أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الدكتور إميل بديع يعقوب

باحثٌ ولغويٌ لبنانيٌ. أستاذٌ في ملاك الجامعة اللبنانية. يحمل الدكتوراه في اللغة العرية وآدابها من جامعة القديس يوسف ببيروت (1980). رأس قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية (الفرع الثالث) زهاء ثماني سنوات. غزير الإنتاج، تأليفًا وجمعًا وتحقيقًا. من مؤلفاته "موسوعة الأدب والأدباء العرب" (16 جزءًا)، "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" (جزءان)، "معجم الخطأ والصواب في اللغة"، "فقه اللغة العربية وخصائصها"، "جبران واللغة العربية".

"ضجعة الموت"

بين فرادة المؤلف ورمزية النص والذوق الفني الرفيع

الدكتور داهش حقلٌ خصبٌ للكتابة والبحث، وبرغم كثرة الدراسات حوله، تبقى نواحٍ كثيرةٌ في شخصه وأدبه ومذهبه جديرةً بالبحث والدراسة. فهو أديبٌ بليغ، وشاعرٌ مُفلِق، وروائيٌّ خصبُ الخيال، وكاتبٌ غزير الإنتاج، ومفكرٌ أسس مذهبًا دينيصا فلسفيًا، ورجلٌ معروفٌ بخوارقَ كانت، لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، حديثَ الصحافة والأدباء ورجال الفكر؛ فانقسم هؤلاء ما بين مؤيد، ومفكر، ومُتأنٍّ يتهمل قبل إعطاء رأيه. وكان الدكتور داهش، في كل الأحوال، أُحدوثةَ الناس في الرُبعين الثاني والثالث من القرن الماضي.

          ولفتني، من مؤلفات الدكتور داهش، كتابُه الشهير "ضجعة الموت أو بين أحضان الأبدية".1 عنوانُ الكتاب فريدٌ في بابه فيما أعرف. يُشبهه شكلاً، لا مضمونًا، كتاب "مضجع العروس" الذي راج في العقود الأخيرة من القرن الماضي، لكنَّ هذا التركيب الإضافي "ضجعة الموت" استخدمه قديمًا الفيلسوف أبو العلاء المعري (973 م – 1057 م) في قوله (من الخفيف):

----------------------------------------------------

1 الدكتور داهش: "ضجعة الموت أو بين أحضان الأبدية" (مطبعة دار الأيتام السورية، القدس 1936).

------------------------------------------------

ضجعةُ الموتِ رقدةٌ يستريحُ الـ - جسمُ فيها، والعيشُ مثلُ السهادِ

وعنوانُ أي كتابٍ يجب أن يكون المدخل الواسع إليه، والتعبير الصادق عن محتواه. وهو كذلك في مؤلفات الدكتور داهش الذي ما عرف إلا الاستقامة والصدق والشفافية منهجًا في الحياة.

          فالمقصود بـ"الضجعة"، في هذا العنوان، الرقدة، أو النومة، أو الاضطجاع. و"ضجعة الموت" هي الرقدة الأخيرة، أو رقدة الأخيرة، أورقدة الاحتضار، أو هي، كما يُسميها الدكتور داهش، أيضًا، "بين أحضان الأبدية". إنها آخرُ دقائق المرء في الحياة الأرضية. إنها النهاية في هذه الأرض الفانية. من هنا أهميتها، نظرًا إلى ما قد تنطوي على كلام حكيم ينطق به المحتضر، مضمنًا إياه تجربته في الحياة وحكمته فيها بأسلوب صادقٍ شفاف. كيف لا، وهو يقترب من الحقيقة الكبرى "الموت" ومن الديان سبحانه وتعالي؟ وكتاب "ضجعة الموت"، كما سنعرف، كلامُ رجلٍ يُحتضر. وقد ضمن كلامه فلسفته وتجربته في الحياة من ناحية، وعواطفه ومشاعره من ناحيةٍ أُخرى.

                                      **************

          وتفتح الكتاب، فتفاجئك لوحاته الفنية كثرةً وروعة، والخطُّ الجميل الذي كُتب فيه، وورقهُ الصقيل، وإخراجُه الرائع، وصورة غلافه، بل قُل: يفاجئك كلُّ شيءٍ فيه.

          فالكتاب الذي يقع في ثمانٍ ومئتي صفحة، تضمن مئة لوحةٍ فنيةٍ رسمها الفنان الإيطالي مورللي، بعد أن وضع فِكَرَها الدكتور داهش بنفسه، فأتت اللوحةُ مُعبرةً، بالرسم والألوان، عما يقابلها من المعاني والأفكار التي يتضمنها كلامُ الصفحة المقابلة للوحة. وزيادةً في التفنن والروعة والإتقان، جاءت كل صفحات الكتاب ضمن إطارٍ موحدٍ يتضمن ستَّ لوحاتٍ فنيةٍ جميلة.

ولم يكتفي الدكتور داهش باللوحات الفنية لتزين الكتاب من ناحية، ولتعبر، برسومها وألوانها، عما يعجز عنه اللسان أحيانًا، فكلف الخطاط محمد حُسني بكتابة نصوص الكتاب بالخط الفارسي. وهكذا جاء الكتاب آيةً في الروعة والجمال، مضمونًا ولوحاتٍ وخطًا وإخراجًا. وجاء مضمون الكتاب معبرًا عنه بوسيلتين: الكتابة المتقنة، واللوحة الفنية الرائعة.

