً وضياعاً وصراعاً قد يؤدّي، إذا تفاقم، إلى حرب ذريَّة تكون فناءً شاملاً للبشريّة. أمّا سَبَبُ ذلك في إعتقاد معظمهم فهو فقدان القيم الإنسانيّة الروحيّة وسيطرة المطامع والميول الوضيعة على عقل الإنسان ومسلكه. حسبي أنْ أشير، في هذا المجال، إلى بعض المراجع، منها كتاب " القنبلة الذريَّة ومصير الإنسان " للفيلسوف الألمانيّ كارل ياسبرس، وكتاب " هل تستمرّ حياة الإنسان؟ " للفيلسوف البريطانيّ برتراند راسل، وكتاب " مصير الإنسان " للعالم الفرنسيّ لكونت دي نوي.

وفي إعتقادي أنَّ معاناة أزمة القرن العشرين ليست وقفاً على العلماء والفلاسفة، بل في إستطاعة أيِّ فردٍ من أفراد المجتمع أنْ يتيقّن من ذلك إذا كان ذا بصيرة نيِّرة وعقل نافذ. فما عليه إلاَّ أن يستقصي من مصادر الإعلام، على إختلافها، أخبار الحوادث العالميّة من زلازل ومجاعات وأوبئة وفيضانات وجرائم متفشّية في بقاع الأرض، ويربطها بواقع البلد الدينيّ والأخلاقيّ ليخلص إلى نتيجة مفادها أنَّ هذه المصائب والعذابات ما هي إلاَّ عقاباً إلهيّاً عادلاً حلَّ بالبشر لكفرهم وفسادهم. وأصدق دليلٍ على صحّةِ ذلك الزلزال الذي ضرب، في أوائل عام 1973، مدينة " مانغوا " عاصمة " نيكاراغوا " في أميركا الوسطى، فدمّرها وقضى على عشرات الآلاف من سكّانها وشرّدَ الكثيرين... وقد دلّتْ الإحصاءات العلميّة الحديثة على أنَّ تلك المدينة تعدُّ نسبيّاً من أكثر مدن العالم شرّاً وفساداُ، ولذلك استحقَّت غضب الإله وفقاً للآية الكريمة: " وَضَرَبَ اللّه مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنّة يأتيها رزقُها رغَداً من كلِّ مكان، فكفَرتْ بأنعم اللّه فأذاقها اللّهُ لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " ( سورة النحل، الآية 112)، ووفقاً للآية: " ظهر الفساد في البرِّ والبحرِ بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بَعْضَ الذي عملوا لعلَّهم يرجعون " ( سورة الروم، الآية 41 ) .

 

تُجاه هذه المشكلة المصيريّة، أين هي خشبة الخلاص؟

وما هو الحلّْ؟

 

لن يكون الحلّ عن طريق العلم، لأنَّ المشكلة ليستْ علميّة، بل هي مشكلة حضاريّة إنسانيّة. والعلم، على العكس، بَدَلَ أنْ يحلّها زادها تعقيداً وتفاقماً بما قدَّم للإنسان من وسائل للدمار رهيبة، فبهر بصره وأيقظَ الكبرياء في نفسه، فتغطرس وألحد. ولن يكون الحلّ عن طريق الأحزاب والعقائد المذهبيّة أو الفلسفيّة لأنّها، رغم كثرتها ورغم نداءاتها وقوّتها، لم تنقذ البشريّة ممّا تعاني، بل على العكس، زادت في الصراع بين البشر لأنّها راحت تكرّس الإنقسامات، ولأنَّ همّها ينحصر في عالم الإنسان الخارجيّ غير معيرة عالمه الداخليّ أهميّة كبرى. فما من بشريّ إلاّ تسرّبَ إلى نفسه من سموم الأرض مقدار.

إذاً، من أين الحلّ؟

الحلّ، هو أن ندرك علَّة الفساد ونهتدي إلى علاجها. أمّا علَّة الفساد فمتأصّلة في نفس كلِّ إنسان، في بنائه الخلقيّ والروحيّ. أمّا علاج هذه العلّة فهو بإصلاح النفس البشريّة إصلاحاً يقوم على تحريرها من نزواتها ورغباتها الدنيويّة وعلى الإيمان بوحدة الأديان وأخوَّة الإنسان للإنسان.

ولكنْ، هل إستطاع الإنسان، حتى الآن، أن يتداوى بهذا الدواء؟ نقول: لا، ونؤكّد أنّه ساعة يعجز الإنسان، لا يبقى إلاَّ أنْ تتدخّل، لإنقاذه، قدرة الرحمن. وقد تدخّلت المشيئة الإلهيّة، فطلعتْ على العالم برجلٍ هو معجزة القرن العشرين، وبيديه هديّة السماء إلى الأرض لإنقاذ أبنائها التائهين، إنّها " الحقيقة الداهشيّة " المؤيّدة بمعجزات الروح. وَمَنْ كان ذكيّاً واعياً لا بدَّ له منْ أنْ يسأل" أنكون أمام رسالة سماويّة جديدة؟ أتكون الداهشيّة خشبة الخلاص شاءتها العناية لعصرٍ يغرق في محيط الفساد؟ أيعيد التاريخ نفسه؟ أكما في أيَّام نوح ولوط، هكذا اليوم؟

بعد سنوات عديدة على البحث، وعلى ضوء مطالعات وإختبارات، تأكّد لي أنَّ الداهشيّة حقيقة روحيّة سماويّة تؤيّدها المعجزات، وقيمتها العمليّة الحضاريّة تكمن في دورها الأخلاقيّ على صعيد الفرد والمجتمع. والداهشيّة ترمي، قبل كلّ شيء، إلى بناء الإنسان وخلاصه. فهي لا تريد إنساناً يتحدّث عن العفّة، بل إنساناً عفيفاً، ولا تريد إنساناً يعلّم الصدق، بل إنساناً صادقاً، ولا تريد قائداً يدعو إلى الإستشهاد، بل تريد شهداء. ولذلك، فهي لا تؤمن بالمواعظ إذا لم تؤدِّ إلى العمل.

ولكنْ، ما هي الوسيلة التي تعتمدها الداهشيّة لإقناع الإنسان بضرورة العودة إلى القيم الروحيّة السامية؟ وما هي الأسس التي عليها ترتكز الفضائل الداهشيّة؟

بالإضافة إلى تعاليمها السامية الداعية للعودة إلى ينابيع الأديان المنزلة، فقد أيّد اللّه الداهشيّة ببرهان ماديّ حاسم على صحّة التعاليم وصدق الرسالة، هو المعجزة. فالذكيّ الذي يشاهد قوانين الطبيعة تُخرق على يدي الدكتور داهش، والذي يشاهد الكسيح يمشي، والمجنون يبرأ، والجماد يتحرّك، وتتغيّر طبيعته، والصخور العظيمة تنتقل من مكان إلى آخر، والغيب يتكشّف، وأبواب المستقبل تُفتح (1)... الذي يشاهد هذه الأعمال الخارقة التي يعجز عنها العلم، لا بدَّ له، إذا كان ذكيّاً واعياً، من أنْ يسلِّم بوجود قوّة خفيّة، عالمة، قادرة، هي قدرة الروح العليّ تصنع المعجزات إثباتاً لحقيقة الألوهة ولتعاليمها في الأديان.

ولهذا الإيمان الحقيقيّ باللّه سبحانه وبتعاليمه نتائج مهمّة وخطيرة في حياة الفرد. فساعة يؤمن الإنسان إيماناً راسخاً حقيقياً عملياً لا شفاهياً بوجوده تعالى، وبوجود النفس وخلودها، وبالثواب والعقاب، فإنّه، إذا كان واعياً، سيسعى من أجل خلاصه. وخلاصه يكون باتّباعه القيم الروحيّة التي نادت بها الأديان.

إنَّ الداهشيّة رسالة سماويّة غايتها الأولى والأخيرة إنقاذ الإنسان ممّا يتخبّط فيه من شرّ وشقاء. هي من السماء، إنّما للبشر. وإذ تُبشّر بوجود اللّه تعالى وبوجود النفس وخلودها وبالثواب والعقاب، وبوحدة الأديان، وبأخوّة الإنسان للإنسان، فمن أجل غاية واحدة فقط ألا وهي عودة الإنسان إلى الفضيلة.

وهكذا، فالأساس الذي تنبثق منه الفضائل الداهشيّة هو الإيمان باللّه عزَّ وجلّ كمصدر للخير والقيم. وبتعبير آخر إتِّخاذ اللّه المثل الأعلى الوحيد المُسيطر على حياتنا كلّها. والفضائل ما هي إلاّ ظلاله تدلُّ عليه وتقود إليه. فإذا كان الناس يتهالكون على اللذّة والجنس والخمر والعربدة ويطلبون الأمجاد الدنيويّة، فلأنّهم يؤلّهون المادّة غير مؤمنين بحقيقة روحيّة. أمّا الداهشيّة فهي رسالة سماويّة تنادي بالعفّة والترفّع، وبالمحبّة والتواضع... لأنّها تمجّد الروح ولا تؤلّه غير اللّه الأحد خالق السماوات وفاطر الأرض.

ولذلك، فمن يؤمن بالداهشيّة ويطبّق تعاليمها، يولَدْ من جديد، فتتجدّد نفسه وتساعد في ظلّ الفضيلة. ويتجلّى ذلك في مسلك الداهشيين. فهم أهلُ عمل لا أهلُ قول. فحليم دمّوس الشاعر الكبير كان قبل إيمانه بالداهشيّة مادّياً تماماً، فأصبح بعد إيمانه بها روحانياً تماماً. وتجسّد إيمانه في حياته فكراً وقولاً وعملاً. وقصائده التي كتبها إبّان إيمانه بالداهشيّة تُعبّر عن ذلك أصدق تعبير.

والدكتور جورج خبصا، الطبيب العالم، والأستاذ اللامع في معهد الطبِّ الفرنسيّ، بفضل إيمانه بالداهشيّة، جعل حياته ومهنته وقفاً على مساعدة الفقراء. كان يعالجهم مجّاناً ويهبهم الدواء. ويعرف الكثيرون كيف كان يبيع أملاكه ليعيش، في حين أنّه كان بإمكانه أنْ يمتلك القصور الفخمة لو أراد أن يكون كسواه من الأطباءِ غير الإنسانيين.

ولا أريد أن أذكر الإضطهادات التي تحمّلها الداهشيّون بإيمان ثابت لا يتزعزع في سبيل عقيدتهم الحقّة.

إنّما أكتفي قائلاً إنَّ الداهشيّة إذ تُجدِّد نفوس المؤمنين بها، تجعلهم يعيشون كإخوة تماماً كما كان يعيش تلاميذ المسيح أو أتباع محمّد. وهذا طبعاً يُبشّر بأمرٍ خطيرٍ وعظيم القيمة والأثر في المستقبل. إنّه يشير إلى أنَّ حضارةً داهشيّةً ستظهر وتسيطر في العالم. وهذا أمرٌ طبيعي لأنّه بظهور المسيحيّة طُويتْ صفحةٌ من التاريخ وفُتِحتْ صفحةٌ أُخرى. وبظهور الأسلام طُويت صفحةُ الجاهليّة وفُتِحتْ صفحةُ الهداية. وهكذا اليوم، فالبشريّة أيضاً تقف على المفترق الخطر ذاته. مدنيّتنا الماديّة تتهافت كما بيَّنت، وبتهافتها ستطوى صفحةٌ من التاريخ لتُفتح صفحة الخلود مكتوباً عليها بحروفٍ نورانيّة إسم " الداهشيّة ".

فمنْ يدرس، متبصِّراً، كيف أنَّ الداهشيّة إستطاعت فعلاً لا قولاً أنْ تخلق في الإنسان ذاتاً جديدة، يُدرك فوراً، بأنّها لا شكَّ ستخلق حضارة جديدة. لأنَّ الحضارة هي الإنسان. المدنيّة الحاليّة تتدهور لأنَّ إنسانها فقد قيمته الروحيّة، فقد فضائله الأخلاقيّة. ويجب ألاَّ نغترَّ بالمظاهر الفارغة لهذه المدنيّة، لأنّها كمظهر الشجرة التي جفَّ فيها نسغُ الحياة تنتظر ضربات الفأس.

وإذا عدنا إلى مؤلّفات الدكتور داهش، تبدّت لنا صورةٌ جليّةٌ واضحة عن الحقيقة التي ذكرتها. فكم هي القطع التي يصف فيها الدكتور داهش إنهيار الأخلاق، منبِّهاً إلى الخطر الرهيب الناجم عن ذلك. إسمعوه يصف الأرض بواقعية وبلاغة عجيبتين في القطعة الآتية:

 

أرضكم هذه!

 

أمّا أرضُكم فحقيرة:

فرغباتكم دنيّة،

وتمنّياتكم فيها ذريّة،

وكُلُّ من يدُبُّ عليها مجرمٌ أفّاك وحقيرٌ سفّاك.

