أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

 

الرحلة الداهشية الثالثة 

 

الرحلات الداهشية

 

حول الكرة الأرضية

 

الرحلة الثالثة

عام 1971

جزيرة الأحلام

سأستقل الزورق الذهبي الرائع الجمال،

و أبحر به إلى جزيرة الأحلام الفتانة

إذ تعبت نفسي من البقاء

في أرض التعاسة و الشقاء،

و سئمت روحي من المكوث

في عالم الأضاليل و الرياء.

                                      داهش

ليت شعري أيها الإنسان،

إذ مهما كنت عظيماً،ومهما أتيت بالغرائب و المُعجزات،

ومهما قمت بأمور مُدهشة، واستنبطت شؤوناً لم يسبقك إليها غيرك،

ومهما كانت...

فإنّ في أعماق الحياة شيئاَ لا يُدرك،ولا تعرف ماهيّته و كنهه،

يهزأ بك و بأعمالك إلى ساعة ينقضي فيها أجلك،

فتذهب و كأنك لم تكن!

                                                المؤلف

مقدمة

لبنان

زلزلته المآسي و دمرته الدواهي!

هذا هو الجزء الثالث من"الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية".

و قد غادرت أمريكا عائداً إلى لبنان لكي أطبع كتب رحلاتي في بيروت، و إلا لما غادرت بلاد الحرية المُطلقة.

لقد نعمت عامين و نصف العام في نيويورك، و كاليفورنيا، و لوس أنجلوس،و بيفرلي هلز،و فنكس،و لاس فيغاس،و فرجينيا، وواشنطن، و جبال الروكي، و فلوريدا، وغيرها و غيرها من الولايات الأمريكية، و جميعها تتمتَّع بحريةٍ شاملة.

عدتُ لبيروت لأطبع كتبي، و إذا بي أجد أن الحالة الأمنية فيها مُؤسفة، و حوادث الخطف تمتلئ بأخبارها الجرائد اليومية، و الإنفجارات قائمة على قدمٍ و ساق، والإشتبكات متواصلة، و الخلاف مُتفاقم، و النقمة عامة، و السكينة مفقودة، و الخصام عارم، و عدم الإستقرار مُتمركز، و مثبت نفسه بعنفوان!...

و إذا الغلاء مُتصاعد، و الماء شحيح، و الكهرباء انقطاعها متواصل، و التلفون أعجز من أن يمكّن المرء من الإتصال بالذين يودّ محادثتهم!

و كذلك التهجير مُستمر، فكم و كم من المنازل و المدارس قد استولى عليها الهاربون من هول المدفعيّة و تفجير القنابل و صواعق الصواريخ المُدمِّرة! إنها فوضى هائلة، وبؤس شديد، و اضطراب شامل، و رعب ماحق، و بلايا متواصلة! فالأيتام في كل منزل، و القتلى في كل عائلة، و القلق هائل، و الوجل صائل و جائل!

و في الساعة الثانية عشرة من منتصف ليل 30/4/1979، و كنت نائماً بفراشي، استيقظت على انفجار هائل أرعب دويّه المسامع، عقبه تحطيم غرفة نومي، إذ اقتلعت النافذة فيها و تفجّر سقفها، فتساقطت الحجارة منه لتملأ أرض الغرفة.

كما هوت قطعة كبيرة من الخشب فوق تختي، لكنّ عين العناية أنقذتني إذ استقر لوح الخشب على حديد سجف النافذة فلم يسقط عليّ، و إلا لكان أوردني موارد التهلكة، إذ إنَّ ثقله كان كافياً للقضاء عليّ، و خصوصاً أنه يهبط من علو يبلغ خمسة أمتار. و قد تذكرت البيت الشعريّ القائل:

و إذا العناية راقبتك بعينها        نمْ، فالمخاوف كلُّهنَّ أمانُ

و هكذا نجوت من موتٍ مُحقَّق أو من عاهة مُستديمة.

و كذلك اقتلعت النوافذ في الصالون و غرفة مكتبي و مدخل المنزل، وزعزعت قوة الإنفجار الهائل قرميد السقف و أطارت بعضه، فأسرع الأخوة باحضار مئات من قطع القرميد من زحلة، و تولوا إصلاحه و إصلاح ما تردّم من هول الخمسين كيلوغراماً من الديناميت الشديد المفعول.

حقاً إن الداخل إلى لبنان مفقود، و مغادره هو المولود. فالمرء يخرج من منزله و هو لا يعرف إذا كان سيعود إليه حياً، أم يكتب له أن يقضي نحبه برصاصة قنص أو رصاصة طائشة، أو مُتفجرة ترسله إلى العالم الآخر.

إنها قلقة تدع المرء حيالها شريداً بأفكاره، حائراً بمصيره. و ها قد مضت أربعة أعوام، و بدأ العام الخامس، و ما تزال حرب لبنان دائرة رحاها، مُتفجرة صواريخها، مُحمحمة مدفعيّتها، و طعمتها الشبان و الشيوخ و النساء و الأطفال.

إنه غضب الله قد انصبَّ على البلاد و العباد، فهل اتعظوا؟!

و بعد، إنّ ما يصيب الإنسان هو من صنع يديه و نتيجة لأعماله. فلو لم نستحقّ ما أصبنا به لما أوقعه الله فينا.

و قديماً نصح الأب نوح قومه أن يرتدوا عن معاصيهم، فتهكموا عليه، فأهلكهم الله وأباد وجودهم.

و كذلك أبناء سادوم و عامورة ارتكبوا الشرور، و تمنطقوا بالمعاصي فأمطرهم الله ناراً و كبريتاً جزاء على شرورهم العظيمة و آثامهم المروّعة.

إن البشر اسمهم مشتق من الشر. فالويلات تنصبُّ عليهم انصباب الحمم بالنسبة لأفكارهم و لأعمالهم و لارتكاباتهم الإجرامية. فإذا أردنا أن تزول عن كاهلنا هذه الدواهي المُرعبة ، فما علينا إلا التزوّد بالفضيلة، و رفعنا أكف الدعاء لباري الوجود لكي ينهي أيام محنتنا المزلزلة. فمن سار مع الله أقاله الله من عثرته و أنقذه من كوارث الزمان، و أوصله إلى شاطئ الأمان.

و الآن، لننس ما قاسيناه في هذه الأعوام الطافحة بالمخاوف و الأهوال الجسام، و لنلج الطائرات و القطارات و السيارات التي أقلّتني، و دعونا نجوب المدن التي حللت بها، والأماكن التي شاهدتها، ففي ولوجنا إيّاها متعة لنا تنسينا أعوام الحرب وويلاتها، ومخاوف الصواريخ و تفجّراتها.                                                          

داهش

                                                بيروت الساعة الواحدة و النصف بعد ظهر 7/5/1979

26 كانون الثاني 1971

إلى مطار بيروت

نهضت باكراً و رتبت حقائب السفر، لأني مزمع على القيام برحلةٍ إلى كانو بأفريقيا الشمالية، و هي تبعد عن بيروت أربعة آلاف كيلومت و نيفاً. و جعل الإخوة و الأخوات يتوافدون إلى منزلي.

و في تمام الساعة التاسعة و النصف بلغنا المطار، فترجلنا و أخذت لنا صور سينمائية و فوتوغرافية.

و أعلن المذياع أنّ على المسافرين إلى كانو أن يتوجهوا للطائرة. فتوجهنا إليها، وارتقيناها، و جلسنا في مقاعدنا. و كانت الساعة العاشرة و النصف.

و في تمام الساعة الحادية عشرة إلاّ ربعاً، درجت بنا الطائرة لمدة خمس دقائق، وتوقفت حوالي الدقيقة. ثم انطلقت بأقصى سرعتها مدة دقيقة واحدة، و ارتفعت في الهواء.

و الطائرة هي من نوع بوينغ، و تستوعب 146 راكباً، و فيها كلّ وسائل الراحة.

خمس ساعات و نصف لكانو

و أعلن المذياع أن الطائرة ستحلق على ارتفاع 35 ألف قدم، و أنها ستصل إلى كانو بعد خمس ساعات و نصف.

و راحت الطائرة تشقّ أجواز الفضاء بجبروت، و هي تسير بسرعة 500 ميل في الساعة، أي حوالي 800 كيلومتر حسبما أذيع على المسافرين.

نظرت إلى أسفل، و كانت أبنية بيروت تظهر كناطحات سحاب. ثم حلّقت الطائرة فوق البحر،و اختفت معالم اليابسة.

الطائرة كريشة في مهبّ الريح

في تمام الساعة العاشرة و النصف ابتدأت الطائرة تهتزّ كالديك المذبوح، لوجود جيوب و كتل هوائية.

و الحق يقال إنه لا يسع المسافر إلا الخوف من هذا الأهتزاز العنيف الذي يبعث الرعب في القلوب.

و في تمام الساعة 12 و 10 دقائق أذيع على المسافرين أننا فوق الجمهورية العربية المتحدة. واستمرت الطائرة تقطع بنا الفيافي و القفار بسرعة هائلة أوصلنا العلم إليها.

و في الساعة الثالثة إلاّ ثلثاً، عادت الطائرة لاهتزازها الرهيب الذي يبعث الهلع في القلوب.

و في تمام الساعة الرابعة أذيع على الركاب وجوب وضع الأحزمة، لأن الطائرة اقتربت من مطار كانو، و هي تهمّ بالهبوط. كما أذيع أنها ستمكث في كانو نصف ساعة ثم تكمل رحلتها إلى لاغوس.

و هبطت بنا بسلام

في تمام الساعة 4و 24 دقيقة هبطت بنا الطائرة في مطار كانو.واستغرقت رحلتها من مطار بيروت، حينما حلّقت، حتى هبوطها بمطار كانو خمس ساعات و نصفاً تماماً. ورحلة كهذه منذ خمسين عاماً، كانت تستغرق شهراً و نصفاً مع مشقات هائلة ومصاريف باهظة وأخطار عظيمة. فيا للعلم ما أعظمه و ما أروع ثماره العجيبة!

دائرة الجوازات و الجمارك

واتجهنا إلى دائرة جوازات السفر، فختمت جوازات سفرنا بتأشيرة الدخول إلى كانو. ثم ذهبنا إلى دائرة الجمارك، ففتحت حقائبنا ثم أشّر عليها بالطبشورة.

الأخ شفيق المقدم يستقبلنا

و فجأة شاهدنا الأخ شفيق المقدم الداهشي، و الفرحة بلقائنا تطلّ من وجهه الصبوح. فتعانقنا، ثم حملت حقائبنا إلى سيارته. وانطلق بنا إذ كان يقود السيارة بنفسه، و ذهب بنا إلى منزله الذي اعتبره منزلي.

و الأخ شفيق يقطن منذ أربعة أعوام. و قد اعتنق الداهشية مع زوجته وابنته سهيلا، وابنه سهيل، و بقية أولاده، منذ ستة أعوام و نيّف.

وصلنا إلى منزل شفيق، و هو منزل جميل. فغسلنا وجوهنا، ثم تناولنا المرطبات. وشاهدنا في المنزل الأستاذ أحمد أيوب فيّاض الذي غادر بيروت يوم الأحد، قاصداً كانو، أي قبلنا بيومين. و قد سبق للأستاذ أحمد أيوب فيّاض أن زارني في بيروت منذ أشهر و شاهد بعض الظاهرات الروحية.

في أسواق كانون الأول

واستقلينا سيارة الأخ شفيق، و قمنا بجولة في أرجاء المدينة لنتعرّف على معالمها.

وقد لاحظت أنّ الفقريسود شعبها. كما لاحظت أنّ هذا الشعب طيّب القلب. و مررنا بمنازل بنيت في الغابات، فأعلمني شفيق أنها فيلات يقطنها الأجانب، و هي مرتفعة الأجور، و كل منزل منها يتألف من طابق واحد. و قد أخذت لها صوراً سينمائية خلال جولتنا، كعادتي في رحلاتي السابقة.

تعشّينا بمنزل حسين أبو زيد

في تمام الساعة التاسعة مساء، ذهبنا إلى منزل حسين أبو زيد. و هو لبناني يقطن كانو منذ 12 عاماً. و قد سهرنا في منزله الذي لا يبعد كثيراً عن منزل شفيق، و تناولنا فيه طعام العشاء.

و في الساعة العاشرة و النصف استأذنّا بالإنصراف بعد سهرة ممتعة.

بين أحضان النوم

كانت الساعة الحادية عشرة و النصف عندما اضطجعت في فراشي بمنزل الأخ شفيق المقدم. و قد كنت تعباً من وعثاء السفر، و من تجوالنا في المدينة، شرقها و غربها، وشمالها و جنوبها. لهذا سرعان ما دخلت في مدينة الأحلام الرائعة، تلك المدينة الفتانة، العظيمة الأسرار.

الرحلة الداهشية السادسة

 الرحلاتُ الداهشيَّةُ

حولَ الكُرَةِ الأَرضيَّة

                              

الرحلةُ السَّادسةُ - عَام 1972

                                         

                                    

أُشبِّهُ نفسي بسَفينةٍ صغيرةٍ

تتقاذفُهَا لُجَجُ المُحيطِ الثَّائِر الصَّاخب،

وهيَ وحيدةٌ بينَ أَمواجِهِ المُتلاطمَةِ الهَوجَاءِ

ترقُبُ فرجَ اللهِ العظِيم،

وتومِّلُ في اعجوبةٍ

تُنقذُهَا من ذلكَ العذابِ المُقيم،

وتبعدُ بهَا عن هاتيكِ الأَنواءِ العاصفةِ المُزمجْرَة،

ولكنْ بدون جَدوى.

 

                                                   داهشْ

                                                 من كِتابِ"كلمات"

 

 مقدِّمة

لأَدبِ الرحلةِ وجهٌ جذَّابٌ في الآدابِ العالميَّةِ. وقدْ تأَلَّقَتْ في فلَكِهِ أَسماءٌ كثيرةٌ في مختلفِ الشعوبِ والعُصورِ. لكنَّ اللغةَ العربيَّةَ لمْ تعهَدْ في القرنِ العشرين أَديباً وصفَ مُشاهداتِهِ وانطباعاتِهِ وصفاً صادقاً أَميناً، في رحلاتٍ واسعةِ الدوائرِ وشاملةِ الفوائد، كالدكتورِ داهش. فرحلاتُهُ تنبسطُ على حوالى ثلاثينَ مُجَلَّداً تُغطِّي القارَّاتِ الرئيسةَ بأَهمِّ حواضرِهَا ومعالمِهَا المُمَيَّزة.

وهذهِ الرحلةُ التي تؤلِّفُ الجزءَ السادسَ منْ سلسلةِ "الرحلات الداهشيَّة حولَ الكُرةِ الأَرضيَّةِ" استغرقَتْ 52 يوماً (من 15أيَّار إلى 6 تمُّوز 1972)، وشملَتْ كثيراً منَ المُدُنِ الأُروبيَّة.

 

أَ- عالمُ الفَنِّ

لا ريبَ في أَنَّ ولعَ مُؤَسِّس الداهشيَّة بالفنِّ دفعَهُ إلى البحثِ عنْ كنوزِهِ في مختلفِ أَرجاءِ العالَم، وكانَ منْ أَهَمِّ الحوافزِ لارتحالِهِ شبهِ الدائم مدَّةَ خمسةَ عشرَ عاماً. وإذا حصيلةُ أَسفارِه أُلوفٌ منَ القطعِ الفنيَّةِ الرائعةِ التي انتقاهَا بمحبَّةٍ وعنايةٍ كأَنَّهَا من جُملةِ مُختاريه، حتَّى كوَّنَ منْهَا مُتحفاً يُضاهي المتاحفَ العالميَّةَ.

وفي هذهِ الرحلةِ، كمَا في كثيرٍ غيرِهَا، ذِكرٌ لعشراتِ المتاحفِ التي زارَهَا المؤلِّفُ، وأَبدى رأيَهُ في معروضاتِهَا؛ وأَحكامُهُ مبنيَّةٌ على البحثِ والتجربةِ الطويلةِ. فإذا سمعتَهُ يقولُ، بعدَ أَنْ شاهدَ كنيسةَ وندسور حيثُ دُفِنَ الملوكُ وعظماءُ البريطانيِّين:" تلفُّكَ الروعةُ لمشاهداتِهَا، وتخشعُ للفنِّ العظيمِ الذي يبرزُ فيهَا من قمَّةِ رأسِهَا حتَّى أَخمصِ قَدمِهَا"، عِلماً بأَنَّ رأيَهُ هذا ينطبقُ على كثيرٍ منَ المتاحفِ التي زارَهَا، فإنَّكَ تسمعُهُ يقول، في موقفٍ آخر:" الشيءُ الذي يُطلقونَ عليهِ اسمَ "سريالزم" و"أَبْستره" هو تشويهٌ للفنِّ الحقيقيّ، وهو في حقيقةِ الأَمرِ تدجيلٌ رخيصٌ لا قيمةَ له على الإطلاقِ. والجُمهورُ الذي صدَّقَ بأَنَّ "السريالزم" هو فنٌّ إنَّمَا هو مخدوعٌ من قِمَّةِ رأسِهِ حتَّى أَخمص قدَمِهِ.

ومن تكاثر اللوحاتِ الفنِّيَّةِ الرديئةِ في المعارضِ والمتاحفِ والفنادقِ يَستخلصُ:" أنَّ الثقافةَ الفنِّيَّةَ معدومةٌ عندَ الرأيِ العامِّ حتَّى في العواصمِ الأمريكيَّةِ والأُوروبيَّة."

وغِبَّ زيارتهِ لبعضِ المتاحفِ الرائعةِ بمحتوياتِهَا، يتساءَلُ متأسِّفاً تساؤُلَ المُتجاهلِ العارف:" متى يُصبحُ للعربِ مُتْحفٌ فنِّيٌ متى؟ لكنَّ كلمةَ "متى" لا ولنْ تُعطي ثمارَهَا مُطلقاً."

وحُبُّ الدكتورِ داهش للفنِّ الرائع يتَّضحُ عمقُهُ وصدقُهُ في تتبُّعِهِ لروائعِهِ حيثُمَا وُجدَتْ، ليسَ في المتاحفِ فقطْ، بل في المزاداتِ العلَنيَّةِ التي يشتركُ فيهَا، وإنْ غلا الثَّمنُ، كمَا في المعارضِ والمتاجرِ والقصورِ والكنائس، بلْ حتَّى المقابر.

فقدْ زارَ مقبرةَ الكلابِ التي تبعدُ ثُلثَ ساعةٍ عن مونمارتر في فرنْسَا، ووصفَ لنَا ما رآهُ فيهَا من تماثيلَ رائعة، كمَا أَعربَ عنْ تأَثُّرِهِ منْ مشهدِ عشراتِ الرجالِ والنساءِ الذينَ يتوافدونَ إلى المقبرةِ حاملينَ أَضاميمَ منَ الزُهورِ، ليضعوهَا على قبورِ مَنْ فارقَهُم منَ الكلابِ والهِرَرةِ... وذكرَ عباراتِ الأَسى المؤَثِّرة التي نُقِشَتْ على حجارةِ الرموسِ الرخاميَّةِ التي اعتلتْهَا تماثيلُ الكلاب.

 

ب- معالمُ العُمرانِ.

إلى جانبِ روائعِ الفنِّ، كانتْ معالمُ العُمرانِ المتميَّزةِ تجتذبُ انتباهَه، وكذلكَ المخترعاتُ الحديثةُ والمصنوعاتُ التي تشهدُ على براعةِ أَصحابِهَا.

وجديرٌ بالذكرِ أَنَّ مؤَسِّسَ الداهشيّةَ لمْ يكُنْ يكتفي بمَا يسمعُهُ أو يقرأُهُ منْ معلوماتٍ، بل كانَ أَيضاً يتحقَّقُ بعينيهِ وعقلهِ، ثمَّ يُرسلُ أَحكامَهُ؛ فيزورُ، مثلاً، مصنعَ البروسلينَ المشهورَ باسم "دِلْف"، في هولندا، ويُعاينُ بنفسِهِ كيفيَّةَ صُنعِ الأَواني الجميلة؛ ويُشاهدُ، في النروجِ، الطَّوفَ" كونتيكي" الذي عبرَ بهِ (هيار دال) المُحيطَ الهادئ عامَ 1947، فلاَ يقتصرُ على وصفهِ والإِدلاءِ بالمعلوماتِ التاريخيَّةِ عنْه، بل يستنتجُ أَنَّ نجاحَ الرحلةِ بذلكَ الطَّوفِ المصنوعِ منْ خشب "البالز" يُبرهنُ أَنَّهُ كانَ بإمكانِ شعوبِ أَمريكا الجنوبيَّةِ القديمةِ استعمالَ أَمثالِهِ لتقطعَ المُحيطَ وتصلَ إلى جزُرِ البولينيزيا.

وهو إذْ يُدلي بنبذاتٍ جغرافيَّةٍ عنْ البُلدانِ التي زارَهَا، يلتفتُ أَحياناً إلى التاريخِ موَضِّحاً ومُعَلِّلاً، فتعلم، مثلاً، أَنَّ هلسنكي اجتاحتْهَا النيرانُ عام 1818، فأَبادتْهَا، ثمَّ أُعيدَ تخطيطُهَا وبناؤُهَا، وأَنَّ مدينةَ أُوبسالا السويديَّةَ أُسِّسَتْ في القرنِ الحادي عشَر، وقطنَ فيهَا قديماً شعبُ الفايكنْغ الذين تعاطَوا التجارةَ معْ العربِ لفترةٍ منَ الزمنِ، فباعُوهَا الجُلودَ والفِراء.

وهو إذْ يصفُ أَهمَّ القُصورِ والمتاجرِ التي زارَهَا، يُزوِّدُكَ أَحياناً بمعلوماتٍ إِحصائيَّةٍ عنْهَا؛ فتعلَم، مثلاً، أَنَّ متجرَ هارودس، في لُنْدُن، يُعَدُّ الثاني في العالمِ منْ حيثُ الضخامةِ، وأَنَّهُ أُسِّسَ سنة 1849، وبلغَ عددُ العاملينَ فيه، عامَ 1967، 5500 شخص، كمَا بلغَ مبيعُهُ السنويّ 35 مليون جُنيه إسترلينيّ، وأَنَّ لهذا المتجرِ 240 فرعاً.

كذلكَ فهو لا يَكتَفي بأَنْ يُعطيكَ عددَ الجُسُورِ أَوْ الجُزُرِ أَو البُحيراتِ أَو المرافئ التي تمتازُ بهَا البلدانُ التي أَمَّهَا، بلْ يُعطيكَ أَحياناً نتائجَ اقتصاديَّةً لمَا يصفُهُ؛ فيدَعُكَ تعلم، مثلاً، أَنَّ السُّويد أَصبحَتْ مُصدِّرةً للأَخشابِ إلى مختلفِ أَنحاءِ العالَم، لأنَّ ستِّينَ بالمئةِ منْ مساحتِهَا مُغطَّاةٌ بالأَشجارِ.

 

ج- بدائعُ الطبيعة

فضلاً عنْ الروائعِ الفنيَّةِ والمعالمِ العُمرانيَّة، كانَ للبدائعِ الطبيعيَّةِ جاذبيَّةٌ شديدةٌ على الدكتور داهش. ولا عجَبْ، فهو يرىَ فيهَا ببصيرتِهِ الخارقةِ ما لا يراهُ غيرُهُ؛ فبينُهُ وبينَهَا مُشاركةٌ وجدانيَّةٌ، وتفاعلٌ نفسيٌّ واقعي، لا سيَّمَا أَنَّه شديدُ الحساسيَّة، رهيفُ الشُعورِ، مُنطلقُ الخيال، تستوقفُهُ أُمورٌ في الطبيعةِ قدْ لا تستوقفُ غيرَه.

فالغيومُ تتراءَى لهُ فيهَا رُؤًى عجيبة، والضبابُ يراهُ يرسمُ على صفحةِ السماءِ مشاهدَ غريبة!...

وتسترعي انتباهَهُ القواربُ وهي تتهادى على صفحةِ البحرِ الفيروزيّ، وفيهَا البحَّارةُ يَحْدونَ، كمَا القُرى المنتثرة منازلُهَا في السُّفوحِ والمُصّعَّدة نحوَ السماء، وطيورُ البحرِ التي تحطُّ على المياهِ ثمَّ تطيرُ وقدْ تلقَّفَتْ مناقيرُهَا أَسماكاً.

كذلكَ تجتذبُ نظرَهُ حدائقُ الزهورِ، والبُحيراتُ الرائعةُ يسبحُ البطُّ فيهَا، وتزيِّنُهَا النوافيرُ، وتزيدُهَا المصابيحُ الكهربائيَّةُ فتنةً... حتَّى إنَّ المؤلِّفَ، على حبِّه السرعة، يُفضِّلُ أَنْ يقطعَ المسافةَ بينَ ستوكهولم وأُوسلو بالقطارِ لمدَّةِ سبعِ ساعاتٍ، لكيْ يتسنَّى لهُ أَنْ يُشاهدَ الغاباتِ والمروجَ والبُحيراتِ الفاتنة.

وليسَتْ الطبيعةُ بمَا فيهَا منْ جبالٍ ومياهٍ ورياحينَ وأَشجارٍ غبياء هي التي تستأثرُ باهتمامِهِ فحسبْ، بلْ إنَّهُ يُبدي رغبةً شديدةً في مُشاهدةِ حدائقِ الحيوان أَيضاً حيثمَا وُجِدَتْ، فيصفُهَا ويُقارنُ بينَهَا.

 

د- عَالمُ البَشَر

بقدرِ ما يُشكِّلُ الفنُّ والعُمرانُ والطبيعةُ أَبعاداً مُضيئةً في رحلاتِ الدكتور داهش، يُشكِّلُ البشرُ بأَخلاقِهم وعاداتِهِم، إلاَّ أَقلَّهَا، بُعداً قاتماً.

ومَنْ عرَفَ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة عنْ كثَبٍ، واطَّلعَ على آرائِهِ في الناسِ منذُ شبابِهِ، لتأَكَّدَ له أَنَّ الرجلَ الذي وهبَهُ اللهُ قوَّةً روحيَّةً تنصاعُ لهَا قوانينُ الطبيعةِ وتتكشَّفُ الغيوبُ، ليسَ مُفتقراً إلى تعرُّفِ عاداتِ البشرِ وأَخلاقِهِم، ليقولَ كلمتَه فيهِم، لأَنَّهُ قبلَ ارتحالهِ بينَهُم، قدْ نفَذَ في ذواتِهِم، وسبرَ أَعماقَهُم، وتغلغلَ في أَفكارِهِم ورغباتِهِم؛ لكنْ منْ جُملةِ أَهدافِهِ في وَصْفِهِ أَحوال الناس وتصرَّفاتِهِم في الشوارعِ والمتاجرِ والملاهي... أَنْ يُقيمَ الحُجَّةَ ضدَّهُم، ويكونَ شاهداً عليهِم.

فالناسُ في روما رآهُم صورةً لمعظمِ الناسِ في هذا العالَم؛ والرذيلةُ التي تُعرضُ عاريةً فيهَا أو في أمستردام أو كوبنهاغن رآهَا بنتَ الرذيلةِ التي سادَتْ بومبيّي، قبلَ أنْ يُدمِّرَهَا "الفيزوف"، مثلمَا دُمِّرَتْ سدومُ وعمورة منْ قبل. فلا العلمُ الذي يُمجِّدُهُ المؤلِّفُ يراهُ لهُم نافعاً، ولا النصحُ يجدُهُ ناجعاً. ولذا كثيراً ما تسمعُ صوتَهُ راعِداً مُجَلْجِلاً يستنزلُ منْ سماءِ الروحِ غضَبَه عليْهِم:" الرذيلةُ قدْ سادتْ، والفضيلةُ قدْ بادتْ، والإِلحادُ قدْ طغى، والشرُّ قدْ بغى، فمُرْ، أَيُّهَا الخالقُ الجبَّارُ، أَنْ تُدَكَّ هذهِ الدُنيا وتنهار، فقدْ تعبتْ نفسي منْ انبثاقِ الليلِ وتعاقُبِ النهار."

وليستْ الدعارةُ المتفشَّيةُ وحدَهَا هي التي تستوقفُ المؤلِّفَ، بلْ تراهُ يُشيرُ هنَا وهُناكَ إلى رذائلِ ومعايبَ مُعَيَّنةً تتميَّزُ بهَا بعضُ الحواضرِ، كأنْ يُلمِّحَ إلى النشَّالين في بعضِ شوارعِ نابولي، وإلى الغشِّ والإحتيالِ في متاجرِهَا، أَو إلى حيَلِ السائقين في كوبنهاغن، أو تكاثُرِ السكارى في شوارعِ أُوسلو، أو إلى الإلحادِ والكذبِ في معظمِ الأَماكنِ التي جوَّلَ فيهَا.