          وإتقان صناعة الكتاب مزيةٌ انفرد بها الدكتور داهش، بحيث يعتبر الأول في هذا المضمار شرقًا وغربًا وعلى مدى التاريخ، وبحيث تظنُّ أن بالدكتور داهش هوسًا في هذا الإتقان، وأنه لو استطاع لأضفى هالةً قُدسيةً حول الكتاب كما نفعل عادةً في أيقوناتنا المقدسة.

          وقد بلغ الاتقانُ ذروته في هذا الكتاب. وإذا علمت أنه طُبع في السنة 1936، أي منذ 73 سنة، وأن أحوال الطباعة آنذاك لم تكن متطورة كما هي اليوم، وأن الدكتور داهش طبع كتابه في مطبعة شنلِّر الألمانية، تساءلت: لو كان الدكتور داهش حيًّا بيننا اليوم، إلامَ سيعمد في اتقان كتبه؟ هل سيُرصعها بالمجوهرات أم هل سيضعها في عُلبٍ مُتقنةٍ كما يُفعَل بالحليِّ والجواهر؟ وأين سيطبعها؟ هل سيجوبُ العالم باحثًا عن أحدث مطبعةٍ وأهمِّ فنانٍ وأشهرِ خطاط؟

          إن إتقان كتب الدكتور داهش، ورقًا وخطًّا ورسوماتٍ وتفنُّنًا في الإخراج، سببهُ بالدرجةِ الأُولى ذوقُه الفنيُّ المُرهف، وحبُّه للجمال، وتقديرُه للكتاب والكاتب والقارئ معًا. والحق أن الكتاب "خير جليسٍ في الأنام" كما يقول المتنبي، شاعرنا الكبير، و"نفيسة النفائس، وكنينة ثقافة" كما يقول صديقي المرحوم الأبّ طانيوس منعم، و"ثروة العالم المخزونة، والإرث المناسب للأجيال والأُمم" كما يقول هنري دايفد ثورو. وجديرٌ بما هذا شأنه أن يُهتَمَّ به صناعةً وأخراجًا وتفنُّنًا.

                                      *****

وبعد دهشتك من جمال لوحات الكتاب، تبدأ بقراءته. وأوّلُه صفحهُ الإهداء. وهذه الصفحة غير لازمةٍ في الأبحاث والكتب، وإنما تُثبت، أحيانًا، لشُكر مَن ساعد في الكتاب أو البحث، أو للتعبير عن شعور الكاتب نحو عزيزٍ يكنُّ له عميق المحبة، وشدة الاحترام.

          ونقرأ الإهداء: "إلى القوة القادرة القاهرة الصاهرة، إلى الحقيقة المجهولة منذ الأزل وإلى الأبد، إلى... إلى... إلى..." وكلما تكررت الـ"إلى"، تزداد شوقًا لمعرفة المُهدى إليه. وأخيرصا، تصطدمُ بجملةٍ تقع عليك كالصاعقة: "إلى حبيبي الموت، أُهدي كتابي هذا". فتتساءل متعجبًا: إهداءٌ إلى الموت؟! و"إلى حبيبي الموت"؟!

          وبعد الصدمة، ملكتُ أعصابي وأعدتُ قراءة الإهداء بتمعُّن. وبعد القراءة الهادئة المتمعنة، فكرتُ مليًا، وتساءلت: هل يمكنُ أن يكون الموتُ حبيبًا للإنسان؟ ثمَّ تذكرتُ ما يقوله الدكتور داهش عن هذه الأرض الفانية، وعن مجتمعها الفاسد، ومذا ينتظرُ الإنسانَ الصالح في جنان الله، فعملتُ أن الموتَ يجبُ أن يكون حبيبصا لهذا الإنسان، لأنه (أي الموت) جسرُ عُبورٍ بين الحياتين: حياة الأرض الفاسدة وحياة النعيم الأبدية، ولذلك سُمِّيَ "برزخًا". وحَريٌّ بالدكتور داهش، هذا الرجُل التقي الورعِ الذي عُرف بالحق والاستقامة والفضائل، أن يصف الموتَ بـ"الحبيب".
          وهذا الموت "الحبيبي" في كتابه هذا هو "العادل"، و"الرحمة" في كتابه "الإلهات الست".1 يقول في هذا الكتاب، تحت عنوان "عدالة الموت" (ص 7):

          "أيُّها الموت، أنت عادل. وأنت رحمةٌ لأبناء الحياة!

          فلولاك، لما عرفنا معنًى للراحةِ السرمدية.

          ولولاك، لما تذوُّقنا نعمةَ الغبطةِ الأبدية.

          ولولاك، لما اطمأنَّت قلوبُنا الحائرةُ في هذا العالم الفاني.

          ولولاك، لما اكتشفنا أسرارَ ذلك العالم الثاني.

          ولولاك، لما رأت عيونُنا وجهَ الحقِّ، ربِّ الحياةِ والممات".

          ومن الدهشة التي لم تعُدْ دهشة، لا بُدَّ أن تشكر الدكتور داهش لأنَّه أطلعكَ على حقيقةٍ دائمة خَفِيت على الناس، كانت درَّةً يغطيها التُراب، فجاء الدكتور داهش وجلالها، فظهرت على حقيقتها. والحقيقةُ، كما سنعرف، معبودُهُ الأول.

                                      **********

          ومن صفحة الإهداء إلى المقدمة. وهذه ضرورية في كل كتاب؛ إذ نعرفُ بوساطتها غاية الكتاب من كتابه، ومنهجهُ فيه، وما عاناهُ في بحثه، إلى غير ذلك مما يدرسه طلاب الجامعات في المقرر الجامعي "منهجية البحث".