الغشُّ يسري في منعطفاتها،

والطمعُ يتمشّى في نفوسِ أبنائها،

والتدليس البغيض يعشّشُ في أعماق قُسسها،

وحُبُّ المرأة أصبح جزءاً لا يتجزّأ منها،

والمال – ألا لعنةُ اللّه على هذا المعدن الخسيس – هو الذي يسيّر جميع شؤونها.

فلا ( الملكُ ) صاحبُ التاج والصولجان،

ولا ( العالم ) الجليل صاحبُ الرفعةِ والشان،

ولا ( القائد ) صاحبُ السطوة والسلطان،

ولا ( العظيمُ ) القدر أو الحقير من الإنسان.

ليس جميع هؤلاء سوى أفاعٍ سامّة، وذئابٍ خاطفة، ووحوش باطشة!

لقد ذهبت الكرامة،

وتلاشت الفضيلة،

وامّحى الصلاح من أرضكم،

فساد الشرُّ والفساد،

واطغت النقيصة على أرجاء معمورتكم الزريّة،

ولم يُجدِ الصلاح بكم شيئاً!"

 

من كتاب " عواطف وعواصف " ص 79- 80 )

 

بعد أنْ يصف الدكتور داهش واقع العالم الخُلقي، يتَّضح لنا إختلاف مُثُله العليا عن مُثُل الناس. فمُثُلُه روحيّةٌ خالدة، أمّا مُثُل الناس، فماديّةٌ فانية. يقول:

 

لي ولكم!

 

" لكــم ميولكـم                           ولـي ميولــي

لكم إتّجاهاتكــم                          ولــي إتّجاهاتي

لكم إغراقكـــم                            في ملذّات ( الجسد )

ولي إغراقــــي                              في تقشُّفات ( الروح )!!..

لكم إغراقكم في الضلالة                 ولي إغراقي في الهداية!

لكـم إبتساماتكــم                         ولكنّها دمـــوع!!

ولــي دموعـــي                             ولكنّها إبتسامــات!

لكـم أزهــارُ الحياة                         ولكنّها أشـواك

ولـي أشواك المـوت                        ولكنّهــا أزهــار

لكم النساء والحمر، والجاه والمال، والنفوذ والسلطانُ والحياة.

ولي اللّه والسماء، والحقّ، والمعرفة، والعدالة، والمجهول.

والإندماج ( بالقوّة الموجدة)!!

لكم ما ليس لي

ولي ما ليس لكم!.."

 

من كتاب " القلب المحطّم – مختارات، ص 69- 70 )

 

فلا عجب، والحالة هذه، من أن يُعْلنَ الدكتور داهش غُربته عن عالم الأرض الموبوء، في قطعة " أنا غريب " من كتاب " القلب المحطّم " مختارات، ص 39 ):

 

" نعم!.. أنا غريب في هذه الحياة الغريبة عنّي.

نعم!.. أنا جئتُ من عالمٍ مضيء غير هذا العالم الكئيب ".

 

ولكنَّ هذه الغربة ليست مصدر إعتزال عن المجتمع، وإبتعاد عن آلامه وأمراضه، بل على العكس، إنّها مصدر قوّةٍ علويّة، تُفجّر ثورةً كاسحةً على كلِّ المفاسد، بقصدِ الإصلاح الشامل. فموقف الدكتور داهش، إلى كونه واقعياً، هو موقف هادف. لنستمع إليه في القطعة الآتية سيفاً يبتُرُ الباطل بلا رحمة، وساعداً يبني عالم الغد:

 

أنا ثائر!

 

 

" أنا ثائر.. على الوجود والموجود!

أنا ثائر.. على الهيئة الإجتماعيّة ونُظُمها الجائرة!

أنا ثائر.. على البشريّة، ومعتقداتها السخيفة!

أنا ثائر.. على المظالم النكراءِ التي تقومُ بها الإنسانيّة المجرمة!

أنا ثائر.. على الدنيا! وما تحويه في باطنها وظاهرها، ومعلومها ومجهولها!

أنا ثائر.. على الكون، وعلى بنيه الأشرار، وقاطنيه الفجّار!

أنا ثائر.. على بني البشر الطغاة، المفسدين العتُاة، الظالمين القُساة!

أنا ثائر.. على الميول الوضيعة، وألأعمال السافلة!

أنا ثائر.. وسأظلُّ ثائراً.. حتى تثور لثورتي الكائنات!

بل ستجتاحُ ( ثورتي ) معالم هذه النُّظُمِ الجائرةِ السخيفة! وتدكُّها دكّاً، وتتركها قاعاً صفصفاً... لتبني على ( أنقاضها ) نظماً أخرى!"

 

( من كتاب " القلب المحطّم " – مختارات، ص 142 )

 

ولكن إذا رفض البشرُ أنْ ينظروا إلى واقعهم بمنظار الحقيقة، فأصَمُّوا السمْعَ عن هذه الصرخة الدّاوية، متمسّكين بصلفهم وشرورهم، إذا رَفَضَ الناسُ نداءَ السماء الذي هو نداء العقل، أفيمكن أنْ تستمرَّ الحياةُ على الأرض؟ أيمكنْ للبشر عن طريق المعاهداتِ والمؤتمراتِ أنْ يُحلُّوا السلام؟ أيمكنهم أن يربحوا الدنيا المتهالكين عليها؟ ماذا يقولُ صوتُ " العدالة " ؟ إسمعوا الدكتور داهش في مقطعٍ من كتاب " مذكّرات دينار " ، بعد أنْ يصفَ واقع الإنسان والمجتمع، يُعلنُ حُكمَ التاريخ:

" إنّني أؤكّد لكم بأنّه لا المؤتمرات، ولا القرارات، ولا المداورات، ولا المناورات تستطيع أن تمنع وقوع حربِ فناءٍ ثالثة...

فما دامت شياطينُ أَطماعكم لا تزالُ قاطنةً في أعماق أفئدتكم، ومستقرّةً في تلافيف أدمغتكم، وساريةً في كريات دمائكم، وهاجعةً في ضلوعكم وأحشائكم، وملتصقةً في كيانكم منذ تكوينكم، ومتسرّبةً في صميم شرايينكم، وكامنةً في شغافِ أرواحكم، وتابعةً أيّامكم كظلّكم في ليلكم وصباحكم فليستْ بعيدةً تلك الساعة التي تُهيِّئون بها مُعدَّاتكم وتُتمُّون بها إستعداداتكم...

وإذ ذاك تنطلقُ الشياطينُ الجهنّمية من عقالها، وتُخرجُ فدائح أثقالها، كي تُدمّر الأرض وما فيها، وترَدُمها بمن فيها... "

 

( مذكَّرات دينار، ص: 278 – 279 )

 

وهذه قطعةٌ أدبيّةٌ أخرى للدكتور داهش من كتاب " جحيم الذكريات " يخاطبُ فيها الروح أبناءَ الأرض ويؤكّد لهم أنَّ عقاب اللّه الرهيب سوف يحلُّ بهم حرباً ذرّيةً شاملة، إذا استمروا في ضلالهم وشرورهم وغلاظة قلوبهم:

 

الضباب

ضباب!

ضباب كثيف يحيط بنفسي...ويكبلها بقيوده!

ضباب متلبد في سماء حياتي

يحتاطني مثلما يحتاط السوار معصم الحسناء!

ضباب جميل! يتجمّع ليعود ثانية فيتبدد!

خيالات،وطيوف غريبة تتراءى لي من خلال الضباب...

وآلاف من العيون الناريّة ترمقني!

ويتبدّد هذا الضباب المكفهرّ ليعود ويتجمّع

بألوان بيضاء مشوبة بالصفرة كالقطن المندوف!

ومن خلاله تظهر لي وجوه ناعمة،ولكنها حزينة!

وعيون ذابلة كأنها تستجدي العطف ممن تنظر إليه!

وأياد...لا يمكن معرفة عددها لكثرتها!

بعضها منبسط القبضة،

والآخر مقفل!

وأصابع متشنجة،والأعصاب ثائرة،

وهي متوترة كالحبال الغليظة!

وأيادٍ أخرى هادئة،وادعة،مستكينة،

لا يبدو عليها أي أثر للحياة...

لولا بعض الرعشات بين الفترة و الفترة!

ويعود هذا الضباب فيتبدد!

ليعود إلى التجمّع بصور و ألوان أخرى غاية في الغرابة!

وأنا باق في مكاني!.. أنعم النظر في هذه المشاهد الغريبة!

وفجأة تراءت لي سحابة كثيفة تجمعت واتحدت

مع قطع من (الضباب) السابح في الفضاء!..

حتى إذا ما ائتلف الجميع تكوّن من هذا (الضباب) جبار رهيب،

وهو متنْمطق بالغيوم!

ويضع مكان عينيه كوكبين يخطف بريقها البصائر والأبصار!

وبسط هذا الجبار يده،وصاح بي قائلاً:

"يا ابن الأرض!

بلّغ رسالتي هذه لأبناء قومك،

هؤلاء الأقزام الذين يظنون أنَّهم بلغوا من المعرفة والحكمة

الغاية التي ينشدونها!

قل لهم يا ابن الطبيعة ،ما أعْطيكه الآن..."

ودوّى صوته كهدير المياه وهي تتدافع في الأودية الصامتة!..

ثم قال:

"يا أبناء الأرض المساكين!

منذ عشرات الآلاف من السنين،

وأنا أشاهد أعمالكم،وأسمع أقوالكم،

وأراقب أفعالكم،

وأقرأ ما يجول في أفكاركم،

وإذا هي هي لا تتغيّر!

فأنتم تفْنَوْن في حب (المرأة)!

وتتهالكون على (المادّة)!

وتعبدون (السلطة)!

وتقدِّسون (السطوة)!

وتعتدون على (الضعفاء)!

وتكفرون (بالسماء)!

وتموّهون (لحقائق)!

وتخادعون بعضكم بعضاً!..

قويّكم يعتدي على ضعيفكم!

وخبيثكم يعتدي على آمنكم!

قُسُسُكم يتظاهرون بالتقوى وهم الأبالسة المتجسِّدون!

دستم على الوصايا!

وهزأتم بالشرائع الإلهية!

وكفرتم بالسماء!

وقدستم الأباطيل!

هزأتم بالتعاليم السامية!

واتبعتم شهوات قلوبكم الدنيئة!

قرأتم ما أوصاكم به سيّد الأطهار!

ولكنَّكم...لغلاظة في قلوبكم، ولعدم إيمان في أعماقكم،

لم تفعلوا بما جاء في هذه التعاليم السامية،

حتى ولا ببعضها!

لا، بل كانت أفكاركم لا تدور إلا حول الجرائم والشهوات،

والأماني الساقطة والنزوات!

وقد راقبتكم طويلاً!

وصبرت عليكم صبراً جميلاً...أجيالاً وآجالاً...

علكم تعودون وتصلحون خطأكم،

وعلّ (الندم) يجد له مكاناً في قلوبكم!

ولكن،عبثاً كان انتظاري هذا!..

فالأجيال المُملّة قد مضت وانقضت!

وأنتم ما زلتم على حالكم!

لا بل ازدادت آثامكم أضعافاً مضاعفة...

عما كان يقوم به آباؤكم،وأجدادكم!

لهذا،

صمّمت،اليوم أن أبلغكم (أمري) الذي لا يردّ،

والقاضي بتدمير(عالمكم) الحقير هذا...

الذي لوثتموه بجرائمكم،وأطماعكم،وشهواتكم!..

وأصدقكم،يا أبناء (الأرض) القول:

إن (روحي) قد سئمت كل ما هو كائن في عالمكم الوضيع!

لقد مَللّت شمسكم وقمركم!أفلاككم ونجومكم!

هضابكم و أوديتكم! أرضكم وسماءكم!أشجاركم وأطياركم!

سهولكم وجبالكم! بطاحكم ووهادكم!..

وكل ما تراه العين،ويصل إليه الإدراك في عالمكم الملوّث،

المُصاب بأعمالكم الوضيعة و أفكاركم الشائنة!

سأمحو (عالمكم) من (الوجود)،

وأجعلهُ نسياً منسيّاً،

لأن الإختبار أكّد لي

أنه محال أن تسموَ (أرواحكم)المثقَّلة بالأوزار!

فهي ستزداد سوءاً على سوء!

إن (إرادتي) قد قضتْ:

أن تلاشي(أرضكم) لتعود فتغمرها (بالضباب)!

(الضباب) الذي سيسود هذا (العالم)!

وسأجول أنا في (عبابه)طوال الأجيال القادمة،

من دون أن أدع لأيّ عنصر من العناصر المعروفة الآن عندكم،

أن يشاركني البقاء!

أما (الأطفال)...

هؤلاء الذين لم يلوثوا، بعد،

بأوزار هذه (الأرض) وشهواتها الدنيئة،

فسألمس (جباههم) بأناملي (السحرية)،

فيرقدوا رقاداً عميقاً!

حتى إذا ما (استيقظوا)...

وجدوا (أنفسهم) في(مكان) آخر

أسمى من (عالمهم) القاسي!

أما ( أجسادهم) الغضة،البريئة،

فسأحوّلها إلى (ضباب)!