لكنَّ هذا الجوَّ القاتم المُلبَّد بمَا اسودَّ منْ عاداتِ الناسِ وأَخلاقِهِم تتخلَّلُهُ أَحياناً قليلةً فُرجاتُ صحو؛ فيسترعي انتباهَ المؤلِّفَ، مثلاً، سكَّانُ قريةِ ماركن الهولنديَّة بأَحذيتِهِم الخشبيَّة الصَّلدة، وأَزيائِهِم الخاصَّة، ومصنوعاتِهِم الفنِّيَّة، كمَا بنظافةِ زرائبِ الأَبقارِ عندهُم وإِتقانِهِم، وتزيين شوارعهِم ونوافذ منازلهِم بالأَزهارِ؛ أو تراهُ يُشيرُ إلى أَنَّ منْ عاداتِ الهولنديِّين أَنَّهُم يلتقطون القِطَطَ الشادرةَ، ويضعونَهَا في قوارِب، قربَ الشاطئ، حيثُ يُقدِّمون لهَا الطعامَ والشرابَ؛ أَوْ تسمعُهُ ينقلُ عن الدليليةِ أَنَّ منْ عاداتِ الهولنديِّين أَيضاً أَنَّ النساءَ، إذا ما توغَّلَ رجالُهنَّ في البحرِ للصَّيد، يرتدينَ اللباسَ الأَسودَ، فلا يستبدلنَ بهِ الزاهي منَ الألوانِ إلاَّ بعدَ رجوعِ الصيَّادين.

على غِرارِ ذلكَ أيضاً في لُندن، حيثُ تستوقفُ المؤلِّفَ حديقةُ "هايد بارك" والخطباءُ فيهَا يخطبونَ بحريَّةٍ تامَّةٍ في أَيِّ موضوعٍ يشاؤون.

 

ه- عالَمُ الذات

إزاءَ الرحلةِ الخارجيَّةِ المتعدِّدةِ الأَبعاد، فَنًّا وعمراناً وطبيعةً وبشراً، كانَ الدكتور داهش يقومُ أَيضاً برحلةٍ داخليَّةٍ في عالَمِ ذاتِهِ.

وإنَّهُ لعالَمٌ غريبٌ في جرأَتِهِ وصدقِهِ وصراحتِهِ، مَهيبٌ بما يوحي إلى القارئ من سلطةٍ روحيَّةٍ يتمتَّعُ بهَا مؤسِّسُ الداهشيّة، غنيٌّ باستبطانِ الذاتِ واستكشافِ آلامِهَا منْ جرَّاءِ الشعورِ بالغُربةِ الروحيَّة، وسطَ عالَمٍ يشعرُ المؤلِّفُ أَنَّهُ لا يمتُّ إليهِ بأَيَّةِ صلَة في قيَمِهِ ورغباتِهِ ومطامحِه ومُثُلِه العُليا.

فهو يقفُ أَمامَ المواكبِ البشريّةِ التي استعرضَهَا في مُختلفِ البُلدانِ وِقفَةَ نوح قبلَ الطوفان يُنذِرُ بالفناءِ الشامل، ووِقفةَ لوطٍ على مشارفِ سَدومِ وعَمورة قبلَ أَنْ يُمطَرا بالكبريتِ والنارِ، ووِقفةَ المسيحِ أَمامَ هيكلِ سليمان يُنبئُ بتدميرِ أُورشليم وتشرُّدِ شعبِهَا. إنَّهُ سخطُ الأَنبياءِ والهُداةِ على الرذائل، وثورتُهُم على حقارةِ الإِنسانِ وصَمِّه أُذنَيْه عنْ تعاليمِ السماء، كمَا على إقامتِهِ معبوداتٍ باطلةٍ منْ دونِ الله...

فالشعوبُ المختلفةُ في أَنظمتِهَا وقوانينِهَا وأَساليبِ معيشتِهَا توحَّدتْ في عبادةٍ واحدةٍ هي عبادةُ المال، هذا السلاحُ الذي اخترعَهُ الشيطانُ ليُحاربَ بهِ اللهَ عزَّ وجلَّ، وليسيطرَ على الجنسِ البشريّ.

وسيتعجَّبُ القارئُ منَ الحُزنِ الشديد المُهَيْمِن على المؤلِّف، رغمَ ما يُحيطُهُ منْ أَسبابِ التسليةِ في البُلدانِ التي يجولُ فيهَا. إسمَعْه يقولُ، بعدَ أَنْ استيقظَ باكراً فوجدَ رفيقَ رحلتِهِ – وهو في عُنفوانِ شبابِهِ- ما يزالُ يغطُّ في نومِهِ العميق:" فلأَدَعْه يتمتَّعُ بعالمِ الأَحلامِ الجميل، لأَنَّهُ عندمَا يستيقظُ، ستصدمُهُ مرارةُ الحياةِ وأَشجانُهَا وآلامُهَا الرهيبة.".

وسيزدادُ عجبُ القارئُ، حينمَا يقولُ المؤلِّفُ وقدْ حلَّتْ ذكرى مولدِه:" في مثلِ هذا اليوم أَبصرتُ نورَ العالَم، بلْ قُلْ شاهدتُ ظلامَ هذا الكونِ المُخيف... وشاهدتُ الجميعَ يتكالبونَ على المادَّةِ تكالُبَ الضباعِ على الجِيَفِ المُنتِنَةِ!."

وإذْ يستفظعُ الدكتور داهش ما وصلَ البشرُ إليهِ منْ دناءةٍ في بلادٍ يُقالُ عنْهَا إنَّهَا بلغَتْ ذروةَ الحضارةِ، يُرسلُ رسالتَين غريبَتَين :"إلى ابنتي في عالَمِ الغيب"و" إلى وَلَدي في عالمِهِ المجهول"، مُتمنِّياً أَنْ لا يهبطَ أَيٌّ منْهُما إلى عالمِ الفسادِ والشقاءِ.

ويتذكَّرُ اغتيالَ غاندي رَجُلَ الحبِّ والسلامِ والنقاء، فيستعجلُ الموتَ ليُلاقيَه؛ ذلكَ بأَنَّ السعادةَ في الأَرضِ حلمٌ جميلٌ لنْ تُحقِّقَهُ الأَيَّامُ، والفضيلةُ "لا يُمكنُ أَنْ تحيا في أرضِ الشرِّ والجريمةِ."

وإذا امتلأَتْ الأَرضُ بالويلاتِ والشقاء، فعلى البشرِ أَلاَّ يتذمَّروا ممَّا يُصيبُهُم، لأَنَّ أَعمالَ الإنسانِ سَبَبُ بلاياه. يقولُ، بعدَ أَنْ شاهدَ امرأَةً عهِدَهَا حسناءَ فاتنةً منذُ أَربعينَ سنة، فإذا هي، وقدْ تقدَّمَ العُمرُ بِهَا، قبيحةٌ شوهاء:"اللَّهُمَّ، إنَّني مؤمنٌ بأَنَّنَا لو لمْ نستحقُّ المجيءَ إلى هذا العالَمِ المُرعب لمَا أَتيْنَاه. ولكنَّنَا اجتُرحْنَا منَ الذُنوب، واقترفْنَا من العُبوبِ ما جعلَنَا نأَتي إلى هذا العالَمِ الرهيبِ الذي لا تحيَا فيهِ إلاَّ المُنغِّصاتُ الرهيبةُ."

وفي موضعٍ آخرَ من نفثاتِهِ الوجدانيَّة التي تُرصِّعُ رحلتَه، يقولُ:"ليصمُتْ الجميعُ وليخرسوا، وليجترُّوا آلامَهُم التي أَوصلوا أَنفسَهُم إليهَا عنْ جدارةٍ واستحقاقٍ. فعاصِرُ العنقودِ شاربُهُ، وطابخُ السُمِّ آكلُه".

ويُحاول الدكتور داهش أَنْ ينسى أَحزانَه، تارةً بالاسترسال في أَحلامٍ فتَّانةٍ تزهو فيهَا الحوريَّاتُ بقصورهنَّ المُرجانيَّة، وطوراً بتصعيدهِ في تأَمُّلاتِهِ إلى العوالِمِ العُلويَّة؛ أَوْ هو يلوذُ بالطبيعةِ حيناً، فيصفُهَا بأُسلوبٍ ولا أَجمل، أَوْ يلتفتُ إلى الماضي، حيناً آخرَ، مُتذكراً شقيقَ روحِهِ وجهادَه الدكتور جورج خبصا، فيُرثيهِ ويبكيهِ في قِطَعٍ كثيرةٍ تتخلَّلُ صفحاتِ الرحلةِ كقطراتٍ منَ الدموعِ الساخنة!

 

و- أُسلوبُ الدكتور داهش

إنَّ أُسلوبَ الدكتور داهش، في رحلاتِهِ، يُنبئُكَ عنْ كثيرٍ منْ صِفاتِهِ النفسيَّة:

فهو أُسلوبُ الواثِقِ منْ حُسنِ جوهرِهِ وسُمُوِّهِ، ينسابُ رقراقاً شفَّافاً، على يُسْرٍ ودونَمَا ابتذال. جمالُهُ في تنوُّعِ أَنغامِه، وفي جاذبيَّةِ بساطتِهِ التي لهَا منَ الطبْعيَة والعَفْويَّة نِقابُ حسن؛ فلا لَعِبُ الأَلفاظ يهمُّهَا، ولا بهلوانيّاتُ البيانِ تستمدُّ منْهَا تبرُّجاً رقيعاً.

وهو أُسلوبُ نفسٍ تُواجهُ العالَمَ بجُرأَةٍ وصراحةٍ سافرة؛ تفقأُ الدُّمَّلَ حيثُ تراه، وتُرسلُ أَحكامَهَا قولاً فصْلاً يحسمُ كمَا السيف. وهو أُسلوبُ مُتحَرٍّ، ناقِدٍ، مُحلِّل، يُقارنُ بينَ الأَشياءِ فنادقَ كانتْ أم متاحفَ أَمْ مخازِن، لوحاتٍ فنيَّةٍ كانتْ أم سِلَعاً عاديَّة، أَم أُجوراً، أَم غيرَ ذلك...

وهو أُسلوبُ الصادقِ الأَمين، يُدوِّنُ الوقائعَ تدويناً فوريّاً، مُتَسلسلَ الأَحداث، ساعةً فساعة، بل دقيقةً فدقيقة، ويصفُ الأَشياءَ وصفاً واقعيّاً. وهو أُسلوبُ الدقيقِ في أَعمالِهِ وأَحكامِه، يُحصي الأَدراجَ التي يصعدُهَا، والمسافرينَ الذين يُرافقُهُم، واللوحاتِ التي يُشاهدُهَا... ويُسجِّلُ المسافاتِ التي يقطعُهَا، والأَوقاتِ التي تستغرقُهَا... وهو أُسلوبُ الذهن النبيهِ الفَطِن الدقيقِ الملاحظةِ الذي لا تفوتُهُ شاردةٌ أو واردة. يُلاحظُ في فيِينَّا "أَنَّ طريقَ الأُوتوستراد الممتدِّ حتّى جبالِ الأَلب السامقة قدْ فُرِشَتْ بمادةٍ بيضاءَ غيرَ المادَّةِ الزفتيّة المعروفة، فكانتْ أَشبهَ ببلاطِ البيوتِ، تسيرُ عليْهَا السيَّاراتُ بسرعةٍ فائقةٍ لملاستِهَا." وإذْ يقومُ بنزهةٍ في القاربِ البُخاريّ في أَمستردام، ينتبهُ للأَشجارِ الغضَّةِ القائمةِ على الشواطئ وقدْ تدلَّتْ أَغصانُهَا حتَّى لامسَتْ الماءَ، فيرى أَنَّ هذهِ الأَشجارَ قدْ اختيرَتْ دونَ سواهَا، لأَنَّ جذورَهَا تتغلغلُ في العُمقِ ولا تتشعَّبُ، فتَقي جدرانَ القنال منَ التشقُّقِ. وبعدَ أَنْ جرَّبَ الانتقالَ في طائراتِ "الكرافيل" القديمةِ يقول:" يجب على الشركةِ أَنْ لا تُسَيِّرَ أَمثالَهَا، إذْ ربَّمَا تُشكِّلُ خطراً على حياةِ الرُكَّابِ والربابنة. ومعْ أَنَّ الحياةَ والموتَ بيدِ الخالق، دونمَا رَيْب، فالأَفضلُ أَنْ تُستبدَلَ بهذهِ الطائراتِ القديمةِ طائراتٌ حديثة."

وهو أخيراً، أُسلوبُ النفسِ المُحبَّة للفُكاهةِ والظَّرف، التي تُغالبُ حزنَهَا بالتطلُّعِ إلى الطرائفِ في الأَشياء. فكثيرةٌ هي الأَحداثُ الطريفةُ التي يذكرُهَا، فتنتزعُ الابتسامةَ بل الضحكةَ منْ فمِكَ انتزاعاً!

إنَّ رحلاتِ الدكتور داهش تمدُّ القارئَ بفوائدَ سياحيَّة جغرافيّة وتاريخيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، كما تمدُّهُ بفوائدَ نفسيَّة ودينيَّة وفنيَّة.

وهي بقدرِ ما تُفيدُ القارئَ عنْ البُلدانِ والشُعوبِ التي زارَهَا، تُفيدُهُ عنْ شخصيّة المؤلِّف الفذَّة، وفلسفتِهِ الروحيّة، ونمَطَه في العَيشِ والمُعاطاةِ مع الناس.

ولا ريبَ بأَنَّ سلسلةَ رحلاتِهِ حولَ الكُرَةِ الأَرضيَّة ستبقى منْ أَعظمِ ما ولَّدَهُ أَدبُ الرحلةِ في اللغاتِ جمعاء، كمَا ستبقى مَنْهلاً ثرًّا يستقي منْهُ العِطاشُ إلى الثقافةِ العامَّة، ولا سيَّمَا الجوانب الفنيَّة منْهَا، مثلمَا ينهلُ ويعلُّ منهُ التائقون إلى التعمُّقِ في فَهمِ شخصيَّةِ الدكتور داهش العجيبة.

 

                                                         د. غازي براكس

 

في 15 أَيَّار 1972

 التأَهُّب للسَّفر

نهضتُ اليومَ باكراً لأَنَّني سأُسافرُ إلى رومَا في الساعةِ التاسعةِ والنصفِ صباحاً. ويرافقُني بسَفْرَتي هذهِ العزيزُ إِيليّا حجَّار الداهشيّ.

وابتداءً من الساعةِ السابعة، أَخذَ الإِخوةُ والأَخواتُ يتوافدونَ لتَوْديعي. وقدْ عاوَنُوني بترتيبِ حقائبي الأَربع.

وفي تمامِ الساعةِ الثامنةِ والنصف، استقلَّيتُ السيَّارةَ، يتبعُني رَتْلٌ منْ سيَّاراتِ الإِخوةِ والأَخَوات.

وصلْنَا إلى المطارِ في الساعةِ التاسعةِ إلاَّ رُبعاً، وإذا بعددٍ كبيرٍ من الإِخوةِ والأَخوات قدْ سبقونَا إليه، وهُم ينتظرونَ وُصُولَنَا.

فترجَّلْتُ وحيَّيْتُهم فرداً فَرداً. ثمَّ أَنْجزْنَا معاملاتِ السفَرِ المعروفة. وبعدَ أَنْ أُخذتْ لنَا بضعُ صُوَرٍ سينمائيَّةٍ وفوتغرافيَّة، ودَّعتُ الإِخوةَ والأَخوات، وهبَطْنَا إلى صالونِ الإنتظار، ثمَّ خرجْنَا إلى باحةِ المطار، واستقلَّيْنَا الأُوتوبيسَ الذي أَوْصلَنَا إلى الطائرةِ الجاثمة بأرضِ المطار، وهي تخصُّ شركةَ "أَليطاليا".

وقدْ رافقَنَا في الأُوتوبيس كلٌّ من الإخوةِ: نقولا ضاهر، حسن بَلْطَجي، الدكتور فريد أَبو سليمان، والأُخت أُوديت كارَّا.

 

 في الطائرة

صعِدْتُ درجَاتِ الطائرةِ وعددتُهَا فكانتْ أَربعاً وعشرينَ درجةً. دخلتُ الطائرةَ وبرفقَتي الأَخ إِيليَّا، فإذا هي طائرةٌ ضخمةٌ تحتوي على ثلاثةٍ وعشرينَ صفّاً من المقاعدِ في كلِّ جهةٍ، وكلُّ صفٍّ فيهِ ثلاثُ كراسيّ، مجموعُهَا تسعةٌ وستُّونَ مقْعداً من الناحيةِ اليُمنى، والناحيةُ اليُسرى أَيضاً تسعةٌ وستُّون مقْعداً. فيكونُ مجموعُهَا مئةً وثمانيةً وثلاثينَ مقْعداً. هذه هي الدرجةُ السياحيَّةُ، وتليها الدرجةُ الأُولى- وهي تحتوي على ستَّةَ عشرَ مقعداً فخماً- وبعدَ بضعةِ أَمتار، يوجدُ مقعدان أَيضاً؛ فيكون مجموعُ المقاعد مئةً وستَّةً وخمسين مقعداً. حقّاً إِنَّهَا سفينةٌ طائرةٌ تستطيعُ أَنْ تضمَّ في جَوفِهَا 156 مسافراً، فضلاً عنْ طاقَمِ الملاَّحين والقبطانِ والمضيفات. ولْيَحْيَ العلمُ الذي اختَصَر لنَا المسافاتِ، وطواهَا طيًّا.

 

              المسافرون ثلاثةٌ وأَربعون شخصاً

عَدَدْنَا المسافرين فإذا هُم ثلاثةٌ وأَربعون شخصاً، أَيْ حوالي رُبْعِ ما تسْتَوْعبُهُ الطائرةُ. وهذه هي المرَّةُ الأُولى التي أُسافرُ فيهَا جوًّا، فيكون العددُ هكذا ضئيلاً. وأَظنُّ أَنَّ الخوفَ مِنْ خطْفِ الطائراتِ هو الذي جعلَ الكثيرينَ يَعْدلونَ عنْ السَّفرِ في الأَيَّامِ الأَخيرة، وخصوصاً أَنَّ حادثةَ خطفِ الطائرةِ من قِبَلِ الفدائيِّين التي حصَلَتْ منذُ أُسبوعٍ والتي ذهبوا بهَا إلى (تل أَبيب) إِسْرَائيل، هي التي أَدْخَلَتْ الخوفَ إلى قلوبِ الكثيرين، فجعَلَتْهُم يرتدعون عنْ السَّفرِ خوفاً منْ حدوثِ ما لا تُحْمَدُ عُقْباه.

 

      وحلَّقَتْ بنَا القلعةُ الجبَّارةُ

جلَسْنَا في مقاعدِنَا، وكانتْ الساعةُ التاسعةَ والربعَ صباحاً. وفي تمامِ التاسعةِ والنصف، اشْتَغَلَتْ محرِّكاتُ الطائرة، وسارَتْ بنَا الهُويْنَا لمدَّةِ خمسِ دقائق. ثمَّ علا ضوضاءُ المحرِّكاتِ الجبَّارة، وانْطلَقَتْ الطائرةُ بأَقصى مداهَا؛ وكانتْ الساعةُ آنذاك التاسعةَ و(35) دقيقة. ومكثَتْ بسَيْرِهَا على الأَرضِ تُسابقُ الريحَ لمدَّةِ نصفِ دقيقة، ثمَّ ارْتفعَتْ في الجوِّ، وهي تئزُّ أَزيزاً قويًّا وتشُقُّ الفضاءَ، مترنِّحةً ذاتَ اليمين وذاتَ اليسار. وما لبِثَتْ دقيقَتَيْن حتَّى دخَلَتْ البحرَ مخلِّفةً اليَابِسَةَ وراءَنَا.

 

    ماءٌ فغيومٌ ففضاء

نظَرْتُ منَ النافذةِ، فإذا بنَا نُحلِّقُ فوقَ الغيومِ البيضاءِ السَّابحةِ في أُوقيانوسَاتِ الفضاءِ اللامتناهي. إذاً تحْتَنَا الماء، وفوقَ الماءِ الغيوم، وفوقَ الغيومِ الفضاء، ونحنُ نمخرُ في متاهةِ الفضاءِ الذي أَوجدَهُ اللهُ منَ العدَمِ.

 

  نحنُ فوقَ نيقوسيا(1)

في تمامِ الساعةِ العاشرةِ أُذيعَ بالميكروفون أَنَّنَا نطيرُ الآنَ فوقَ نيقوسيَا؛ فنكونُ قدْ بلَغْنَاهَا في (25) دقيقة.

 

                                                        نُحلِّقُ الآنَ فوقَ رودس(2)

في تمامِ الساعةِ العاشرةِ والنصف، أُذيعَ أَنَّنَا نُحلِّقُ الآنَ فوقَ رودس؛ وأَكْمَلَ المذيعُ قائلاً:" أَمَّا سرعةُ الطائرةِ الآنَ فهي 250 كيلومتراً بالسَّاعة". فدُهشْتُ منْ هذهِ السرعةِ البطيئةِ، إذْ إنَّ الطائرةَ النفَّاثةَ تطيرُ بسرعةِ 1000 كيلومتر بالسَّاعة، وبأَبسطِ الحالاتِ تجري بسرعةِ 700أَو 750 كيلومتراً. فِلمَ الآنَ سرعتُهَا 250 كيلومتراً؟ هذا ما لستُ أَدريه.

 

                                                 فوقَ جزيرةِ كريت(3)

في تمامِ الساعةِ الحاديةَ عَشرةَ إلاَّ رُبعاً أُذيعَ على المسافرين أَنَّ الطائرةَ تُحلِّقُ الآنَ فوقَ جزيرة كريت.

 

                                                          جيوبٌ هوائيَّةٌ

في الساعةِ الحاديةَ عشرةَ ابتدأَتْ الطائرةُ تتأَرْجَحُ متأَثِّرةً بجيوبٍ هوائيَّةٍ ممَّا جعَلَهَا تقفزُ في الهواء. وقدْ طُلِبَ إلى الرُكَّابِ أَنْ يضَعوا الأَحزمةَ على وسَطِهِم ويُقْفِلونَهَا؛ ففعَلنَا ما طُلِبَ مِنَّا القيامُ به. وحتَّى الساعة 12 إلاَّ 10 دقائق كانتْ الطائرةُ ما تزالُ مُضْطَربةً.

 

                                                        تناولْنَا طعامَ الغداء

في الساعةِ الحاديةَ عشرَةَ والثلث، قُدِّمَ لنَا الطعامُ. وما استقرَّ بهِ المقامُ أَمامي حتَّى فتحتُ حقيبتي اليدويَّة، وأَخرجتُ منْهَا بصلةً ضخمةً- كان هادي حجَّار، شقيقُ رفيقي في هذهِ السَّفرةِ إِيليَّا حجَّار، قدْ أَحْضرَهَا من (تايوان) الصِّين- وكسَرتُهَا وتناوَلْتُ منْهَا، فإذا هي حلوةُ المذاق، لذيذةُ الطَّعم. وشاركَني بهَا إِيليَّا، فلمْ نُبْقِ منْهَا شيئاً لحلاوَتِهَا وطيبِ مَذاقِهَا.

 

                                               فوقَ مدينةِ مونتي كاسينو

في الساعةِ الثانيةَ عشرةَ ظُهراً أُذيعَ أَنَّنَا نُحلِّقُ الآنَ فوقَ مدينةِ مونتي كاسينو الإِيطاليَّة.

 

                                                وأخيراً وصَلْنَا إلى مطارِ روما

في تمامِ الساعةِ الثانيةَ عشرةَ والرُبع بعدَ الظُهرِ هبطَتْ بنَا الطائرةُ في مطارِ روما برفقٍ وتُؤدَة. وما استقرَّتْ على الأَرضِ حتَّى راحتْ تسيرُ بأَقصى قوَّتِهَا، ثمَّ جعلَتْ تُخفِّفُ سرعتَهَا شيئاً فشيئاً حتَّى توقَّفَتْ عنْ السَّيرِ أَمامَ مبنى المطار.

 

                                                  سُجِنَّا بالطائرةِ 45 دقيقة

أُذيعَ بالميكروفون أَنَّه يقومُ إِضرابٌ عامٌّ لعُمَّالِ المطارِ. وعليهِ، يجبُ على المسافرين أَنْ يهْتمُّوا بحقائبِهِم بأَنفُسِهِم. وبمَا أَنَّهُ لا يوجدُ عُمَّالٌ ليُحضروا السُلَّمَ ويضعُوهَا على الطائرةِ، جلَسْنَا في مقاعدِنَا ننتظرُ الفرجَ منَ الرحمان الرحيم.

وطالَ انتظارُنَا 45 دقيقةً كاملةً حتَّى قُيِّضَ لهُم أَخيراً مَنْ أَحضرَ السُلَّمَ، وأَلصقَهَا بالطائرة. فخرجْنَا ونحنُ نتنفَّسُ الصُّعداء.

 

                                                 كتاب "الغُصنُ الذهبيّ"

عندَ خروجي منَ الطائرة، كنتُ قدْ قرأْتُ مئةَ صحفةٍ وصفحَتين منْ كتاب "الغصن الذهبيّ"، وهو دراسةٌ في السِّحْر والدِّينِ منْ تأليفِ (سير جيمس فريزر) وترجمةُ الدكتور أَحمد أَبو زيد. حقّاً إنَّ هذا الكتابَ نفيسٌ، وترجمتَه كانتْ واجبةً كيْ يَطَّلعَ عليهِ كلّ مَنْ لا يُتْقِنُ اللغةَ التي كُتِبَ فيهَا.

 

                                                       إِيليَّا مُثقَلٌ بالحقائب

كانتْ حقائبي خمساً، منْهَا حقيبةُ الآلةِ السينمائيَّةِ التي أَصْحَبُها معي في أَسفاري لأُسجِّلَ بهَا مشاهدَ الرحلة. وإِيليَّا حجَّار أَخذَ معه حقيبتَه؛ فأَصبحَ الجميعُ ستَّ حقائب. وبما أَنَّه لا يوجدُ عمَّالٌ لنَدَعَهُم ينقلون أَمتِعَتَنا، اضْطُرَّ إِيليَّا لأَنْ يحملَ أَربعَ حقائب، ناءَ تحتَ ثِقَلِها، وأَنَا حمَلْتُ حقيبتَيْن. وسرْنَا بحقائبِنَا مسافةً طويلةً كنَّا نستريحُ بأَثنائِهَا. وكانَ جميعُ المسافرينَ في جميعِ الطائراتِ يحملونَ حقائبَهُم مثلَنَا. وأَخيراً وصلْنَا أَمامَ مبنى الأَمنِ العامِّ حيثُ وضَعْنَا الحقائب.

 

                                             تأشيرُ وصولنَا على جوازاتِنَا

وأَشِّرَ لنَا موظَّفُ الأَمنِ على جوازَيْنَا، وكانتْ الساعةُ إذْ ذاكَ الواحدةَ والنصفَ بعدَ الظُهر، وكُنَّا مُرْهَقَيْن حقًّا.

 

                                               إلى فُندقِ الهلتون HILTON

استقلَّيْنَا سيَّارةَ فُندقِ الهلتون؛ وكانتْ الساعةُ حينئذٍ الثانيةَ وخمساً وثلاثينَ دقيقة، بعدَ الظُهر. فبلغْنَا الفُندقَ في تمامِ الساعةِ الثالثةِ والثلثِ بتوقيتِ بيروت- أَمَّا ساعةُ روما فكانتْ، إذْ ذاكَ، الثانيةَ والثلث- أَي استَغْرَقَتْ المسافةُ منَ المطارِ للفُندقِ ساعةً إلاَّ ربعاً تماماً.

 

                                                     فندق الهلتون فخم

أَمَّا فُندقُ الهلتون في روما فهو خارجَ البلَد، وقدْ بُنيَ على تلَّةٍ مُرتَفعةٍ منْ تلالِ روما(4)، وهو يبعدُ عنْ المدينةِ ثُلثَ ساعةٍ بالسيَّارة. والفندقُ فخمٌ، فيهِ صالوناتٌ رائعةٌ وقاعةٌ فسيحةٌ فيهَا كلُّ ما يَحتاجُ إِليه المسافرُ منْ وسائلِ الراحة. كمَا في الفُندقِ حديقةٌ غنَّاءُ ذاتُ أَشجارٍ باسقةٍ يحلو للمرءِ الجلوسُ تحتَ أَفيائِهَا الظليلة. كمَا فيهِ متاجرٌ عديدةٌ يمكنُ للمسافرينَ أَنْ يَبْتاعوا ما شاءَتْ لهُم رغباتُهم وميولُهم.