          يبدأ الدكتور داهش مقدمته بحكمةٍ رائعة: "لا يعرفُ لذَّة الحياة من لم يسحقهُ الألمُ العميقُ المشبع." ثم يتابع: "ولا يعرف أسرار الوجود من لم تتكأكأ عليه حادثاتُ الزمن، فتصهرْه بنيرانها المُحرقة المُذيبة، فينضج، بعد ذاك، في بوتقة الحياة من اختبارات الزمن القاسي. ولا يعرفُ معنى السعادة مَن لم ينزفْ دموعَه الهاطلة الصادرة من قلبٍ كليمٍ ذاوٍ من شقاء الأيام الطويلة، وحادثاتها التي تألبت عليه!"

          والواقع أن الألم هو السببُ الرئيسُ للإبداع الأدبي والفني. والذي لا يحرقه الألم

------------------------------------------------

1 الدكتور داهش: "الإلهات الست"، ط 2 (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979).

---------------------------------------------

بناره، لا يتوصلُ إلى معرفة الحياة بشقائها ولذتها. فالألمُ هو الذي يصهرُ النفسَ البشرية كما تصهرُ النارُ الذهب، قبل أن يحوله الصائغ إلى حِلًى وجواهر. قال الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة (من الخفيف):

          إجرح القلبَ واسقِ شعرك منه               فدمُ القلبِ خمرةُ الأقلام

          وقال الشاعر الفرنسي الشهير ألفرد ده موسيه: "لا بُحسَب المرءُ في عداد الأحياء إلا إذا تألم، وبدون ألم فهو ميت!"1 وقال الفيلسوف اليونانيّ سيمونيدس: "النفس التي لا تتألم لا تستطيع أن تحلق في سماء الإنسانية".

          ثم يتابع الدكتور داهش كلامه مُصورًا مدى ما تألَّم وقاسى، فيقول: "ولو بكى أيٌّ من بني البشر كما بكيتُ، وبلا ما بلوت، وقاسى مثل ما قاسيت، لغفر له الله أكبرَ الخطايا... نعم، إن الله ليغفر له أي أمرٍ أتاه لو تألم تلك الآلام التي تألمتها نفسي المستحقة التي لم تعرف من السعادة غير اسمها!"

          ثم يقول: "فبآلام نفسي أكتبُ الآن هذه السطور. وبتأثري البالغ أخطُّ ما أخطُّه. وبدموع عيني الفياضتين أغمسُ ريشتي هذه. وبخفقات قلبي الهائم، أُعبِّر عمَّا يجيشُ في نفسي من آلامٍ وآمال...".

          والألمُ والحزنُ متلازمان في أدب الدكتور داهش، لكنهما في كتابه "ضجعة الموت" بلغ بهما الذروة. وسيتضح لنا ذلك بعد قليل.

          وبعد كلامه على الحزن، يقول ما يُشبه الحكمة، والحِكَمُ كثيرةٌ في أدبه: "ليس مَن يكتُب للهو كمَن يكتُب للحقيقة". وهنا كشفَ الدكتور داهش عن غايته من الكتاب: إنه يكتب للحقيقة. وإذا كانت الحقيقةُ دأبَ المُصلحين والمفكرين في العالم، فإنها للدكتور داهش دَيدنُه الملازم له، وحبيبُه الذي يفتشُ عنه أبدًا. إنها معبودتهُ ما كتبَ إلا لها، وما عملَ إلا من أجلها.

          وإذا كان قد أهدى كتابه "ضجعة الموت" إلى الموت، وهو الحقيقة الكبرى في الحياة، فإنه أهدى كتابه "الإلهات الست" إلى الحقيقة، فقال (ص 13): "إلى الجدول الرقراق المُتدفق بلطفٍ دون أن نُعيره اهتمامًا، إلى الإكسير الإلهيِّ الخالد الذي لا تريد أن تتذوَّقَه أرواحُنا الخشنة، إلى الطيف الشفاف الذي يجوبُ عالمنا كي يهدينا فلا

------------------------------------------------------------

1 استشهد الدكتور داهش بهذا القول في المقدمة نفسها.

----------------------------------------------------------

نهتدي... إلى الشُعلة الإلهية المُلتهبة المستمدةِ أنوارها من لدُنِ الله، إلى الصفاء والنقاء والطُهر والبهاء، إلى الحقيقة المنبوذة التائهة في صحراء هذا العالم التاعس الفاسد، أهدي هذا الكتاب".

          وتقول له ربَّةُ الحبِّ في هذا الكتاب (ص 43): "يا لكَ من بائسٍ، قتلك الفرحُ المفاجئ: فرحُ اجتماعكَ بالحقيقة المفقودة. يا حبيبي الجميل، نم نومًا عذبًا حتى ينتهي دورُ هذا العالم البغيض إلى فؤادي، إذ1 كفاكَ ما لاقيته من الآلام، وما يلقاهُ بعدك كافةُ الأنام. وا رحمتاهُ لك، يقصف غصنكَ الندي منجلُ الموتِ القاسي الذي لا تلينُ له جارحة. وفي ذمة الحقيقة روحُكَ القلقة الحائرة".