                           بيروت في 10 أيار سنة 1942

( مختارات، ص 268 )

 

 

أيُّها الأجيال الطالعة، يا رجال المستقبل!

لا عجَبَ إنْ حدّثناكمْ عن الإيمان والأخلاق، وعن الفضائل والقيم الروحيّة، فأنتم اليوم في ربيع العمر تتفتّحُ عقولكم على مدنيّةٍ أبرزُ ما يقال فيها إنّها مدنيَّةُ علمْ . ولكنّكم في الوقت نفسه تشهدونَ إنهيار حضارةٍ تشامخَ فيها ماردُ العلمْ ونُحِرَتْ بسوس الرذيلة. إنَّ حضارةً إكتشفتِ الذرَّة وفجّرتها، وأطلعت سُفُنَ الفضاءِ، هي نفسها اليوم تستلقي في خَدَرِ الإلحاد فتكفُرُ بالخالقِ المعبود، لترسِفَ في الأغلال والقيود.

شئنا هذه المحاضرة وفي نفوسنا أملٌ بكم، أملٌ بأن تكونوا نواةَ جيلٍ ينمو إلى جانب الفضيلة ويترعرعُ في ظلالها، جيلٍ يحملُ مشْعَلَ الهدايةِ إلى أقصى أقاصي المسكونة، غير هيّابٍ ولا وجِل، جيلٍ يستشعرُ مرارة الضياع، فيعملُ على الإنقاذ.

ولكنْ، ليَعْلَمْ كُلٌّ منكم أنَّ إصلاح الآخرين يبدأ بإصلاح الذّات، " وأنَّ اللّه لا يُغيِّرَ ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم " ( سورة الرعد، آية 12 ).

 

 

 

 

 

دار النسر المحلّق شهر آذار 1973. 

Miracles lotfi 

 

معجزات و خوارق الدكتور داهش

 

 

 

يرويها الصحفي

لطفي رضوان

رئيس تحرير مجلّة المصوِّر المصرية سابقاً

 

 

العدالة الموءودة

 

يا أعواد المشانق، كم لك من ضحايا بريئة شريفة!

و كم من أثمة لم يتأرجحوا بحبالك القوية،

و لؤماء لم تطلهم يد الأحكام العدلية!

إن دموع الآباء و الأبناء تشق الفضاء،

و صرخاتهم العميقة تخترق السحاب فالسماء!

لا كنت يا احكام ! و تباً لك أيتها القوانين السخيفة!

الدكتور داهش

من كتاب "بروق و رعود"

 

 

عظمةُ المُبْدع

 

عندما اطيل لنظر، يا صاحبي، إلى نيرات الكواكب،

أشعر بعظمة الخالق جل جلاله،

و امجد برهبة و خشوع أفعاله...تباركت أفعاله!

ثم تشرق الغزالة بقرصها اللامع الناري،

و للحال نرفع رؤوسنا خشوعاً و نسبح الباري،

و يأتي الليل بعدها، فيتبختر البدر و له الكواكب تواكب!

الدكتور داهش

من كتابه "بروق و رعود"

 

مقدمة

 

بقلم فنان الشعب الدكتور يوسف وهبي

 

عندما طلبَ إلي الصديق الحميم الأستاذ الصحفي الكبير لطفي رضوان، مدير تحرير مجلات" دار الهلال" أن أقدم هذا الكتاب، لم اتردّد لحظة واحدة بعدما قرأتُ بعض محتوياته، ذلك لأنني- كما يعلم الصديق لطفي رضوان و كما يعلم عشرات الألوف من أصدقائي و أبنائي في الأمة العربية كلّها- من أشدِّ المتحمّسين لعالم الرُّوح، و من المؤيدين كلّ التأييد للقائلين بخلود الرُّوح و قيام المُعجزات التي عاينت العديد منها، مما لا يُصدقه عقل ، ومما ظلَّ إلى أمدٍ طويل مجالاً للمناقشات بين المؤيدين و الرافضين.

و قد تعرَّفت إلى الرجل الذي أعدَّ الأستاذ لطفي رضوان هذا الكتاب عنه و عن مُعجزاته. فقد كنت في بيروت عام 1970، و أبلغني الصديق لطفي رضوان الكثير عن الدكتور داهش و ما قام به من مُعجزات امامه و أمام العديد من أصدقائه، فطلبت إليه أن يعرفني به.

واتَّصل الأستاذ لطفي تلفونياً بالدكتور داهش، و أبلغه رغبتي، فوافق على الفور أن أزوره في بيته. و قد أحسسّت، و انا أصافح هذا الرجل و قد ارتسمت ابتسامة هادئة رقيقة على وجهه، أنّني أصافح شخصية فذّة فيها الهدى و الصلاح و الطيبة، و كلّ هذه الصفات مُمتزجة بالعزم و الحزم الشديدين.

و بعد ان رحب بي الدكتور داهش و أبلغني أنه من رواد مسرحي و من المتتبعين لأخباري الفنية، قام ببعض المُعجزات التي قال عنها إنها مجرد تحية منه لمقدمي، و منها قراءة ما كان في جيبي من أوراق دون ان اخرج هذه الأوراق، و حتى دون ان أعرف أنها كانت في جيبي، و إذا بالإجابات مدونة عليها، و بخط واضح، و بالحبر الاحمر؛ ومنها تحويل ورقة عادية إلى ورقة بنكنوت؛ و غير هذه الظواهر العجيبة فعلاً.

و قد سألني الدكتور داهش عن الخسارة التي منيت بها من ممارسة هوايتي في الرهان على سباق الخيل و لعب الورق، فقلت له:

-حوالي ربع مليون جنيه.

فابتسم و قال لي:

-إذا ارجعت لك هذا المبلغ، هل تُقلع عن هذه الهواية؟

و طبعاً كان جوابي بالإيجاب.

و قال:

-إذن لا داعي للعب الورق منذ خروجك من عندي.

ووافقت.

و اعترف بأنني اعُجبت بما فعله الدكتور داهش، كما أعُجبت بشخصيته الهادئة.

و مضى النهار الذي زرت فيه الدكتور داهش.

و في نفس اليوم، وكنت على موعد مع الفنان الراحل فريد الاطرش، ذهبت إلى بيته، و جلست إلى المائدة مع بعض الأصدقاء. و نسيت وعدي للدكتور داهش ، فجربت حظي في اللعب.

و عندما عدت إلى بيتي، تذكرت ما حدث. و لكنني طمأنت نفسي بأن احداً لن يخبر داهش بما فعلته.

واتصلت به بالتلفون في اليوم التالي، فقال لي:

-يا يوسف بك، أنت جلست إلى مائدة اللعب أمس. و هذا امتحان لك بأنك لن تستطيع السيطرة على نفسك، و بالتالي سوف تخسر و تخسر أي مبلغ من المال. و لذلك، فأنا في حل من وعدي. و لنترك هذا الموضوع إلى غيره.

و دُهشت أن يعرف الدكتور داهش ما فعلته بالأمس. و كانت هذه الحادثة هي آخر اتصال لي به حتى تركت بيروت.

تذكرت هذه القصة و انا أهمّ بكتابة مقدمة كتاب صديقي لطفي رضوان عن الداهشيَّة أو مُعجزات الدكتور داهش.

و إنني اعترف بأنني، عندما قصَّ عليّ الصديق لطفي رضوان ما قام به الدكتور داهش امامه و ما سمعه من بعض أصدقائه، صدقته على الفور، لأنه ليس من المعقول أن يكون العالم الذي خلقه الله هو هذا العالم الأرضي الذي نعيش فيه دون سواه. و إلاَّ فأين تذهب الأرواح التي تصعد من اجساد البشر منذ أن خلق الله البشرية حتى اليوم و حتى الغد؟! نعم، أين تذهب؟! لا بدَّ من أن يكون الله قد خلق عوالم أخرى غير عالمنا هذا تتجمع فيها هذه الأرواح ، وأن هذه الأرواح على درجات من السمو ومن الانحطاط، مثلما هي في الأرض، و مثلما كانت عليه في الأرض.

و لهذا فأنا أؤمن إيماناً قاطعاً بأن الله، كما خلق الأرض و من عليها، قد خلق عوالم أخرى فيها ما فيها من خلائق و كائنات، و أن أرواح آبائنا و أجدادنا تتجمّع في عوالمٍ أخرى تمارس فيها نشاطاتها...

و لهذا فأنا أعتقد بأن هذه النشاطات قد يكون بعضها على صلة بنا، نحن أبناء هذا الكوكب الأرضي و ان الله قد يأمرها بأن تمدَّ لنا يد العون و المساعدة، وان تقوم بهدايتنا إلى ما فيه صراطنا المستقيم.

و بناء على هذا الاعتقاد، بل البديهيّات، اترك للقارئ أن يزنَ ما جاء بين دفتي هذا الكتاب من غرائب و مُعجزات علماً بأن بعضاَ مما جاء فيه قد حدثَ لي شخصياً. و اعتقد أنني لم أكن في غفلة أو ضارباً في صحراء الخيال.

و العلم اولاً و أخيراً...عند الله.

المعجزات والخوارق الداهشية المذهلة

المُعجزات و الخوارق

الداهشيَّة المُذْهِلة

 

 

الداهشية

 

الداهشيّة جبلٌ أشمّْ شامخ الذرى ثابت الأركان راسخٌ و مكين

صيغَ من الفولاذِ الجبَّار القوي الصلب الصلد المتين

تلتوي كرتنا الأرضية و يتلاشى وجودها دون أن ينحني أو يَلين

فالعاثرُ الحظِّ الذي اصطدم بالداهشيّ تتحطَّم آماله و تتهشَّم أوصاله و تتفكَّك ذرّاته

و إذا انكفأ على أعدائه سحقهم سحقاً و محقهم محقاً بزلازل آياته

و أباد لكلٍّ منهم وجوده، و لاشى وقوده، و أطفأ سراج حياته.

 

داهش

من كتاب المهند الباتر

 

 

 

 

جريمةُ الاعتداء على حرّيتي المقدَّسة بالظّلم الصارخ

جعلتني اتحول لغضنفرٍ بطّاش...

فانقضضّت كالصاعقة على الطاغية الباغية،

فصرعته بجبروتٍ مُزلزل.

 

داهش

من كتاب كلمات


 

ألـقِ في اليمّ

 

ألـقِ في اليــمِّ ما يعيـق السفينـة                  و هي تجري إلى نواحي المدينة

 

أنتَ في موكبِ الحقيقـــة نجــمٌ                  جـــاء يهــدي بـــلاده المسكينــة

 

كلّ هادٍ يَلقى اضطهاداً وجـوراً                 من أناسٍ يطـوون جمر الضغينة

 

آن للعـــدلِ أن يســودَ البرايـــا                   و يؤاسي منـا النفــوس الحزينــة

 

آن للحــقّ أن يصـــونَ عيونــاً                  دامياتٍ تـذري الدمــوع السخينـة

 

أيّهـــا العائــد الحبيب تـــدارك                  مُهجـات رهــن العــذاب سجينــة

 

يا طبيب الأرواح عالج قلوبنــا                  واشفِ منها تلك الجراح الثخينـة

 

أنت يــا رباننــا و نجــم هدانــا                  فأعـــــدنا إلى القــلاع الحصينــة

 

و إذا هبــّـت الريـــــاح علينـــا                  أنزل الركب في الشطوط الأمينة

 

و إذا مــا تهجـَّـم البحــرُ يومــاً                  ألقِ في اليــمِّ ما يعيــق السفينــــة

 

حليم دموس


مقدمة

 

بقلم الدكتور فريد أبو سليمان

 

 

بعد اثنين و أربعين عاماً من اعتناقه للداهشيّة، و بعد انقضاء ستة و عشرين عاماً على وفاته يتعالى صوت الشاعر الداهشيّ حليم دموس من جديد ، مجلجلاً كما عاهدته المنابر؛ عابقاً بالإيمانِ الصادق الذي عرفت فوحه مجالس الخطابة، و أحاديث الأندية والساحات و المنازل؛ شاهداً للحقِّ الهابط من لَدَنِ الله مثلما شهِدَ له أيام كانت الشهادة سبيلاً إلى أعواد المشانق.

على امتداد هذه الصفحات تنبعث كلماته الصادقة من جديد مجسدة سنين جهاده الطويل في سبيل نشر الرسالة الداهشيّة التي آمن بها و نذر حياته لأجلها... و من خلال هذه الصفحات ، تُشرق كلماته معتمدة بنور الحقّ، منطلقة من قلب التراث الداهشيّ الذي احتضنها، و الذي تشكل جزءاً منه، لترود من بعد أرجاء الدنيا كلها، نابذة تلك الحدود الضيقة التي استحالت بالأمي سجناً كبيراً لها.