وقدْ أُعطينَا غرفةً في الطابقِ الثالث رقمُهَا 328، وفيهَا سريران وتلفون، وهي غرفةٌ فخمةٌ ذاتُ شُرفةٍ تُطلُّ على الخارج. وعندَ وصولِنَا إلى الفُندق، كانتْ السماءُ تُمطرُ مدينةَ رومَا رذاذاً.

الرحلة الداهشية الأولى

الرحلاتُ الداهشيّة

 حولَ الكرَةِ الأرضيَّة

                                                  

أُمنيةٌ خيَاليّةٌ

سأحملُ القيثَارَ الجميلَ وأعزفُ عَليْه أنَاشيدَ حُبّي وغَرامي

وسأُردّدُ قصيدَةَ أشوَاقي فتنقلُ الأوتارُ قصَّةَ تَوْقي وهيَامي

وسيحملُ الهَواءُ أغاريدي ويُوصلُها لموطِنِ الكواكبِ فتُبلّغَهُم سَلاَمي

وسَيَسمعُ أنَّاتِها الحَزينةِ سُكّانُ المجرّاتِ فيعرفونَ أنْباءَ آلامي

لعلَّهم يستَدعُونَني إلى عَوَالِمِهم البَعيدةِ السَّعيدةِ بعدَمَا يتفهّمونَ أحزَاني وأسقَامي

تُرى, هل سيُوفدُون أحَدَهُم ليصحَبَني فأَجدهُ فجأةً أمَامي؟

 

                                                          الدكتور دَاهِشْ

من كتابِ المُهَنّدِ البَاتِر

 

ذكراكَ خالدةٌ

 

أيُّها الرَّاحلُ الحبيبُ(1) رسمُك الغَالي أَمَامِي

أذكُرُ نَبَالتكَ وعظيم وَفَائِك فإذا بقَلْبي دَامي

أتخيّلكَ دَوْماً ، وَلَنْ أَنسَاكَ طوَالَ أَيّامي

لقد كُنتَ نبيلاً مَعي وحافِظاً لذمَامي

وكنْتَ تُردِّدُ كلِمتَكَ قائِلاً لي: أنتَ إمامي"

سأذكرُكَ دَوماً حتّى تدنو ساعةُ حِمَامي!

 

                                                                                                                الدكْتور دَاهِش

                                                                                                          من كتابِ المُهَنّدِ البَاتِر

1-    هو الدّكتُور جُورج خَبْصا الدّاهِشيّ

 

                                

 كم أتوقُ للقيَاك

 

عَليكَ السَّلامُ أيُّها العَالَمُ الحَالِمُ الّذي أَتُوقُ لِلقيَاه!

عَليكَ السَّلاَمُ أيُّها الكوكبُ المُنير الذي لا أُريدُ سِوَاه!

عَليكَ السَّلامُ أيُّها النَّجمُ المتألّقُ الذي لا وَلَنْ أَسلاَهْ!

عَليكَ السَّلاَمُ أيُّها البَدرُ الذي تُردِّدُ الشِّفَاهُ ما أروَعَهُ وأَبهاهْ!

عَليكَ السَّلامُ أيُّها الفَريدُ بمَفاتِنكَ، يَا مَنْ لاَ أَنْسَاهْ!

عليكَ السَّلامُ أيُّها الرَاتعُ بسَلامٍ إلهيّ هُو مَا أتمنَّاهْ!

 

                                                                                                                الدكتور دَاهِش

                                                                                                من كتابِ المهنَّدِ البَاتِر

 

 

تَوطِئَة

                                                          بِقلم الدكتور فريد أبو سليمان

 

في الثاني منْ آب 1969 غادرَ الدكتورُ داهشُ لبنانَ، برفقةِ الدكتور جورج خبصا أَخيه الحبيب وطبيبِ الأمراضِ الجلديَّةِ الأشهر، للقيامِ برحلةٍ حولَ العالم.

وكانَ الدكتورُ داهشُ منذ 28 آب 1944- ذلكَ اليوم المشؤومِ الذي اعتُديَ فيه على حريّتهِ ظلماً وعدواناً- متوارياً عنْ العيان. وكانتْ الصحفُ اللبنانيّةُ تتخبَّطُ في ما تذكرهُ عنهُ منْ أخبار، وما ترويهِ من أمورٍ، وما تنشرُه من اختلاقاتٍ ما أنزلَ اللهُ بهَا مِن سلطان.

لقد حجزَ الطاغيةُ حريّتَهُ بطريقةِ التعسُّفِ الرهيبِ والظلمِ الهائلِ دون ذنْبٍ أو وِزْرٍ ارتكبَه. وبأَسفٍ عظيمٍ أَقولُ إنّه لم تَشجُبْ أيّةُ صحيفةٍ يوميّةٍ أو أسبوعيّةٍ أو شهريّةٍ هذا الظلمَ الهائلَ الذي أوقعَهُ به بشارة الخوري رئيسُ الجمهوريةِ يومذاك، ولمْ يُحرّكْ أيُّ صحفيٍّ قلمَه ليُناصرَ المظلومَ البريء.

وبالعكس، راحتْ هذه الصحفُ ترشقُ داهشاً بألسنةٍ حِداد لتنال إعجابَ الحاكمِ الطاغية، مع أنَّ الصحفيَ صاحبَ رسالةٍ مقدَّسةٍ واجبُهُ أن يُناصرَ العدالةَ ويُهاجمُ الباطل، وإنْ يكنْ هذا الباطلُ متربِّعاً بدسْتِ الأحكام.

ثلاثةَ عشرَ عاماً قضّاها وراءَ أربعةِ جدرانٍ لم يُشاهدْ خلالها سوى إخوانِه المُجاهدين المخلصين، هؤلاءِ الذينَ هاجموا الباغيةَ بكُتُبِهم السوداءَ التي زَلزَلتْ عرشهُ وهدَّمتْ كرسيَّه، وحطَّمتْ كبرياءَه، وردّمَتْ عُنفوانَه، وكشَفَتْ أسرارَه، وهتكَتْ مخبَّآته.

وإذْ ذاكَ أعلنَ الشعبُ ثورَته على هذا الباغيةِ طارداً إيّاه من الحكم. فقبعَ في منزلهِ بالكسليك، والأَلمُ يعتصرُ قلبه، والحزنُ يفري كبدَه، والشَّجنُ يُؤرِّق جفَنَه، وذكرياتُ السلطةِ تُبعدُ الكرى عنه. وهكذا انتصرَ الحقُّ وزُهِقَ الباطلُ، إنَّ الباطلَ كان زهوقاً.

وليته وُجِدَ صحفيٌّ أو نائبٌ أو وزيرٌ أو أديبٌ يشجبُ جريمةَ الإعتداءِ التي ارتكبَها الباغيةُ الطاغيةُ بشارة الخوري بنزعِهِ جنسيَّة رجلٍ بريء، مثلما وُجِدَ في فرنسا، إذْ هبَّ الكاتبُ الكبيرُ إميل زولا يُدافعُ عن دريفوس، مُتطَوِّعاً لمناصرةِ الحقِّ، مهاجماً حكومةَ بلادهِ وقضاءَها لينصرَ الحقيقةَ التي يجبُ أن تكونَ ظافرة. وقدْ اضطُرَّ بعدما نشرَ دفاعه "أنا أَتَّهمُ" لمغادرة فرنسا، فإذا هو شريدٌ طريدٌـ يجوبُ مُدُناً عديدةً بسببِ دفاعهِ عن رَجُلٍ ظلَمَتْه حكومةُ بلاده، متحمِّلاً شظفَ العيشِ في هذا السبيلِ النبيل. وأخيراً، انتصرَ الحقُّ وخرجَ دريفوس من سجنهِ ظافراً منصوراً، وأُعيدتْ كرامتُه إليه. وعادَ إميلْ زولا إلى بلادهِ محمولاً على الأعناقِ. فقد قدَّر الشعب الإفرنسي هذا البطلَ المغوار الذي لا يُشَقُّ له غبار وذلك بعدَ أنْ تأكّدَ للفرنسيين أنهُمْ وحكَّامهُم كانوا أجمعين مخطئين بظلّمهِم لدريفوس، بينَما كانَ إميل زولا هو الوحيدُ على صواب. وهكذا انتصرَ حقُّه على باطلهم. فأقامتْ فرنسا له عيداً تكريميًّا يُحتفَلُ به كلَّ عامٍ لأجلِ مناصرتهِ العدالة. أمّا في لبنانَ فلم يوجَدْ أيُّ شخصٍ دافعَ عنْ الدكتور داهش واستنكرَ الظلمَ الرهيبَ الذي أوقعَهُ بشارة الخوري به. وهذه وصمةُ عارٍ ستبقى خالدةً ما خلدَ الزمانُ، تُذكَرُ وتُعلَنُ وتُنشرُ كلّما ذُكِرَتْ قضيّةُ ظلمِ داهش.

وبعد فالقارئ سيجدُ في كتابِ الرحلة العالميِّةِ هذه لذَّةً فريدةً. فإنّه سيجوبُ مع الكاتب المدنَ والعواصمَ، ويخترقُ السهولَ والفيافيَ، ويرتقي الجبالَ، ويهبطُ إلى الأوديةِ، وسيزور المتاحفَ والمخازنَ، ويطوفُ في المعابدَ والملاهي، ويرودُ كلَّ مكانٍ وطئتهُ أقدامُ داهش وخبصا.

وسيُدهَشُ مِنَ الوصفِ الدقيقِ والتدوينِ الأمينِ اللذَيْن يلمسهُمَا في كلِّ ما خطّه الكاتب، وهما من المزايا التي تفوَّق بها الدكتور داهش على أكثرِ الرحَّالةِ العالميين، وخصوصاً رحَّالةَ العربِ الأقدمين.

لكنّ هذه الرحلةَ اللذيذةَ المُثيرةَ المُفرحةَ في مختلفِ تنقّلاتِها ومحطّاتِهَا، مُحزنةُ مُفجعةُ في نهايتها. ذلك بأنَّ الدكتور خبصا أُصيبَ بتسمُّمٍ في الدم بأثناءِ هذهِ السفرةِ، ممّا نغَّصَ عيشَه وأبعدَ النومَ عن عينيه، وبعثَ الألمَ العميقَ في نفسِ رفيقِ رحلتِهِ الدائم: الدكتور داهش. فإذا بهِ يرسلُ نفثاتِ صدرهِ الحزين، وأنّاتِهِ وتأوّهاتِه على الذي رافقَهُ من بيروت إلى طهرانَ، فالهند فبنوم بن، عاصمةُ كمبوديا، فبانكوك، فهونغ كونغ، فكيوتو، فطوكيو، فنارا، فأوزاكا، فنيكّو، فكماكيرا، فشيكاغو، فلندن، فباريس، فروما، فغيرِها وغيرِها من البُلدانِ، حتَّى عادَ أخيراً معه إلى بيروت بتاريخ 19 تشرين الأول 1969 وهو أقربُ إلى الهيكلِ العظميّ منه إلى الإنسانِ الحيّ. وفي 23 تشرين الأوّل أُدخِلَ الدكتور خبصا إلى مستشفى أوتل دييه، فمكث فيه 16 يوماً، ولم تنفع فيه حِيَلُ الأطبّاء، فماتَ في الساعةِ الخامسةِ والثلثِ من فجرِ 8 تشرين الثاني 1969 مأسوفاً عليه، مبكيّاً على أخلاقهِ العاليةِ وخلالهِ النبيلة. ولا شكَّ في أنَّ القارئ سيلقى في مطالعةِ هذهِ الرحلةِ العجيبةِ الطريفةِ المتعةِ والفائدة.

 

بيروت ، في 16/1/1979                                     الدكتور فريد أبو سليمان

 

                  

السَّبتْ في 2 آب 1969

في يَوْمِ سَفَري استَيْقَظْتُ مَريضاً

فورَ يقظتي صباحَ اليوم، بادرتُ إلى ترتيب حقيبَتيْ سفري، مع أنني استيقظتُ وأنا شاعرٌ بأنّني مريضٌ، إذْ كنتُ أُحسُّ بدُوارٍ شديد يتملّكني تملّكاً تامّاً. كنتُ أرى اللوحاتِ الزيتيّةِ تدورُ، والغرفةُ تنطوي جدرانُها على نفسِها، وكلُّ أثاثِها يعلو ويهبِطُ، فاستعذتُ بالله من شرِّ الشيطانِ الرجيم، وقلتُ في نفسي: تُرى، هل أستطيعُ السفَر وأنا بهذهِ الحالةِ الفظيعةِ! وسرعانَ ما انتابني الغَثَيان، فاستعنتُ عليه بكوبٍ من عصير الليمون.

وفي تمامِ الساعةِ السابعةِ والنصف، وصلَ الدكتورُ جورج خبصا رفيقُ رحلتي حولَ العالم. وعندما علمَ ما بي، قال لي: لنعدِلْ عن السَّفَر، لأنك بهذه الحالةِ لا يمكنكَ أن تتحمَّل مشاقّ الرحلة. فأجبتُه: سأسافرُ مهمَا كلَّفني الأمر، ولنْ أَعدلَ عن هذهِ الرحلةِ، خصوصاً أنَّ تذاكر البان أميركان PAN AMERCAN قد أُنْجِزَتْ، وهي بحوزتي، وقد بلغَتْ كلفةُ السفرِ بالطائراتِ ذهاباً وإياباً ثلاثة آلاف دولار، أيْ نحو عشرةَ آلافِ ليرةٍ لبنانيّةٍ. وأسرعَ بعضُ الإخوةِ فدلّكوا لي جسمي بالعطورِ، وتنشَّقتُ منها مراراً وتكراراً، متناولاً بعضَ المُنْعِشات، حتى شعرتُ بأنَّ حالتي قد تحسَّنت ولله الحمد!

وقد تقاطرَ الإخوةُ والأخَواتُ الذي عرفوا أنني سأسافرُ مساءَ اليوم، منْ أجلِ توديعي. وقدْ عَدَدْتُهم، فكانوا ستةً وأربعين شخصاً بينَ رجلٍ وامرأة. وسرعانَ ما أَزفَ الوقتُ، إذ أشارتْ الساعةُ إلى الخامسةِ والنصفِ مساءً، فنزلتُ للحالِ، يرافقُني رهطٌ من الإخوةِ والأخواتِ، قاصدينَ المطارَ.

 

في مَطَارِ بيروت

بَلَغْنا المطارَ في الساعةِ السادسة إلاَّ رُبْعاً مساءً. وقد استقلَّيتُ سيارةَ الأخِ الكريمِ فريد فرنسيس، ورافقني بها ليلى إبنةُ شقيقتي أنتوانِت، وإِلين ضاهر، والأخُ الحبيبُ الدكتور فريد أبو سليمان. أما الدكتور خبصا فقدْ استقلَّ سيّارة الأخ هادي حجَّار، ورافَقَتْهُ زينا حدّاد وشكري وجورج شكُّور. واستقلَّ سيارة إيليَّا حجّار الأستاذ الأديب أسعد علي وغازي براكس. وكذلك واكبْنَا الأخَ العزيزَ سليم قمبرجي وشقيقه عليّ. وفي سيّارةِ الأخ سِرْج رافقَتْنا السيّدة رباب المقدّم وابنتها سهيَّلا.... وغيرهم من الأخوة والأخوات الداهشيّين عددٌ كبير.

وعندما بَلَغَ رَتْلُ السيّارات محطَّة الطيران، ترجَّلنا جميعاً. وبعدَ أن قبَّلتُ كُلاَّ منهم قبلة الوداع، غادرتُهم مع أخي الدكتور خبصا، ونزلنَا إلى صالونِ الإنتظارِ قبلَ أنْ نستقلَّ الطائرة الجبَّارة الجاثمة على أرضِ المطارِ.

 

ودَوَّتِ المُحَركَات

ثمَّ شَقّتْ أجوازَ الفَضَاء

في تمامِ الساعةِ السابعةِ إلاّ رُبعاً منْ مساءِ 2-8-1969، دوَّتْ مُحرِّكاتُ الطائرةِ الجبّارةِ بوينغ 707، ثمَّ درَجَتْ على أرضِ المطارِ، وأقلعَتْ وهي ترعدُ بجبروتٍ وتهدرُ كالطاغوت.

وأخذت تعلو رويداً رويداً حتَّى بلغَ ارتفاعُها اثني عشرَ ألفَ متر. نظرتُ من عَلُ إلى أسفل، فماذا رأيتُ؟

شاهدتُ بساطاً ممتدّاً لا نهايةَ له: بساطاً نسجَتْهُ يَدُ الطبيعة من الغيوم المتّخِذة لها شتّى الأشكال والرسوم. تالله! ما أَروعَ ما أُشاهدُ، وما أروعَ ما أُشاهد، وما أَوقعَهُ في النفسِ! ثمَّ أليسَ عجيباً أن يبلغَ التقدّمُ العلميّ والميكانيكي هذهَ الدرجةَ منَ العظمةِ؟! وأيّةَ عظمةٍ تعلو عليها؟!

مئتا مسافرٍ ومسافرةٍ يجلسُ كلٌّ منْهُم على مقعدِهِ المُريح، وأمامَهُ فسحهٌ رحبةٌ يستطيعُ أن يضَعَ فيها حقيبةَ سفره. كما بإمكانِهِ أن يفتحَ أمامَهُ طاولةً صغيرةٌ يُخرجُها من ظهرِ مقعدِ زميلهِ الماثلِ أمَامَه- وكلُّ مُسافرٍ يستطيعُ عملَ هذا- فيضعُ عليهَا كتاباً ليطالعَهُ، وفي ساعاتِ الأكلِ، يتناولُ عليها طعامَه براحةٍ تامَّةٍ لا تشوبُها أيَّةُ مُنغِّصات مهما كانتْ طفيفة. والأغربُ من كلِّ هذا، ورغمَ ارتفاعِ الطائرةِ العظيمِ، فإنّ أيًّا منّا لم يشعرْ بأيّ ارتجاج، حتَّى الطعامَ وأكوابَ الماءِ لا تتحرّكُ على الإطلاق لشدّةِ الإتقانِ البادي للعيان.

حقّاً إنَّ الإنسانَ قدْ بَلَغَ الشأْوَ الأعلى في مضمارِ العلومِ والاختراعاتِ العظيمةِ التِي تعودُ جميعُها بالنفعِ العميمِ للجنسِ البشريّ.

 

الوُصُولُ إلى طَهْران

وفي تمامِ الساعةِ الحاديةَ عشرةَ إلاَّ رُبعاً ليلاً- أي بعدَ أربعِ ساعاتٍ طَيَرانٍ متواصلٍ- وصلنَا إلى طهران. فهبَطَتْ بنا الطائرةُ، ومكثتُ ساعةً وربعاً في هذهِ المدينةِ، وهكذا أُتيحَ لي أن أزورَ، في هذا الليل، المخزنِ الموجودِ ضمنَ المطارِ. وقد ابتعتُ منه أوانيَ من الميناءِ الجميلِ الزخارفَ وذي البراعةِ في نقوشهِ الفنِّيةِ التي تأخذُ بالألبابِ.

وعندما انتهتْ الطائرةُ بنَا إلى طهران، كانتْ الساعةُ الحاديةَ عشرةَ إلاَّ ربعاً، بينمَا كانتْ في بيروتَ التاسعةَ والرُبعِ ليلاً، لأنَّ الفرقَ هو ساعةٌ ونصفٌ بينَ بيروت وطهران.

ثمَّ أقلعتْ الطائرةُ بنَا في تمامِ الساعةِ الثانيةَ عشرةَ منتصفِ الليل، بتوقيتِ طهران، بينمَا كانتْ الساعةُ في بيروت، حينذاك، العاشرةَ والنصفِ ليلاً. وبعدَ طيرانٍ متواصلٍ ثلاثَ ساعاتٍ كاملةٍ، بلغْنَا مدينةَ نيودلهي في الهند، وكانتْ الساعةُ، آنذاك، فيها الخامسةَ صباحاً، بينمَا كانتْ في بيروتَ الواحدةَ والنصف.

وفورَ خروجي منَ الطائرة، شعرتُ بموجة حرٍّ شديدة تلفحُني، كما كانتْ الأمطارُ تتساقطُ رذاذاً. وقد أسرعتُ إلى صالونِ المطارِ أُنقِّلُ بَصَري في المسافرين سواءَ القادمين منهُم أم الذاهبين إلى أوطانِهِم أو إلى رحلاتِهِم في أرجاءِ كُرَتِنا الأرضيِّة. وبعد مُضيّ ساعة كاملة، عدتُ فاستقلَّيتُ الطائرة، فأقلعَتْ بنا في تمامِ السادسةِ صباحاً، بتوقيت نيودلهي، الثانية والنصف بعدَ منتصفِ الليلِ بتوقيتِ بيروت. واستمرَّتْ الطائرةُ الجبّارةُ في سَيْرها الهائل، قاطعةً في الساعةِ نحوَ 950 كيلو متراً، حتى وصلتُ أخيراً، وبعد طيرانِ أربعِ ساعاتٍ كاملةٍ، إلى مدينةِ بانكوك. وحالَ خروجي من الطائرةِ، نظرتُ إلى ساعةِ المطارِ في بانكوك فإذا بِهَا تُشيرُ إلى الحاديةَ عشرةَ والنصفِ صباحاً، لأنَّ الفرقَ بين المدينتين هو خمسُ ساعاتٍ كاملةٍ.

 

إلى الفُنْدُق

بعدَ وَعْثاءِ السّفَر

بعدَ الإجراءَاتِ القانونيِّة من قِبَلِ السُّلُطاتِ الرسميِّة في المطار، والتأشيرِ على جوازَيْ سَفَرنا، استقلَّينا سيّارة أوصَلَتْنا إلى فندقِ سيام أنتركونتنتال. وقدْ كنتُ منهوكَ القوى لسَهري المتواصلِ طوالَ ساعاتِ الطيران، أي إحدى عشرة ساعةٍ كاملة. وللحالِ استغرقتُ أنا والدكتور خبصا في نومٍ عميقٍ مدّةَ ساعتين كاملتين، ثمَّ استيقظنا وصَمَّمْنا على أن نقومَ بجولةٍ استطلاعيّةٍ في مدينةِ بانكوك التِي نزورُها للمرَّةِ الأولى.

 

 

مفاتن الشعر المنثور

الدكتور داهش

مفاتن الشعر المنثور

 

 

                               خيال شاعر

 

أيّتها الفتاة الطّروب ... صُولي وجُولي في هذا الكونِ الشّاسع

وارقصي واهزجي ... ثمّ ابعثي الآمال في القلوب الحزينة

إنّ لك من صباكِ وفتوّتك حُلّة رائعة متينة

عندما تعبثُ أناملك البضّة بالزّهرةِ تثمل ولا تفيق

والعصافير تُغرّد راقصة عندما تداعبين بتلك الأنامل ريشها الدّقيق

أمّا أنا ... فأشعر بالسّعادة تغمرني عندما أتخيّل حنان قلبك الواسع

                                                                             داهش

                                                               (من كتاب بروق ورعود)

 

                                        مقدّمة

                                                                             بقلم ياسر بدر الدين

 

"مفاتن الشعر المنثور " كسابقُهُ " قيثارة أورفيوس" ربيع حالم أطلّ على دنيا الشعر والأدب بعد غياب طويل أقحلت في خلاله المواسم ، وذبُلت أزاهير الحياة ، وغاضت الأفراح ، وتربّعت الأحزان فوق غمار البيادر . فدفقت الحياة من جديد في جسم الأدب الميت ، وعادت الحقيقة إلى عرش الكلمة الذي تنازعته الأكاذيب والأوهام .

هذا الربيع المحيي يفوح عبقه مع كل إطلالة للتراث الأدبيَّ الداهشيّ الذي يُعتبر بمثابة دعوة أدبيّة إصلاحيّة رديفة للدعوة الإصلاحيّة الداهشيّة في مجالات الحياة الأخرى .

فإزاء الضياع الذي أصاب الفكر العربي ، وحالة التشتّت والانفلات وفقدان الضوابط ، واختلال المقاييس والموازين ، واختلاف الأحكام ، وتنافر الأمزجة ، وانحطاط الدوافع والأهداف ، كان لا بدّ من عودة إلى الينابيع ، إلى الصفاء والنقاء والعذوبة ، إلى "الجميل من الكلام"، إلى الحبيب الغائب المهاجر ، إلى الشعر .

هذه العودة الطيّبة تمثّلت في أدب الدكتور داهش الذي أطلّ على صحرائنا كالصباح ، باعثاً اللغة من رقادها ، متفّحاً زهر الكلمات ، مداعباً ورود البيان ، محرّكاً أزاهير النّغم ، فلا غموض ولا تعقيد ، ولا إبهام أو تهويل ، ولكن عذوبة وبساطة وطفولة وصدق ، كما الينبوع البعيد في أقصى الجبل قبل أن تُلوّثه الأيدي ، وتعكّره الأتربة .

وهل هناك أعذب من قوله في كتاب "عشتروت وأدونيس":

" سألج معه غابة الورود الفاتنة باطمئنان ،

وسنجتاز بصرنا بحديقة البيلسان ،

وسيسحرنا منظر الغاب المتّشح بالأرجوان ".

إنّ العفويّة والعذوبة والبراءة أو الصدق وشاح شفيف يُلقي برقّته على جميع كتابات الدكتور داهش في مختلفِ الكتبِ والمواضيع ، لا سيّما في الكتابِ الذي بين أيدينا "مفاتن الشعر المنثور"، إذ إنّه يحتوي في معظمه ، على مقطوعاتٍ وجدانيّة في الغزلِ البريء المُحبّب :

" سأكتب اسمك الجميل على شاطئ البحر ،

لكي تأتي الأمواج متشابكة متلاحقة ،

لتقبّله بشغفٍ وولهٍ عظيمين !

وسأزخرف اسمك على قرونِ الوعول والظّباء ،

لكي تنطلق في غاباتها البكر ، والفرح يملأ أعطافها ،

فتزدهي وتشمخرّ كبرياء لجمال اسمك المنشود ".

ولا غرو في أنّ الدكتور داهش لا يتّخذ موضوعاً لغزله امرأة كسائر النساء ، وإن كانت أسماء بعضهنّ تتصدّر بعض القطع ... بل إنّ في خياله إمرأة لا تقع تحت حواسّنا ومداركنا . فالغزل في حدّ ذاته ليس غاية عند المؤلّف ، إذ إنّ شأنه شأن الكتابة عامّة بالنسبة إليه ، ومن الطبيعي أن يوظّف كلماته في خدمة هدف أسمى ، ألا وهو الرسالة الروحية التي يُبشّر بها ، والتي وقف حياته من أجلها . ففي آخر المقطوعة ، ومن خلال نشيده الحزين ، يؤكّد وجود العالم الآخر وخلوده وشقاء الأرض وعذابها :

" وفي ساعتي الأخيرة ، سأكتبه بيدي المُرتعشة ،

فوق فؤادي الهائم بك ،

فيرافقني إلى العالم الآخر ويُسعدني ،

مثلما أسعدني في عالم الأرض الشقيّة ،

آه ! لقد نلتُ الهُدى ".

هذه النظرة العميقة الثاقبة للحياة البشريّة تجلّت في غير مكان من الكتاب ، مؤكّدة مدى عمق تفكير المؤلّف وأحكامه الثابتة في أمور الحياة مما لا يترك مجالاً للشكّ أو يفتح باباً للمراوغة والمسايرة .

فالشعر عنده كما النثر ، يعرض من خلاله طبيعة الأرض والحياة البشريّة ورفضه لهما ، وليس ذلك من قبيل التحطيم والتيئيس ، والملل والهروب ، وإنما من أجل أن يتجاوز الإنسان ذاته ، ويقهر ميوله ونزعاته ، ويسمو إلى المكان الأعلى والعالم الأفضل .

وانطلاقاً من هذا الموقف المبدئي الجازم والنظرة الشاملة للحياة ، يخوض موضوعات الحياة التي شغلت عقول الأدباء والمُفكّرين مدى الأحقاب ، والتي وقف البعض منهم إزاءها عاجزاً حائراً .

فالحقّ والحقيقة ، والعدل والظلم ، والسعادة والشقاء ، والموت والحياة ، والجحيم والنعيم ، والحبّ والزواج ، والفضيلة والرذيلة ، والمال والمرأة والرجل ، والدين ، ورجال الدين ، والمُدجّلين والمُتصوّفين وغيرها من الموضوعات تهافتت عبر قلمه السيّال الذي لا يخشى الحدود والسدود ، بل تنفتح أمامه المغاليق وتتحطّم القيود .