ونتابع قراءة مقدمة "ضجعة الموت"، فنجد الدكتور داهش يقول إن قلبَه يخفقُ بالحب للجمال، وإنه "من كان بعيدًا عن حب الجمال، فإنه لا يفقه معنى الحياة". حكمةٌ ثالثة... والحكَم تسيلُ على قلمه عفويةً صادقةً سيلان المياه العذبة من نبعٍ غزير.

          ويعترف الدكتور داهش أن كتابه رؤيا غريبة لم تكن إلا صورةً لحالاتٍ وتغيراتٍ طرأت عليه تبعًا لحوادثُ معينة، مُفرحةٍ ومُحزنة. واللافتُ قوله: "لقد كتبتها وأنا تحت سلطان قوةٍ قادرةٍ قاهرة، غير منظورة، إذ كانت توحي إليَّ ما أسطره، فأصوِّر ما يكمن في أعماق أعماق نفسي من آلامٍ مُرزحةٍ مُضنية، وأفراحٍ مُبهجةٍ سارة، وشكوى قفاسية مريرة، وأتراحٍ مُكئبةٍ مُبكية، وغيرها...".

          وإذا كان الشاعرُ يتلقى إلهامه من أحد شياطين عبقر، كما كان العربقُ يعتقدون ، أو من أحد آلهة الأولمب، كما كان يظنُّ اليونانيون، فما هي هذه القوة القادرة القاهرة؟ إنها، في المذهب الداهشي، سيَّالٌ1 من سيَّالات الدكتور داهش.

          أمَّا التي أوحت إليه بهذه الرؤيا فحبيبتُه بل معبودته "ديانا" منافسة أفروديت، ربةِ

-----------------------------------------------

1 "من المبادئ الداهشية أن نفس كل إنسان تتكون من مجموع سيالات روحية. والسيال هو وحدة نفسية ذات طاقة حيوية انفعالية، وإدراك نسبي، وإرادة محركة، ونزعة نوعية، وخصائص وظيفية. وقوام السيال جوهرٌ روحيٌ إشعاعيٌ خالدٌ ليس بالإمكان إدراكه حسيًّا لاتصافه بسرعة اهتزازٍ فائقة، ولأن الإنسان محدودٌ بشبكةٍ من الحواس ذات حدودٍ عُليا وحدودٍ دُنيا لا يسعهُ تجاوزها". (د. غازي براكس: "جبران خليل جبران في دراسة تحليلية تركيبية لأدبه ورسمه وشخصيته". دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1973، ص 516).

-------------------------------------------------------------

الجمال، كما يقول. وإذا كانت أفروديت، في الميثولوجيا اليونانية، ربة الحُب والجمال، فإن ديانا، في الميثولوجيا الروانية، إلهةُ القمر، وحاميةُ النساء، وراعيةُ الغابات والصيد.

ولا نعرفُ لماذا سمَّى الدكتور داهش حبيبته بهذا الاسم؟ أهو اسمُها الحقيقي؟ سنحاول الإجابة عن هذا السؤال بعد قليل.

------------------------------------------------

          وإذا انتقلنا من مقدمة الكتاب إلى متنه، نرى أن المؤلف قسمه إلى عشرة أقسام في ثمانٍ وأربعين لوحةً من لآلئ النثر، تقابل كلاً منها لوحة رسمٍ تنطقُ بمثل ما تنطقُ الأولى، ولكن بالصورة واللون والرموز والإيحادءات.

          ونبدأ بقراءة متنِ الكتاب فنفاجأ بمدخله – والكتابُ سلسلة مفاجآت. انظر إلى هذه اللوحة:
          "كان مُضطجعًا في صندوقٍ حالك، مُرعب، مُخيف،

          ولم تكن عينٌ تذرفُ عليه دمعةَ وداعٍ أخيرة.

          والصدفةُ قادتْ عابرًا إلى تلك الناحية النائية المهجورة،

          فانحنى، وتفرَّس بما في الصندوق. فرأى فتًى ناحلاً،

          وقد جثمَ شبحُ الموت فوقَه،

          فغارت منه العينان، واصفرت الوجنتان،

ورَمقٌ من الحياةِ لم يُفارقه،

          إذ ما زال في عراكٍ مع قوةِ الموتِ القاهر".

          إنها صورةٌ مُحزنةٌ ومُخيفةٌ في الوقت نفسه: صورةُ فتًى نحيلٍ يُحتضر في صندوقٍ خشبي في ناحيةٍ مهجورة، وليس حولَه سوى رجلٍ غريبٍ قادته المصادفةُ إليه. تُرى، من هذا الفتى؟ أغلبُ الظن أنه الدكتور داهش نفسُه الذي يشعرُ أنه غريبٌ عن المجتمع الفاسد الذي عاش فيه.

          ولماذا جعل الشاب "نحيلاً"؟ ألأن النحولَ مظهرٌ من مظاهر الفقر، والبدانة رمزُ الرفاهية في العيش؟ ألأنَّ الرسُل جميعًا عاشوا فقراء، وكذلك العلماءُ والفلاسفةُ والشعراء؟ ألم يُصوِّر الله، عز وجل، الأغنياء بعيدين عن جنته، فقال في إنجيله: "لأن يدخل الجملُ في سَمِّ الإبرة أيسَر من أن يدخل الغني ملكوت السماوات". (متى 24:19)

أما الصندوق الخشبي الذي صنعه الفتى بنفسه، كما سيذكر، فهو رمزٌ آخر من رموز الفقر، وكذلك وحدتُه، والناحية النائية المهجورة.