لقد عرفته أخاً في العقيدة، ورفيقاً في الجهاد. و كان أن سبقني بالتعرّف إلى الهادي الحبيب داهش بفترة بسيطة.لكنَّ جميع عارفيه يقرّون بأن حليم دمّوس الذي خرج من منزل الدكتور داهش في 14 أيار 1942، تاريخ تعرّفه إلى الرسالة، هو غير حليم دموس الذي دخل إليه.و في القول الحقّ، إذا ما إن شاهد حليم معجزات الدكتور داهش تتتابع أمامه في ذلك اليوم التاريخيّ حتى شعر أنَّ يدَ الله وراء تلك الظاهرات الباهرات إثباتاً لحقيقة وجوده العظيمة، و أن نورَ الله سبحانه ينسكب في تلك التعاليم الداهشية لتكون درب الهداية و الرحمة و الخلاص لأبناء الأرض!

و ما لبثت أن انقلبتْ مفاهيم الحياة لديه، و تبدّلت غاية الوجود في ناظريه، و اعتبر أن يوم تعرّفه بالهادي الحبيب، كما يقول بنفسه هو يوم انعتاق روحه من التكالب على المادة، و أنه يوم" يقظة الرُّوح"!

و يواكب هذا الانقلاب في حياة حليم دموس انقلاب في شعره؛ إذا أحسَّت قيثارة شعره منذ ذلك اليوم، أن يداً غريبة تضرب على أوتارها، فيها ارتعاشات و خلجات ما عهدتها بها من قبل. فشفت أنغامه، و رقت كلماتها، وصفت عباراتها، و اقتصرت ترانيمها على تسبيح الخالق و قدرته ورحمته، وتمجيد المعجزات و التعاليم الداهشيّة، فدَفَق الشعر فيّاضاً بالمعاني الروحيّة و القيم السامية.

و ينكبُّ حليم على كتبِ الدكتور داهش فينقلها، رغم كثرتها و تشعب موضوعاتها، من صيغة النثر إلى صيغة الشعر. كما وقف قلمه أيضاً على تأريخ الوقائع الداهشية، باذلاً من أجل ذلك كله البقية الباقية من حياته.

و ما هذا الكتاب سوى المدخل لمجموعة كبيرة من كتبه التي كان فيها الشاهد الصادق الأمين لما رآه من خوارق الدكتور داهش و ما سمعه من التعاليم و الارشادات التي نزّلتها الأرواح العلوية في الجلسات الروحيّة الداهشّية، و التي كانت لي معاينتها سنوات طويلة.

فالقوّة الروحيّة المتجلّية على يديّ الدكتور داهش لا تحدّها قوانين الطبيعة، و لا يرهبها سلطان الحياة والموت، بل إنها تخرق، بقوة الله سبحانه، تلك النواميس الأزليّة، فتكشف أسرار الماضي السحيق المكنونة، و تحيل المستقبل المجهول حاضراً، و تبرئ بلمحِ البصر ما عجزَت العقول عن إبرائه، وتدعو الطير تتكلم، و الموتى ينطقون، و الحجارة تخضع و تخشع, و سكان العوالم الأخرى يتجسدون فيثبتون بالأدلّة الدامغة حقيقة الحياة بعد الموت، و انتشار الحياة في شتى مظاهرها في أرجاء الكون اللانهائي، وخلود الرُّوح، و الثواب و العقاب الإلهيين. كما كانت الأرواح القدسيّة تهبطُ من عوالمها البعيدة السعيدة محتلة الدكتور داهش، لتكشف أسرار المجهول، و تفض الطلاسم موصودة منذ فجر الخليقة، و تقدّم لنا النُصح و الإرشاد، وتهنئنا على نعمة وجودنا إلى جانب النبي الحبيب الهادي، و تنبّهنا للإضطهادات والمخاطر التي سيتعرّض لها من زبانية الشرّ و تشجعنا على الثبات في وجهها حتى النهاية.

و ظُلِمَ الدكتور داهش واضطُهِدَ و جُرِّد من جنسيته اللبنانية و نُفِيَ خارج وطنه، كما سُجِنَ جميع الداهشيين، و من بينهم بلبل المنابر حليم. و لكن قضبان السجن التي قيّدت جسدَ حليم ما استطاعة أن تمنع سيل الشعر المتدفق من خاطره.. فالإيمان كان أقوى من كل القيود، و السلاسل ما استطاعة أن تهيض جناحي النسر الداهشيّ المتحفز للانطلاق:

فمهما طــــوّقوا بالقيدِ زندي                   سأخـرجُ بعد طول الأسر حــرّا

أعودُ إليك يــــا وطني نقيــاً                    كأزهـار الرُّبى طيبـاً و عطـــرا

أعـود إليــك منتصــراً كنسرٍ                   تحمَّل في ظــلامِ السجن قهــرا

لأن هبّــت أعاصير الرزايــا                    علـيّ أظـلّ طــول الدهــر نسرا

و يُؤدّب الدكتور داهش ظلاّمه، و يُلاشي عروشهم، فيبتهج الحقّ ، و تنتصر الداهشيّة، و تجري سفينتها بإرادة الله، هازئة بالأعاصير، ناشرة نور السماء في أرض الشقاء.

و يتعاظم جهاد حليم إلى أن وافته المنية في 27 أيلول 1957 فسمَتْ روحه الطيبة نحو كوكب النور الأسمى بعد أن عَظُم حنينه للانطلاق إليه:

روحي تحــن إلــى ظلالــــك                            و فمي يحدث عن جلالـــك

سبحانــــك أللهـــم في كـــون                           يـــــدل علـــــى كمالـــــــك

شوقـي إلى عـــدل الملائـــك                            لا إلــى ظلــــم الممالــــــك

فاجعــــل حياتــي فـي يديــك                            فكلهـا مــن بعـــض مالـــك

 

 

و يترك حليم دموس بعد انتقاله آثاراً قيّمة ستكون حجر أساس في حضارة الرُّوح الخالدة. ويتسامى بجبروتٍ نحو عوالم النور و الهناء، بينما يُذلُّ أعداؤه و مضطهدوه ويذوقون شتّى انواع البلاء. و سيُخلّد اسمه و جهاده ما خُلّدت الداهشيّة و رسول السماء!

 

الدكتور فريد أبو سليمان

بيروت، 6 أيار

معجزات مؤسس العقيدة الداهشية ومدهشاته الخارقة

مُعجزات

مؤسِّس العقيدة الداهشيّة

و مدهشاته الخارقة

 

سأنشر خوارقك لأهدي الأنام

 

أيهــــا الخالــــق المهيمــــن!

يا رب البرايا و موجدها من العدم!

أيها القوة التي تعجز العقول عن إدراكها!

يا من تزلزل الأرض بهلع مروع لسموك اللانهائي!

يا من ترتعش النجوم و تضطرب الكواكب لمهابتك!

يا من تسبح الملائكة لألوهيتك الأبدية!

يا من تمجِّدك السُّدم و تُعظمك المجرات!

يا من ينكفئ البرق و تسجد الصواعق لمجرَّد ذكر اسمك المُقدس!

يا من تذيع الرعود المُزمجرة أنباء خوارقك الصاعقة!

إنني أمجِّدك، يا إلهيّ، و أنحني أمام جبروتك!

ضارعاً إليك أن تسدّد خطواتي و تَقيني عاديات الأيام المخيفة،

و تجعلني بوقاً صارخاً لأذيع خوارقك و أهدي الأنام.

 

داهش

 

 

أشعر بأنني احوي في أعماقي قوى روحية خفية هائلة تودُّ

الإنطلاق، لتقوم بعمل خطير عظيم، و لكني أكبتها إلى أجلٍ

معلــوم، و لــن يمضــي غيــر قليـل حتـى تتفجَّـر ينابيعهــا،

و تجتاح في طريقها كل ما يعترضها من حواجز و عقبات،

ثم تبرز للعيان جليـــة واضحة لا لبس فيهــا و لا غمــوض.

 

داهش


عجائبٌ من أمر الإله

 

 

و لــمْ أرى مثــل ( الداهشيـَّة) ذره    مباركة تدعــو لكشف الحقائــق

 

حقائق إنجيـلٍ و آيــــات مصحــف    لتعزيز أديان حســـان شقائــــق

 

تعاليــــم عيسى و الكليــم و أحمــد    كينبوع نـــور بالسعــادة دافـــق

 

و في نهضة الهــادي هدايــة أنفس    إلى ظاهرات باهـرات صوادق

 

رسالــة إصــــلاح و بعثــة ثـــورة    على كــل طــاغٍ مُستبد ممــاذق

 

تـــدك تقاليـــداً و تبنــي عقائــــــداَ    و تهدم ما شاد الورى من فـوار

 

و تنشرُ ( روحانيَّة) فـــاح طيبهـــا    كعرف نسيمٍ بالأزهـار عابـــــق

 

تنزلهــا الأرواح وحيــاً و حكمـــة     و آياتهــا مدعومـة بالخـــــوارق

 

عجائبٌ من أمرِ الإلـــــه بمثلهــــا     أتـى أنبيـــاء اللــه هَدْيـــاً لآبــــق

 

فكــن واثقــاً باللــه جـــلَّ جلالــــه    فأجمل ما في الروحِ إيمان واثـق

 

حليم دموس


إهداء

 

إلى...

 

إلى الأرواح الثائرة و القلوب المتحجرة و العقول المظلمة!

 

إلى كل من ينظر نور الشمس و يلمس جسمه نسيم الحياة،

 

إلى كلِّ حــيٍّ يهتــــزُ شعــوره نحـــو الحــقّ!

 

إلى كل هؤلاء... و من أجلهم قد هبطَ هذا الوحي!

 

و بعث التجدّد، و استيقظَ الإلهام من نومه العميق!

 

و دوَّنت هذه الخوارق و المُعجزات الداهشيَّة

 

باسمِ الحقِّ و اليقين.

 

 

 

المؤمن الأول

يوسف الحاج

بيروت 1942


مقدمة

بقلم يوسف الحاج

 

هذا الكتاب فيه معجزات كُتبت للحقيقة و التاريخ. أنا يوسف الحاج أردتُ في هذه المقدمة تدوين بعض الظاهرات التي جرتْ معي كحقائق لا تقبل النقض. وهي في غاية الغرابة لما فيها من الخوارق.

و لا ريب أن عشرات الألوف من القرَّاء سيتهمونني : إمّا بالمجنون، و إما بالشعوذة، أو بقصر النظر، أو بغاية دنيوية، إلى آخر ما هنالك من شتى الاتهامات...

و الآن، أشكر القوة المُوجدة التي كشفت الحجاب عن عيني، و دعتني أن أتوصل إلى معرفة الحقيقة الروحيَّة السامية.

أنا لا أدَّعي بأنني لم اكن ماديّاً؛ بل كنت غارقاً في محيط المادة. و لكن، بعد أن تكشَّفت لي الحقيقة، و شاهدت بأم العين ما لم أكن أصدق به مما لا يخطر على بال، حتى في عالم الأحلام و الخيال، و وجدت البون الشاسع الذي كان يفصل ما بين الحقيقة و عدمها؛ لذلك جئت بهذه الصفحات لأدوّن فيها الجلسات الروحيَّة و العجائب الداهشيَّة التي جرت امامي، والتي لمستها لمسَ اليد، و التي أتمنى لكل بشريّ مثلي، و أخ لي في الإنسانيّة، أن يلمسها كلمسي إيّاها، و أن يرفع الله الغشاوة عن عينيه فيرى ما رأيت، و يتمتع بما تمتعت به، فيشعر بالغبطة السرمدية و السعادة الحقيقية التي هي غاية الغايات لكل حيّ.

و إلى القارئ بعض الظاهرات الروحيَّة التي أدوّنها هنا ممّا لم يدون التاريخ مثلها منذ عهد السيّد المسيح حتى يومنا هذا.

غير انني مضطّر، بحكمِ الواجب، أن أتقدم بكلمة موجزة عن كيفية تعرفي بالدكتور داهش الذي على يده حدثت هذه الظاهرات الباهرات.


كيف عرفت الدكتور داهش

في اوائل عام 1939 جاءني صديق لي يقول لي: " إن الدكتور داهش يبحث عنك، و يريد التعرف اليك، فقد سمعَ عنك الشيء الكثير في بلاد العراق".

أما أنا فلم أعر هذا ا لقول أذناً صاغية للمرة الاولى.

ثم تكرّر عليَّ ذلك من صديق آخر، تلاه تلاقي بالدكتور عند صديقي الفنان الشيخ قيصر الجميل الذي بواسطته تم التعارف بيننا.

و قد رأيت على وجه الدكتور داهش علامات عبقريّة.

و شعرتُ بنبرات صوته و رعشات نظراته ما أكدَّ لي أن في هذا الإنسان كتلة من الأسرار، و طاقات روحيّة لم توجد في غيره حتى الساعة. و برغم كل هذا لم يحصل التقارب اللازم بيننا. فكأن الساعة لم تكن قد دنت، و الأمور مرهونة بأوقاتها.

و في أواخر عام 1941 نزلتُ بيروت؛ و إذا بالساعة تدقُّ دقَّة الحلول. و تمَّ التقارب بيننا؛ و كان ذلك بواسطة صديقنا وليم صعب أمير الزجل اللبناني.

و قد تمَّ الاتفاق بيننا على إعطائي الدكتور دروساً في أصول العربية. ثم تبادلنا الزيارات.