وقد توخّى الدكتور داهش ، من حيث الشكلِ في هذا الكتاب ، أن يكتب بمختلف الأساليب ، وذلك حرصاً منه على شموليّة المواضيع وتعدّدها ، فكتب باللغة الشعبيّة اعتقاداً منه بأنّ الشعر ليس وقفاً على الكلمات الرصينة المُنمّقة ، وأنّ للعامّة نصيبهم من خبز الشعر والمعرفة .

والكتاب ، وإن أُطلقت عليه تسمية "مفاتن الشعر المنثور "، إلاّ أنّه يضمّ مجموعة غير قليلة من القصائد الموزونة ومن منطلقِ الإبقاء والمُحافظة على كلّ ما هو جميل ، فقد أولى المؤلّف الشعر اهتمامه الخاصّ ، ونظم بعضه ، في حدود ما تألفه نفسه وأُذنه من موسيقى ونَغم .

وعلى العموم فإنّ حالة شعريّة واحدة تسيّطر على الكتاب في نثره وشعره ، تربط أوصاله ، وتجمع بين أجزائه ، وتُضفي على عذوبته ورقّته عذوبة ورقّة . تنشر فيه الحبّ والدفء والخيال ، وتُقدّمه غذاءً وزاداً لمن أرهق ذماءهم الجوع والعطش إلى كلّ ما هو عذب وشائق وجميل .

                                                                             ياسر بدر الدين

 

                                     من سلسلة

                           حدائق الآلهة

                     توشّيها الورود الفردوسيّة

 

 

                                 رشأ الغياض

 

يا ظبية نافرة ،

ارحمي عاشقاً بك قد هام .

إنّ فؤادي يا سعادي

تأجّج فيه سعير الضرام .

واعلمي بأنّي أموت

فدى لعينيك الجميلتين ،

ففتنتهما أروع من عيون الحمام !

روحي فداك مبذولة

حتى ولو دهاني الحمام .

إنّي أتوق شوقاً إليك

وأذوب من الصبابة والهُيام .

أنوثتك المغرية أنشتني ،

وسقتني أكؤس الغرام .

وقلبي صباه جمال عجيب

به تدلّه وفيه استهام .

رقّتك الحبيبة أسرتني

وراشتني عيناك بالسّهام .

أتمنّى قربك دون البرايا

فليس لي ثقة بالأنام .

أتوق أن أُحلّق للأعالي

جائساً فيها عوالم الأحلام ،

فالأرض دِيست فيها العدالة

وتجنّدل بوهادها السلام .

                                                          القدس ، 16 كانون الأوّل 1928

 

 

                           تحت ظلّ السّنديانة

 

أيّهــا العصفور غــــنّ                                تُبعــد الأشجــان عنّي

غنّني لحنــــاً شجيّــــاً                                 وأعــده ... وادنُ منّي !...

أنت عصفور جميــل !                               لك صــدح سلسبيــــل !

غنّني آيـــــات (حُبّي)،                               في دُجى الليل الطويل !...

                               *      *      *

أيّهــا العصفور رتّـــل                                واشدُ آيـــات الفـــرح

إنّ قلبــــي أفعمتــــــه                                نائبـــــــات وتـــــرح ...

أيّها العصفور حلّــــق                                واشدُ حُرّاً في الفضاء

ليتنــي مثلــك أشـــدو                                 إنّ قلبي في عنــــــاء !...

                               *      *      *

غنّني شيئـــاً كثيـــراً                                  إنّ في صوتـــك سرّاً !

غنّني لحنـــاً مثيـــراً                                  يُطرب الأكوان طُـرّاً !

أيّهـــا العصفور ردّد                                  نغمــــات الخالديــــن ،

وأنا (المسكين) أبقى                                  في قبــور الراقديـــن !...

                                                         


بسكنتا – لبنان – 16 حزيران 1940

ناثر وشاعر الجزء الأول

الدكتور داهش

 

ناثر وشـاعر

 

الجزء الأوّل

 

                               شاعر الأسرار

 

سأحمل عنك القيثار يا حبيبتي لأعزف عليه ألحان أشجاني الدفينة

وسأوقّع على أوتاره الفضيّة آمالي وأحلامي السّعيدة

وسأردّد رغبات قلبي وأسراره الخفيّة البعيدة

وسيحمل الهواء هذه النغمات حيثُ الطبقات العُلويّة

وستُصغي الملائكة لهذه الأماني من كوى الأبديّة

وسيتأكّد لكِ عند ذاك ... كم هي نفسي بائسة حزينة !

 

                                                   داهش

                                           من كتاب بروق ورعود

 

 

ليت شعري ، ألم تسأم الطبيعة حتّى الآن ؟

أوَلم يُحق بها النصب بعد هذه القرون والأحقاب الطّوال ؟

أوَلم يحلّ النّصب بالشّمس وهي ما فتئت تُشرق وتغيب ؟

أوَلم يتعب البشر من تمثيل دورهم :

ولادة وحبّ وزواج وشيخوخة وموت الخ ؟!...

ألم تتعب الفصول من تكرار مجيئها منذ ابتداء العالم ؟

أوَليس في كتاب الدّهر غير هذا ؟

أما حان للنهاية أن تأتي ؟!

                                                 داهش

 

 

                                   مقدّمة

                                   بقلم حليم دمّوس

 

أخي القارئ !

هل مررت يوماً على حديقة غنّاء ، فاخترت باقةً من أعجب أزهارها ؟

وهل دخلت مع صحبك كرمةً خضراء ، فقطفت سلّة من أطيب أثمارها ؟

وهل تغلغلت في قلب غابة غبياء ، فالتقطت بلبلاً من أطرب أطيارها ؟

بل هل وقفت أمام بحيرة صافية الماء ، فنهلت قليلاً من أعذب أنهارها ؟

                                 *      *      *

هذا ما تمتّعت به منذُ سنوات خلت إذ فزتُ بأشهى أُمنيّة :

فلقد مررتُ مع إخوتي وأخواتي بحديقة الدكتور داهش الأدبيّة ،

ودخلت خاشعاً إلى كرمته الروحيّة الشهيّة ،

وأصغيت إلى نغمات الأطيار الشجيّة في غابته الغبياء الغنيّة ،

وترشّفت بكأس شفّافة بعض ما ينسكب من خمرة آياته الكوثريّة !

                                 *      *      *

أجل !

لقد تغذّيت مع إخوتي وشربتُ ،

وقرأت من أسفاره وطربتُ ،

وكشفتُ عن أسراره وعجبتُ !...

وها أنا أزفّ :

إلى عشّاق الأدب الجديد الناصع ،

وأمراء البيان العربيّ المُفيد الرائع ،

مجموعة "ناثر وشاعر"،

ليتغذّوا مثلي ويشربوا ،

ويتعزّوا كإخوتي ويطربوا ،

ويُراجعوا هذه القطع الأدبيّة ويُرجّعوا ،

وهم :

كلّما راجعوها استطابوها ،

وكلَّما رجّعوها استعذبوها ،

وعرفوا :

كيف تُقطف أطيب المجاني ،

وكيف تُرشف أعذب المعاني ،

وكيف تُعزف أطرب الأغاني !...

وأدركوا عندئذٍ :

كيف يُرصّع البيان ... بالجُمان !

وكيف تسيل الأقلام ... بالإلهام !

وكيف يقذفُ البحر ... درّاً

ويقطر اليراع ... فكراً

ويجري البيان ... سحراً !...

                                   *      *      *

وأُقسمُ – وما أقسمتُ إلاّ صادقاً –

أنّهم لو عرفوا ما عرفتُ ،

وفهموا سرّ ما وصفتُ ،

وأدركوا مساقط تلك الكلمات العلويّة ،

وحقيقة مهابط تلك المشاعر القلبيّة ،

لخشعت نفوسهم لديها ،

وحنّت قلوبهم أبداً إليها ،

وأطلّت أرواحهم عليها ،

وزفّت جوانحهم حواليها !...

                                   *      *      *

فما "ناثر وشاعر"

سوى خلاصة ما دوّنه الدكتور داهش في الخلوات .

وما "ناثر وشاعر"

سوى زبدة ما حمله في صدره الجيّاش منذ سنوات .

وما "ناثر وشاعر"

سوى عبرات في عبارات ،

وبسمات في نسمات .

وما "ناثر وشاعر"

سوى عُصارة ما استقطره قلمه المُلهم

من إنبيق إلهيّ غير منظور !..

وما "ناثر وشاعر"

سوى دموع تنسكبُ ، ودماء تسيل ،

وعواطف تذوب ، وعواصف تثور ،

وقلوب تنزو ، وصدور تتأجّج وتتوهّج !

                                     *      *      *

وما تلك الدموع المنسكبة ، والدماء السائلة ،

والعواطف الذائبة ، والعواصفُ الثائرة ،

والقلوب النازيّة ، والصدور المتأجّجة المتوهّجة ،

سوى سيّالات روحيّة سامية هامية ،

سكبتها يدُ العناية ،

لأنبل رسالة وأشرف غاية .

ولقد أنزلتها القدرة القهّارة

على يد شخصيّة جبّارة ،

وعبقريّة روحيّة مُختارة ،

مثّلت ، وتُمثّل ، وستُمثّل على مسرح هذا الوجود

أدهش رواية ، لها بداءة ، وليس لها نهاية !...

                               *      *      *

ولقد أحببتُ ، في كلّ ما نقلت ونظمت ،

أن أحافظ ، جُهد الطاقة ، على أصل الكلمات ،

وعلى نصّ العبارات الواردة في قطعِ الدكتور داهش .

وما ذلك إلاّ لأسهّل على القارئ اللبيب

أن يُراجع الأصل والفرع مراجعة المُدقّق الدقيق ،

الواثق بصدقِ الرواية ، وصحّة النقل ، وأمانة النظم ،

واتّجاه الروح إلى أسمى الدرجات الفكريّة ،

والنزوات القلبيّة ، والنزعات الروحيّة .

                                   *      *      *

ستقرأ الأجيال الآتية "ناثر وشاعر"

وما سبقها ولحقها من سلسلة المؤلّفات الذهبيّة

للصديق الحميم والروحانيّ الصّميم العظيم مؤسّس الداهشيّة .

وستُدرك الإنسانيّة رويداً رُويداً

لمحاتٍ من مراميها العاليات ،

ولمعات من مغازيها الغاليات ،

فتهتدي إلى أنوارها الزاهية ،

وتستكشف أسرارها العجيبة اللامتناهية ،

وذلك كلّما اقتربت من قُدس أقداسها ،

وقبست من أضواء نبراسها ،

وتمكّنت بنعمةِ الروح من إزاحة الستار

عن أسرار آلهة تجلّت لمُختار ، من إله واحد جبّار ،

وظهرت في (كلمته) الأزليّة الأبديّة ،

وهي المُخلّص (الفادي)، والمُعزّي (الهادي)،

بل هي الأرض والسماء ، والهناء والسناء ،

والحبّ والبهاء ، والألف والياء !

 

                                                         حليم دمّوس

                                                       بيروت ، 1949

 

                             مقتطفات

                             من كتاب

                       أسرار الآلهة

                       بجزئيه الأوّل والثّاني

 

 

                       1- إلى معبودتي

 

 

أي معبودتي الجميلة القريبة بالروح منّي

لقد أحببتك فيما مضى ، منذ اجتمعتُ بك

ولكنّني لا أزال أحبّك ، وسأبقى وفيّا لك

أي معبودتي الحبيبة ، أتسمعينني حيثُ أنت ؟

وحقّك سأقضي إن لم ترجعي كما كنتِ

عديني ، أي جميلتي ، عديني يا سلوة المُشتاق

لقد يئستُ من حياةٍ كلّها آلام لا تُطاق

وهل توجدُ آلام أشدّ من بُعدك عنّي ؟

                                                   القدس (فلسطين)، 14 أيّار 1927

 

أمعبودتي الحسناء في البُعد والقــرب                        وساكنـــةً في الــروح والقلب واللُبّ

أحبّك منذ البــــدء ... منذُ اجتماعنـــا                        وأبقى وفيّـــاً ثابت العهـــد في حبّي!

                                     *      *      *

أمعبودتي الحسنــاء هــــل تسمعينني                       فهـــــا أنا أتـــلو آيتـي حيثُمــــا أنت

وإنّــــي لأقضـــي لهفــــةً وصبابـــة                         إذا لـــم تعودي للحمى مثلمـــا كنتِ!

                                     *      *      *

عديني عديني ، يا منى النفس فالمُنى                         تُرفّه عنّـي لاعــج الحبّ والوجــــد

لقـــد يئست نفسي من العيش إذ رأت                        مواكب آلام أصارعهــــا وحــــدي !

                                     *      *      *

فيا سلوة المشتاق في واحــة الهــوى                        تعالــي إلى مغنـــاي واقتربي منّي

فلا شيءَ يُشجي القلب مثــل حبيبــة                         توارت عن الأنظار وابتعدت عنّي!

 

                                 بيروت (لبنان)، في منزل الدكتور داهش ، 15 أيّار 1942

 

                          

                       2 -  إلى من أهواها  

 

 

قبل أن أراها ، كنتُ كالذي في جنّة لا تحوي سوى أشواك كثيرة جافّة!

ولمّا شاءت لي الإرادة العُلويّة معرفتها في إحدى خلواتي ،

عنـــد ذاك ... تغيّرت مجريـــــات حياتـــي :

من كربٍ وبؤسٍ ، إلى سعادةٍ ونعيم ، منذ التقت العين بالعين !

ولكم كنتُ أهيم في بحرِ الخيال السحيق ، عند إطالتي النظر إلى عينيها الوسنانتين !

أجل ... لقد قضيتُ فترةً من الزمن ، وإن تكُن قصيرة

غير أنّها فترة شبابي المُلتهبة ولمحـــةُ عيني القريــرة

وأنــــا أسعـــــد بحبّهـــا السمـــاويّ دون البشر كافّـــة !..

                                       مصر (القاهرة)، 2 حزيران 1931

 

... ومن قبـل أن ألقــــاك كنتُ كسائـــر                     بحقــــلٍ كثير الشوكِ في الفلـــوات

ومُذ لُحت لي ، يا أختَ روحي ، تبدّلت                      ميولي ، وطابت ، يا مُناي ، حياتي

                                 *      *      *

رأيتُــــك ... فالدنيــــا بعيني تغيّـــرت                       وكــــــلّ شقـــــاء جنّــــة ونعيــــم

إليـــــك أوالــي نظـــرةً إثـــر نظـــرةٍ                        كأنّي في بحـــر الخيـــــال أهيــــم

                                 *      *      *

وأقضي لديهــا فتــرةً تبعـثُ الــــهوى                      وتُحيي فؤادي وهـو في نزواتــــه

ورُبّ لقــــاء مـــن حبيــــب عرفتـــه                       يزيـــد ضــرام القلب في وثباتـــه

                                 *      *      *

وها أنــا وحدي اليـوم أحيـــا بحبّهــــا                        وأسعد دون الخلــق في بسماتهـــا

وأرتـــع فــــي جنّاتهــــــا فتهزّنــــــا                       وتُنعش روحي في شـذا نسماتهــا !

                                                

بيروت ، أيّار 1942

ناثر وشاعر الجزء الثاني

الدكتور داهش

 

          ناثر وشاعر

           الجزء الثاني

 

                              أيّتها الحريّة

أنت قبسُ الله السّاطع ، ومشعل من مشاعلِ الفردوس

أنتِ أنشودة كلّ حيّ يُنشدك الجميع بلهفةٍ وشوق

أنت عصفور فتّان ، أطلقه الله من فراديسِ الجنان

فالمسيني أيّتها الحريّة بسيّالك العجيب فتُحييني

فكم من سجينٍ حزينٍ يدعوك بكلِّ ما فيه من أمل

وكم من رهينٍ في قيوده يتمنّى أن تهبيه عطفك

لأنّك رسولة السّماء وحبيبة الرّسل ، وعشيقة الملائكة والكاروبيم

فأنت هي ابنة الله .

فادن منّي أيّتها الحريّة .

                                                   داهش

                               من كتاب " من وحي السّجر والتجريد والنفي والتشريد"

 

 

إنّ للكرامة الشّمّاء وللحريّة الأبيّة ثمناً فادحاً من البذّْلِ

والتضّحيات . أمّا الاستسلام والخنوع ، والذلّ وخضوع

النفس لاسترضاء الطُّغاة البُغاة والرضوخ لظلمهم

الشنيع ... فهو نذالة فاضحة . ونكبة فادحة لا ولن تنال منّي منالاً .

 

                                                   داهش

 

                           أحلام

قصّري الهــمّ فالحيـــاة منـــامُ                        والأماني في أرضنا أحـــلام

وابدلي الأرض بالسّماء ففيهــا                       لا شقاء لا خدعة ، لا خصام

أنـا يــا فتنة الزّمــــان خيــــال                       في خيــــالِ تلفّني الأوهــــام

حطّمتني الأيّــام بعد اكتهالـــي                       فأنــــا رُمّة هنــــا وحُطــــام

فانظريني في الرّسم ظلاّ خفيّاً                        سوف تُبدي أسراره الأيّـــام

كغريب أو سائح في ربـــــوع                       كلّ آثارهـــا أسىً وانتقــــام

والحكيم الحكيم من زاد زُهـداً                        بحيـــــــاةٍ سرورهـــــا آلام

يشهـــد الله أنّنــــي باشتيــــاق                       لمكـــان سكّانه لا تُضـــــام

رافقيني إليــه يا أخت روحي                         فبدار الخلود يحلـو المقـــام

إنّ روحي تحنُّ دومـا إليـــــه                         فعليــــه تحيّـــــة وســــلام

 

                                                         حليم دمّو

                                 مقدّمة

                                                                   بقلم : ياسر بدر الدين

 

إنّها المرّة الأولى التي يظهر فيها مثل هذا الأثر الجميل .

كتاب "ناثر وشاعر" لؤلؤة فريدة في جيد الأدب العربيّ ، اشترك في تأليفه اثنان من عمالقة النّثر والشّعر : الدكتور داهش وحليم دمّوس . فيه من التفرّد والسّبق والابتكار ما يرفعه إلى مرتبة الأعمال الأدبيّة العالميّة الخالدة .

شاعر كبير يُحوّل إلى شعر مؤلّفات ناثر كبير ، ويختار من خمائلها – ويا لصعوبة الاختيار !- ثلاث باقات من الورود والرياحين العبقة الأخّادة الحالمة !

يُشكّل هذا الكتاب إضافة جُلّى إلى الإنتاج الأدبيّ العربيّ قديمه وحديثه ، فقد كثر الزّبد الذي يذهب جفاء في هذا الأدب ، وقلّ ما ينفع الناس ، ولا سيّما في عصرنا الحديث ، حيث انخرط الكُتّاب في جوقة المُصفّفين للسلطان ، وأصبح الكتاب قينة للمتعة والتسلية ؛ وهو ، في ميزان النقد المُنصف الرصين ، لا يعدو كونه أوراقاً ملوّثة بالحبر .

لم يبق بين الكُتّاب – ويا للأسف !- من ينصر حقّاً أو يُزهق باطلاً ، ولا بين الكتب ما يدوّن صدقاً أو يُظهر حقيقة . كلّهم يكتبون من أجل أنفسهم ، من أجل علوّهم الكسيح ، هدفهم الكسب المادّي ، ودافعهم الزّهو والأنا والغرور ، ممّا أدّى إلى إنتشار الدكاكين الأدبيّة الرخيصة ، وازدحام المتسوّلين والمتسكّعين على أرصفتها الذليلة .

الدكتور داهش وحليم دمّوس ، الأديب العملاق والشاعر الكبير تآلفا وتعاطفا ، فكان هذا المؤلّف المُمتع النفيس عملاً مُعجزاً يُضاف إلى سائر أعمال الدكتور داهش الجليلة المُعجزة .

وقد وصفه حليم دمّوس ، في مقدّمة الجزء الأوّل ، بأنّه "سيّالات روحيّة سامية هامية سكبتها يدُ العناية لأنبل رسالة وأشرف غاية . ولقد أنزلتها القدرة القهّارة على يد شخصيّة جبّارة ، وعبقريّة روحيّة مختارة ، مثّلت ، وتمثّل ، وستمثّل ، على مسرح هذا الوجود ، أدهش رواية ، لها بداءة وليس لها نهاية .

والسؤال الكبير المهمّ الذي يطرح نفسه بحدّة وغرابة ، هو كيف يُمكن شاعراً أن يقوم بمثل هذا العمل الشاقّ ؟!

كيف يضطلع شاعر بنظمِ آثار ناثر بأكملها ، لو لم يكن هذا الناثر ذا شأن عظيم ومميّز بالنسبة إليه ، يُشكّل نثره قناعات ومُقدّسات تُلهم روحه ، وتطلق بوحه ، وتُلهب عواطفه ومشاعره ، وتُزيّن عروس شعره !

ثم كيف يُمكن عروس الشعر هذه أن يهفو قلبُها ، ويعلو إيقاع نبضها ، إذا لم يُحرّكها الهوى ، ويُتلفها الجوى ؟!

وهل من السهل استمالة غواني الشّعر وحسان البلاغة والبيان ، وتطويع الحروف وسبكها عقود لآلئ وجُمان ؟!

إذا ، إنّ في الأمر لسرّاً ، والسرّ يكشف عن وجهه ، حين نعرف أنّ الشاعر الكبير أحبّ الناثر الكبير ، وعاش معه فترة غير قصيرة من الزمن ، اقتربت خلالها نفسه من نفسه ، وهفت روحه إلى روحه ، وتوحّدت بينهما الفكرة والخفقة والنظرة والحالة الشعوريّة والشعريّة ، فكأنّ الشاعر هو الناثر ، والناثر هو الشاعر .

يقول حليم دمّوس في هذا الصّدد :" أُقسم – وما أقسمت إلاّ صادقاً – أنّهم لو عرفوا ما عرفت ، وفهموا سرّ ما وصفت ، وأدركوا مساقط تلك الكلمات العلويّة ، وحقيقة مهابط تلك المشاعر القلبيّة ، لخشعت نفوسهم لديها ، وحنّت قلوبهم أبداً إليها ، وأطلّت أرواحهم عليها ، ورفّت جوانحهم حواليها ".

وهنا يكمن عنصر الإبداع الفنّي في هذا العمل الذي يتجاوز صعوبات جمّة تفرضها طبيعة النقل . فالمعروف بل المؤكّد أنّ متاعب كثيرة تُرافق النقل أو الترجمة في العمل الأدبيّ ، خاصّة في مجال الشعر ، تصل أحياناً إلى حدّ الاستحالة .

وقديماً قال أبو عثمان الجاحظ ، الرجل الذي وضع الحجر الأساس في عمارة النقد الأدبيّ العربيّ :" الشعر لا يُترجم ولا يجوز عليه النقل ". وهذا قول حقٌّ ،لأنّه من الصعوبة بمكان نقل الحالة الشعوريّة وتمثّلها ، فإنّ لكلّ أديب حالته النفسيّة ، ومزاجه ، وتركيبه المختلف عن الآخر . وهذه الحالة لا تتكرّر ، بل تتقلّب وتتغيّر . ثمّ إنّ هناك شحنات عاطفيّة وموجات شعوريّة في نفس الشاعر لا يمكن التقاطها أو احتواؤها ، لأنّ لها عالمها الخاصّ المنفصل الذي لا يخضع حتى للشاعر نفسه .

والشاعر حليم دمّوس تخطّى إلى حدّ كبير هذه العقبة ، بعدما عايش الرجل المُعجز ، وتعرّف إليه عن كثب ، ونظمَ له شعراً الكثير من كتبه النادرة . فقد كان هذا الشاعر المُجاهد ينظمُ كلّ كلمة يكتبها الدكتور داهش ، وكلّ كلمة يقولها ، كانت تتحوّل في نفسه إلى شعرٍ يتفجّر ينابيع صافية في مختلف المواضيع والمواقف ، فكانت هذه الطُرفة التي جمعت حلاوة النثر ، وطلاوته ، وعذوبة معانيه ، إلى قوّة النظم ، ومتانة السّبك ، ورقّة البوح ، وسلاسة التعبير .

كتاب " ناثر وشاعر " هو روعة اللقاء ، وفرحة الحضور في مهرجان الأفكار والمشاعر والظلال والألوان والأحزان ، حيث تسابقت الحروف لتنتظم في أسماطها عقوداً وكواكب ونجوماً داهشيّة مشعّة سوف يُذهبُ بريقها السماويّ هذا الظلام .

 

                                                                             ياسر بدر الدين

                                                                      20 حزيران 1983

 

    مقتطفات

    من كتاب

   الإلهات السّت

 

 إلى الحقيقة

                                       إهداء الكتاب

إلى الجدول الرقراق المُتدفّق بلطف دون أن نُعيره أقلّ اهتمام أو حساب .

إلى الخضمّ الجبّار الذي لا نجرأُ أن نخوضَ أعماقه في وضحِ النهار .

إلى المُهنّد البتّار الذي سيجزّ رؤوس كافّة الفُجّار والكُفّار .

إلى الضيف المطرود من جميع أمم الأرض وقبائل الغبراء .

إلى المُثخن بالجراح الدامية والمطعون بحرابِ وحوش البشر الغلظاء .

إلى الشعلة الإلهيّة المُلتهبة والمُستمدّة أنوارها من لدُن السماء .

إلى الصفاءِ والنقاء ، والطهرِ والبهاء .

إلى (الحقيقة ) المنبوذة التائهة في صحراءِ هذا العالم التاعس الفاسد أُهدي هذا الكتاب .

 

                                                                   القدس ، 25 كانون الأوّل 1935

 

إلى الجـدول الرّقـراق يسقي بلطفــه                          ويروي بني الغبراء دون حساب

إلى الزّاخـر الجبّـار إن لاح موجــه                          نخوض بأعمــاق لــــه وعبــــاب

إلى الصـارم البتّـــار يحتزُّ أرؤســاً                           ويُلوي على خــام لنـــا ورقـــاب

إلى النـازل المطرود من كــلّ أمّــة                          وإن كان ما يرويه فصل خطـاب

إلى المُثخن المُضنى بدامي جراحه                           وقــد طعنوا أضلاعـــه بحــراب

إلى الشّعلة العُظمى تلهّب نورهـــا                           كمثل بروق وانقضاض شهـــاب

إلى مصــدر الطّهــر النقيّ ومُلتقى                           صفاء قلوب في بهــــاء شبـــاب

إلى التائه المنبوذ في أرضه ، إلى                             (الحقيقة) أهدي في الحياة كتـاب

 

                                                                   بيروت ، تشرين الثاني 1942

 

                        

 ربّاتُ الأولمب

 

ودوّى صوتٌ رهيب طبّق الآفاق قائلاً من أحد المرتفعات :

في هذه اللحظة انقضّت خمس سنوات منذ ابتدأت تلك المأساة

العميقة بآلامها ، المُفعمة بأشجانها وبماضي الذكريات ".

وصمت الصوت ، وانتصف الليل ، وأخلدت ضوضاء النهار إلى سكينة شاملة خرساء .

وعانقت الأحلام أرواح النيام ، وحوّمت الأشباح ، وأنارت النجوم قبّة الفضاء .

ساعتذاك ، اجتمعت الإلاهات الستّ على قمّة (الأولمب) الراسخ برواسيه

وعزمن أن يوفدن إحداهنّ لتذهب إلى (الشابّ) الحزين وتؤاسيه ،

علّها تُنسيه بلحظاتٍ ما تعانيه نفسه المُحطّمة منذ خمس سنوات طويلات !

 

                                                          القدس ، 25 كانون الأوّل 1935

 

... ودوى صوت رهيب النّبرات                                       طبّــــق الآفــاق حتى النيّرات

قائلاً :" هـــا قـــد تولّت سنــوات                                       بمآسيها وماضي الذكريــــات "

                                  ***

أنصف الليــل وقد نــــام الأنـــام                                        وخبا الصّوت على تلك الأكام

وإذا الأشباح في جوف الظـــلام                                       عانقت أرواح هاتيك النيّـــــام

                                   ***

جاءت (الأولمب) ستّ الآلهـــات                                       زينــة الآكـــام والمرتفعــــات

فــــإذا (الأولمب) فيـه البركــات                                        وعلـــــى قمّتــــه مجتمعـــات !

                                   ***

قرّ أن يوفـدن إحـــدى الآلهـــات                                        لفتى ذاق عذابــــات الحيــــاة

عــــلّ أن تُنسيه في لحظــــات                                          ما تُعـــاني نفسه من نكبـــات !

 

                                              بيروت ، 10 تشرين الثاني

ناثر وشاعر الجزء الثالث

الدكتور داهش

 

   ناثر وشاعر

الجزء الثالث

                    

                               

 

 

                                    جبروت

 

أنا القويّ الجبّار والعنيف البتّار .