          وبعد هذه الصورة القاتمة المُحزنة، يصفُ الفتى حالته للرجُل الغريب، فيقول له: يفارقني العناء، والشقاءُ بقيّ مُلازمًا لي".

          إنَّه، لعمري، لسانُ حال الدكتور داهش الذي يتميز بفرادته، والذي يشعر أنه غريبٌ عن عالمنا، والقائل في مقدمة كتابه: "ولو بكى أيٌّ من البشر كما بكيتُ، وبلا ما بلَوت، وقاسى مثل ما قاسيت، لغفر له الله أكبر الخطايا".

          ثم يذكر الفتى أن لديه رسالة، ويريد من الرجل الغريب أن يذيعها للملإ. الفتى، إذاًا صاحبُ رسالة، أليس هذا الفتى هو الدكتور داهش نفسُه، صاحب الرسالة الداهشية؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تفحُّص هذه الرسالة لمقارنتها بأقوال الدكتور داهش ومذهبه.

          إذا أنعمنا النظر فيها، نرى أنها رسالةٌ إلى حبيبته ضمنها حبَّه لها، وتذكُّر أيامها الحلوة، وخيالاتٍ وأناشيد حبٍّ ولوعةٍ وفراق، وأبرز ما فيها:

1. الحزن المسيطر على جميع صفحات الكتاب وكأنه الرابط الذي يجمع أجزاءه، فلم يترك الكاتبُ لفظة، أو عبارة، أو إشارة تُعبِّر عن الحزن أو تُشير إليه، إلا استخدمهال بتلونٍ أسلوبيٍّ وقدرةٍ بلاغيةٍ قل نظيرهما. "إنها نفثاتُ شابٍّ حزين،" "دمعتان تألقتا في محجريه،" "وحدثهم عن آلامي، "قصتي المحزنة المؤلمة،" "ها هو يئنُّ لوعةً لابتعاد حبيبته عنه،" "انحنى فوقه الرجُل وهو يبكي بحرقةٍ ولوعة،" "قد ذهب المسكين مُثقلاً بآلامه القاتلة،" "وهو غارقٌ في حُزنه العميق،" "لقد قُدِّر لي منذ الأزل أن أتذوَّق كأس المرارة،" "يا لفجيعة هذا الكون وما يحتويه،" "يا للمرارة الشديدة التي تذوَّقها البشر،" "يا للدموع التي لا ينصب لها معين،" "يا للتعس، يا للعناء، يا للشفاء".

          إنها شلالاتٌ من الحُزن تُرْفَد بكل ما يزيدها انصبابًا وتأثيرًا في النفس. فالفتى الناحل المَحتضر لا يحنو عليه أحد، فيشكو قائلاً: "ليت أحدًا، كائنًا من كان، حنا عليَّ كما حنا صندوقي على جثماني فاحتواني".

          وللفتى حبيبة، وهذا أدعى للحزن. ولهما طفلة (وليس طفلاً)، وهذا يزيد الحزن ألمًا وحرقة ولوعة. يقول الفتى في رسالته: "وارْجُها (أي: أرْجُ حبيبتي) عني أن تعتني بثمرة حبنا، طفلتنا المعبودة التي قضت الأقدارُ عليها أن تفقد والدها، وهي ما تزال في المهد".

          أما سبب هذا الحُزن، فسيتبين لنا بعد كشف بعض معالم الفكر الداهشي.

          2. تصويره الرائع لحبيبته، وكأنها أجمل نساء الدنيا والجنة معًا. فهي "حورية فتية" (ص30)، و"ذات دلالٍ وحُسْنٍ كامل" (ص34)، و"غادة غيداء، تعرفها حمائمُ الغاب ويمائمُها. إنها دلالٍ وحُسْنٍ كامل" (ص34)، و"غادةٌ غيداء، تعرفها حمائمُ الغاب ويمائمُها. إنها ذاتُ نقاءٍ ناصع، تعرفها الملائكةُ الأطهار، وأبدًا تحوم حول كتفيها. إنها ذات جمالٍ سلطانُه يقهرُ أقسى الأفئدة الجبارة" (ص 38)، "وها أيضًا حواريَّ النعيم العاريات قد احتطنها حاملةً كلٌّ منهنَّ إكليلاً من شجر الغار، لا مثيل له إلا في جنان الخلد، ويُلقين به تحت قدميها، مع إكليلٍ آخر من الأزهار والرياحين العقبة الأريج. وكُنَّ أمام معبودتي ديانا كالنجوم السواطع، يخبو نورهنَّ أمام نور الشمس المشرقة المرسلة أشعَّتها الذهبية. كالشمس كانت ديانا تُشرق، فتنير تلك الجنان الخالدة"(ص54).

          واللافت في أدب الدكتور داهش أن ما يريد أن يوصله إلى القارئ يؤكده مراتٍ عدة دون أي تكرار، بل بصورةٍ جديدة في كل مرة، وبألفاظ وعباراتٍ لم يستعملها من قبل، فيُعجب القارئُ من ثروته اللغوية، ومن خصب خياله في ابتداع الصور والمعاني. فكما صور حُزنه العميق بعشراتِ الصور الموحية، هكذا فعل في رسم جمال حبيبته.