مرت ثلاثة اشهر ظهر في أواخرها نجاح كبير من الدكتور في قواعد اللغة و التعليم، مما ضاعف اندفاعي إلى السير معه حتى النهاية. و الغريب في أمرنا هذا أن اللغة و التعليم قد أصبحا ثانويين أمام ما تولّدَ بيننا من الألفة و الاتّحاد.

و ما أزال اتذكّر العبارة التي كتبتها على النسخة التي قدمتها له من كتابي" هيكل سليمان"، فهي تدلُّ دلالة واضحة على هذه الألفة و هذا الاتّحاد، و هي هذه:" إلى أخي بالرّوح، إلى الدكتور داهش من أخيه المؤلف".

و مثل هذه العبارة قد كتب هو على كتابه" ضجعة الموت" مقدماً إياه هدية منه إلي.

و في صباح احد الأيام بينما كنت مكباً على شرح الأمثولة له، إذا به يفاجئني أمر هو غاية في الغرابة، و هو دعوتي إلى حضور جلسة روحية(1).

فلم اتردّد في الأمر. و تمت الجلسة الروحيَّة الأولى بنجاح؛ و فُتِح أمامنا باب رسالة روحيَّة في سبيل هذه الإنسانية المتألمة.

حينئذ تذكرتُ كلماته التي كان قد ودعني بها في إحدى زياراته في البيت إذ قال:"يا أخي الحاج، إنّني و إياك سنشكل هيئة روحانيّة كبرى تبعث بالحياة و ابنائها على سماوات النور والمعرفة، و تكون هذه الهيئة هداية ثانية للناس..."

أما أنا فلم أكن لأفهم المرمى البعيد الذي كان يرمي إليه بشعوره الروحانيّ الصادق في تلك الكلمة التاريخيّة المُلهمة.

و من ذلك الحين عُقِدت جلسات روحيّة، تارةً لي بمفردي، و طواراً أمام البعض من المخلصين. فكنت أرى فيضان النجوى يمتدُّ في كل مرة إلى حدود شاسعة بين الجلسة والجلسة.

و قد أخذت الأرواح العلوية تهبطُ علينا بعلومها و نصائحها و إرشاداتها السماوية الخالدة. كما تمتحننا بعض السيالات بالأموال و العظمات العالمية الزائلة.

أمَّا نحن فقد كنا نسير بين الفريقين بمزيد الدقة و الحذر و التنبه، و بعناية كبرى و شكر عظيم لله.

و قد أخذت أشعر أن الدكتور داهش مغمورٌ بفيضٍ سماويٍّ عجيب، و أنَّ روحه أخذت تسمو و تسمو إلى درجة فائقة لم يذكرها التاريخ بين جميع أقطاب الروحانيّة.

و هذا دليلٌ قاطع على انه ليس بوسيط، بل هو ( نبي).

و إلى القارئ ما وقع أمامي و امام سواي، بواسطته، من الظاهرات و المُعجزات الروحانيَّة الخارقة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)الجلسة الروحية تعقد لأي فرد من الناس، سواء اكان رجلاً أم امرأة، و سواء اكان الحضور بالعشرات أم بالمئات، لا فرق في ذلك.

و هي تتمُّ في وضح النهار أو تحت الأضواء الكهربائية الساطعة، و دون ان يتلى بأثنائها أية آية قرآنية أو إنجيلية، دون الاستعانة بالبخور الذي لا يستعمله إلا الدجاجلة والمشعوذين.

و بأثناء اعقادها تتجلى روح سماوية يمكن أن يخاطبها المرء و تخاطبه من غير لبس او غموض، و بقدرتها ان تحدث خوارق و مُعجزات ، دلالة على وجودها، وبناء على طلب الحضور. فالغاية من الجلسة الروحية إذن هي مساعدة الناس على العودة إلى الإيمان الديني الأصيل الصحيح بالتمرّس بالخير و الفضيلة، و التصديق بوجود عالم الروح وبالثواب و العقاب. و هذا يعد انتصاراً للرّوح على المادَّة في عصر تغلبت فيه المادَّة على الرُّوح

معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحية

مُعجزات

الدكتور داهش

و ظاهراته الروحيّة

ضراعة لخالقِ البرايا

تبارك اسمك يا الله!

السماوات تُحدّث بعجائبك،

و الكواكب تُنبئ عن صنع يديك،

و السُّدم تُذيع أخبار مُعجزاتك،

و المجرّات تُنشر أنباء خوارقك،

و البحر الجبّار الثائر المتلاطم الأمواج

يخشع أمام جبروتك العاصف،

و العاصفة تنكفئ و تستكن أمام مهابتك الإلهية،

إن عظمتك أيَّها المُوجد

لأعجز من أن يصفها قلمي المسكين!

داهش
من كتاب ابتهالات خشوعية

 

اضطُهدت فإذني انقلب لنمرٍ مفترس،

و تبهنست ثم وثبتُ على المُعتدي الوغد،

فمزقته بمخالبي الفولاذية تمزيقاً مروعاً...

و إذا بصيحات الألم الرهيب المدويّ،

يسجّلها التاريخ بين دفتيه.

داهش

من كتاب كلمات

ثمَّة حقيقة عظيمة!

لقد انعمَ الله علينا!

فالأرضُ لم تُشاهد قط حتى هذا اليوم

ما نشاهده و ما سنشاهده أيضاً!

إن الدكتور داهش هو وسيط علوي بين السماء و بيننا

به نتَّصلُ بالعوالم الروحيّة،

و تتجسّد فيه أسمى الأرواح فتعطينا أدلّة محسوسة على وجودها.

لقد اهتدينا، على يدِ الدكتور داهش إلى طريق الله، و أي طريق!...

لا يؤبه للزمان ؛ فسوف ندركه بواسطة الدكتور داهش و أعماله،

عظمة الأبدية حيث يمضي بنا نحو السعادة!

ماري حداد

مقدمة

 

داهش المُعجزة !

 

 

في سالفات السنين أمضي، سنين مشحونة حكايات ووقائع ليست بالعادية مطلقاً، وفي عمري الأول طالما انتظرت الحدث الجَللْ: المُعجزة. لا ، لن يخيب أملي، سيأتي ذاك الذي كانت تناديه روحي.

 

أشياء الحياة، من موت وولادة، قران و أحداث، أحزان و أفراح، كان شريطها يعرض بهدوء. لا شيء كان يثير. إنما ذات يوم حدثت الصدمة، و كما الصاعقة انقضّت عليّ.

 

في تلك الآونة كانت الشمس تشرق و تغيب ، كالعادة، و القمر و النجوم تأهل السماء بحضور دائم. أحياناً كانت تنطلق نيازك أو نجوم مذنّبة، أو يحدث كسوف، أو في بعض ليالي الصيف مثل انفجار بين شتى الكواكب يشبه عراك الملائكة القديم. و لكنّ نفسي لم يكن ليتبدّل فيها شيء...

 

بهدوء كنت أنتظر، و إذا الصدمة- النبأ أعُلن لي بعبارات أقل ما فيها العجب. أهذيان وجنون و هوس؟ ما هذا الذي يرويه لي هذا الولد الكبير الساذج الذي لا ريب أنهم خدعوه؟! لا، قلت ساخرة، لن أُخدع. و لكن إلحاح الرجل المسن سيتغلّب على السخرية، لأن صدق قلبه كان حقّاً. وإذا بي أكتشف العظيم الذي أعلنه حليم دموس!

 

نعم فقد كان الشاعر المُلهم حليم دموس أول من أوصل إلينا أخبار الدكتور داهش مكتسية بثوب غريب عجيب. كان ذلك الرجل الطيب صادقاً لا يعرف الخبث إلى قلبه سبيلاً. أخبرنا بما رأت عينه و سمعت أذنه و لكن، كان مُحالاً، بادئ الأمر، أن نتناول أنباءه بجديّة، فكنا نتابع الإصغاء إليه، و البسمة تعلو ثغورنا، لظننا أن الحليم الوديع قد وقعَ في شرك بعض المشعوذين. غير أن إيمانه الوطيد بحقيقة ما يروي و تأكيده البطولي لصحّة ما يخبر، جعلانا، على شكوكنا، نتحسَّس نبرة الصدق و هي تهدر في عباراته. فقرّرنا زيارة الدكتور داهش.

 

في تلك الأثناء كانت ابنتي أندره في مستشفى الدكتور توفيق رزق تضع ابنها البكر (إيليا). و في الثامن من أيلول من تلك السنة لدى مغادرة أندره المستشفى، قرعنا باب منزل الدكتور داهش الذي كان تجاه المستشفى، فاستقبلنا بحفاوة بالغة.

 

قبل زيارتنا تلك، كنا قد أمضينا عدة أسابيع في قرية ( جورة الترمس) في الجبل. و يوم السادس عشر من آب، شاهدنا سقوط بالون دفاعي ضخم للجيش البريطاني حطَّ قرب الفندق حيث كنا نازلين. و الغريب أن معظم سكان تلك الناحية قد اضطربوا، في حين أننا كنا مسرورين.

 

و بعد بضعة أيام، عدنا إلى بيروت، و قمنا بزيارة الدكتور داهش. و في خلال المقابلة، طلبَ زوجي، إذا كان ممكناً، أن يسمح له بجلسة روحيّة يتحقَّق فيها شيء من الأعاجيب التي أسمعنا الكثير عنها صديقنا حليم دموس. فسُمِح له بذلك. فطلب، إذ ذاك، زوجي أن يحصل فوراً على غرض معين موجود في بيتنا الكائن في الطرف الآخر من المدينة، و هو كناية عن قطعة أثرية من الخزف معلّقة، بإحكام، في خزانة قاعة الاستقبال. و في الحال ظهرت القطعة المطلوبة بين يديه، و ذلك على مرأى أشخاص كثيرين. كان الحادث بالغ التأثير: شيء ينتقل من بيت إلى آخر بسرعة البرق!

 

أخذتنا الدهشة و تملكنا الجمود، فقرَّرنا مُتابعة أختباراتنا مع الدكتور داهش. و طفقنا نتجاذب أطراف الأحاديث، حتى تطرقنا إلى موضوع تمضية فصل الصيف، فذكرنا أننا كنا في (جورة الترمس)؛ و إذا ملامح المفاجأة ترتسم على وجوه الحاضرين، و كان بينهم الدكتور خبصا ويوسف الحاج و حليم دموس. فأخذ حليم دّموس يروي حادث البالون الغريب. قال:" كنت سائراً في المدينة برفقة الدكتور داهش، و على مقربة من مركز البريد، خاطبني الدكتور قائلاً:" أنظر هنالك في الفضاء، بالونات الدفاع المؤقت، للجيش البريطاني".

 

ثم تابع:" أنظر هذا البالون"، و أشار بإصبعه إلى أحدها. في اللحظة نفسها، رأيتُ البالون المُشار إليه يطيعه فيقطع حبله الفولاذي، و يطير بعيداً حتى يغرب عن عيني. سألته، مدهوشاً، عن سبب الحادث، فأجابني:" دوّن في مفكرتك تاريخ هذا النهار، و اعلم أن البالون سيحلّق إلى ما فوق قرية لبنانية حيثُ يهبط. سبب ذلك أن في تلك القرية تنزل أسرة ستؤمن بالرسالة الداهشيّة، وستقوم فيها بدورٍ خطير، و قد تقدمت الحادثة لنبقى متذكرين اليوم الذي فيه ستدخل تلك الأسرة هيكل الرسالة الداهشية".

 

لدى سماعنا الخبر، ذُهلنا و صرخنا:" إن البالون هبطَ أمامنا في السادس عشر من آب، وهو تاريخ النهار نفسه الذي فيه، و [إشارة من الدكتور داهش، قطع البالون حبله، و انطلق محلّقاً في الأجواء، حتى هبط في جوار الفندق حيث كنا نصطاف في ( جورة الترمس)!"

 

بعد ذلك اليوم، تكرَّرت زيارتنا للدكتور داهش، و كانت كلمات حليم دموس لنا تتأكّد أكثر فأكثر. فكلّ يوم كنا نشهد خوارق جديدة، و نتساءل في الصباح هل كان ما شاهدناه بالأمس واقعياً ؟ أيكون حلماً؟! كم من مُعجزات مُذهلة رأينا: تكثير الخبز و الثمار، تعدّد الشيء الواحد بحيث يصبح أشياء، نبوءات دقيقة صحيحة، تحويل مادة إلى أخرى، و عجائب شفاء!.. لقد كانت الخوارق حقيقية في الصبح و المساء كما في أية لحظة من لحظات النهار. حقاً لم يكن ذلك حلماً !

 

للعجائب في الماضي كما في الحاضر مغزى عميق: إنها مُعدَّة لفتح عيوننا على قضايا الحياة المهمّة؛ إنها تدعم حقائق، لولا العجائب، لظلّت، غلباً، بلا تأثير في الرُّوح الإنسانيّة.