فمهما حاولت الأحداث أن تتغلّب عليّ ، أو تُخضعني لجبروتها .

فإنّها لن تعود إلاّ بصفقةِ الخاسر المغبون .

ولن تتمكّن من إماتة ما يجيش في نفسي من نزعاتٍ

تبغي الانطلاق من هذه القيود .

كلاّ ، أنا لن أتقاعس عن نيل أهدافي وبلوغ اتّجاهاتي

التي أطمح إليها .

وسأحقّق أمانيّ عاجلاً أم آجلاً .

وسأسحق ما يقف في طريقي من عقبات كأداء ،

وسأردّمها ترديماً .

وسأهزأ بالإنسان ، وبالطّبيعة ، وبالقدر ....

وسأبلغ آمالي ، وأحقّق أحلامي وأنف الحياة في الرّغام !

 

                                                          داهش

 

لقد هشّمت من اعتدى على حُرّيتي

ومزّقت شرفه وبعثرته ، ثمّ وطئته بقدميّ ،

وأخيراً عرضته بمخازيه أمام الرأي العامّ ،

فتمنّى لو بُترت يمينه ولم يعتد عليّ ...

ولكن سبق السّيف العذل ،

فاسمه البغيض قد سجّله التّاريخ بأحرفٍ من ناٍر مُبيدة .

                                                                   داهش

 

 

شاعر متمرّد

 

قرأوا وقالــــوا : شاعــــر مُتمـــرّد                          صدقوا فشعري غضبـة تتجـدّد

من لــــم تهزّ العبقريّــــة شعـــــره                          هيهات تيهم في الخيـال ويُنجد

وإذا تمـــــــرّد شاعــــر فيراعـــــه                          يوم الجهاد على الرّقــاب مُهنّد

حطّمــــت أقـــلام السّـــلام لأنّنــــي                          جرّدت سيفاً بالجوانــح يُغمـــدُ

يــا أخت روحي لـــم أكــــن متمرّداً                          لولا مظالم في الحمى لا تُحمـد

أأكـــــون ظمآنـــاً ووحيك جدولـــي                         وهواك في قلبي يقوم ويقعــــد

أقسمت لن أُلقي اليراعة من يــــدي                          حتّى يُطلّ على الجموع الفرقد

أيُهـــــــان نابغـــة ويُسجن شاعـــر                          وأخو الجهالة في البلاد يُمجّـد

ضاقت بوجهي الأرض وهي رحيبة                          لمّــا رأيت المصلحين تشرّدوا

أمسيت في سجن الرّمــــال مُقيّـــداً                          لكـــنّ فِكــر الحرّ ليس يُقيّــــد

قولي لمن طرحـوا البريء مُكبّـــلاً                           يوم الجُناة كليل سجني أسـود

إن يسألوا يا أخت روحي من أنـــا                            قولي لهم : هو شاعـر متمرّد

 

                                                                   حليم دمّوس

 

 

مقدّمة

                                                                   بقلم ماجد مهدي

 

هذا الكتاب ضُمّة من الأزاهير الحالمة التي تزدان بها حديقة الأدب الداهشيّ . أزاهير فردوسيّة ضربت جذورها في تُربة ممراع ، وشمخت أفنانها تُعانق نسائم الحياة ، وتفتّحت أكمامها عن رنوة جريئة إلى وجه الشمس . فجاءت الكمال في الجمال ، والإبداع في تعدّد الأشكال والألوان ، والسّحر في الأفاويه التي تحكي عبق الجِنان .

ضُمّة اختارتها يد الدكتور داهش لتعهد بها إلى "بلبل المنابر"(1) الذي غدا في تلك الفترة مُستهاماً بتلك الحديقة الأدبيّة ، يتنقّل صادحاً على أفنانها ، ويغتذي بشهيّ ثمارها ، ويرشف من خمر كوثرها . فيستسلم ذلك الشاعر الغرّيد عروس شعره ، ويحوكُ لها من قوافيه وأوزانه بُردة جديدة ، فتغدو تلك الصفحات – الأزاهير مزدهية بحلّتين بهيّتين : حلّة النثر ، وحُلّة الشّعر .

  •      *       *

إنّ أوّل ما يلفت في هذه الصفحات من الأدب الداهشيّ تلك الظاهرة التي تفرّد بها الدكتور داهش دون سواه من الأدباء ، والمتمثّلة في اهتمامه بنقل كامل تراثه الفكريّ إلى صيغة الشّعر . فهو يؤثّر الترافق بين النثر والشّعر ، رغم أنّ الكثير من كتاباته حفلت بالشّعر الموزون ، وبالكثير من الشّعر المنثور ، الموسيقيّ الجرس والإيقاع ، والذي لا مرية في أنّه من الشّعر الذي طلّق الوزن والقافية ، وتحرّر من قيودها .

هذا النهج الفريد لم يكن وليد السنوات المتأخّرة من حياة الدكتور داهش الأدبيّة ، بل جاء مواكباً ولادة ذلك الأدب ، بدءاً بباكورة كتبه المطبوعة "ضجعة الموت" الذي نظمه الشاعر الفلسطيني مُطلق عبد الخالق ، والذي صدرت نسختاه النثريّة والشعريّة متزامنتين . كما يستمرّ هذا النهج واضحاً في العشرات من مآثره الأدبيّة التي نظمها شعراء فيما بعد ؛ فينظم الشاعر صلاح الأسير كتاب (عشتروت وأدونيس)، والعلاّمة الشيخ عبد الله العلايلي كتاب (الجحيم)، وينظم حليم دمّوس العديد من تلك الكتب المتنوّعة المواضيع .

بعيد هذه النظرة الأولى ، تطلّ علينا مقتطفات من عشرة كتب مختلفة للدكتور داهش ، فنقرأ بعضاً من "مذكّرات يسوع الناصريّ" التي كشف فيها بإلهام روحيّ حقبة من حياة الناصريّ المجهولة ، " ونشيد الأنشاد" الذي يُعيد فيه إلى الأسماع صدى النشيد الخالد الذي أطلقه النبيّ سليمان الحكيم . كما نقرأ "ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا" وأسطورة" عشتروت وأدونيس". وتطالعنا أيضاً قطعُهُ الوجدانيّة في كتاب "نبال ونصال" وكتاب "أوهام سرابيّة وتخيّلات ترابيّة"، ونخشع معه ونشاركه الضراعة في "ابتهالات خشوعيّة". كما نطلّ من خلال روايته الشهيرة "مذكّرات دينار" على واقع الحياة المأساويّ الذي تتخبّط فيه الشعوب والأمم . ونشعر بالأحزان الفيّاضة والآلام المُمضّة والثورة الجارفة تفيض من كتاب "من وحي السجن والتجريد والنفي والتشريد" الذي تضمّن وقائع المظلمة التي أنزلها به زبانيّة الظلام والشرّ . وبعد كلّ ذلك ننحني لوعة ونحن نستمع لمرثياته الخالدة في " روح تنوح" والتي فاض بها قلمه الموجع المفجوع بزهرة الداهشيّة (ماجدا حدّاد) التي استُشهدت في سبيل مبدإها ودفاعاً عن البريء المظلوم داهش .

                                     *      *      *

أما ما يُشدُّ للوهلة الأولى في شعر حليم دمّوس ، ومن خلال تأريخه لتلك القصائد ، فهو سرعته وعفويّته في النظم التي تحكي سرعة الطائر في تنقّله على الأفنان وعفويّته في صداحه وإنشاده . والذين عرفوا الحليم يشهدون بأنّ سرعته في النظم تماثل سرعته في كتابه النثر ، وأنّ له في نظمه سلاسة الجدول الرقراق المُنساب بسلامٍ واطمئنان على بساطِ الطبيعة النشوى.

كما يتأكّد ذلك من غزارة مؤلّفاته التي تركها في الفترة القصيرة من حياته التي أعقبت اعتناقه للداهشيّة . ولربّما أخذ عليه عدم إعادة النظر في شعره وعدم اختياره لما هو أصلح ، بيد أنّ الأولويّة في رأي حليم كانت للصدق في التعبير دون الإغراق في أساليب البديع والبيان .

والملفت أيضاً هو دقّته في النقل ومحافظته على الأصل النثريّ روحاً وشكلاً . ومردّ ذلك إلى قوّة إبداع وخلق تميّز بها الشاعر ، وإلى الرابط الفكريّ والروحيّ الذي يربطه بالناثر .

فالتقاء حليم دمّوس بالدكتور داهش ، وتعرّفه إليه ، واعتناقه لعقيدته الروحيّة ، وإعجابه المُطلق بأدبه وفكره كان نقطة تحوّل في حياة حليم الشعريّة فصلت بين ماضٍ شعريّ هزيل رهين المناسبات ، ومستقبل منفتح على الآفاق الداهشيّة الغنيّة بالمعاني الروحيّة والقيم السامية . حتى الشاعر نفسه يعترف بهذا الانقلاب العظيم في حياته وشعره ، فيأسف على الماضي الذي انطوى، ويُخاطب قلمه في اعتذار التائه الذي اهتدى :

 

إنّــــي لمعتــــذرٌ والله مـــــن قلــــم                 يجري على الطّرس مثل العارض الهتن

فكــــم مدحت به قومـــاً بــلا خلـــق                فكنت أنثر أزهــــاري علــــى الدّمـــــن

شربت من كأسهم صاب العذاب ولم                أجــــد صديقاً لــــدى البأســـــاء يعرفني

فيـــا يراعي بحــــقّ الحبّ معـــذرة                فقـــد ندمت على ما فـــــات من زمــــن

إنّي اهتديت لـــروح الناس قاطبـــة                 وكلّ أرض غدت بين الـــورى وطنـــي

 

فإذا كان أدب الدكتور داهش بالنسبة للشاعر يشكّل فعل إيمان ، فلا عجب أن يأتي ذلك الشّعر وكأنّه تعبير عمّا يجول في خاطر الشاعر دون الوقوع في متاهاتِ النقل . فالقارئ لقصائده التي تضمّنتها " مقتطفات من وحي السجن والتجريد والنفي والتشريد" سيرى بجلاء أنّ الأحزان والآلام التي عبّر عنها المؤلّف متدفّقة في الشعر كما في النثر . ومردّ ذلك إلى أنّ اضطهاد المؤلّف وسجنه ونفيه وتشرّده كانت جميعها سبباً في آلام الشاعر وأحزانه في تلك الحقبة المريرة .

وكذلك الحال في "روح تنوح" إذ إنّ الشعور بالمرارة يفيض من القصائد بقدر ما يفيض من القطع النثريّة .

هذه الوحدة الشعوريّة بين الناثر والشاعر هي عامل أساس في إبداع حليم الشعريّ .... فإذا رقّ الناثر في غزليّاته ترى قيثارة الحليم قد شفّت ، وإذا ثار ثارت ، وإذا ابتهل خشعت وتضرّعت ....

                                       *      *      *

ختاماً ، فإنّ (ناثر وشاعر) بأجزائه الثلاثة قد أضاف أفقاً جديداً لعالم الأدب يستمدُّ ألوانه من امتزاج رائع بين فنّي النثر والشّعر ، كما إنّه يتيح المجال للإطّلاع السريع على أدب الدكتور داهش الذي تصعب الإحاطة السريعة بمجمله لما اتّصف به من غزارة وغنىً وشمول .

 

                                                               ماجد مهدي

                                                        بيروت ، 20 تمّوز 1983

 

 

مقتطفات

 من كتاب

  مذكّرات يسوع النّاصريّ

 

 

                                استسلام

 

هذه هي إرادة أبي السماويّ ، وإلاّ ما كنت لأحيا الآن في عالمِ الرياء .

لقد تعبت نفسي من كلّ شيء ، وعافت روحي هؤلاء البشر الأدنياء .

إنّ التعاليم السماويّة لا تُجدي فيهم نفعاً ، ولا المواعظ التي تُلقى عليهم بوحي من السماء .

الفقراء والبؤساء والمُصابون هم وحدهم يُصغون لي ؛ أمّا الأغنياء فإنّهم يعبدون المال وحده.

فالويل لهم عندما تدقّ ساعة حسابهم الرهيبة !

ها قد قطعت اثنتي عشرة مرحلة من مراحل حياتي وأنا لا أصطدم إلاّ بكلِّ نقيصةٍ وكلِّ رذيلة!

ليس من صالحٍ واحد ! نعم ، ليس من يعمل صلاحاً سوى الله جلّ اسمه .

أمّا أنا فقد قطعت على نفسي عهداً بأن أسيرَ على طريقِ الحقّ والحقيقة !

 

                                                                             بيروت ، 1943

 

هـذي إرادة أبي بـاري الـــورى                      بأن أعيش زمناً فـــوق الثّرى

قـــــد تعبت نفسي مـن الأيّــــام                     وعافت الـــروح بني الآثـــام

كـــــم من تعاليـم مـن السمــــاء                     لم تُجدِ نفعاً ساكني الغبــــراء !

فالأغنيـــاء يعبــــدون المــــــالا                     والفقــــراء يشتكون الحــــالا !

يا ويلهــم من ساعــة الحســـاب                     في موقف العقاب والثــــواب !

 

قطعت من مراحلي الثاني عشر                     ولستُ ألقى صالحاً بين البشر

لا لا ، فليس بينهم من صالـــح                      ولا ترى عيناي غير الطالـح

عاهـــدت نفسي نصرة الحقيقة                       بعـــون ربّي خالـــق الخليقة

 

                                                                  بيروت ، آب 1943

 

                    

454- قافلة الحياة تجري

 

ها أنا في مدينة (القدس) أتجوّل في أسواقها وأتخلّل دروبها الضيّقة .

وليس من يسير معي ؛ إذ إنّني وحيد فريد في ميولي واتّجاهاتي .

لقد كلّت قدماي من كثرةِ السّير ، وأشعر بالجوعِ يقرص أمعائي والسّغب (2)يُحرق أحشائي.

وإذا بعين نقّادة تلمحني هي عين شيخٍ هرم ينظر إليّ أمام أحد أبواب الهيكل بعطفٍ وحنان .

لا شكّ بأنّك غريب ، يا بُنيّ ، وأراك جائعاً ، فهل لك أن تُشاركني في الطعام ؟

فأخرج من كيسه قبضة من الزيتون الأخضر ، وقطعةً من الجبن وبصلة شهيّة ....

كان هذا الشيخ (يونا) والد بطرس الذي سيكون صخرة راسخة لدينٍ صحيح .

فرفعت صلاة شُكرٍ حارّة لله أبي وأبي البرايا !....

 

                                                                   بيروت ، 1943

 

ها أنا في القــــدس أسير وحـــــدي                           في ضيّق الأســواق بين الحشد

أنا وحيــــد في ميــــول فكـــــــري                           وفي اتّجاهاتــي بهــــذا العصر

وقدمــــــاي كلّتــــا مـــن التعـــــب                          ولهب الجـــوع وشـــدّة السّغب

لكـــــــنّ عينـــا لمحتنـــي حائــــراً                          وضائعـــاً وجائعـــاً وخائـــــراً

عين لشيخ قـــال لي :" يـــا ولـــدي                           أنت غريب ههنــــا في البلــــد

هيّــا لنأكــل ، صـــاح ، فالطّعــــام                           جبن وزيتــون ، همــــا الإدام "

قد كان (يونا) الشيخ ذاك المصطفى                          ووالد الرسول بطرس الصّفــا

شكرت مـــــولاي أبــــــا البرايــــا                           ومُنقــــذي في ساعة البلايــــا

                                                         

بيروت ، آب 1943

ashtarout

عشتروت وأدونيس

 

1943

 

إستهوتني بعض عبارات مصقولة صاغها الكاتب المبدع(دريني خشبة)عندما ترجم الأساطير اليونانية والإغريقية الرائعة الخيال.والتي نشرها بعد ترجمتها في مجلة(الرسالة)الغراء.

فأغرتني تلك التشبيهات العذبة والألفاظ المُنسجمة لأن أستعير بعضها.وقد حكمت وضعها عندما وصفت بها(عشتروت) الصنَّاع ربَّة الجمال، وإلاهة الكمال. وباعثة الحبّ والجلال ومُذكية الخيال.

فجاءت على الصورة المنودة لتي كنت أتمناها.

                                                                                       المؤلف

 

 

 

تمهيد

 

وهذه تحفة جديدة فريدة سيتناقلها الأبناء والأحفاد

بعد ضجعة الموت والكلمات.والإلهات الست ونشيد الانشاد

نعم،هي أسطورة عشتروت إبنة الإله وأدونيس أجمل شاب في أرض لبنان!

وليت شعري!..كم من كاتب المعي أنشأ هذه القصة الطريفة نثراً

وكم من شاعر عبقريّ استمدَّ منها وحياً وصاغها شعراً

وكم من أقلام سطَّرت من إلهامها الخصب أروع الأناشيد

وكم من أعلامٍ عزفت قيثاراتهم من حوادثها أبدع الأغاريد

بل.كم من أديب شرقي أو غربي عصفت برأسه الرؤى الشاسعة

وهام بخياله الجواب في أودية الأحلام الواسعة

ورتعت روحه الظمأى تحت ظلال أشجارها

لتستمع بشدو أطيارها وهدير زلال أنهارها وبعد. فلا يبان شكسبير إكتشفها

ولا خيال بيرون عرفها

ولا يراع شيللي وصفها

ولا سواهم من الغابرين زحزحوا بدائع أستارها

ولا غيرهم من المُعاصرين كشفوا روائع أسرارها

إنها طلسم في خاتم الزمان

وآية من آيات الوحي والبيان

وأخيراً.أطلع صديقي الحميم الدكتور داهش بك على جميع ما نظم الشعراء وما دبجه الكتَّاب من فرنجة و عرب حول هذه الأسطورة الخصبة.

ثم قرأها منذ أعوام في مجلة الرسالة المصرية للأستاذ دريني خشبة وسواه من الأدباء.

فأذا كلّ ما طالعه كان مختصراً وغير ما يصبو إليه ويرجوه. ولما كانت حوادث هذه الأسطورة قد وقعت تحت سماء لبنان الجميلة مثلما تقول(الميتيلوجيا)

ولبنان حبيب الدكتور داهش ووطنه الفتَّان-فقد أحبّ هذا الصيف أن يزور بنفسه مغارة أفقا والغابة المُقدسة المجاورة لمزرعة المنيطرة.وهناك على نغمات المياه، وهدير الشلالات. وأشعة الشمس.وحفيف الشّربين.ونفحات الرياحين. وضجعة الجنادل. ويقظة البلابل. ورهبة الجبال العالية.وصمت الأطلال البالية... كتب الدكتور داهش مقدمته (في موطن عشتروت وأدونيس) مستمدّاً الهامه العالي من مناظر تلك الربوع الفتَّانة الساحرة. ولم يكتفِ بالزيارة الأولى التي سحرته بذكرياتها وفتنته بآياتها. بل زارها ثانية.

حيث شرب من ذلك الماء النمير الذي سبق لأدونيس وسقى براحته الرخصة حبيبته عشتروت وقال لها بلسان الشاعر:

 

يا أطيب الناس ريقــاً غير مختبر

                                      لولا شهادة أطراف المساويك

قد زرتنا مرة في (القصر) واحدة

                                      ثنّي ولا تجعليها بيضة الديـك

 

وهكذا زار الدكتور داهش أرض إبنة الإله عشتروت وإبن لبنان الفتان أدونيس!

وهناك إستلهم النهر والصخر والجسر والقصر والطير والزهر...وفاضت قريحته الجوادة بقطعةٍ نثرية ستخلّدها الأجيال والآجال. ولقد رافقته في المرتين. وشاركته في الزيارتين... مع بعض الأخوة المؤمنين بعبقريته الإلهاميَّة وظاهراته الروحانية. وقد بهرتني تلك المناظر الطبيعية الخلابة فجاد قلمي القاصر بأبيات هي عفو الخاطر بعد رؤية تلك المناظر. وما هي من ينبوع الكون الساحر إلا قطرة من ذلك البحر الزاخر. أما الأبيات فهي:

 

أنا الآن في أفقــــا على ضفــة النهـــر

                                      أراقب مجرى المـاء من جانب الجسر

وتنظـــر عينـــــي مـــن بعيـــد مغــارة

                                      لها فوهة البركـان في شاهـق الصّخر

وتسكب شمس الأفــــق فوق مياههــــا

                                      أشعة ألــوان يُحــــارُ بهـــــا فكــــري

هنالــــــــك شـــلالات مـــــــاء تدفَّقـــت

                                      وغابــات شربين بأثوابهــــا الخضــر

أراهـــــا صفوفـــــاً كالجنــــود تنظَّمـت

                                      لتحرس ذاك النهر من حـــادث الدهـر

هنا عشتروت الحسن والسّحر والهوى

                                      سباهـــا أدونيس الجميــل فتى السّحر

هنا تحت ذاك الصّخر كم جلسا معــــاً

                                      أمام رياض الزّهر في شرفـة القصــر

فمــــات شهيد الحب في قلبِ غابـــةٍ

                                      وماتت بنصلِ الحزن غلغل في الصدر

هنيئاً لمعشوقين ذاقـا مــــع الصبى

                                      كؤوساً من اللــــذات خالــــدة الذّكـــر

 

 

بيروت في 7 أيلول 1943                          حليم دموس

 

 

 

في موطن عشتروت وأدونيس!

 

أنا الآن في موطن (عشتروت وأدونيس) أمتِّع الطرف في هذا المحيط من الجمال الحالم وأجوس في هذه الربوع التاريخية الفائقة في فتنتها وروعتها.

وأنا مأخوذ بكثرة المشاهد الساحرة التي تمرّ أمامي.

فمن شلالاتٍ عذبة المياه تتدفق بسخاء وهي تضجّ بموسيقاها الأزلية.

إلى غابات كثيفة من أشجار الشربين الدائم الإخضرار.وقد قام شاهداً منذ مئات من الاعوام البائدة في هذه البقعة الحالمة. كي يذكّرنا بمغامرات (عشتروت )مع حبيبها الجميل (أدونيس) !

فمن هذا النبع الفوّار بزبدة الثّلجيّ هرع (أدونيس) وملأ كفيه الرخصتين بمائه العذب كي يروي غليل معشوقته إبنة الآلهة.

نعم إبنة الإلهة (عشتروت) التي غادرت مقرَّها الإلهيّ السعيد كي تنعم بقرب فتاها الفتان. وتتذوّق جمال مُحياه الرّيان.وتحت تلك الصّخرة الجبَّارة الرّصاصيّة اللون جلس الحبيبان الفتيان.يتناجيان. ويتطارحان أحاديث الحب والهوى. والحنان والجرى. وتحت أغصان هذه الجوزة الغضّة رقد المُد لَّهان وقد احتضن بعضهما البعض بعطف عجيب. وحنوّ غريب.

وفي هذه المغارة الجبَّارة الفوهة.الغريبة الشقوق. دلف المحبَّان كي يستمتعا بالمشاهد الأخّاذة التي حفرتها يد الطبيعة والزمان. في تلك الجدران.

وفي الأحراش الكثيفة الممتدّة وراء الأطواد من الجبال الجبَّارة الصاعدة في بروج الفضاء استظلّ المُد نَّفان هرباً من حرارة شمس تموز المُحرقة!

وهذا العصفور الغرّيد بمرحٍ فريد قد سبق وغرّدت أجداده للعاشقين العجيبيين.

وهذه الأطلال الدراسة, والاكداس من رُكام هذه الحجارة الضخمة هي بقايا ذلك القصر الفخم الجميل الذي شيدته (عشتروت) لمن اصطفاه فؤادها الفتيّ

وقد شهد هذا القصر في ذلك العصر أجمل ليالي الحبّ والغرام:

حبّ (ابنة الآلهة) لأجمل شاب في أرض لبنان.

أما الآن فقد داسه الزمان بأقدامه الجبَّارة فهوى و تردّم!

ولم يبق منه سوى الأطلال المُبعثرة والذكريات الآفلة!.........

لقد غبطت (أدونيس) على ميّتته في هذه البقعة من الأرض

لأنها أرض الأحلام الخياليَّة

أرض الفتنة والجمال

أرض البهجة الخلاّبة

أرض الينابيع العذبة المتفجّرة

أرض الشلالات الموسيقية التوقيع

أرض الجبال العاتية الجبَّارة!

أرض غابات الشربين الدائم الإخضرار

أرض الطيور الصادحة والعصافير الشادية

أرض التلة المثلثة والغابة التاريخية الغبياء التي سقط فيها (أدونيس) صريعاً

أرض السّحر والجمال والروعة والجلال

الأرض التي اختارتها (عشتروت) لتكون عشَّاً جميلاً لغرامها.

الأرض التي قضت فيها (ابنة الآلهة) فترة من الزمان تنعم بأشهى ما تبتغيه تلك الغادة المتجسِّدة في أرضنا الشقيّة.

ثم الأرض التي ضمّت بقاياها الجميلة وحنَّت على جسدها الأملود بعد أن غرست في صدرها نصلها الحادّ حُزناً على معبودها (أدونيس) الذي قتله خنزير بريّ في رحلة صيد من رحلاته في هذه الرّبوع!...

ثم عودتها ثانية إلى الحياة بعد أن عاد حبيبها (أدونيس) من دار الموتى الباردة الرّهيبة.

ألا حياك الله يا أرض (عشتروت) الجميلة (وأدونيس) الفتَّان!

وليجمع الله (روحيكما) في عالم السعادة الخالد!...

 

أفقا - لبنان- الأحد صباحاً

29 آب 1943                     الدكتور داهش

 

 

 

عشتروت تهبط من قمَّة الأولمب

 

عرائس الأنهار ينشُدن

نشيد البهجة والحبور والغبطة والسرور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

تهلَّلي أيتها الشّفاه الحزينة

وانفرجي أيتها الأسارير العابسة

وانشرحي أيتها الصّدور المُثقلة بالأتراح

وابتسمي أيتها الثغور الكئيبة

وامرحي أيتها الأرواح الحائرة

وارقصي أيتها الطيور على الأدواح

وانشدي أيتها اليمائم واهدلي بعذوبة

واشدي يا بلابل الرياض برقةٍ فائقة

واصدحي يا طيور الغاب بأجملِ الألحان

وحوّم أيها الفراش الجميل في هذه الجنان

وتفتقي أيتها الورود المخمليَّة من أكمامك

وتفجَّري أيتها الينابيع وتدفَّقي بروائع إلهامك

وانبثقي أيتها الأزهار اللطيفة من براعمك الدقيقة

ولتنصرم الأجيال الزاحفة دقيقة فدقيقة

ولتثمل الحقول النّضرة ولتنتشي من فرطِ سعادتها

وليشمل هذا الكون بهاءً لا يماثله أيّ رواء

وأنت أيها الفؤاد القلق!..أوقف خفقانك

ويا أيّها الطّرف الحائر!..كفكف عبراتك

ويا معشر العشَّاق!..إطربوا واثملوا

فقد هبطت إلى ديارنا الشقيّة

عشتروت الإلهيَّة!..

 جحيم الدكتور داهش

          جحيم

 

                 الدكتور داهش بك

فاتحة

من شاء أن يرى مظهراً عجيباً من مظاهر الله في عباده . فلينظر إلى خطرات الفكر في الإنسان . إذا جال جولته ميادين البيان . فما الفكر إلاّ قبسٌ من روح الله العليّ بل لمعة من لمعات نوره الإلهيّ وما الكتب التي تنشرها المطابع وتكتحلُ بها العيون وتتغذّى بنتاجها العقول سوى مصابيح هداية للسارين في ظلمات هذه الحياة .

وكلّما كان المصباح منيراً زاد عدد المستنيرين وقلَّ عدد الضالين والمضلّلين . وكلّما توفّرت لأمّة من الأمم مصابيح الهداية حملت أمام أبناءها الراية . وبلغت الغاية . وكان مجدها في النهاية خيراً من البداية .

حول مؤلّف الجحيم

أمامنا الآن من الدكتور داهش بك خمسة مصابيح نورانيّة من كتبه الأدبيّة : أوّلها ضجعة الموت وآخرها عشتروت وأدونيس ... ثم (الجحيم) هذا . إلى أن يظهر سواهُ وسواهُ تباعاً بعون الله وهدايته .

وهذا المؤلّف الجديد يصدر اليوم بحلّة قشيبة . في فترة هائلة مرعبة من فترات الحرب الرهيبة . وسنقوم بتحليله بعد أن نحلّل سواه من الكتب التي ظهرت على شاكلته .

أمّا مؤلّف الجحيم هذا فهو مثابرٌ على نشر سلسلة كتبه تأديةً لرسالة أدبيّة روحيّة سامية سيزحزح الستار عنها عاماً فعاماً . والمستقبل كشّاف .