          3. حبُّ الفتى لحبيبته؛ يقول: "لا تنسَ أن تُخبرها بأني كنت أخشعُ لذكراها، وأسجدُ لمرآها ولو بعين الخيال. لا تنسَ أن تخبرها كيف كنتُ أردِّد اسمها بغير انقطاع... لا تنسَ أن تخبرها كم كنت أتشوَّق إلى رسالةٍ واحدةٍ منها. لا تنسَ أن تخبرها كم كنتُ أحنُّ إلى ساعةٍ من ساعاتها الماضية. لا تنسَ أن تخبرها بأنَّ حرقتي لرؤيتها كانت تزداد بمرور الأيام، وكرور الأعوام... لا تنسَ أن تخبرها بأني بقيتُ حتى آخر لحظة ذاكرًا جمال ثغرها البسَّام. لا تنسَ أن تُخبرها بأن طيفها كان يبعث في مُخيلتي مُرَّ الآلام. لا تنسَ أن تُخبرها بأن شخصها كان ماثلاً أمامي دومًا، حتَّى في الأحلام". (ص 44)

لاحظ تكرار الصُّور لتأكيد شدَّة حبِّه لها.

4. حبُّها الشديد له، فهي "جُنَّت حبحبِّه كما جُنَّ بحبها."( ص130) وهي، في صلاتها قبل انتحارها، تقول: لا طاقة لي على فراق حبيبي الذي قاسى بسببي الآلام التي تفوق حدَّ الاحتمال" (ص 184). وتتضرع إلى الله قائلة: "واجمعني به في جنانك الخالدة، ودعني أندمج فيه دون افتراق... اجتمعني  بمَن تحنُّ إليه روحي منذ الأزل". (ص 184)

5.  وإذا كانت حبيبته أجمل نساء الأرض والسماء، وهو يُجنُّ بحبها كما تُجنُّ بحبه، فإنه من الطبيعي أن يقضي معها أسعدَ الأيام وأروعها. يقول الفتى: "ولكم كانت هانئةً سعيدةً تلك الأيام السالفةُ التي انقضت وكأنّها لم تكن." (ص 38).

6. إن القارئ يتساءل: مَن هذه الحسناء التي يعبدُها وتعبده وقضى معها أسعد الأيام وأروعها؟ إن كتاب "ضجعة الموت" ككل كتب الدكتو داهش فيه الكثير من الرموز، بل أكاد أقول رموز الرموز. ومعبودته الحسناءُ رمزٌ من هذه الرموز، بل أحلى رموزه. وإذا صدقَ ظني أن الفتى النحيل الشاحب هو الدكتور داهش نفسُه، فإني أحسبُ أيضًا أن هذه الحسناء هي الحقيقة؛ أجل الحقيقة التي نشدها في فكره وأدبه ورسالته، وكتب لها ما لم يكتبْ أديبٌ فيها. كان "ينشد (الحقيقة المفقودة) في هذا العالم عبثًا، كما كان ديوجنوس يبحث، بفانوسه، في وضح النهار، عن الصداقة الخرافية الضالة في رحاب هذه الأرض الملعونة". ("الإلهات الست"، ص 42)1

وإن صدق ظني أن الفتى المحتضر هو الدكتور داهش نفسُه، وأن حبيبته "ديانا" هي الحقيقة، فمن تكون طفلتهما التي أوصى حبيبته أن تعتني بها، فالأقدارُ قضت أن تفقد والدها وهي ما تزالُ في المهد؟

أغلبُ الظنِّ أيضًا وأيضًا أنها الرسالة الداهشية التي سيرحل
ُ عنها مؤسسها وهي ما زالت طفلة في أول نشأتها، وقد جعلها تتكلم عن نفسها  قائلة: "أنا أجملُ نساء الأرض"2

7. الإيمان بخلود الروح. يقول الفتى: "ها قد اجتازت روحي، في جوف هذا الليل الصامت الرهيب، السهول الشاسعة، وانحدرت في بطون الأودية السحيقة". (ص 48). وهذا الإيمان يلامسُ عقيدة التقمُّص، وقد قال بها الدكتور داهش، وظهر في قول ديانا عن

----------------------------------------------------

1 يقول في مقطع بعنوان "الحقيقة الإلهية" في كتابه "أغاريد شاعر" من سلسلة "فراديس الإلهات يرصعها اللينوفار المقدس" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980، ص 64): "أشتاقُكِ مثلما تشتاقُ الأيائُل لجداول الماء النميرة، وأتوق لرؤيتكِ مثلما يتوقُ الأنبياءُ لهبوط الوَحي عليهم(...) فيا أيتها الحقيقة الإلهية، أيتها المقيمةُ في الأخدار السماوية، متى أسظلُّ ربوعكِ العُلوية وأنعمُ في أجوائكِ البهية؟ متى؟"
2 الدكتور داهش: "أناشيد عابد" في سلسلة "حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 28.

-------------------------------------------------------------

حبيبها: "إنه لم يخذلني ولم يتركني، إذ إنه حبيبي منذ الأزل، وقبلما وُجد الكون" (ص 150). وهذا القول يذكرنا بقول جميل بثينة (من الطويل):

          تعلق روحي روحها قبل خلقنا                ومن بعدِ أن كُنا نطافًا وفي المهدِ

          فزادَ كما زِدنا، فاصبـــــح ناميًـا                وليس إذا مُتنا بمُنتقضِ العهــــــــــد

          ولكنه بــــــــــــــاقٍ على كلِّ حالةٍ                وزائرُنا في ظُلمةِ القبرِ واللحـــــــــدِ

8 – والإيمان بخلود الروح يقود إلى الحديث عن الجنة، وقد صوَّرها الدكتور داهش في أكثر من مكان في الكتاب الذي نحن بصدده، وفي معظم كُتبه؛ حتى إننا نظنُّ إنَّه لم يكتب كاتبٌ في الجنة كما كتب، وقد صورها أحسن تصوير مُرغبًا الناس فيها. وهذا أحد أُسس الداهشية.