 

و ما كان منزل الدكتور داهش يفرغ من الناس. و غالباُ ما كنا نلتقي وجوهاً جديدة: أناساً من مختلف طبقات المجتمع، سياسيين و عسكريين و مدنيين و رجال دين، رجال أعمال وموظفين، أطباء و أساتذة و محامين و مهندسين و صحفيين، أجانب ووطنيين.. و في أكثر الأحيان كانت المنفعة المادية- و للأسف- تجتذب جمهور الناس. و مراراً كثيرة، شاهدت أشخاصاً يقبّلون يدي الدكتور داهش عرفاناً بالجميل و شكراً له على مساعدتهم.

 

أشياء متنوعة تكثّرت كياناتها بقوة المُعجزة أمام ناظري. ما زلت أذكر سيدة حملت معها إلى منزل الدكتور داهش باقة زهر، و طلبت من الدكتور زهرية لتضع الأزهار في الماء. فإذا الدكتور يحمل إليها زهريتين بدل الواحدة؛ فتقول له:" لن أشطر هذه الباقة، فذلك يفرق الأزهار، إن زهرية واحدة تكفي". و كم كانت دهشتي عظيمة عندما رأيت الباقة فجأة تزدوج فتصبح باقتين متماثلتين تماماً: الأزهار نفسها و الألوان عينها و الأعداد ذاتها في كل زهرية.

 

أحياناً، كانوا يأتون إليه مرضى. شاهدت لديه فتاة مصابة بمرض عقلي. كانت مخطوبة، و قد سببت شقاء كبيراً لأسرتها. الوسائل جميعها أخفقت في معالجة المسّ الذي أصابها، فأتوا بها، أخيراً، إلى الدكتور داهش، فشفاها بمساعدة روحيّة. و تزوّجت الفتاة بعد مدةٍ وجيزة. نعم كان شفاؤها كاملاً؛ و لكن المرضى لا يشفون جميعاً بمجرد طلبهم؛ لأن الشفاء يمنح للمريض كمساعدة روحيّة مثله مثل النِعَم لا تُعطى إلا لمن استحقّها من الناس حسب مؤهلات سيّالاتهم الروحيّة نتيجة لأعمالهم و رغباتهم في حيواتهم السابقة.

 

و بعد، فما هي التعاليم الداهشيّة؟

 

الديانات كلها جيدة إذا كان معتنقوها يؤمنون إيماناً صحيحاً بالله تعالى، و يحيون في خوفه وفق العدالة و الحقيقة. إنّنا نؤمن بخلود النفس، و بالآخرة، و بالثواب و العقاب، و التقمّص حتى التطهّر الأعلى الذي يحول دون رجوعنا إلى العوالم السفليّة و الذي يجمعنا مع الله سبحانه في عالمٍ طاهرٍ سامٍ لا دنسَ فيه.

 

و إننا نعتبر الدكتور داهش مزوّداً بقوة روحيّة علويّة. عندما يصل ممثل دولة ما إلى بلد، يقدم أوراق اعتماده من قبل الدولة التي أوفدته، و بالنتيجة يُستقبل و يقرَّ اعتماده . و الدكتور داهش برهن عن حقيقة رسالته الروحيّة الانسانيّة. إن أوراق اعتماده تثبته بخوارق لا عدّ لها، وكتاب الوقائع الداهشية سيشهد بقوة، و سيكون قريباً مطبوعاً في متناول الجميع.

 

في الجلسات الروحيّة، تتجلّى أمامنا جواهر روحيّة علويّة، فتدفعنا إلى العمل بموجب إرشادات الدكتور داهش، و إلى العيش في تقوى الله متزودين بنورِ الحقيقة و حبّ العدالة. إنها تقول لنا:" البشريّة لن تبقَ طويلاً، و كل هذه الاختراعات الحديثة الهدّامة ليست سوى دليل على نهايتها المقبلة".

 

فعلينا ألا نكون عمياناً و منقادين، كما كان الناس زمن نوح : كانوا يسخرون منه، و كثيراً ما حطّموا عمله في صناعة الفلك. لكن عداءهم و هزوءهم لم يمنعا وقوع الطوفان، و تفجعهم وتأسفهم لم يجدياهم نفعاً ساعة الانقلاب العظيم. فيجب ألا نتمثّل بهم، و علينا أن نظلّ أبداً مستعدين مثل العذارى الحكيمات في الإنجيل.

 

 

ماري حداد

 

 

 

asrar


    مقدِّمة

 

حينَ عهدَتْ إليَّ جريدةُ "الديار "بإعداد بابٍ فيها أَطلَقتْ عليه اسم "الملفّ"وخصَّتْ به العقائدَ الفكريَّة والسياسيَّة والدينيَّة في لبنان ،شعرتُ بعِظَم المسؤوليَّة المُلقاة على عاتقي نظراً لخطورة المواضيع المطروحة وما تقتضيه الأَمانةُ من دقّةٍ وحَذَرٍ شديدَين .

على أَنَّني اضطلعتُ بهذه المهمَّة مُنتهِجاً فيها سبيلَين اثنين :الأَوَّل الإعتماد على المراجع الموثوق بها، والثاني التزام الموضوعيَّة والحياد التامّ .

ولمَّا أَقبلتُ على اعداد "ملفِّ" الدكتور داهش والداهشيَّة ،لَم يَدُرْ في خَلَدي قطُّ أَنَّه من الضخامة بحيث يستحيل عليَّ الإحاطةُ به كلِّه في خلال أَعدادٍ محدودة من الجريدة ؛ هذا بالرغم من أنَّ صدرَ "الملفِّ" قد إتَّسعَ وفاضَ عمَّا هو مرسومٌ له في الجريدة ،اذ تجاوز أَربعين حلقةً (من 18/11/1998الى/1/18 1999 ).ولقد شجَّعَني على المضيِّ قُدُماً فيه اهتمامُ الرأْي العامِّ به وإقبالُ القرَّاء الشديد عليه, ووفرةُ ما أُتيح لي من موادَّ مهمَّة تستدعي النشر ,وان يكنْ منها ما حالت الظروف دون نشره .

ولا بدَّ لي من الاعتراف ههنا بأَنَّ معرفتي بالداهشيَّة كانت محدودةً أَوَّلَ الأَمر، وكانت تُعْوِزُني المراجعُ الصحيحة عنها الى أَن قُيِّضَ لي الاهتداءُ الى المنزل الذي أَقام فيه الدكتور داهش – ويدعوه أَتباعُه "منزل الرسالة الداهشيَّة ". وهناك جالستُ عدداً من الداهشيِّين ، في طليعتهم الدكتور فريد اَبو سليمان والأَديبة زينا حدَّاد ؛وهما من أَوائل المؤمنين بالداهشيَّة ، عايشا مؤسِّسَها قُرابةَ نصف قرن، وبذلا من أَجلها تضحياتٍ جليلة .

   تحدَّثتُ طويلاً الى الداهشيِّين ، واستمعتُ الى شهاداتهم في مؤسِّس عقيدتهم . ثمَّ بادرَ بعضُ القرَّاء من غير الداهشيِّين الى الإتِّصال بي ، والادلاء بشهادتهم فيه أَيضاً . ولقد تسنَّى لي ، في أَثناء ذلك ، الاطِّلاعُ على ما أَلَّفه الدكتور داهش وما أُلِّفَ حولَه ، فضلاً عمَّا نُشِر من مقابلاتٍ صحافيَّة ، سواءٌ معه أَو مع شهود ظاهراته المُذهِلة ؛ ولَم يكونوا جميعا من أَتباعه . ولقد تحصَّل لي من ذلك كلِّه أَنَّ ما أُشيع عن الدكتور داهش من اتِّهاماتٍ مُغرِضة كان القصدُ منه تشويهَ سمعته . الرجل صاحبُ عقيدةٍ انسانيَّة روحيَّة قامَ بأَعمالٍ غيرِ مأْلوفة لا يجوز الاستهانة بها أَو الوقوف منها موقفَ اللامبالاة .وهو أَيضاً أَديبٌ غزيرُ الانتاج ينحو في أَدبه مَنحىً مثاليًّا اصلاحيًّا . وفضلاً عن ذلك كلِّه ، فقد كان شَغوفاً بالفنون الجميلة دؤوباً على جَمْع آثارها ، خلَّف مُتحفاً فنيًّا يقوم الآن في قلب مدينة نيويورك . ولقد رأَيتُ اليومَ أَن أُصدِر تلك الحلقات من "الملفِّ" الداهشيِّ في كتابٍ يصونُها من الضياع    أَو النِّسيان، ويقدِّمُ للقرَّاء صورةً جليَّةً عن قضيَّةٍ شغَلَت المجتمعَ اللبنانيَّ طويلاً ، وما تزال ، وقد يُسهِمُ في نَزْع ما عَلِق في الأَذهان من زُورٍ وبهتان . ولقد اقتضى منِّي ذلك :

1. تقسيمَ الكتاب إلى أَربعة أَقسام ، وترتيبَ الحلقات أَو الفصول بحسب هذا التقسيم لا بحسب صدورها الزمنيِّ في الجريدة ، وذلك حِرصاً على حسن التبويب ، وخشيةً من تداخُل المواضيع بعضِها في بعض ؛

2.إضافةَ فصولٍ جديدة تجمَّعَتْ عندي مراجعُها ، لكنَّه لَم يتسنَّ لي آنذاك نَشْرُها في الجريدة لضيقِ الحيِّز المتاح،

3.ضبطَ النصوص على أُصولها ، وردَّ المعلومات أَو الوقائع الى مصادرها الرئيسيَّة مع تذييلها بالحواشي ؛

4.تهذيبَ اللغة ، وتصويبَ الأَخطاء ،سواءٌ اللغويَّة منها أَو غير اللغويَّة ، وحَذْفَ التكرار الذي تقتضيه الضروراتُ الصِّحافيَّة أَحياناً .

وكلُّ ما أَرجوه أَن أَكون قد وُفِّقتُ في مَسعاي . والسلام .

 

 

بيروت ،4أَيَّار 2000                                                                            اسكندرشاهين

 

تمهيد

 

في منطقة القنطاري ببيروت وعلى بضع خطوات من "برج المر" يقع منزل جورج حدَّاد، عديل رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة ، بشاره الخوري (1943-1952)، وهو مقرُّ "الرسالة الداهشيَّة "منذ اعتناق السيِّد حدَّاد وعائلته تعاليم سليم العشِّي المعروف باسم "الدكتور داهش".

أَربعون مترا هي المسافة الفاصلة بين القصر الرئاسيّ في عهد الرئيس الخوري ومنزل آل حدَّاد . وعلى رقعة هذه المساحة الضيِّقة دارت معارك طاحنة بين الفَريقَين ، أيْ عهد بشاره الخوري من جهة وداهش وأَتباعه من جهة أُخرى . الفريق الأوَّل ، أَي العهد ، ساق اتِّهامات شتَّى بحقِّ داهش والداهشيِّين من تحضيرٍ للأرواح الى الشعوذة والى ما هنالك . ولَم يقف الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل تعدَّاه الى اعتقال الدكتور داهش وسجنه وتجريده من جنسيَّته اللبنانيَّة ونَفْيه الى الحدود التركيَّة بالاتِّفاق مع محافظ حلب عام 1944.

وبعد فترة وجيزة ، تمكَّن الدكتور داهش من العودة سراًّ الى بيروت . وبعد أَن فشلَ في استرداد حقوقه المُغتَصبَة بالطرُق القانونيَّة ، شنَّ على مُضطهديه حملةً قلَميَّة ضارية بهدف اظهار الحقيقة وتوضيح مُلابسات الجريمة التي ارتُكبَت بحقّه . فأَصدرَ 66 كتابا و165 مَنشوراً أَسود تناول فيها عهد الرئيس الخوري ،فأَثارت العديد من الفضائح داخل دوائر الدولة آنذاك . جميعُ هذه المنشورات كانت مُوقّعة باسم "ماري حدَّاد الداهشيَّة ",وهي شقيقةُ لور (زوجة الرئيس الخوري ) وميشال شيحا . وقد عمدت السلطةُ اللبنانيَّة الى سَجن المؤمن الداهشيّ الأَوَّل ، الأَديب يوسف الحاجّ، والشاعر حليم دمُّوس ، والدكتور جورج خبصا ، والسيِّدة ماري حدَّاد وزوجها السيِّد جورج حدَّاد ، وكلِّ مَن أَعلنَ أو عُرفَ عنه بأَنَّه داهشيّ .

وممَّا زاد في أُوار الحرب هذه قيامُ ماجدا ابنة عديل الرئيس الخوري بالانتحار احتجاجاً على ما تقوم به السلطة تجاه داهش وأتباعه . ولَم تنتهِ هذه الحرب الاَّ مع سقوط الرئيس الخوري .

واللافت في تلك المرحلة أَنَّ السلطات الايرانيَّة اعتقلَت داهش في 28حزيران 1947,إثرَ فتنة دامية قامَت في أَذربيجان ، لعدم وجود ما يدلّ على هوِّيَّته ، فأتُّهِمَ بالجاسوسيَّة وتمَّ اعدامه في أَوَّل تمُّوز من العام 1947 . وقد سلَّم رهنما ، السفير الايرانيّ في لبنان في تلك المرحلة ، تقريراً رسميًّا للسلطات اللبنانيَّة يُثبِتُ إعدام داهش رمياً بالرصاص مُرفَقاً بصور تنفيذ الحكم فيه . فكتَبت عنه الصحافة مراثي كان أبرزها لمطران صور وصيدا وتوابعها ، بولس الخوري ، والشاعر حليم دمُّوس ونقيب الصحافة رياض طه والمحامي وجدي الملاَّط والمرشد العامّ للإخوان المسلمين حسن البنَّا .