نظرةٌ إلى الوراء

إذا رجعنا بعين الفكر إلى الوراء وقلبنا صفحات التاريخ من حديث وقديم تبيّن لنا أن عدداً ليس بقليل من أدباء وشعراء حاولوا وصف (الجحيم).

فهنا (أبو العلاء المعرّي) الفيلسوف العربي في رسالة الغفران ورسالة الملائكة .

وهناك (دنتي) الشاعر الإيطالي في (روايته الإلهيّة)

وهناك (رسلان البني) في كتابه (يوم القيامة)

وهناك (الحارث بن أسد المحاسبي) في كتابه (التوهّم)

وهنالك الشاعر العراقي (جميل الزهاوي) في دواوينه الشعريّة . وعمر الخيام في بعض رباعيّاته المشهورة إلى ما هنالك من سلسلة أقوال وملاحم ومؤلّفات نثريّة وشعريّة كمشكاة المصابيح للمقريزي في باب الفتن ومصابيح السنة للبغوي والفصول والغايات لأبي العلاء والمهابرتا السنسكريتيّة وأمثالها من المؤلّفات القديمة والحديثة .

تعريف الجحيم

الجحيم في اللغة : النار الشديدة التأجّج وهي مرادف لكلمة جهنّم أي مكان الأشرار بعد الموت .

وتسمّى أيضاً سقر أو صقر ولظى والسعير والدرك الأسفل أو الدركات السفليّة .

وعرّفوا الجحيم بقولهم : إنّها مقرّ الخطأة الهالكين .

وقال آخرون : إنّها الهاوية البعيدة القعر من وقع فيها هلك .

وقال بعض العلماء : الجحيم أو (جهنّم) علمٌ لدار العقاب وهو في الأصل مرادف للنار .

وفي معاجم اللغة : كلُّ نار عظيمة في مهواة هي جحيم .

والجحيم كجهنّم دار العقاب الأبديّ بعد الموت وتسمّى أيضاً : (الهاوية) حيث يقاسي الهلكى العذابات الشديدة بعد انتقالهم من هذه الحياة الدنيا .

والجحيم نقيض النعيم أو الجنّة أو الفردوس أو جنان النعيم . أو دار الخلود ومقرّ الصالحين وديار المتّقين .

وجاء في دائرة المعارف : إذا تصوّر الناس أن الجنّة في السماء فوقنا والنور فيها دائم السطوع، فليتصوّروا أن (الجحيم) في مكان يقابلها أي في الأسفل حيث الظلمة لا تزول . وهذه الأماكن الُمظلمة عبارة عن سجون معدّة لمن يموتون بدون أن يتوبوا عن آثامهم .

وقد ورد ذكر (الجحيم) كثيراً في الكتب المقدّسة المنزلة وهكذا (النعيم).

آراء في الجحيم والنعيم

نشأ الناس من قديم الزمان وهم في شغل وتشوّق قاتل لمعرفة ما وراء الموت .

ولما كانوا يعتقدون بخلود النفس ويؤمنون بالحياة الآتية المعروفة بالآخرة كان من الطبيعي أن يتصوّروا أنّ هناك مكانين رئيسيّين :

الأوّل – لراحة الأبرار وثوابهم وهو (النعيم).

الثاني – لعذاب الأشرار وعقابهم وهو (الجحيم).

ومن راجع التاريخ في جميع أدواره ولا سيّما تاريخ الكلدان واليونان والرومان والمصريّين والفرس والهنود والصين والمجوس وسواهم من الأمم والشعوب تبيّن له أنّهم اهتمّوا كثيراً بالأرواح الشرّيرة والأرواح الصالحة .

خلود النفس والثواب والعقاب

وقد تنبّه الناس إلى خلود النفس وبقاء الأرواح ووجود الجحيم والنعيم بدليل مخاطبة شاول لروح صموئيل النبي إذ قالت له :

-         لماذا أزعجتني ؟

ونهى (موسى) عن استشارة الموتى وهذا أيضاً دليل وجودها في عالم الأرواح .

وفي المزامير يعبّر النبي داوود عن فرحه (لأنّ الله لم يترك نفسه في الهاوية) فقد بُشّر روحياً أن نفسه ارتفعت من هوّة الجحيم .

وكذلك قال سليمان الحكيم في بعض أسفاره :

" إنّ الجسد يرجع إلى الأرض التي أُخذ منها . أمّا الروح فترجع إلى الله الذي خلقها".

وهكذا تبيّن للمؤمنين من أقوال إشعياء النبي والسيّد المسيح أنّ في الجحيم (دوداً لا يموت وناراً لا تنطفئ).

وقال الربّ في التوراة :

إنّ النار تشبُّ بغضبي فتتوقّد إلى الهاوية (السفلى) وما الهاوية السفلى إلاّ مقرّ عذابات الجحيم .

وذكر كلمة (سُفلى) دليل واضح على وجود دركات عديدة في ذلك المكان الرهيب.

ومن راجع سفر أيّوب النبيّ تأكّد له وجود (الجحيم) حيث ذكر (مقرّ الأموات) وشبّهه بأرضٍ (يغشاها الظلام) وسمّى الهاوية بمحل شقاء مملوء من الأحزان الأبديّة .

وهكذا أشعياء النبي فقد جاء على ذكر الأشرار الذين يوبّخون ملك بابل في الجحيم ويهزأون به .

وهو الذي قال في سفره قبل السيّد المسيح أو دود الكفّار لا يموت ونارهم لا تُطفأ :

ومن راجع صفحات الكتب الصينيّة والهنديّة والمصريّة وسواها من قبل بوذا ولاوتزي وكونفوشيوس وبرهما والفراعنة قرأ أقوالاً خالدة تحوم حول النعيم والجحيم وفي القرآن الكريم كما في التوراة والإنجيل المقدّس آيات بيّنات في هذا الشأن فليراجعها طلاّب المعرفة وعشّاق الحقيقة .

آراء الفلاسفة والعلماء

وهناك فئة كبيرة من فلاسفة الزمان وعباقرة العصور تقول بوجود الآخرة وتعتقد بخلود النفس . وبالثواب والعقاب بعد الموت .

وقال شيشرون الفيلسوف الروماني :

"إذا كنّا نقبل تنبيهات الطبيعة ، وإذا كان الناس يُجمعون على وجود شيء بعد هذا الوجود ، فيجب علينا أن نقبلَ هذا المذهب المعقول ".

قال سينيكا الحكيم :

"أمّا في ما يتعلّق بخلود النفس فيجب أن نعتبره كأمر ذي أهميّة عظمى ويجب تسليم الأمم به ، ولا سيّما الذين يتفقون على الخوف من عذاب الجحيم "

وقد أجمع العلماء المفكّرون على أنّ وجود (الجحيم) إنّما هو أعظم رحمة للحائرين في صحراء هذه الحياة الفانية .

قال العلاّمة الإفرنسيّ فولتير :

" انزع عن الناس الرأي القائل بوجود إله يجازي ويعاقب ترى القاتل يلتذّ بالاستحمام بدم قتيله . وترى الابن يقتل أباه أو أمّه بطمأنينة وراحة "

آراء علماء النفس

وقد أجمع علماء النفس أنّ البشر عندما شكّوا بوجود الجحيم تهدّمت من بينهم أركان الاستقامة . وفسدت الأخلاق الصالحة . أصبحت الهيئة الاجتماعيّة فريسة الطمع والشهوات الدنية والرغبات الدنويّة .

ومن تعاليم الكنيسة الأوليّة أنّ السيّد المسيح الفادي نزل إلى الجحيم :

ومعنى ذلك أنّ نفسه حينما كان جسده في القبر نزلت إلى المكان الذي فيه نفوس الأبرار لتعزيهم وتبشّرهم بالخلاص . وقد وعد بالمجيء الثاني إلى الأرض . ولا ريب أنّه سيمسح بمنديل حنانه دموع أبناء هذه الفانية أو أبناءَ تلك الهاوية ...

الأساطير القديمة

وكثيراً ما جاء ذكر (الجحيم) في أساطير الأقدمين وميثولوجيا اليونانيين والرومانيين . فعرّفوا (الجحيم) أنّها المكان الذي تنزل إليه الأموات لتكفّر عن الذنوب التي ارتكبتها أثناء وجودها على الأرض .

أمّا الصينيّون والبرهميّون وأمثالهم فرأيهم أنّ مدّة العذاب ليست بدائمة . فكلّ شخص عندهم يعاقب أو يكافأ حسب أعماله فإمّا في درجات نعيم وإمّا في دركات شقاء مقيم . وهذا يطابق قول سيّد الأطهار :

(عند أبي منازل كثيرة )

أمّا (الصدّوقيّون) فينكرون وجود الجحيم والجنّة كأن أبا العلاء المعرّي من مذهبهم حين قال :

ما جاءنا أحدٌ يخبّر أنّه             في جنّة من مات أم في نار

التناسخ أو تقمّص الأرواح

وهناك آراء لفئة من الناس تعتقد اعتقاداً أكيداً أنّ (الآخرة) إنّما هي تتمّة لهذه الحياة الدنيا .

فالصاعد إلى السماء يكمل سيره صعوداً حسب أعماله الصالحة . والهابط إلى الهاوية إمّا يندم رويداً رويداً فيصعد . وإمّا يزداد انحداراً حسب أعماله الطالحة ...

وهناك فئة تقول بالتقمّص أو التناسخ وهو انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر والذين يعتقدون ذلك يسمّون (التناسخيّة) وهم يقولون أنّ التقمّص هو الرحمة الوحيدة لبني البشر . إذ بعودتهم إلى الأرض مراراً تتطهّر أرواحهم وترتقي رويداً رويداً من الدركات إلى الدرجات .

وقد ورد ذكر التقمّص مراراً في الكتاب المقدّس دون أن ينتبه إليه أحد خصوصاً عندما كان السيّد المسيح مع تلامذته وسألوه عن (يوحنا المعمدان) فأجابهم أنّه (إيليّا النبي) أي أنّ روح إيليّا النبي متقمّصة بيوحنا المعمدان .

ومهما يكن من الأمر فإنّ الناس منذ تأسيس العالم إلى اليوم ما برحوا يتحدّثون عن الجحيم والنعيم وهم بين تحليل وتعليل وتأويل !

بل بين تحاليل وتعاليل وتآويل !

ولو هم انصفوا وعقلوا لآمنوا بوجود الاثنين .

بل آمنوا بالعالم الروحاني بعد هذا العالم الحقير الفاني

وعندئذ يبتعدون عن نيران الأوّل ويحنون إلى التمتّع بالثاني !

وقد قال لسان الدين الخطيب في إحدى مواعظه :

ولو أنا إذا متنا تُركنـا             لكـــان الموت راحة كـــلّ حيّ

ولكنّا إذا متنا بُعثنـــا              ونُسأل بعـده عن كــلّ شيء

رسالة الغفران لأبي العلاء

هي رسالة خالدة من عبقريّ زمانه أبي العلاء المعرّي بعث بها إلى صديق له يسمّى (ابن القارح) وقد أذاعها إلى الناس الأستاذ كامل كيلاني الموظّف في الأوقاف المصريّة وحللها ونقدها وقرّظها عدد من المفكرين بينهم الدكتور طه حسين ومحمّد فريد وجدي ومحمّد كرد علي وسليمان البستاني معرّب الإلياذة وجرجي زيدان مؤسّس الهلال والدكتور شبلي شميل . وجريدة الأهرام . وسيّد إبراهيم الساعي وجلد زهير وسواهم وقد خدم الأستاذ الكيلاني أبناء وطنه بنشرِ هذه الرسالة بحلّة قشيبة .

وقال عنها الدكتور طه حسين أنّها (آية الأدب العربي . كما أنّ صاحبها آية كتّاب العرب . وهي آية التفكير العربي . وآية الخيال العربي . وآية السخرية العربيّة . وآية الحريّة العربيّة . بل آية العرب في هذا كلّه )

وقال عنها أحد الأدباء (إنّ رسالة الغفران كوميديا إلهيّة مسرحها الجنّة والنار )!!

أبو العلاء وابن القارح !

متى ذُكرت (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعرّي لا بدّ أن يتبادر إلى الذهن في الحال اسم (ابن القارح) ذلك لأنّ (رسالة الغفران) أرسلت إليه رداً على رسالة كتبها أوّلاً إلى (أبي العلاء) وفي ختامها ألحّ عليه أن يشرّفه بالردّ عليها .

فكانت (رسالة الغفران) صدى رسالة (ابن القارح) فكان له فضل المتقدّم .

وقد أطلق على (الرسالة) اسم (الغفران) لأنّ الفكرة الرئيسيّة في الرسالة هي مناقشة الذين فازوا بالمغفرة والذين حرموا منها في الدار الآخرة فيشرح له الصالح منهم الأسباب التي أدخلته إلى الفردوس وكيف يتمتّع به وينعم ببدائعه .

ويشرح له الطالح ما يقاسي من ألم وعذاب في الجحيم وروائعه .

حول رسالة الغفران

لرسالة الغفران فصول ستّة وعناوين عديدة

ففي الفصل الأوّل منها : الفردوس . وندامي الفردوس ، ونزهة ابن القارح ، وحديث الأعشى ، وزهير ابن أبي سلمى ، وعبيد ، وعديُّ بن زيد ، والهذلي ، والنابغتين ، ومجلس غناء ، وحديث لبيد وغناء الحور ، ومشاجرة الجعديّ والأعشى ، وحديث حسّان بن ثابت ، وعوران قيس ، وحكاية تميم بن أُبيّ .

وفي الفصل الثاني : يوم الموقف ، وحكاية ابن القارح ، وحديثه مع رضوان وزُقر وحمزة بن عبد المطّلب ، ومقابلة أبي علي الفارسي وحديثه مع علي بن أبي طالب وورودهُ الحوض ، وحديثه مع فاطمة والنبي وعبور الصراط ، وحواره مع رضوان ، ودخوله الجنّة .

أمّا القسم الثاني من رسالة الغفران فيحوم حول الردّ على رسالة ابن القارح وفيها وصف وفائه وذكر عدد كبير من الشعراء كأبي الطيّب المتنبّي وأبي نوّاس وبشار ابن برد والحلاّج ، وابن هانئ الأندلسي وابن الرومي وأبي تمّام .

أمّا الفصل الثالث فله عدّة عناوين كنعيم الفردوس وحديث ابن القارئ مع عدد من المشاهير مع وصف مأدبة في الجنّة ومجلس أنس وغناء وحدائق الحور .

وأمّا الفصل الرابع ففيه ذكر جنّة العفاريت وأشعار الجنّ ولغتهم وحديث بعض الشعراء

أمّا الفصل الخامس فيه (الجحيم) وحديث الخنساء وابن القارح مع بشار وامرئ القيس وعنترة وعلقمة وعمرو بن كلثوم والحارث اليشكري وطرفة واوس بن حجر وسواهم .

أمّا الفصل السادس ففيه العودة إلى الفردوس وحديثه مع آدم وذات الصفا والعودة إلى حوريّته وجنّة الرّجاز نعيم الخلد .

بلاغة أبي العلاء في رسالته

من راجع (رسالة الغفران) بتجرّد دُهش لتفوّق أبي العلاء في التفنّن بأساليب الكلام ونقده الرائع وهزئه اللاسع اللاذع وأدرك لأوّل وهلة أنّ هذا الضرير البصير إنّما يغرف من بحرٍ فيستخرج اللآلئ من مغاوصها .

وقد جاء على ذكر (الجحيم) بعباراتٍ بليغة بالغة فيتطرّق إلى وصف عذاب النار وآلام الخطأة ويأتي على ذكر منادي الحشر عندما يُسأل عن جبابرة الملوك فيقول :

" إنّ الزبانية تجذبهم إلى الجحيم "

" والنسوة ذوات التيجان يسرن بالسنةٍ من الوقود "

" فتأخذ الزبانيّة في فروعهنّ وأجسادهنّ "

"والشباب من أولاد الأكاسرة يتضاغون (يصيحون) في سلاسل النار "

إلى أن يقول لهم :

" أولم نعمركم ؟... ما يتذكّر فيه من تذكّر . وجاءكم النذير .

فذوقوا فما للظالمين من نصير "

" لقد جاءتكم الرسل في زمان بعد زمان "

" وبذلت لكم ما وكّد من الإيمان "

التعقيد في رسالة الغفران

على أنّ من قرأ صفحات رسالة الغفران صفحة ووضعها على مائدة التشريح الصحيح والنقد المجرّد تجمّعت له من خلال السطور الغرابة في الألفاظ إلى إباحيّة الفكر الجموح الطموح إلى السخريّة المتناهية إلى الجرأة العنيفة إلى التهديم والتحطيم إلى المبالغة في الخيال السحيق . إلى سجع مستحب متناسق كالجوهر . إلى سجعٍ نافرٍ مستنكر ، إلى نثرٍ مرسلٍ مُنسجم ، إلى نثرٍ مُعقّد ينبو عنه الطبع إلى ألفاظ وكلمات وعبارات يكاد لا يفهما الأعراب والأعاجم . ولو راجعت معانيها في بطون المعاجم ، ولذلك قال الأستاذ محمد فريد وجدي وهو في طليعة المُعجبين بأبي العلاء :

(فرسالة الغفران يصعب على الأكثرين قراءتها ومزاولتها والاستفادة ممّا حوته من آراء مسدّدة ....

(ولو أحصينا عدد من قرأ هذه الرسالة من جملة المتأدبين لما ألفيناهم يجاوزون العشرة في المئة . وهذا حرمان يألم منه طلاّب الأدب العالي )

مثالان من ذلك التعقيد !

على أنّ أبا العلاء بعث برسالته يومئذ إلى (ابن القارح) تلبية لرغبة صديقه

ولعلّه أراد الإغراب في القول المبهم والإعجاز في العبارات الغامضة التي لم تستخدمها الأقلام ولا أدركتها الأفهام . وإليك مثالاً من ذلك الكلام :

" هل علم الحبر الذي نسب إليه جبريل

وهو في كلّ الخيرات سبيل

إنّ في مسكني (حماطة) ما كانت قط (أفانية)

ولا (الفاكزة) بها غانية !....

وقال في مكان آخر ...

وإنّ في طمري (لحضباً ) وكلّ بأذاتي

لو نطق لذكر (شذاتي)

ما هو بساكن في (الشقاب)

ولا بمشرف على النقاب ....

فأين هذا من سلاسة (جحيم داهش) من المطلع حتى الختام (أنا الآن أسعى كالأفعى)؟

فليراجع المُطالع المؤلّفين . وليحكم بين الأسلوبين !!..

إنصاف

على أنّ ذلك لا يغضُّ من أهميّة (رسالة الغفران)

وكيف أثنى (أبو العلاء) على رسالة (ابن القارح) توصّلاً إلى مثله الأعلى .

فذكر الملائكة ترفع كلماتها الطيّبة إلى السماء

وذكر أشجار الجنّة وأنهارها وأطيارها وأزهارها .

وذكر ما هنالك من خمورٍ ومن غبطةٍ وحبور

ووصف (ابن القارح) يتنزّه بنعيم الجنان الخالد ويتعرّف بأهل الجنّة ويصف دخوله عليهم ودخول سواه من صالحين ومتقين .

ثم يذكر لك زيارته لأهل النار في (الجحيم) ويسألهم عن الأسباب التي جرّتهم إلى هذه العاقبة الوخيمة الأليمة

إلى آخر ما في الرسالة من أغراض لطيفة وأهداف بعيدة .

رسالة الملائكة

ولأبي العلاء رسالة أولى كتبها قبل (رسالة الغفران) بعث بها إلى مستفسرٍ عن بعض المسائل الصرفيّة ... فكان جوابه عليها (رسالة الملائكة).

على أنّ أبا العلاء لم يكتف بتلك المسائل الصرفية المُبتذلة بل استطرد منها إلى ما يناسبها من لقاء عزرائيل فمُحاسبة الملكين فنفخ الصور فدخول الجنّة .

وهذه الرسالة مُقتضبة بالنسبة إلى (رسالة الغفران)

ولعلّها كانت نواةً أو تمهيداً لرسالة الغفران

وقد وصفها الأستاذ الكيلاني وصفاً دقيقاً وقال عنها أنّها :

"فنٌّ من الأدبِ العالي لا يقلّ عن أجلِّ أثر أخرجه أكبر رأس غربي مفكّر "

إيمان المعرّي وكفره

لقد نسبوا إليه الكفر والإلحاد والزندقة في حين أنّ كثيرين رووا عنه ما يدلّ على عاطفة رقيقة وزهد في الحياة حتّى أنّه عاش أكثر من أربعين سنة لم يذق فيها حيوان أو طائر .

ويروى أنّه قبل وفاته بأم قليلة أشار عليه الطبيب بأكل (فروّج) فأبت نفسه أن يزهق روح حيّ .

ولكن أهله ذبحوا (الفرّوج) دون أن يعلم بذلك .

ولما قدّموه إليه أمسك به وأخذ يخاطبه قائلاً :

"مسكين أيُّها الفرّوج !

أمنوا شرّك فذبحوك

ولو كانوا خافوا بأسك لهابوك "

ثم رمى به ولم يتناول منه شيئاً .

                           ***

ورُوي عنه أيضاً أنّه مرض مرضاً شديداً فوصفوا له (الدجاج) فامتنع .

فألحّوا عليه حتى أظهر الرضى .

ولما قُدّم إليه ولمسه بيده جزع وقال :

"استضعفوك فوصفوك

هلاّ وصفوا لي شبل الأسد ؟"

ثم أبى أن يأكله وطرحه جانباً .

وهذا دليل على عطفه وحنانه . ورفقه بطيره وحيوانه .

فهل مثل هذا الإنسان ، يكون من أهل الكفر أم من أهل الإيمان ؟!....

هذا سؤال نترك الجواب عليه للأجيال !!...

رسالة أبي العلاء من عالم الأرواح

وكأنّ أبا العلاء – يرحمه الله – لم يكتف وهو على هذه الأرض الفانية أن يخاطبنا برسالة الملائكة ورسالة الغفران .

بل شاء اليوم وهو في عالم الأرواح أن يخاطبنا – بعد مرور ألف سنة على وفاته – رسالة روحيّة رهيبة ندوّنها في هذا المقام . على أنّ يُماط عنها اللثام ، وتكشف عن سرّ هبوطها الأيّام، فيعرف العالم كيف يكون الوحي وكيف يُستنزل الإلهام .

قال :

"أرحام تدفع وأرضٌ تبلع

وهاوية تتصدّع وتُفلع

فتهوي بها أرواح الهلكى وكلٌّ منها في دركه الداجي يقبع

وتهرع الشياطين إليهم وإذا بسياطها تُخفض وتُرفع

والهامات تُفلق بقوّة صارمة ... ثم تُقطع

وتهبُّ رياحُ السّموم على وجوههم وتروح لها تسفع وتلفع

هنا الصلاة ، والصيام ، والقعود ، والقيام ... لا ينفع

ولدى ربّهم لا يشفع

واستكانتهم لا تُبعد عنهم سيف الردى فاستحقاقاتهم الدنيويّة بكاملها تُدفع

صدى عويلهم ردّم ردهات الدركات وقوّضها تقويضاً ولكن ليس من يعي أو يسمع !...

ترى كلاًّ منهم قد استلّ قواضب جرائمه وراح يدفعها في جوفه بوحشيّة ولأفاعي آثامه جعل يبلع

الكلُّ يتسابقون حيث مستنقع الفضائح وليس من متخلّف ... فالكلّ يهرع هناك يخوضون في لجج النتانة يتقلّبون في غمراتها فتالله كم كرعوا منها وكم سيُكرع !...

ظلمات الدُّجى طبقاتٌ متكاثفة تتلوها طبقات رهيبة وليس من نجمٍ تراه في تلك النخاريب السحيقة ليلمع .

يزحفون في رهبةٍ مجهولة في ردهات الهاويات النخرة وكلّ بدوره يذرع آفاقها الكئيبة ويقطع .

ومن ولدته أمّه (مظلم العينين)!... يرجو الله من جحيمه أن يأذن له بأن يرى الفجر ينبلج ويطلع .

أمّا نفوس الأطهار الأبرار فأرواحهم النقيّة في أعلى درجات الكمال تسعد وترتع فاتعظوا !.. ثم عظوا !...

هبطت – بعد ظهر 15 شباط 1943 (أبو العلاء المعرّي)

رسالة الغفران وجحيم دنتي والفردوس المفقود

يقول بعض المؤرّخين المدقّقين أن الشاعر الإيطالي (دنتي) أخذ عن (المعرّي) من (رسالة الغفران).

وأنّه اقتبس من بعض المصادر العربيّة كقصّة المعراج وسواها من القصص التي نُسجت على منوالها .

ويقول سواهم أنّه من الصعب البتّ في هذه النظريّة الدقيقة . فهي نظريّة لا حقيقة والحقيقة بنت البحث والتفكير . لا بنت الجزم والتقرير .

ولكن هناك توارد عجيب في التخيّلات والخواطر بين شاعر وشاعر . ولذلك قيل (وقد يقع الخاطر على الخاطر . كما يقع الحافر على الحافر )

وممّا قوّى دليل القائلين بالاقتباس قول أحد المؤرّخين أنّ هناك تشابهاً عجيباً بين رسالة الغفران وجحيم دنتي وفردوس ملتون المفقود فضلاً عن أنّ المعرّي توفي عام (449) هجريّة ودنتي سنة (720)ه وملتون الإنكليزي سنة (1048)- هجريّة

غير أن الذي لا يمكن إنكاره هو أنّ (دنتي) اقتبس كثيراً من (فرجيل) الشاعر الروماني في ملحمته (الأناييد) Eneide

كما تأيد ذلك من أقوال الأدباء والنقّاد الذين درسوا الشاعرين وأمعنوا في التحقيق والمقابلة والتدقيق والمفاضلة .

اسم جحيم دنتي La Divina Commedia

هو من تسمية الكلّ باسم البعض

فبعض المترجمين أبقاها على أصلها فقال :

(الكوميديا الإلهيّة)

والبعض الآخر دعاها (الأغنية الإلهيّة) وآخرون قالوا (القصّة المقدّسة) وكان (فرجيل) رفيق دنتي ودليله ورائده في مؤلفه هذا . فخاض معه بالروح دركات (الجحيم) وفتّش في شعاب (المطهر) عن حبيبته (بياتريس) ثم في ظلال (النعيم) أو الفردوس . وقد أقرّ بلسان قلمه الفياض أنّ كتابه (الجحيم) كان أصعب ما ألّفه . حتى قال في إحدى مقدّماته القيّمة :

" الجحيم هو الكتاب الوحيد الذي جعلني عدّة أعوام عرضة للهزال والسقام"

وفي هذه الرحلة الخياليّة التي قام بها (دنتي) رأى نفسه في الممالك الإلهيّة الثلاث (جحيم-مطهر- نعيم) وقد خيّل له أنّه في قلب غابة غبياء تسودها الرهبة والظلماء وهي تعجُّ بأشرس الوحوش الضارية فينقذه (فرجيل) من الخطر الذي كان يهدّد حياته الثمينة فيسير به من دركات (الجحيم) السحيقة إلى (المطهر) وهو على زعمه فترة الانتقال من الجحيم إلى النعيم ثم ينتقل به إلى أبواب (الفردوس) حيث تكون (بياتريس) في انتظاره فتمضي به إلى جنان (النعيم) بعد أن يودع صديقه (فرجيل).

ويظهر أنّ الذين حلّلوا (دنتي) اتفقت كلمتهم على أنّه أجاد في قسم الجحيم أكثر من إجادته في قسم (النعيم).

ذلك لأنّ مواقف الرهبة وصور الألم تزيد الشاعر توسعاً في آفاق الخيال وعمق التفكير وحسن التصوير والتأثير .

وقد تصوّر الشاعر في كتابه أن (الجحيم) مخروطيُّ الشكل وأنّ قاعدته قلب الأرض . وذروة الجحيم مركزها الأصلي . ويقول أنّ الغابة المظلمة التي يصفها وصفاً رهيباً إنّما هي سطح الأرض التي تضلُّ فيها خطوات الشاعر .

وقد ذكر أن (الجحيم) تسعة دركات . وكلّ درك أشد عذاباً من الذي فوقه .

إلى أن يصل إلى القاع أي إلى الدرك التاسع الأخير حيث يقيم (لوسيفورس) رئيس الأبالسة وزعيم الشياطين .

دنتي اليغيري (1265-1321) Dante Alihieri

كان في الخامسة والثلاثين من عمره عندما نُفي وصودرت أملاكه ولسان حاله مع الشاعر العربي يقول :

ناءٍ عن الأهل صفرُ الكفّ منفردٌ             كالسيف عُرّي متناهُ عن الخلل

وهناك في منفاه تمخّضت روحه بالأغنية الخالدة .