          يقول الفتى المحتضر: "ها إني أرى، أو يُخيل لي، معبودتي ديانا جالسةٌ تحت أغصان شجرة معرفة الخير والشر الغريبة الثمر القائمة على ضفة نهر الكوثر الرحيقي المذاق... انظر، فها هي الأشجار وقد وقفت على أفنانها الغضة طيورُ الجنة الزاهية الريش ذاتُ الألوان البهية المتعددة، وهي تُطلق أغاريدها السماوية، فتنتشي الأرواحُ المجتمعةُ المستمعةُ إلى تلك الأغاريد، بينما هي بأجمعها ناظرةٌ إلى وجه معبودتي ديانا الجالسة على ضفة نهر الكوثر ذي الصفاء الماسيِّ الباهر. وها هي معبودتي ديانا  محاطةٌ بحواري الجنان الساحرات، وقد نضين عنهن غلالاتهنَّ الرقيقة". (ص 50 -52).

          وتقول ديانا في صلاتها قبل الموت: "يا الله، ارحم ضعفي... واجمعني به في جنانك الخالدة، ودعني أندمج فيه دون افتراق". (ص 184).

          والجنة التي يصورها الدكتور داهش، في الكتاب الذي بين يديَّ، تجمع جنة النصارى وجنة المسلمين في الوقت نفسه. ففيها من الأولى "شجرة معرفة الخير والشر الغريبة الثمر",1 وفيها من الجنة الثانية "نهر الكوثر الرحيقي المذاق"، والحواري الساحرات ذوات الغلائل الرقيقة. وكأنَّ هذه الجنة مظهرٌ من مظاهر الداهشية التي تجمع،

------------------------------------------------

1 أحيل القارئ على قصيدة نثرية بعنوان "شجرة معرفة الخير والشر" ضمنها الدكتور داهش عقيدته الداهشية في السيالات الروحية، ونشرها في كتابه "التائه في بيداء الحياة" في سلسلة "حدائق الآلهة توشيها الورود الفردوسية" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980، ص 87_ 89). ] يطالعها القارئ في الصفحة 101 من هذا الكتاب[.

----------------------------------------

في فلسفتها، تعاليم المسيحية والإسشلام معًا.

          9 – ثمة لغزٌ حيرني ولم أستطع مقاربته لا ظنًا راجحًا، ولا اعتقادًا مرجوحًا، وهو تذكُّر الفتى لمصر. يقول: "ولكن شيئًا واحدًا لم يستطع الموتُ بعسفه وجبروته أن يزيله من طريق مخيلتي، ألا وهو مصر، مصر الحبيبة، إذ بها كلُّ آمالي المتوارية. هناك تقطن معبودتي الجميلة". (ص 26). ويقول في مكانٍ آخر: "قل لها إن أمرًا واحدًا أبقاه حيًّا طوال تلك الأيام والأعوام، ألا وهو إمكان تحقيق رؤية مصر يومًا، مصر اللطيفة، إذ بها تعيش حوريته الفتية". (ص 28 – 30).

          ويتكرر هذا المقطع، وبكلماتٍ مختلفة في أواخر أقسام الكتاب (ص 34، 40، 46، 62، 158، 162) وكأنه اللازمة في الأناشيد، أو القفل في الموشحات. ويسأل الباحث: لماذا جعل الدكتور داهش مصر وطن الحبيبة؟ ولماذا لم يجعله لبنان، وهو بلدُ الجمال، أو أي وطنٍ آخر؟ ولماذا كرر هذا الأمر مراتٍ متعددة؟ أسئلةٌ عجزتُ حتى عن الظن فيها. وهنا أغتنمُ الفرصة لأقول: إن من يريد الكتابة في أدب الدكتور داهش عليه أن يقرأ كُتبه جميعًا، وأن يكرر قراءتها ويعيش مع الرجل أشهرًا وسنوات قبل أن يبدأ الكتابة؛ ذلك أن أدبه حافل بالرموز والخيالات، وسمو الأرواح في العولام السماوية والجنان الفردوسية.

          10 – البارز في الفكر الداهشي نظرتثه التشاؤمية إلى العالم الأرضي. فهو عالمٌ موبوءٌ ودارُ الشقاء (ص 28 و ص 183)، والزمنُ غادرٌ ماكر (ص 32)، وأصدقُ البشر هو الخائن (ص 32). وهذه النظرية نجدها في غير موضعٍ من كُتبه. يقول مثلاً في كتابه "بروق ورعود" تحت عنوان "عالم الفجور والشرور" (ص 53):

          "أيها العالمُ السخيف، ما أقسى شرائعكَ وأحكامَك!

          وما أظلمَ مثنعطفاتكَ التي نسيرُ في جنباتها مُتعثرين!

          وما أقبحَ تعاليمك المُجحفة بحقوقِ الفقراء والمعوزين!

          وما أتفه ما تُبديه، وأشأمَ ما تُواريه!

          أنت دهليزُ السفاهةِ والجريمةِ ومباءةُ كل أثيمٍ سَفيه

          وُجدَ الشرُّ منذ وُجِدت، ولن يضمحل حتى يطوي الدهرُ أعلامَك".