     ولكنَّ الحقيقة أنَّ مَنْ أُعدم كان إحدى شخصيَّات الدكتور داهش . فلمؤسِّس الداهشيَّة ستُّ شخصيَّات مقرُّها في عوالِم أُخرى من الكون . وقد تجسَّدت هذه الشخصيَّات مراراً وتكراراً، وشاهدها الكثيرون في مُناسباتٍ مُتنوِّعة عديدة . وقد ذكرَت الصُّحف أخبار ظهورها ، وعُقدت الفصولُ الطويلة حول تجسُّداتها .

 

     وعندما أُعدمَ داهش رمياً بالرصاص ، أَي عندما أُعدمَتْ شخصيَّتُه بأَذربيجان ، كان الدكتور داهش في منزل الرسالة ببيروت بين أَتباعه الداهشيِّين . وقد واصل حربه ضدَّ السلطات الى أن قامت ثورةُ الشعب اللبنانّي وأَطاحت بالحُكم .

 

     ومع وصول الرئيس كميل شمعون الى الحكم استعاد الدكتور داهش جنسيَّته اللبنانيَّة وتابع مسيرته التي يصفها الداهشيُّون بأَنَّها سَيلٌ من المعجزاتِ والخوارق .

وهنا يُطرَح السؤال مَن هو داهش ؟ ما هي تعاليمه ؟ لماذا تعرَّض للاضطهاد؟ ماذا صنع من مُعجزات ؟

جميعُ هذه الأَسئلة سيُجيب عنها "الملفّ " بالاعتماد على مصادرها .

adwaa


ان للكرامة الشّماء و للحرية الابية ثمناً فادحاً من البذل و التضحيات. أما الاستسلام و الخنوع , و الذل و خضوع النفس لإسترضاء الطغاة البغاة والرضوخ لظلمهم الشنيع... فهة نذالة فاضحة, و نكبة فادحة لا و لن تنال مني منالا ً.

                                                                                    داهش

 

 

ايتها الحرية

 

 

انتِ قبس الله الساطع و مشعل من مشاعل الفردوس

انتِ انشودة كل حي ينشدك الجميع بلهفة و شوق

انتِ عصفور فتان , اطلقه الله من فراديس الجنان

فالمسيني ايتها الحرية بسّيالك العجيب فتحييني

فكم من سجين حزين يدعوك بكل ما فيه من امل

و كم من رهين في قيوده يتمنى ان تهبيه عطفك

لأنك رسولة السماء , و حبيبة الرسل, و عشيقة الملائكة والكاروبيم

فأنتِ هي إبنة الله.

فادن ِ مني ايتها الحرية.

 

داهش

من كتاب" من وحي السجن و التجريد و النفي و التشريد"

 

 

انا نار تهوي على اللؤماء

 

 

لست اخشى مواكــب الاعـــداء          كيف يخشى الذباب نسر الفضاء

صاعقات الزمان تعنو لأمــري          و تنــــادي بهمتـــي و مضائــي

و بــروق الغمــــام لمع بريقــي          ورعــود السماء صوت ندائـــي

انا نـور يهدي سبيــل صحابــي          انا نار تهوي   علـــى اللؤمـــــاء

انا حق, و الحــق دومـا امامــي          و بنـو البُطل ِ هائجون ورائــي

حسدوني لؤما ً و كيدا ًفثــاروا           و تواروا كالبـوم فــي الظلمـــاء

بهرتهم مواهبــي يــــوم شعّــت          في سماء الاكوان كالكهربــــــاء

عجبوا من صلابتي و اقتـداري           و كفاحي و عزمتــي و بــــــلاء

و نفضت الاكفان عني, ولاحت          ظاهراتي كالبرق فـي الليـــلاء

ياصغار النفوس لا تستشيطــوا           بل فموتوا بغيظكم و هجائـــي...

كلمــا ( زدتــم) ذلـــة وهوانـــا           ذدت مجدا في صولتي و علائي

 

 

داهش

 

انا القوي الجبار و العنيف البتار . فمهما حاولت الاحداث ان تتغلب عليّ, او تخضعني لجبروتها فأنها لن تعود الا بصفقة الخاسر المغبون .

 

نحن قوم مسالمون كالحملان .لكن, عندما يعتدي الظالمون على حريتنا التي هي هبة من لدن الله جل اسمه , اذ ذاك , ننقلب الى نسور كاسرة , و ننقض على اولئك المعتدين, و نمزق لحمانهم تمزيقا ً , و بذلك نؤدبهم تأديبا ً رهيبا ً جدا ً .

 

 

داهش

 

تمهيد

 

اخي الحبيب,

كنت قد بعثت لي منذ شهور عديدة كتاب عنوانه " سلسلة العلوم البارابسيكولوجية-الجزء السادس" لرجل يدعى روجيه شكيب خوري؛ و اخبرتني ان هذا الرجل الذي يمتهن توليد النساء في لبنان , قد دأب منذ سنوات طويلة على إغراق شوارع بيروت بمترجمات يبشر فيها بما يُعرف ب" البارابسيكولوجيا" . و قلت لي ان هذم المُترجمات التي تباع في بيروت , كما تباع مثيلاتها في سائر مدن العالم , مع القصص البوليسية و الرويات الجنسية وحكايات الخيال العلمي و كتب التنجيم و السحر و الشعوذة, و غير ذلك مما يقع في باب الادب الرخيص , ما كانت لتلفت إنتباهك لولا ان الرجل المذكور يتعرض فيها لمؤسس الداهشية .

 

و طلبت إليّ ان ابدي رأي بذلك الكتاب . و لقد اجبتك في حينه اني قد تصفَّحت الكتاب المذكور و اني اعتذر عن الاجابة . ان الانسان ليخجل من إدخال مثل هذه الكتب الى دائرة اهتمامه السلبي او الايجابي. فموقع البارابسيكولوجيا من العلم , كما تعرف , كموقع الخلاعة من الفن .

 

فأنت اذا امسكت ذلك الكتب و نفضته كما تنفض السجادة من الغبار و الاقذار , فأسقطت منه الحشو و التكرار و الإطالة والصفحات الطويلة المترجمة و الرسوم السخيفة التي لا علاقة لها بالموضوع , لا من قريب و لا من بعيد ؛

 

ثم نفضته فكنست منه الاحاديث الطويلة المثيرة للإبتسام عن " مواهب " المؤلف و " مواهب " ابيه , و تلك اللائحة الرخيصة من الالقاب الرخيصة التي يعرض فيها ذاته , كما يعرض الطاووس ذنبه و كما تعرض الرقصة اذيالها ؛

 

ثم نفضته فأسقطت منه المقاطع الطويلة التي يتذمر فيها " المُحاضر اللامع" و يبكي لأن الصحف ــــ و منها " النهار" على سبيل المثال لا الحصرـــ كما يقول , ترمي بمقالاته في سلة المهملات, و التي يشكو فيها من المذيعين و مقدمي البرامج

التلفزيونية و الاذاعية لأنهم يرفضون حضوره الثقيل في المناظرات و المناقشات , و من المثقفين عامة لأنه , و إن كان عند نفسه " علما من اعلام التنوير" , فهو عندهم علامة من علامات التدنّي الفكري , و لأنه , و أن كان عند نفسه ثورا ً, فهو عندهم ضفدعة تتشبه بالثور؛

 

ثم نفضت كتابه فأزلت منه بعود ٍ ـــ او بغيره مما يجنب الاحتكاك المباشر ـــ الشتائم التي يكيلها دون حساب لزملائه واقرانه من تجار البارابسيكولوجيا في بيروت , في حروبهم للسيطرة على سوق الدجل و الشعوذة ؛

 

ثم نفضته فأسقطت منه تلك الحملات الدونكشوتية المُضحكة التي يشنَّها " المُفكر الشاب " ــ كما يصف نفسه بكل تواضع ـــ على مفاهيم داهشية فلسفية لم يتمكَّن من فهمها على وجهها الصحيح , مثلما يقول بها الداهشيون , كمفهوم " السّيال" و مفهوم

 

" وحدة الاديان " لا " توحيد الاديان" ـــ و مفهوم " التقمُّص"؛

ثم نفضته فأزلت منه تلك " الظواهر" التي تنسبها الشائعات العامة للدكتور داهش في حين ان الداهشيين لا يعرفونها و لا يثبتونها, و تلك المعلومات الكاذبة الخاطئة عن عائلة الدكتور داهش و عن ماضي مؤسس الداهشية , و عن تاريخ الداهشية في بدء ظهورها و اسباب اضطهاد السلطات السياسية و الدينية لها في لبنان , و هي معلومات نهلها " الباحث الموضوعي" من مستنقعات يعلم تمام العلم انها مشبوهة موبوءة ؛

 

ثم نفضته فوضعت تحت قدميك الحقد السافر الصريح والعداء الواضح الذي يُعلنه " الباحث " جهارا ً على الدكتور داهش أنه خالف الكنيسة , و على الداهشية لأنها تختلف عن الكاثوليكية , و على الداهشيين لأن كثيرين منهم , و ان يكونوا من اصل مسيحي , فهم يؤمنون بنبوَّة النبي محمّد ؛ علما بأن هذا " الباحث العلمي المنزَّه من التعصب الطائفي " كما يصف نفسه , يعلن بكلِّ وقاحة انه لو كان موجودا ً حين نشطت الداهشيّة, لكان شارك السلطة السياسية و الدينية في قمْعها ! و لكان منع ظهورها بواسطة التعاليم البارابسيكولوجيا ! و هو الآن , بأي حال , باسم الرخصة التي استحصل عليها من احد المعاهد اليسوعية البرازيلية من اجل استيراد البارابسيكولوجيا و نشرها , يريد " دفن " الداهشية !

 

باختصار , اذْ انتَ كنَّست هذا الهذيان المَرَضي , و نفَّضتَ الكتاب تنفيضا جيدا , لن يبقَ منه الا صفحات قليلة . انَّ الرجل من المؤمنين بتعاليم البارابسيكولوجيا الى درجة الوسواس و الهلواس . و انطلاقا من ايمانه هذا ( بارك الله له فيه !) عمد الى بعض المعجزات الداهشيّة فانتقى منها ما توهَّم انه يدخل في قوالب " الظواهر "البارابسيكولوجيا , فادخله في الك القوالب الجاهزة .

 

ثم انه , لجهله بأصولِ التفكير المنطقي ، عَّمم فقال ان جميع المُعجزات الداهشيّة ما ادخله منها في قالبه ، وما اصيب عند قراءته له بالعمى المفاجىء المقصود فلم يستطع ادخاله ، ما يعرفه منها وما لا يعرفه ــــ هي "ظواهر" تُفسَّر باراسيكولوجيا.

 

وانت تعلم، يا اخي، ان الباراسيكولوجيا هي جملة من الاكاذيب المختلفة تفسرها جملة من المعتقدات السحرية. وكنا سنعجب حقاً لو لم يصل هذا الرجل الى مثل تلك النتيجة! انه، والله، كان سيسيءالى المُعجزات الداهشية، لو اعترف بها، اكثر من إساءته اليها بإنكاره لها!

 

إعلم ان جماعة من المؤمنين بالعلوم الكاذبة حاولوا المحاولة نفسها واستعملوا الطريقة عينها ووصلوا الى النتيجة ذاتها. فالذين يؤمنون باوهام السحر قالوا ان مؤسس الداهشية ساحر؛ والذين يؤمنون بتسخير الجان قالوا انه يستخدم الجان ؛ والذين يؤمنون بامكان الاتصال بلأرواح ومخاطبتها قالوا انه "وسيط روحاني"؛

 

والذين يؤمنون بالتنويم المغنطيسي قالواانه "منوم مغنطيسي" ؛ وهذا المؤمن بالباراسيكولوجيا يقول انه " صاحب مواهب بارابسيكولوجية". فكلهم نطح تلك الصخرة الجبارة الهازئة بعاديات الزمان التي سَخِرتْ بالطغاة، فكيف بالأقزام؟ وكلهم ارتد عنها خاسئاً وانفه في التراب. فلا جديد تحت الشمس.

 

ان الداهشية ، كما هو ثابت من تاريخها, رسالة روحية فكرية فنية موجهة الى الخاصة والى الخلاصة والى الصفوة والى النخبة والى الذُّؤابة. وكتاب هذا الداعي موجه الى من هو في حاله وعلى مثاله؛ فلا يلتقيان.