وقبل أن يبدأ بكتاب (الجحيم) كتب في كتابه (الحياة الجديدة) عبارة لا يزال أدباء إيطاليا يردّدونها وهي قوله :

"أبتهل إلى الله القدير أن يمدّ بأجلي كي أكتب عن ملاكي (بياتريس) ما لم يكتبه أحد في امرأة قبلي ولا يكتب أحد مثلها بعدي .

وكم تكون روحي عندئذ سعيدة إذ تسبح في ملكوته الأعلى لتتزوّد نظرة من الحبيبة بياتريس"

وقد ألّف دنتي عدّة كتب قيّمة منها (الوليمة) و(الامبراطوريّة)

وقد روى أحد ثقات المؤرّخين أن (دنتي) كان من عشّاق شعر (فرجيل) حتى أنّه كان يستظهر الجزء السادس من كتابه الشعري (الأناييد) ويردّد أبياته على مسامع أصدقائه العديدين ورفاقه المخلصين .

وبقي في منفاه عشرين عاما كاملاً يعاني من الآلام ألواناً فدرك أسرار الحياة بما نظمه في كتابه الخالد . وصحّ فيه قول أحد شعراء العصر :

أدركتَ أسرار الوجود وجُزتَها             ترتاد أسرار الوجود الثاني

وما كاد يُكمل مُعجزته (الكوميديا الإلهيّة) حتى قضى في السادسة والخمسين من عمره ودفن في بلدة (رافينا)

وقد كُتب بالإيطاليّة على قبره ما تعريبه :

(هنا يرقد دنتي بعيداً عن وطنه ومسقط رأسه)

من هي بياتريس (1266-1290) Beatrice

هي المرأة التي هام (دنتي) بحبها وهما لم يتجاوزا العاشرة من عمرهما .

أسم والدها (فولكو بورتيناري) من عائلة شريفة من فيرنزه Firenze وهي مسقط رأس الشاعر من أعمال توسكانا (إيطاليا).

ولدت (بياتريس) عام 1266

وماتت في الرابعة والثلاثين من عمرها عام 1290 فتألّم الشاعر دنتي ألماً عميقاً لموتها في ربيع حياتها . وقضى بقيّة أيّامه محافظاً على حبّها في قلبه الشاعر الحساس .

ومن هذا الحب الطاهر وذلك الألم المذيب الصاهر تولّدت في مخيّلة الشاعر أفكار جديدة فريدة عبقريّة مبتكرة حتى قال أحد أدباء إيطاليا المفكّرين : (لولا هذا الحب وذلك الألم لما ظهرت الأغنية الإلهيّة إلى عالم الوجود)

وقد رافقته بياتريس في المرحلة الأخيرة من أغنيته ووصلت معه بالروح إلى دار النعيم !...

هل لدنتي هدف علويّ ؟

لقد شرح الأدباء والشعراء أغنية (دنتي) شروحاً عديدة . ونقلوها إلى لغات شتّى .

واختلفت الآراء والأقلام في معرفة (الهدف) الحقيقي الذي كان يرمي إليه في كتابه الخالد الذي أدهش به العالم بعد نفيه الطويل .

ولكنّهم أجمعوا على أهداف ثلاثة لا رابع لها :

الأوّل – حبّه لحبيبته (بياتريس) وألمه الشديد لموتها وهي في شرخ الصبى ونضارة الشباب .

الثاني – هدف خياليّ أدبيّ لإصلاح الميول الشريرة من قلوب البشر .

الثالث – هدفٌ خياليّ سياسي في عهد كانت فيه إيطاليا ذات أحزاب عديدة .

وأهواء شديدة . أهمّها نزع السلطة الزمنيّة من أيدي الباباوات والأحبار . وتسليم زمامها إلى حاكم مُطْلَق أو إمبراطور جبّار وكان للشاعر ككل بشريّ ميلٌ إلى شخصيّة فذّة وهدف معلوم وكان يعتقد أن إمبراطورا مصلحاً يستطيع أن ينهض بإيطاليا ويعيد إليها مجدها العظيم ورونقها القديم فجعل في وسط (النعيم) عرشاً رفيعاً في أعلاه تاج خالد وهو معدّ للإمبراطور (أريغو السابع دي لوسمبورج) وقد أُعجب العالم الأدبي بهذا الفتح العظيم الذي أحرزه هذا الشاعر العبقريّ الخالد .

جحيم الدكتور داهش بك !....

هذا كتاب جديد يطلع علينا به الدكتور داهش بك وقد تسنّى لي أن أبيّض بقلمي فقراته الحِسان فإذا هي قطعُ حقيقة وإلهام . لا قطع خيال وأوهام . وهنا ما سيدوّنه التاريخ وتردّده ألسنة الأجيال والأيام .

                                   ***

ينقسم جحيم الدكتور داهش إلى ثلاثة أجزاء متساوية الفقرات والسطور

وكلُّ جزء يشتمل على خمسين دركاً مُظلماً من تلك الدركاتِ المُرهبة ، والعوالم السفليّة المُرعبة .

وكلُّ درك يحتوي على أربعة وعشرين سطراً مُسجّعة على أسلوب طريف مبتكر يدركه القارئ اللبيب بعد إطّلاعه على هذه المجموعة وقراءته إيّاها من الدفّة إلى الدفّة .

نظم الجحيم شعراً

ما كدت أنتهي من تبييض الجزء الأوّل من الجحيم حتى سمع به عدد كبير من العلماء الذين زاروا الدكتور داهش بك في عزلته الأدبيّة .

فكانوا يعجبون بما يرون من لمحات الأرواح العلويّة

ويطربون مثلي لما يسمعون عن نفحات الأسرار الإلهيّة

واجتمعنا مراراً بالصديق الحميم والعربيّ العبقري الصميم الشيخ عبد الله العلايلي وقرأنا على مسمعه في عدّة جلسات بعض قطع من هذا الجزء العجيب والأسلوب الغريب فأخذ مثلنا بما سمع فالتهم فقراته التهاما

وشعر أنّ في هذا النثر المُسجّع نظاماً بل الهاماً

فانبرى إلى نظمه شعراً عربيّاً لم ينسج شاعر على منواله

ولا جرى قلمٌ متقدّم على خياله أو متأخّرٌ على مثاله

حتى أنّ الألفاظ كادت تضيق أمامه مع الكلمات

بما وسّع خياله الرحب الخصب في دائرة الدركات

فجاء وصفاً دقيقاً بعيد الأغوار والآفاق سحيق الجنبات

فجاءت أبياته كأنها صور مُتحرّكة تبدو أشباحها ماثلة للعيان

وتجلّت حوادثها المتسلسلة الرهيبة بديعة المعاني عديدة الألوان

فكانت تلك الصور المبتكرة خليقة بمثل هذا الشعر وذلك البيان !

أرجوزة الجحيم

وقبل أن يشرع الأستاذ العلايلي في نظم (الجحيم) حاولت نظم أرجوزة شعريّة في وصف كلّ درك بثمانية أبيات لا غير . وها أنا أدوّن الدرك الأوّل على سبيل المثال .

الدرك المُظلم الأوّل

في الدرك الأوّل قمت أسعى                 كأنّني أنساب مثــــل الأفعى

في عالمٍ فيه الظــلام دامس                   وكــــلّ وجه كالــــح وعابس

وأسمع النحيب مثل الدمدمة                 وأسمع الوجيب مثل الهمهمه

حتى اخترقت طبقــات الأرض                 مُنقّبــاً في طولهـــا والعـــرض

واجتزت في أوديـــة عجيبــــة                 وطفتُ في أشباحهـــا الرهيبه

حيث أرى جمـراً على الرؤوس                يهوي على الخطـــاة بالفؤوس

فيصخـــب الجحيـــم بالضجيج                 والنـــاس بالهــــول وبالعجيـــج

ألقى رصاصاً فوقهم مصهـــوراً                 يبقى على انهمــــاره دهــوراً!!...

رسوم الجحيم

من راجع مؤلّفات الدكتور داهش بك لمس في أكثرها آيات الجمال والإتقان .

وعرف أنّ للمؤلّف رغبة شديدة في تشجيع رجال الفنّ الموهوبين .

فهذه (ضجعة الموت) وما فيها من رسومِ المصوّر (مورللي) وخطوط مشاهير الخطاطين في هذا العصر كالهواويني وحسني والسيد إبراهيم والشهابي وسواهم من أبناء الأقطار العربيّة وهذه (الإلهات الستّ) و(نشيد الأنشاد).

ففيهما ريشة قيصر الجميل وماري حدّاد وخطوط مكارم والعنداري والهواويني وأمثالهم من الفنّانين والفنّانات ، أمّا (عشتروت وأدونيس) فرسومها الثمانون مأخوذة من أشهر اللوحات الفنيّة الموجودة في المتاحف العالميّة .

وهكذا (الجحيم) اليوم فسيشترك فيه فنّ الخيال وفنّ الريشة . وفنّ الطباعة .

ترجمة الجحيم إلى اللغات الأجنبيّة

وما كدت أنتهي من تبييض هذا الجزء حتى رأيت أديبين أريبين قد تطوّعا لترجمته إلى لغتين من أشهر لغات العالم وأكثرها انتشاراً .

فنقله الأستاذ يوسف حجّار من أبناء حلب إلى الإفرنسيّة النقيّة الديباجة .

ونقله الأستاذ يوسف ملك صاحب جريدة أثرا إلى الإنكليزيّة البليغة الراقية (18).

وفي نيتهما ترجمة بقيّة الأجزاء حال طبعها في أصلها العربي .

وقد اطّلع أحد أساتذة الجامعة الأميركيّة على بعض الترجمات الإنكليزية فكتب رسالة إلى صديقه الحميم الدكتور مصطفى خالدي ختمها بقوله :

( ولا يمكنني أن أفكّر بوجود أيّ كان للقيام بعمل كهذا . بل يحتاج إلى من يتقن كلّ الإتقان أصول الشعر المنثور في العربيّة والإنكليزيّة معاً أمثال النابغة اللبناني جبران خليل جبران أو الشاعر الهندي الخالد رابندرانات طاغور أو الأستاذ المشهور أمين الريحاني )

كلمة المترجم

أمّا الأستاذ يوسف ملك فقد أنجز ترجمة (الجحيم) إلى اللغة الإنكليزيّة كما تقدّم وصدّر الكتاب بمقدّمة أنيقة . هذه ترجمتها :

ليس (الجحيم) الكتاب (الأوّل) التي تجرأت فترجمته للدكتور داهش من العربيّة إلى الإنكليزيّة . ولكن ينبغي أن أعترف أنّه كان من أصعب الكتب وأمتعها في الوقت نفسه .

وهذا ما دعاني إلى أن أميل للقيام بهذا العمل الشاق بطيبة خاطر وارتياح تامّ مع أنّ المؤلّف كان بوسعه أن يختار سواي ويودع كتابه إلى أدمغةٍ أنضج وأيادٍ أقوى

وعلى ما وصل إليه علمي حتى اليوم يمكنني القول أنّني لم أجد كاتباً في العربيّة استطاع أن يصف دركات (الجحيم) بهذا الشكل الواسع المُخيف الراهن .

وهذا ما يجب أن يحمل الناس على التفكير العميق قبل خرقهم قوانين الفضيلة .

إنّ الفقرات الواردة في الدرك الثامن والأربعين في وصف (رجال الدين) لمّما يُرعب ويُحزن ، في حين أن أعمالهم – ويا للأسف – تطابق الحقيقة إلى مدى بعيد .

ويظهر أنّ ما قاله السيّد المسيح منذ نحو من ألفيّ سنة قد تأيّد الآن بصورة قطعيّة لا بالنسبة إلى الوصف الدقيق الذي دبّجه قلم الدكتور داهش بل بالنسبة لأعمالهم الخاصّة .

لقد وصلنا إلى الزمن الذي أخذت فيه (المادّة) تسيطر على الأنظمة الاجتماعيّة .

وعلى الفضائل كافّة ، لذلك أصبحت الحاجة ملحّة إلى (عالمٍ روحيٍ إصلاحي) من أجل خير البشر ، إذ أنّه بدونه ستبقى الأحوال الفوضويّة محتلّة المركز الأوّل في حياة الإنسانيّة .

وبينما أنا أدوّن هذه الكلمة علمت أن الترتيبات والتدابير قائمة على قدم وساق لوضع خطّة عامّة لاضطهاد المؤلّف العبقريّ من أشخاص يظنّون أنّهم بتشهيره لأعمالهم يغرز مسماراً جديداً في نعشهم ."

هم يزعمون أنّه (كافر) بينما هو يدّعي (الإلهام)

وإنْ هم اضطهدوه دون أن يستطيعوا إقامة أيّة بيّنة قاطعة ملموسة ضدّه إذن فلا يمكن أن يكون في العالمِ شيء أحطّ من هذا العمل الشائن . إذ أنّ ذلك لا يكون له سوى نتيجة واحدة هي انتشار شهرته وزيادة عدد أتباعه كما نلاحظ ذلك في كلّ يوم .

لذلك ننصح أعداءه وخصومه أن يقابلوه علناً ثمّ يصدروا حكمهم إذا كان هدفهم (خدمة الحقيقة) والسلام .

أجزاء النعيم الثلاثة

لا بدّ لنا قبل كلمة الختام إلاّ أن نأتي هنا على ذكر كتاب (النعيم) وهو وصف الدرجات العلويّة وكواكب الأحياء النورانيّة التي يتمتّع بها الأبرار الأطهار .

فالنعيم كالجحيم ذو ثلاثة أجزاء وكلُّ جزءٍ من أجزاء (النعيم) يشتمل على وصف خمسين كوكباً علويّاً على أسلوب (الجحيم) ونسقه وقطعه السّداسيّة المُسجّعة .

وجميع هذه القطع كنت من شاهدي كتابتها ومراجعي أصولها وفصولها .

فكان المؤلّف يضع أمامه عدّة ورقات بيضاء ولا يلبث أن يكتب الورقة إثر الورقة بخطّ سريع عجيب غامض تعوّدت فك رموزه وحروفه ثمّ لا ألبث أن أختار دفتراً جديداً فأبيّض في كلّ يوم ما يكون قد أنشأه في ذلك اليوم بسرعة لا يتصوّرها فكر بشري فكأنّها مستمدّة من الإلهام لا من أطراف الأقلام .

مدخل كتاب النعيم

وهناك مدخل (للنعيم) كمدخل (الجحيم) سيرد ذكره في كتاب (نزوات قلب ) ويرد مفصلا في الجزء الأوّل من (النعيم) وهذا مثال منه :

جلست محزون الفؤاد موجعــــــاً                    معتمداً رأسي بكفيّ معــــاً

كدوحــــــــــة زاهيـــــة الأزهـــار                    مُثقلــــة الأفنــان بالأثمــــار

وهمتُ في تخيّــــلات شاسعـــه                   وفي فيافي ذكريات واسعـه

وانطلقت روحي إلــى السّمــــاك                  وبلغـــت حتـــــى ذرى الأفــلاك

إذا مـــلاك النـــور قــــــد حيّانـــي                  برقّــــــة رفّ لهــــــــا جنانــــي

وقال : يا ابن الأرض سر دون وجل                  فأرضكم ستنطوي على عجـــل

فسر معــي حيث النجوم النيّـــره                   من قبل أن تهوي الرجوم بالكُرَه(19)

فطرت في الحــــال مع المـــــلاك                   لأجتلي محاسن الأفـــــلاك !!...

أمثلة من درجات النعيم

وهنا نختم كلمتنا بأمثلة ثلاثة من وصف درجات النعيم ثمّ يدخل القارئ بالفكر إلى دركاتِ الجحيم ليرى الفرق بين الثواب والعقاب . والعذوبة والعذاب .

الكوكب العلويّ الأوّل

في الكوكب الأوّل صوتٌ عذب               يقول طوبى للألى تعذّبوا

قد ناضلوا وبشّروا كثيراً                    وسبّحوا المهيمن القديرا

هناك رهطٌ يرتدون حُللاً                     شفّافة والنّور فيها اكتملا

هم ينشدون أطيب الألحان                     وحولهم ملائك الرحمان

وهكذا الأطفال وهي الطاهرة                 تشدو أغاريد هناك ساحره

هنا السماء انشطرت شطرين                 ولمعت في النجم كلّ عين

أرواح طهور في حمى السّعادة               ظمأى إلى الصلاة والعبادة

ومكثت مغمورة بالبشرِ                       سعيدة بالرّوح طول الدّهر

الكوكب العلويّ الثاني

في الكوكب الثاني أرى الأطفال             أزاهراً تكلّل التلالا

لم يغرقوا في لجّة المعاصي                 وفي بحار الإثم للنواصي

أزاهر جميلة البراعم                       ترفّ في النعيم كالحمام

ها هم يخوضون مياه الكوثر               فلا يموتون طوال الأدهر

أرواحهم تسري بها الأفراح                 وتمّحي هنالك الأتراح

والشفق الدامي وهامي الطلّ                 ينسكبان كالحيا المنهلّ

ومن هنا تبتسم الأزهار                     ومن هناك تلمع الأنهار

هنالك الأطفال يمرحونا                     في خلدهم ملائكاً قروناً ....

الكوكب العلويّ الثالث

في الكوكب الثالث حوريّات               بحسنهنّ الغضّ فاتنات

يقلن لي : يا فاتن الغواني                 انظر إلى جمالنا الفتّان

وأدخل إلى فردوسنا الجميل               من بعد هذا السفر الطويل

                               ***

لبيّت حالاً دعوة الحسان                  وسرتُ في حدائق الجنان

وإنّني – من بعد أن لبيّت                 دعوتهنّ مرحاً – بكيت

أحببتُ أن أعيش طول عمري             في قلب فردوس شهيّ سحريّ

                               ***

وهكذا عشنا هناك دهراً                   نعبث ليلاً ثمّ نجني الزهرا

ودّعتهنّ وبقلبي وجد                   لكوكب آخر حيث المجد !..

                                 *

                           إهداء الكتاب

تقرأ في سكون الليل البهيم بصوت هادئ خافت على نور ضوء ضئيل

إلى ربّ الهاوية القاطن في أعماقها السحيقة .

هناك حيث تجد الأهوال دوماً به مُحيقة .

إلى الخائض في محيط لجب من الظلمات المُدلهمّة

حيث تنحلّ الأعصاب وتخور العزيمة ، وتفتر الهمّة

إلى الهائم في عباب أودية الهول والرعب والهلع .

والقاطن مع الطيوف الحائرة ، والأشباح الدائمة القلق والجزع .

هناك في تلك النخاريب التي تبعث الذعر في النفوس الأبديّة الاضطراب .

وحيث تتجوّل الأبالسة المروّعة ، وترتع الشياطين المعوّلة بضجيجها السرمدي .

هناك حيث تزحف مجموعات مخيفة من أرعب الأفاعي الخالدة في جهنّمها .

ومن عقارب الظلام في تلك الأروقة الدهريّة المتدفّقة بالأهوال .

فالغيلان الهائمة تختلط بالتوابع وهم يذرعون تلك الأعماق اللانهائيّة .

بينما يرسلون صيحات مُنكرة تهتزّ منها قلوب الهلكى فتنخلع من هولها .

ويطلقون ولولة هائلة ترجعها تلك الردهات المُخيفة بجبروتٍ جارف .

إلى سيّد الظلمات ... وربّ الآثام ... ومُؤدّب الطغام .

إلى الهازئ بالنعيم ... القاطن في أعماق أعماق الجحيم .

والمُخلّد في أتونه السرمديّ من جيلٍ إلى جيل .

حتى انقضاء الأعمار والأدهار

أرفع (جحيمي) هذا .

                             30 ت1 1944

أنا القويّ الجبّار ، والعنيف البتّار !

فمهما حاولت الأحداث أن تتغلّب عليّ أو تخضعني لجبروتها

فإنّها لن تعود إلاّ بصفقة الخاسر المغبون .

ولن تتمكّن من إماتة ما يجيش في نفسي من نزعات

تبغي الانطلاق من هذه القيود

كلاّ!... أنا لن أتقاعس عن نيل أهدافي وبلوغ

اتجاهاتي التي أطمح إليها

وسأحقّق أمانيّ عاجلاً أم آجلاً

وسأسحق من يقف في طريقي من عقبات كأداء

وسأردّمها ترديماً

وسأهزأ بالإنسان ، وبالطبيعة ، وبالقدر !

وسأبلغ آمالي ، وأحقّق أحلامي !...

وأنف الحياة في الرّغام !....

                                 - المؤلّف-

مقدّمة المؤلّف

هذا (الجحيم ) الذي يطالعك بأرهب أنواع العذاب وأروعها أراه برداً وسلاماً !

بل نعيماً مُقيماً لأولئك المعذّبين !

فلو وكّل الأمر لي ، وفوّض القول الفصل لإرادتي ... لأنزلت بهؤلاء البشر الكفّار أروع العذابات الهائلة التي لو خطر شبحها لهم – حتى في عالم الأحلام – لأصيبوا بالشلل والسّقم . والبكم والصمم ، ولقضوا حياتهم في وجلٍ هائل . وخبلٍ عنيفٍ بتّار .

إنّ البشريّة المُجرمة الأفّاكة لا تترعرع إلاّ في تربة الأفك المرذول ولا تنمو إلاّ على سمادِ البهتان والزور .

ولا يهمّ هؤلاء الرّعناء سوى أتباع ميولهم الوضيعة ورغبات قلوبهم الدنيئة !

تجتمع بأحدهم فإذا به شامخ الأنف مشمخرّ الرأس ، وقد دفع بصدره إلى الأمام كأنّه ديك يصول ويجول على مزبلة قديمة ، فهو يظنُّ بنفسه أنّه الفرد الأوحد الذي لا يشقّ له غبار في أيّ مضمار .

فهو من ناحية الفلسفة فيلسوف عريق ، ومن ناحية الحسب يرجع إلى أنبل الجدود وأرفعها جاهاً ومقاماً وصولة واقتداراً وفي العلوم والمعارف فهو الجهبذ الخطير والعالم النحرير .

وهكذا في كافة المناحي والنواحي .

أمّا حقيقته الصادقة فهو ذئب ضار شنيع ، في ثوبِ حملٍ وديع .

وهو جاهل من أغبى الأغبياء في جسم أرعن دعيّ لم يغرف من بحر المعرفة الغراء إلاّ وشلاً من أقذر المياه الكدراء .

ألا لحي الله هذه البشرية المذنبة الغارقة في محيطات شهواتها الذليلة . لهذا ... وبعد أن اختبرتُ أمور العالم وحلبتُ من الدّهر شطريه وذقت شهده وحنظله .

وبعد أن عاشرت الألوف من أبناء هذه الغبراء

وبلوتُ منها ومنهم أنواع البلاء .

ودرست أخلاقهم ونفسيّاتهم .

وعرفت سوء ضمائرهم ونيّاتهم .

واكتشفت ما يطمحون إليه من شرور طامحة وآثام طافحة ...

انثنيت عنهم وأنا أستمطرهم لعنات خالدات .

وأشحتُ بوجهي عن مرآهم وما عدت لأستطيب لقياهم

وأقسمت أن أذيقهم أشنع العذاب ، عندما تدنو ساعة الحساب .

هذا هو (اعترافي) أدوّنه ليبقى (شاهداً) عليّ في الأجيال القادمة الزاحفة فأنني لا أثق بأيّ بشريّ كائناً من كان !...

هذا ما أكّده لي اختباري الطويل في الكون ومن يدبّ عليه من حشرات أطلق عليها اسم (كائنات عاقلة).

نعم ، لقد ضقت ذرعاً بهؤلاء البشر الملاعين !

فأحببتُ أن ألقيهم في (جحيمي) هذا آخذاً بعضهم برقاب بعض ، علّني أبرّد غليلي . وأشفي أوامي عندما أشاهدهم يتقلبون على جمر الغضا ، والأبالسة يسوطونهم بسياطهم الافعوانيّة !...

حتى إذا ما دنت ساعة الانتقام الحقيقيّة لا الكلاميّة ...

إذ ذاك يرى هؤلاء (الأجلاف) ما سأذيقهم إيّاه من بلاء مرعب بطّاش !...

وسأنكّل بهم تنكيلاً رهيباً ، علّهم بعد ذلك عن كبريائهم وادّعاءاتهم يرعوون ....

وإلى صوابهم ورشدهم يثوبون ، فالألم خير مطهّر للأجساد والأرواح لو يعلمون !...

                               مدخل الجحيم

وعندما انتصف الليل وارتدى الكون حلّته القاتمة المُحيقة

طرق أُذنيّ عويل مُخيف خيّم على بطاح الفانية برهبوت

ودمدمت شفاه غير منظورة : عفوك إلهنا ارحمنا ودعنا نموت

إذ ما عدنا لنستطيع أن نحتمل هذه الآلام العنيفة

وها نحن نقرّ أمامك بأنّ أرواحنا في الدنيا لم تكن عفيفة

لهذا قذفت بنا بعد انطلاقنا إلى هذه الدركات السحيقة !

وبرز أمامي شيطان كثيف الشعر وهو يقذف النار من عينيه

وينفث الدّخان المتواصل من فتحتي أنفه المتري (20)

وهو يسير دافعاً صدره إلى الأمام مُقلّداً ذلك المثري

وعندما بلغ إلى الدركِ المطلوب هاجمَ أحد الهلكى البائسين

وللحال لعلعت صيحات مدويّة خرجت من صدورِ وحناجر اليائسين

فأطبق على المطلوب واقتلع عينيه وصلم أذنيه ثمّ جرّد من اللحم وجنتيه !

دهشت بل ذعرت لهذا المشهد البطَّاش

فقد شاهدت المسكين المُردّم المُحطّم يهرق من مآقيه الدم

والشيطان ما فتئ يمثّل به ثم ينحني عليه بالتقريع وبالذمّ

وشاهدت الأرواح الوجلة الحائرة تندفع طافرة بجنون

بينما تصيح : رحماكم رحماكم أو ليس من قلبٍ عطوف حنون ؟

واستغاثت : أنجدوه أنقذوه ! ولكن المُعذّب كان سهمه قد خابَ وطاش !

                             ***

تقدّمت بوجلٍ وسألت الشيطان الرجيم أن يترك الهالك المسكين وعنه يتحوّل .

واستفسرته ما الداعي لهذا الإرهاب واستلعمته عن السبب ؟

فنظر إليّ بغيظٍ وهو يكاد يلتهمني التهاماً من العجبِ ومن شدّة الغضب

وأجابني : سر في ركابي وتشبّث جيّداً بجلبابي لأريك من الخطاة أدناهم

إذ سأهبط بك إلى دركات الجحيم كي تشاهد كيف يتعذّب من كفروا أو فسقوا في دنياهم

وامتطيتُ عنقه الكريه النجس فاخترق بي طبقات الأرض وإذا بنا في الدرك الأوّل !

                           الدرك المظلم الأوّل

الولوج إلى موطن الظلام الدامس

النحيب العظيم يملأ الأرجاء المظلمة الكئيبة

عجوز دهريّة تولول وتضج فيرجّع الصدى عويلها المخيف

أنا الآن أسعى كالأفعى

في عالم الظلام الدامس

وها إني أمرّ بوجه كئيب عابس

وأسمع النحيب العنيف

وهمهمة الوجيب المخيف

وها عجوز دهريّة (21) تولول وهي تقعى (22)

دهاليز عجيبة ومناظر رهيبة غريبة

أشباح مُزعجة تطوف في أودية الليل البهيم

تنقيبها في مملكة الظلام أجيالاً طويلة

اخترقتُ كافة طبقات الأرض

واجتزت دهاليزها العجيبة

فإذا بمناظرها هائلة وأشباحها رهيبة

تطوّف في أودية الليل الثقيل

وتبقى في تطوافها من جيلٍ إلى جيل

مُنقّبة بصبرٍ غريب في الطول وفي العرض !

صياحٌ دامٍ ودمدمة كدرآء شنعاء !

جمرٌ خالد يسكب دون حساب على رؤوسِ الخطاة !

هولٌ وضجيج يملأن رحاب هذا الدرك المرعب !!

إستقبلني صياحٌ دام وصخب وضجيج

وشاهدت الجمر الخالد يُسكب على الرؤوس

وتهوي عليها الأيدي حاملة الفؤوس

ثم يفغر (23) الجحيم فاه فتختلط الأجسام بالجمرات

فيرتفع النحيب من سكّان هذا المكان وتهمي العبرات

ويضجّ الجحيم بالهولِ والعجيج .

أفاع تخرج من قبور بالية عميقة !

زواحف هائلة تغادر مستنقعاتها !

السماء تمطر الخطاة رصاصاً مصهوراً فيا للأهوال المنقضّة !!..