          وبسبب وباءةِ عالمنا الأرضي، ونشدانه عبثًا الحقيقة المفقودة، نرى أديبنا المفكر الفيلسوف شديد الحزن، كئبًا حتى الثمالية. يقولُ على لسان ربة الحب في كتابه "الإلهات الست" (ص42): "يا إلهي، لقد وضحتْ لي الآن أسباب كآبته الخرساء، وعدم تسرُّب الفرح إلى فؤاده. إنه ينشدُ (الحقيقة المفقودة) في هذا العالم عبثًا، كما كان ديوجينوس يبحث بفانوسه في وضح النهار عن الصداقة الخرافية الضآلة في رحاب هذه الأرض الملعونة... لو كانت (الحقيقة) وشقيقتها (العدالة) تقطنان هذا العالم، لكانت الأرض ترفل بحُللٍ من السعادة، ولسادَت الطمأنينةُ هذا الكون، ولما استطاعت الضغائنُ والأحقاد الثباتَ أمام سيفِ الحقيقة البتار".
11- وآخرُ مفاجآتٍ الكتاب أن الحبيبة ديانا بعد أن تتسلم رسالة حبيبها، وتعرف أن روحه أصبحت في الأخدار السماوية، ترثيه برثاءٍ مؤثرٍ حزين، ثم تصلي صلاةً حزينةً وتنتحر.

والانتحارُ أمرٌ حرمته الأديان السماوية، وبخاصة المسيحية والإسلام. والمذهب الداهشي، كما سبق القول، يجمع بين الدايانتين، فكيف سوَّغ الانتحار؟

          أغلب الظن أن الانتحار هنا لا يقصد به معناه الحقيقي، وإنما يعني رحيل الحقيقة عن الأرض برحيل فارسها وحبيبها الدكتور داهش. وبقيت الطفلة، الرسالة الداهشية، يتيمة الأبوين: المؤسس والحقيقة، فهل اعتنىا الداهشيون بهذه الطفلة اليتيمة؟ وأين أصبحت لديهم وفيهم؟

          وإذا انتقلنا من رموز الكتاب – وما أكثرها ! – إلى الكتاب كنصٍّ أدبي، نرى أنه كتابُ فنٍّ وأدبٍ وتصوُّفٍ وخيالٍ وتأملاتٍ فلسفية، وأن أديبنا سامي الخيال، عميقُ التفكير، بعيدُ النظر، ينزع إلى التصوف والتحرر من هذا العالم السفلي بما فيه من أباطيل.

          إنه أدبٌ رومنطيقيٌّ حزينٌ يصوِّر الطبيعة أجمل تصوير، بليلها الصامت الرهيب، وسهولها الشاسعة، وأوديتها السحيقة، وجبالها الشاهقة، وأشجارها الباسقة، ورياحينها الغضة، وأزهارها العبقةِ الأريج، وطيورها الشادية على أفنان الأشجار تحت نور الشمس المُرسلة أشعتها الذهبية.

          والرسائل الاحتضارية معروفةٌ منذ القدم في أدبنا العربي، وخاصة في أدب الوصايا وحديثًا في مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي، ومسرحيَّة "كليوبترا" لأحمد شوقي، وقصة "العاقر" لميخائيل نعيمة.

          وأدب الدكتور داهش، في هذا الكتاب، يُشبه أدب المنفلوطي في سلاسة عبارته وبلاغتها، والكآبةِ المُهيمنةِ على أقسامه، ورومنطيقيته المُفرطة في الحزن، ونهايته المأساوية المؤثرة. لكنه يختلف عنه في رمزيته، بل بكثرة الرموز فيه، ووصفه الجنان والأخدار السماوية.

                                                          ********

          وأخيرًا لا بد أن أشير إلى أنني قرأتُ الكتاب مراتٍ عديدةً ولم أشبعْ، وكنتُ كلما قرأتُه مرَّة، تكشف لي شيءٌ جديدٌ فيه، وكأنه نبعٌ غزيرٌ لا ينضب، أو كأن في الكتاب معاني خفيةً لا تظهر للقارئ دفعةً واحدة، مهما تمعَّن في القراءة.

          وأعترف أنني كنتُ أُعدِّل مقالي كلما قرأته مرة جديدة. ولولا الإصرار على الفراغ من المقال قبل صدور الكتاب العتيد، لأعدتُ تعديلاته مراتٍ أخرى، وهذا الأمر لم أعرفه من قبل.

          أما الدكتور داهش فتبدى لي، من هذا الكتاب وغيره، فريدًا في أدبه، وخياله، وذوقه الفني، وحكمته، وألمه، وعشقه للحقيقة، وحبه للجمال وتصويره له.

          وبعد، قيل: من اجتهدَ فأصابَ له أجزان، ومَن اجتهدَ وأخطأ له أجرٌ واحد. وأنا راضٍ بالأجر الواحد، بل ألا أكون ذلك الرجلُ الماديَّ الضيِّق الفكر الذي صوره الدكتور داهش في قوله بعد مقدمته: "لا يكون حزنُ الخياليِّ شديدًا بالغًا أشدَّه إلا إذا وقع كتابهُ الذي أفرغَ فيه عُصارةَ دماغه، واستوحى عرائسَ خياله في سكون الليالي، والناسُ نيام، في يد رجلٍ ماديٍّ ضيق الفِكر، لا خيال له، ولا يفهم معنى تلك المقطع التي يمرُّ بها مرورًا، ولا يطرب لما تحويه من معانٍ سامية، وتحليقٍ علويّ".

                                                كفر عقًّا، الكورة – لبنان، تشرين الأول (أُكتوبر) 2009

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.