إلا انك ـــــ اصلحك الله ـــــ اعدت الكرّة ، وارسلت لي كتاباً اخر لصاحب الرخصة البرازيلية ذاته ، وعنوانه" البارابسيكولوجية في خدمة العلم". وقلت لي ان هذا الكتاب الصادر عام 1980 , هو أول منشورات الخوري المذكور واصل هذه المنشورات اللاحقة كلها ؛ اذ إن هذه المطبوعات العديدة التي يبشر فيها بما يسميه "البارابسيكولوجيا اللبنانية" ما هي الا توسيع لفصول الكتاب الاول,فهو يسوّق بضاعته القديمة الرخيصة ذاتها بعد ان يغلفها باغلفة جديدة.

 

وقلت لي: " لقد نقلَ الينا اخواننا الذين سبقونا في الإيمان ان مؤسّس الداهشية كان يحرص حرصا شديداً على ان يكون الداهشي عليماً باساليب تلك الفئة من منتحلي "المواهب" السحرية, خبيرا بألاعيبهم وفنونهم مختصاً بكشف إحتيالاتهم في تفويض أسس معتقداتهم ونقض إدعاءاتهم وقد وضع عدة مؤلفات في هذا الباب. وتابعه في ذلك الداهشيون. فالدكتور فريد ابو سليمان اشتهر بحملاته الاعلامية على الدّجْل من مؤمنين وعرافين, وبالندوات التي كان يعقدها ويقوم اثناءها , امام الجمهور، بكشف الاعيب اولئك الكذابين. والدكتور غازي براكس كتب سلسلة من المقالات في نقض السحر وفضح اساليب الشعوذة, قديمها والحديث. فالداهشية تعلّم العقل ، والداهشيون اصحاب تراث عريق وتقليد ثابت وباع ٍ طويل في نقض السحر والخرافة ونقض العلوم الكاذبة والمعارف الزائفة. فهم اجدر الناس بإلقاء الضوء الساطع على الاكذوبة الباراسيكولوجية السخيفة".

 

وقلت لي: "لعلَّ تعرّض السيد خوري المستمر للداهشية ماهو الا نداء استغاثة يوجهه " عقله الباطن اليها" , او هو صراخ ، كما يقول , يدافع به عن نفسه وقد حاصرته الحقيقة الداهشية. وكم من عدو ٍ لفكرة قد تحوّل, بعد صراعه معها, الى رسول لها! فما الذي يمنع , كما اوصى مؤسّس الداهشية العظيم, من شرح الفرادة التي تميز المُعجزات الداهشية وما ينبثق منها من حقائق روحية والتزامات اخلاقية, ومن إفهام السيد خوري ما لم يفهمه من المفاهيم الداهشية, وما غاب عنه من تاريخ الداهشية؟

وما دام السيد خوري يصرّح مراراً وتكراراً في منشوراته أنه شغوف بــ "الاطلاع على الحقيقة", محبٌّ ل ِ" لتنقيب العلمي" , ملتزمٌ ل ِ"مناهج العلم والموضوعية", فلماذا لا نلحقه الى باب الدار؟

 

وقلت لي ايضا انك كتبت في المسألة ذاتها الى الدكتور غازي براكس والى المحامي فارس زعتر, فعلى الخبير وقعت!

 

هذا ما قلته لي, وقد نقلته الى أخوي الدكتور غازي براكس والى المحامي فارس زعتر. اما اخي غازي فقد اقترح ان يضع, مجيباً, خلاصة عن سيرة مؤسس الداهشية ويعرض نماذج من معجزانه الدامغة يستقيها من مصادر موثوقة كعادته , ثم يعطيك رأيه في أعلام الباراسيكولوجيا المزعومة ومن لّف لفهم في ضوء اراء العلماء الذين درسوهم؛ وبما متمرّس التحليل النفسي والادبي , فهو سينفحك برأيه في شخص السيد خوري "وأدبه". من جهتي سأبين لك الاسباب المنهجية التي تدعوا اهل العلم الى تصنيف الباراسيكولوجيا في خانة العلوم الكاذبة, والى تصنيف المبشرين بها في الاغرار الجهلة او التجار المزورين؛ كما اقول لك رأيي بإختصار           بــ" الباراسيكولوجيا اللبنانية". أما اخي فارس زعتر, فانه يجيبك بدراسة حقوقية تاريخية يوضح فيها بالوثائق الثابتة والادلة القانونية ان ماضي الدكتور داهش القضائي أشد نصوعاً من الثلج على صنين, وان قضيته مع الدولة اللبنانية , في إبان حكم الرئيس الاسبق بشارة الخوري , لم تكن الا اعتداء اثيماً قام به الرئيس المذكور وسخر فيه لأغراضه الشخصية اجهزة الحكم , ويتناول الأخ فارس ببحثٍ قَيِّم مسالة "مناجاة الارواح" في القانون اللبناني وعلاقة ذلك بمؤسّس الداهشيّة.

 

أي أخي,

ان الداهشية قد نهضت, أمس, من لبنان, كما ينهض الصباح, لم يحل دون شروقها الظلام الكثيف العتيق , وهي تنتشر اليوم , كالضوء في رحابة الآفاق الأربعة ؟! ان كتابنا يتجاوز الرد على الكراريس التافهة التي يبيعها السيد خوري في احد احياء بيروت. انه مساهمة داهشية في نهضة الفكر في لبنان والشرق, ومحاولة لإرساء الثقافة على أسس علمية وروحية سليمة. ان في ذلك معنى من معاني الرسالة الداهشية.

د.ملحم شكر

 

how I knew

العلاَّمة الشيخ عبد الله العَلايلي

( 1914 – 1996 )

 

     وُلد الشيخ عبد الله العَلايلي في بيروت عام 1914 ، وإنتسب إلى مدرسة المقاصد الإسلاميَّة في العام 1920 . وفي العاشرة من عمره سافر إلى القاهرة لدراسة الشريعة الإسلاميَّة في جامعة الأَزهر . ثمَّ التَحقَ بجامعة فؤاد الأَوَّل لدارسة الحقوق ، وتخرَّج منها في أَواخر الثلاثينيَّات .

     أَصدرَ في القاهرة ، عام 1938 ، كتاباً بعنوان " مقدِّمة لدرس لغة العرب " ، أَثار ضجَّةً في الأَوساط الثقافيَّة المصريَّة ، وتناولتْه الصحف بين مؤيِّد ومُندِّد . وبعد عودته إلى بيروت عام 1940 بادر إلى إصدار سلسلة   " إنِّي أَتَّهِم "، انتقدَ فيها الأَوضاعَ السياسيَّة والإداريَّة في عهد الانتداب . ومع انبعاث فكرة القوميَّة العربيَّة ونشوء الحركات القوميَّة ، أَصدرَ ، عام 1941 ، " دستور العرب القوميّ " ، ومن خلاله خاض غمار السياسة بوجهَيها النظريِّ والعمليِّ ، فأَسهمَ في النشاط السياسيِّ بفعَّاليَّةٍ وقوَّةٍ حتَّى أُطلِقَ عليه لقبَ " الشيخ الأَحمر " .

     إلاَّ أَنَّه عاد إلى الإهتمام بالشأْن اللغويِّ فأَصدر أَربعة أَجزاء من  " المعجم الكبير " الذي كان مقدَّراً له ، لو أُنجِزَ بكامله ، أَن يسدَّ فراغاً كبيراً في مجال المعاجم العربيَّة . كذلك اشتغل العلايلي – يُعاونه آخرون – بوَضع " المعجم العسكريّ " .

     وبالرغم من إنشغاله المزدوج بالشأْنَين اللغويِّ والسياسيِّ ، فقد عمل العلايلي على وضعِ مؤلَّفات " سِيَر أَعلام الإسلام " على نحو ما جرى عليه العقَّاد وهَيكل وطَه حسين . صدر منها : " تاريخ الحسن " عام 1940 ، و "مَثلهُنَّ الأَعلى السيِّدة خديجة " عام 1947 ، و" أَيَّام الحسين " عام 1948 ، إضافةً إلى كتاب " أَين الخطأ " الذي مُنِعَ من التداول لإحتوائه اجتهاداتٍ فقهيَّة جريئة . وفي العام 1944 ، أَصدرَ " المعرِّي ذلك المجهول " مُحاولاً دراسة ألمعرِّي وِفقَ نهجٍ جديدٍ قائمٍ على التحليل اللغويِّ واستِكناه الرموز . وللعلايلي مقالات عديدة متفرقَّة في مختلف الصحف والمجلاَّت لم يُعمل على جمعِها حتَّى الآن .

     وثمَّةَ جانبٌ آخَر من اهتمامات الشيخ عبد الله العلايلي لم تُسلَّط عليه أَضواء كافية ، هو الجانب الداهشيّ . ففي العام 1942 ، تعرَّف العَلايلي بالدكتور داهش فرأَى فيه صديقاً " لصداقته طَعم الصِّدق ، وفي كتاباته أَدباً فوق الأَدب ..." وقد انعكس هذا الإعجاب بالدكتور داهش والداهشيَّة لدى العلايلي مواقفَ جريئةً في امتداح المبادىء الداهشيَّة والدفاع عن الدكتور داهش في أَكثر من مناسبة ، كردِّه العنيف على جريدة " البشير " اليسوعيَّة عام 1942 ، عندما شنَّت حملتَها الافترائيَّة على الدكتور داهش ، وكلمة الحقِّ التي أَطلقها في وجه الرئيس اللبنانيّ الأَسبَق ، بشاره الخوري ، في رسالته التاريخيَّة التي دافع فيها عن الدكتور داهش وندَّد بحملات الاضطهاد التي تُشَنُّ عليه .

     وحين تناهَت إليه أَنباءُ مصرع الدكتور داهش في أَذربيجان عام 1947، رَثاهُ بكلمةٍ شُجاعةٍ مؤثِّرة ، يوم كان مجرَّد التلفُّظ بإسم الدكتور داهش يقود إلى غياهب السجون . ومنها قوله : " أَيْ أَخي داهش ، في حكاية مأْساتك حكاية مأْساة الحرِّيَّة في كلِّ جيل ... فأَنت وإن ظنُّوا أَنَّهم هزموك ... إنَّما واقع الحال ينادي : إنَّك أَنت الذي هزمتهم ، بل هدَّمتَهم ، بل هشَّمَتهم ..."

     وإضافةً إلى كلِّ ذلك ، وضع العلايلي كتاباً صدر في بيروت عن " دار النسر المحلَّق " عام 1980 ، بعنوان " كيف عرفتُ الدكتور داهش " تحدَّثَ فيه عن علاقته به ومُعايشته لبعض أَعماله الخارقة كما قدَّم لكتابه " عواطف وعواصف " ، وقيَّمَ كتابه " مذكِّرات دينار " . على أَنَّ مأْثِرته الداهشيَّة الكُبرى كانت في نَظْم كتاب " جحيم الدكتور داهش " شِعراً يُحاكي شِعرَ الملاحم . وعند صدور هذا الأَثر الأَدبيّ الكبير سوف يتَّضحُ جانبٌ هامٌّ من شخصيَّة العلايلي ، ويضطرُّ قلمُ النقد أَن يضعَه في خانة كبارشعراء العربيَّة ، إضافةً إلى كَونه من كبار أُدبائها وفقهائها ولغويِّيها .

     ترك أَدبُ الدكتور داهش أَثَراً عميقاً في نفس العلايلي . ولعلَّ في هذه الكلمات المقتطفة من مقدِّمته لكتاب " عواطف وعواصف " ما يُجسِّد هذا الإعجاب :

     " فهذه رسالةُ أَدبِ الصِّدقِ دون ما زورِ أَضاليلَ ينطق به أَدبُ البهتان .   فإنَّ في الأَدب الحقِّ قِوىً تنزع من النفس أَلواناً وتجيءُ إليها بأَلوان،

     وتبعثُ الانسانَ بعثاً جديداً حتَّى يجيءَ كائناً حَيًّا أَسمى بين الإفتانِ والافتنان ،     وتتناول المجتمعَ فتصوغه صوغاً آخَر

     حتَّى يجيءَ كائناً إجتماعيّاً أَكملَ بين الإتقان والإحسان .

     فليس إلاَّ ( أَدبُ الصدق ) خالداً على لسان الدهور والأَزمان .

وهل لغير أَدبِ الخلود قدرةٌ على استبدال ما ينبغي أَن يكون في الحياة والأَخلاق والفكر بما هو كائن وما قد كان ؟...

تلك غاية ( الدكتور داهش ) ،

وفي سبيلها يرسل نفثات صدره المُنبَثق بشعلاتِ الإيمان .

فجاءَت أَدباً فوق الأَدب بما تميسُ به مَيَسان حالياتِ الأَفنان !

وجاءَت صوفيَّةً فريدةً بما فيها من مِثاليَّةِ الضمير الريَّان !

وبرَزَتْ في أُلْفَتها صورةً من نضارٍ تراكَبَ عليه درٌّ ومرجان !

أَلا سِرْ في طريقك غيرَ عابىءٍ بما يصدُّونك به من صارمٍ أَو مُرَّان ؛

فالناسُ في هذه ( الأَرض ) في مِثلِ مسبَح التماسيح والحيتان .

وعسى أَن يعود الكون ويبتسمَ ثغرُ الزمان ،

والمجدُ لله في العلاءِ ، وفي الناس المسرَّة ، وعلى الأَرض السلام والأَمان ."

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.