وتخرج الأفاعي من ظلماتِ القبور

وتزحف الزواحف من مستنقعاتها

لتضيف إلى عذابهم أهوالاً من لسعات حماتها (24)

وتمطرهم السماء رصاصاً مصهوراً (25)

وتبقى على انهمارها (26) أعواماً ودهوراً

فيخلُدُ الخطاة في عذابهم حتى يوم النشور (27)

كلمات 1

كلمات

الدكتور داهش

 

كلمتي

 

قطعة من كبدي، و فلذة من روحي، و خلاصة من عناصري!

هي أملي التائه في بيداء هذه الحياة الصارخة الزاخرة بالآلام!

هي أمنيتي الضائعة في واحة هذا العالم

الذي تشيع فيه عناصر البؤس و الشقاء.

هي دموعي التي أقسمت على أن تظل أليفة الحزن حليفة الانسكاب!

هي أحزاني الصادقة التي يطيب لها أبداً أن تمخر هذا العباب!

هي ( كلمات) شاب حزين، متألم بائس

آلت الأوصاب على نفسها أن لا تفارق له ظلاً.

هي ( كلمات) ستخلد في بطون الكتب

بعد أن يصبح صاحبها راقداً في جوف حفرته الوفية!

 

داهش

من كتاب " القلب المحطم"

 

 

 

      لم أعتد نقد الكتب أو تقريظها،إذ لست بالكاتب الذي يحق له أن يتناول حتى أصغر المؤلفين بالنقد أو التقريظ؛ إلا انني تشجعت في هذه المرة بصورة لم اعهدها في نفسي من قبل، فرأيتني أمسك القلم لأخط كلمة لا أسميها نقداً أو تقريظاً، و إنما هي وحي من شعور صادق عن كتاب صديقي الدكتور داهش الذي أصدره مؤخراً بعنوان: كلمات الدكتور داهش.

و القارئ الذي يعرف المؤلف معرفة شخصية، باستطاعته أن يتفهم معاني كلماته و ما يقصد فيها، لأن ما يخطه الإنسان هو مرآة صادقة التعبير عن عواطفه و مشاعره و أمياله . و لذا فإنني إذا ما كتبت عن الدكتور داهش، فإنما أكتب عن معرفة تامة و دراسة قوية.

عرفت داهشاً في فلسطين منذ سنوات خلت. و قد عرَّفني فيه صديقي و زميلي في الصحافة الشاعر والفيلسوف المرحوم مطلق عبد الخالق.

عرفت فيه الروح المرحة الوثابة، و النفس العالية الطموحة، و الميل إلى صداقة الناس و معرفتهم، وحبه للمرأة و عطفه عليها و المدافعة عنها في كل مجلس أو ناد.

و منذ أيام قليلة يطلع علينا الدكتور داهش بكلماته الأخيرة، فقرأتها مثنى و ثلاث و رباع. و في كل مرة، وفي قراءة كل سطر، بل كل كلمة،أقف مستغرباً دهشاً.

يا الله، لقد تغيرت نفسية الدكتور و عواطفه و أمياله. لقد أصبح ناقماً، ثائراً على هذا الكون، على الناس، على الأصدقاء، على المرأة، و حتى على نفسه أيضاً.

يقول الدكتور في أولى كلماته:

      " حين تشك بأقرب المقربين إليك تبدأ في فهم حقائق هذا الكون".

تلك لعمري كلمة فلسفية لم يسبق لي أن سمعتها أو قرأتها لغير الدكتور داهش.

ليس من واحد في هذا العالم إلا و له عليه نقمة أو غضبة. و لكنه لا يستطيع التعبير عنها، فجاءت صحيحة كاملة في كلمة الدكتور الخالدة.

جرت العادة عند المؤلفين أن يكتبوا في الصفحة الأولى من مؤلفاتهم كلمة تعرف "بإهداء الكتاب". و هذا يكون طبعاً إما لشخص عظيم أو لعزيز. و لكن الدكتور اختط لنفسه طريقاً جديدة. فأهدى كتابه:

      " إلى كل ثائر على أنظمة هذا الكون الأهوج السخيف".

      "إلى كل من يحمل بيمينه معول الهدم ليقوض به بناء هذه الجامعة البشرية الكاذبة".

      "إلى كل نفس عطشى لحب الانتقام الرهيب".

       من خلال هذه الكلمات المسطرة يتبين للقارئ مبلغ حقد الدكتور و كراهيته لهذا العالم، و ما فيه من أكاذيب و رياء. و كل شخص تعمق في دراسة هذا العالم واختبر الحياة لا شك بأنه يقف موقف الدكتور الشديد، إذ ليس من شك بأن هناك من الحوادث الهامة المروعة التي مرت بحياة الدكتور ما أثار حفيظته على ما فيه من مخلوقات، فراح يعمل على الانتقاص من شأنها، و لو استطاع لقوَّضها.

      يتحدث الدكتور في كلماته عن المرأة فيقول عنها:

 

" هي شبح لا تتخيل أمامها سوى طيف شهواتها و أمانيها".

" هي شيء الحب كل ما تحلم به و تتوق إليه".

"هي غضبة الطبيعة و كلمتها الهدامة".

" هي الشيطان الرجيم اتخذ جسدها ملجأ حصيناً و معقلاً أميناً".

" لا يوجد في هذه الحياة من هو أشد قذارة من المرأة".

" المرأة بؤرة نتنة، والرجل خنزير قذر دائم التمرغ فيها".

" لا تأمن المرأة، حتى التي قذفت بك إلى هذا العالم".

" كلما ابتعدت عن المرأة ازددت قرباً من السماء".

" المرأة سبب شقائي الدائم".

 

      هنا.. هنا يظهر لنا السبب واضحاً جلياً في حملة الدكتور الشعواء على المرأة. فقد اعترف تماماً بكلماته الأخيرة:

      "المرأة سبب شقائي الدائم".

      إذاً فالدكتور ينقم على المرأة لأنها سبب شقائه. و لكن، يا دكتور، إذا كانت أحداهن قد سببت لك الشقاء، فليس لك أن تحكم عليهن جميعاً هذا الحكم القاسي. و هل بإمكاننا                   جميعاً إأن نبتعد عن المرأة كما تريد، و نستغني عنها؟! سنأخذ الجواب على ذلك من كلمات الدكتور، فاسمعوه ماذا يقول:

      "من يكون ذلك القديس الذي لم تخطر المرأة بباله؟ لو وجد هذا لشبهته بالآلهة".

      " يا لسلطان المرأة ما أعظمه على نفسي، و يا لجمالها ما أعذب رؤيته إلى عيني، و ما أشد حاجتي إلى عطفها و حنانها".

" أيتها المرأة العظيمة بقوتك، الهائلة بجبروتك، كم أنت تمرين بخاطري. و لا بد لي من يوم ارتقي بسببك إلى قمم المجد والفخار، أو انحدر إلى لجج النار".

" المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السلطان. و هي تحمل بيدها سيفاً قاطعاً لو حاول رجال الأرض قاطبة انتزاعه منها لباؤوا بالفشل و الخذلان".

      " الرجال حكموا على المرأة بالضعف، و الحقيقة تخالف هذا، إذ إنهم جميعاً عبيد أذلاء أمامها".

      تبينت لنا الحقيقة جلية؛ فإن الاضطراب في كلمات الدكتور و مناقصة نفسه لنفسه قد فضحاه، فهو يكره المرأة و يحبها، و هو يحتقرها و يحترمها.

      أعتقد تماماً بأنه سيأتي عما قريب اليوم الذي يتغير فيه الدكتور و تذهب من نفسه تلك العوامل و المؤثرات التي أوحت له بما كتب، و إن كنت أشاركه الرأي في كل ما كتبه      عن المرأة حاضراً و مستقبلاً.

      و يأتي بعد ذلك دور الأصدقاء فيقول الدكتور :

      "إن الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب".

      هل يختلف اثنان في هذا ؟ و هل باستطاعة أحد أن يقول غير ما قال الدكتور ، و يثبت أن له صديقاً حقيقياً؟. لا أظن ذلك...

      و يقول الدكتور في هذا الصدد أيضاً:

      " الرجل الذي يؤمن بوجود الصداقة الخالصة على وجه هذه الأرض جدير به أن يعلق في عنقه بسلاسل من فولاذ، و أن يموت كالكلاب شر ميتة".

      " سأحاذر، ما حييت، الأوغاد الأدنياء، من يدعون الصداقة و هم ذئاب خونة".؟

      " الصداقة، الولاء، الإخاء، نكران الذات... كلمات شعرية نستعملها في الكتابة فقط، و الحقيقة أن لا وجود لها أبداً".

      هذا رأي الدكتور في الأصدقاء. و اعتقد أن الجميع يشاطرونه الرأي في ذلك.

      و يأتي بعد ذلك الدكتور فيتكلم عن العالم و ما فيه من غرائب و تناقضات و ر ذالات، و يستهلُّ كلماته قائلا:

      "لا بارك الله في تلك الساعة التي فتحت فيها عينيّ فإذا بي في مكان يطلقون عليه اسم العالم".

      " لا سلام في هذا العالم".

      " الحياة سلسلة شرور متَّصلة الحلقات".

      الحياة سفينة عظيمة رائعة تمخر في بحر ماؤه الآثام، و أمواجه الشهوات البهيميّة، و شطآنه النهاية المؤلمة".

      "نأتي إلى هذا العالم باكين معولين، و نغادره باكين معولين. فواهاً لك يا عالم البكاء و العويل!".

      " من قال لك إنه سعيد، قل في نفسك إنه مجنون... يهذي".

      "أنا أشك بالملائكة، فكيف أؤمن بالبشر".

      هذه هي الحياة في نظر الدكتور. و يتبين لنا مبلغ ما يشعر به الدكتور من يأس و قنوط. لا شك بأن الحياة هي كما وصفها الدكتور، إلا أن فيها من وسائل السلوى و أسبابها ما    يخفف عن المرء احتمال الحياة.

      و نعود فنقول لأن ذلك يرجع إلى ما يشعر به الدكتور في نفسه، و إلى الصخرة التي ارتطم بها في حياته.

      و أخيراً أتقدم إلى الدكتور بالتهنئة الحارة على كلماته الخالدة و التي جاءت و لا شكَّ قاموساً يجب على المرء أن يقرأ ما فيه ليعرف شيئاً ما عن هذه الحياة الملأى بالشرور والآثام، و ليسير فيها على هدى و بصيرة و حذر و رويَّة.

أحمد خليل العقاد

فلسطين،1939

 

 

 

" كلمات" الدكتور داهش

حقيقة صارمة لا يستطيع تكذيبها إي إنسان

بقلم ملك قلعجي

 

            ثورة تتفجر، و توق إلى السمو، إلى الحقيقة، هما أول شيء يطالعنا به الكتاب. و لعمري هما ميزة الإنسان الانسان الذي يهدم ليبني، و لا يعيش على فتات ما قدمه إليه الأقدمون من أفكار، بل لا يؤمن إلا بما يلمسه و يحسه من تجرباته. و تلك هي ميزة لا يتحلى بها سوى قلة من الناس العباقرة:

      فأرسطو لم يؤمن إلا بما تعطيه إياه التجربة، و ديكارت قال:" أنا أشك في كل شيء، لكنني لا أشك في أنني أشك".

      من هنا ، من الشك، من الثورة، يبدأ الإنسان باكتشاف الحقيقة.

      يقال إن هنالك صداقة؛ لكن الشك في ذلك، و خوض التجربة هما وحدهما الكفيلان بقول الحقيقة: نعم أم لا.

      و قد كنت كذلك و قمت العمل و عرفت أن لا صديق. لم تقل فقط:" ليس هنالك من صديق"، ذلك قول البسطاء. لكن العباقرة يحللون الطبائع البشرية؛ و لقد حللت نفوس البشر. عندما تقول لإنسان ما:" ليس هنالك صداقة"، قد لا يقتنع. و لكن كلامك الذي يفسر النفوس البشرية أعمق تفسير، و يخوض في خباياها مظهراً كل ما يختبئ فيها، مبيناً كل ما يعتمل بجوانبها من نزوات و أهواء، يدفع القارئ للإيمان بما تقول.

كقولك مثلاً:" أنا أشك بنفسي و لا أثق بها، فكيف تريد مني أن أثق ثقة عمياء لا حد لها.. أولا يعد هذا منتهى الغباء و الجنون"؛

و قولك :" لا تثق بمخلوق ما، إذ إننا جميعاً خاضعون لسنة التغير".

 

 

     

       لقد عبرت عن مشاعر البشر الذين لا يعرفون هم التعبير عنها،بأساليب مختلفة: فمن قصة تروي فيها اضمحلال الصداقة،إلى حكمة مفعمة بالمنطق:

      "لا خير في صداقة تنميها الغايات"؛

      إلى أسلوب شعري يدخل القلب مباشرة:

      " الصداقة كالزهرة الشذية عرضة للذبول و العفاء"؛

      أو في مخاطبة الصداقة الحقيقية، في التساؤل عنها، في التوق إليها:

      " بربك إيتها الصداقة البريئة أنبئيني في أي أفق تحيين؟".

      كل قول، كل فكرة هي جدة في نوعها. فمن منطق إلى أقصوصة، إلى شعر، ،إلى رمز، إلى مخاطبة، إلى تساؤل، إلى سرد ،إلى استنتاج:

"كم أكون أحمق...إذا تركت لأي مخلوق سلطة على فؤادي بعد أن شاهدت من لؤم الأصدقاء و رذالتهم ما ناء به صدري و ضاقت به آمالي".

هنا يستنتج معك القارئ أيضاً. فأنت تدفعه للإيمان بما تقول إن عن طريق الوقائع، و الحقائق الدامغة نتيجة التجربة أو عن طريق الأسلوب الذي يدخل النفس بلا استئذان.

و أنت في كل ذلك متألم ثائر لأنك تريد الصداقة الحقة و لا تجدها فتتحسر عليها قائلاً جاعلاً كل من لك يقول معك:

      " ما أقبحك يا خيانة و ما أرذلك أيتها البغضاء اللعينة. وواهاً عليك أيتها الصداقة الذابلة!".

      و ينتقل معك القارئ إلى أسلوب هادئ صاخب، كذلك الجبل الذي يخبئ في أعماقه بركاناً.

 

ما أجمل ذلك التشبيه الذي قلت فيه:" و الظلمة أراها تحيط بي إحاطة الكواكب بالقمر المشرق الوضاء !" يأس فأمل فيأس: سلسلة مستمرة تؤلف حياة الإنسان و تجعله كما قلت " طيراً في قفص رهيب لا يستطيع النفاذ منه حتى يأتي الموت و يحرره من تلك العبودية".

      الوحدة، الإيمان، الابتعاد عن المادة، نهم الحياة و زيفها، المجتمعات ، الصداقة، تقلبات الحياة، الإقبال عليها ثم اكتشاف حقيقتها.

     "أمجاد هذا العالم وهم باطل، و لون حائل، و ظل زائل"

     "رغماً عن معرفتنا بأننا سنغادر هذه الحياة عاجلاً ام آجلاً ترانا متهالكين على سقطها و متاعها كأننا مخلدون"

      كل حكمة، كل قول تقوله ينطق بالحقيقة في كلمات قليلة موجزة، في أسلوب سهل ممتنع موجز، في عدة كلمات، فيؤثر في النفس مباشرة و يدخل القلب و يبعث على الاعتقاد.

 

      فمن سرد للوقائع، للإنسان كما هو:

      " جميعنا مغتر مخدوع ببعضه البعض "؛

      "ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين و غوث الملهوفين و الحنو على القانطين، و ما اقل تنفيذهم القول"؛

      إلى دعوة للإنسان كما يجب أن يكون

      " التربية القويمة خير واق "

" القسوة الشديدة تأتي بنتائج لا نرضاها"

و ينتقل القارئ من جو الحياة القاتم إلى ما فيها من جمال حين تناجي الطبيعة و تعبر عن نفس حساسة، صافية طاهرة:

"أنا أتوق للذهاب إلى أفياء الحزانة و الموؤودين، و أؤثرها على تلك الأفياء الصاخبة بالهازجين الضاحكين"

و في كل ما تقول حقيقة أعمق من أي عالم نفس شرح و أعطى النظريات المطولة عن النفس البشرية ورغباتها. فأنت تدرك أدق الامور التي تشرد عن عين البشر العاديين لكنها لا تغيب عن نظرك.

" جميعنا نحب التملق كالأطفال" .

" يتكلم المرء بشفتيه ما ليس يضمره في فؤاده".

" أنا اليوم غيري بالامس".

و بعد تلك المعرفة الدقيقة العميقة تنهى البشر:

" إزرع شراً تحصد ألماً".

"إعمل الخير واعضد المساكين تحصل على السعادة".

كل قول يسحر ، و فيه حقيقة صارمة لا يستطيع تكذيبها أي إنسان. و كل ذلك في أسلوب سهل ممتنع موجز بليغ.

 

ملك قلعجي

1965

 

      لماذا اوضعت هذا الكتاب؟

 

      في بدء عام 1936 أحببت أن ادون ، في كل يوم من أيامه، كلمة أقولها ، و هكذا كان.   فما انقضى ذلك العام حتى اجتمعت في نهايته هذه الكلمات التي تشرح نفسيتي شرحاً حقيقياً وافياً؛ و يجدها القارئ الكريم مجموعة في هذا الكتاب الذي يجده بين يديه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة الطبعة الأولى

 

كلمة عام 1935

 

      لقد توارى عام 1935 بآلامه المبرحة، و شؤونه المدلهمَّة، و إحداثه القاتمة المُرعبة؛ و ها أنا ألج باب العام الجديد ، بقلبٍ واجفٍ خافق، و نفس حزينة حيرى، و روح تائهة في فضاءِ المجهول، و دموع مدرارة حرى ، وكيان تتوزعه شتى الميول المتضاربة، و جسد يتنازعه كثير من الرغبات غير المستحبَّة...

      و لكني أشعر في قرارة نفسي بصوت جبَّار تهتزُّ منه أعصابي، و ينخلع له فؤادي ، و هو يهيب بي لأن أسحق تحت موطئ قدميّ أفاعي التمنيات المُرعبة الشوهاء، و أن أقود جميع الأعمال الغير المرضية التي حاكتها يدي تحت جناح ليالي العام البائد، و أن أحاول، جهد المستطاع، أن أتغلب على ضعفي البشري الموروث، وأن لا أقدم على أعمال يتندى لها جبيني خجلاً و حياء، و كي لا أقف يوماً أمام نفسي الخفية الحكيمة موقف الذلِّ و المهانة و هي تحاكمني على ما اقترفته من إثمٍ رهيب، و نقيصةٍ بالغة، و من ثم تحكم عليّ بعذابِ الضمير عذاباً أبدياً، و آلام الروح آلاماً سرمدياً، ثم الابتعاد عن وجه النور، وجه الحقيقة، وجه السعادة، وجه السناء، وجه البهاء، وجه الأمل العذب المُرتجى، وجه ما ينشده الماء والهواء والفضاء و السماء، وجه من يتطلع إليه جميع الأحياء دون استثناء، وجه من تتمنَّاه جميع المخلوقات معروفها و مجهولها، وجه الحقيقة الحقَّة العادلة، وجه الخالق عزّ و جلّ...

      اللهم قوِّني و سدّد خطواتي نحو طريق الفضيلة و الكمال، و لا تحجب نورك المُرشد من أمامي كي لا أتعثَّر بعد ذلك في طريق الظلام الشامل، و كي لا أقاد إلى مهاوي الجريمة و الفساد. و دعني بقوتك الإلهامية أسير سيراً ترضاه الفضيلة و تطمئن له أعماقِ الخفية فأسعد بعد انقضاء أيامي القصيرة المحدودة، و أذهب هناك حيث لا كآبة و عناء، بل كل سعادة و هناء...

الدكتور داهش

 

 

مذكرات دينار

 

           مذكرات دينار

 

 

             معجزة أدبيّة

 

هي الحقيقة التي لا رياء يسري في روحها فيلوثها ويجعلها مهزلة المهازل .

وما أنا إلاّ شاهدٌ أمينٌ صادق انقل مشاهداتي بأمانةٍ تامة. مُعلناً استغرابي الشديد لحدوث هذه المُعجزة الأدبيّة المُلهمة.

يشهدُ الله أنها مُعجزةٌ فريدة . من مُعجزاته العديدة . فإنّ الدكتور داهش صمَّم على تأليف كتابه "مذكرات دينار" وأراد أن ينفّذ فكرته بصورةٍ جديّة عمليّة .

وإذا بي أراه يجلس وراء مكتبه في إحدى خلواته . ويبتدئ في الكتابة بسرعة عجيبة هي سرعة الطائر المتنقل من غصنٍ إلى غصن . ومن دوحةٍ إلى دوحة . ومكثَ تسع ساعات كاملة مُكبّاً على تدوين أفكاره بصورةٍ متواصلة .

ثم قدّم لي ما أخرجه قلمه من صفحاتٍ بل نفحاتٍ لأبيِّضها كعادتي في كلِّ ما يكتبه فأعود لأنظمه شعراً عربيّاً لأبناء بلادي .

ومضى أسبوعٌ كامل خرجَ في نهايته كتاب "مذكرات دينار" ناجزاً تاماً رائعاً بعد أن أبدع فيه بوصفِ أمراضنا الاجتماعيّة من شرقيّة وغربيّة . ففكَّك أوصالها وذرّاتها . ودقائقها وفقراتها . بعد أن وضع هيكلها على مائدة تشريحه الهائلة الحدّ . المُخيفة البتر في ساعات الجدّ.

نعم . إنّ هذا السفر الضخم الذي ألمّ فيه الدكتور داهش بكلّ صغيرة وكبيرة في أكثر شؤون الحياة وأدقّها والتي غاص إلى أعمق أعماقها وحلّلها تحليل الخبير الماهر . لم يستغرق في تأليفه من ألفه إلى يائه أكثر من سبعة أيّام لا تزيد ساعة واحدة !

وربّ قاريء يستهزئ بما أقول لاستحالة تصديقه ما هو عندي حقيقة واقعيّة راهنة .

وعلى رغم أن كثيرين سيتهمونني بالمبالغة والتهوّر وعدم التصديق فإنني لا ألومهم . ولا يسعني أن أعتبَ عليهم . لأنه لو روى لي أي مخلوق ما أرويه الآن للرأي العام لاتَّهمته في الحال بأنه المُحابي الأول أو أنه قال ما قال لغاية في نفسِ يعقوب . ألا فليثق كل من يطالع مقدمتي هذه بأنّ "مذكرات دينار" ليس هو الأول وليس هو الأخير من المجموعة الداهشيّة المتَّصلة الحلقات التي ألّفها ويؤلّفها الدكتور داهش في فترات متسلسلة .

إنها قد أربت حتى اليوم على خمسين مؤلّفاً قيّماً تناول فيها شتّى شؤون الحياة الدنيا وأمورها الكثيرة التعقيد والتداخل . وجميعها دوّنها بالسرعة التي لا يصدّقها إلاّ من رآها فرواها .

فأعظم كتاب وأتفهه لا يتطلّب معه مدّة تتجاوز عشرة أيّام على أكثر تقدير .

إنّ كتاباً حيوياً كهذه المذكرات إذا إنكبّ على تأليفه أحد المؤلفين الأفذاذ الذين قطعوا المرحلة الخامسة من أعمارهم يحتاج لإنجازه إلى بضعة أعوام بالرغم من خبرته الدنيويّة . وحلبه لشطريها . وتذوّقه حلاوة الأيّام ومرارتها . فكيف بالدكتور داهش وهو بعد في منتصف عقده الثالث ؟

وبحمد الله فهناك كثيرون من أصدقاء الدكتور داهش ومحبّيه . وأنصاره ومريديه قد شاهدوا ما شاهدته . ولمسوا ما لمسته . وهم يؤكدون أقوالي ويؤيدون . ومثلما شهدت أنا فهم بدورهم يشهدون .

حليم دمّوس

بيروت 1946

 

 

 

هذا المُجتمع

 

اعتادَ الكتّاب والأدباء الشرقيّون عندما يريدون انتقاد نقيصة من نقائصِ المجتمع أن يبطّنوا تلك النقيصة ببارع العبارات المزخرفة بصناعة التلاعب بالألفاظ يصوغونها في قوالب لغويّة بعد أن يشذبوها ويهذبوها ويتفنَّنوا في سبكها بمهارة .

وقصدهم من هذا التأنّق اللفظي أن يخفوا وراءه مآسي هذه الحياة القاسية . ويخفِّفوا من وقعها البشع في النفوس بتبطينهم المأساة الاجتماعيّة المُفجعة بذلك السبك اللفظي المُحكم الأناقة .

إنّ هؤلاء الأدباء بالرغم من حسن نيتهم ونُبل مقصدهم . وبالرغم من لفتهم أنظار المجتمع وتحذيرهم إيّاه من الاندفاع في خضمّ رذائله . وبالرغم من محاولتهم توجيهه الوجهة الصحيحة فإنّهم أساؤا إليه من حيث لا يدرون . وذلك بعدم عرضهم لمساوئ مجتمعهم مثلما هي .

والدخول إلى البيوت من أبوابها .

فالحقيقة أتت عارية وهي لا تلتحف بالخفاء .

إنّ تفنّنهم في التأنّق اللفظي وعدم إبرازهم النقائص المطروحة على مشرحة انتقادهم ، ووضعها تحت مبضع أقلامهم وقنابل نقدهم كي يفككوا ذرّاتها ذرّة ذرّة ، قد أضاع عليهم الغاية التي يهدفون إليها ويريدون إيصالها إلى آذان المجتمع الذي تفتك به جراثيم هذه النقائص الخطيرة فتكاً ذريعاً .

نعم ، إنّها حقيقة يا سادة ولا غبار على صحتها .

فإذا كان السواد الأعظم من الكتاب لا يريدون إظهار حقائق الحياة والخوض في خضمها المترامي الداجي الظلمات رحمة بالبقيّة الباقية على ما اصطلح وتعارف عليه الناس من قواعد الفضيلة فإنني رأيت أن أشذّ عن هذا الاصطلاح ، وأخرج من دائرة هذا التعارف .

فالحقيقة هي بنت البحث مهما كابر المكابرون ، ومهما علتْ صيحات من للفضيلة يدعون . ويشفع بي حسن نيتي وما أتوخّاه من تقويم اعوجاجاتنا الأخلاقيّة ، هذا إذا قُدّر لهذه الاعوجاجات أن تتقوّم .

ورغم تأكدي أن هذا الحلم الذهبي بعيد المنال فإنني دوّنت آرائي بإخلاصٍ وعرضتها على الأنظار دون أن ألحفها بالأستار .

وبعد فهذا هو جهدي أقدّمه لهذا المجتمع . وتلك هي صوره الجشعة البشعة ، فإنّ صادف كتابي هذا هوىً في نفوس القرّاء فإنني أكون توفقت لما صبوت إليه . وإن لم يصادف هوىً في نفوسهم فإنّ هذا يضيرني في شيء . ولا يغيّر من حقيقة الواقع الصادعة . فحسبي أنني أرضيته تعالى مثلما أرضيت ضميري .

وهذا غاية مبتغاي !

الدكتور داهش

16-1-1946                          

 

 

 

هناك في الأغوار

 

ظلام دامس !

وصمت أخرس رهيب يفرض إرادته الجبّارة في هذه الأعماق السحيقة.

إنّ أشعّة الشمس لأعجز من أن تستطيع اختراق بروج هذه الأغوار التي انبثقت عن الإرادة الإلهيّة .

فوطننا تكتنفه المهابة . ويحتاط به السكون الأبدي . والصمت السرمدي . لا همسة ولا نأمة.

فالكرى المعسول ألقى علينا إكسيره السحري . فاستسلمنا لسلطانه العذب . وغرقنا في محيطاته العجيبة . وجعلنا نحلّق في فراديسه الغريبة .

لقد مضت علينا أجيال ونحن غارقون في سباتنا العميق المتواصل دون أن يعكّر علينا صفو خلوتنا وسكينتنا معكّر . ودون أن نملّ أو نتذمّر من وحدتنا وانفرادنا .

وكان للأشعّة البرّاقة المنبعثة من مادتنا مشهد خيالي فتّان ، إذ كانت تتألّق كأنوار الحُباحب فتضفي على المكان روعة تبعث فينا الخشوع التام .

نحن كتلة معدنيّة هائلة متراصّة يمسك بعضاً بعزمٍ وجبروت صارمين ، إذ تأبى الانفصال والافتراق . لأننا معشر الذهب تلقنّا الحكمة من الأحاديث التي كنّا نتسقطها عندما كانت الأقدار تلقي بنصائحها وإرشاداتها الثمينة على الأعوام التي كانت ترسلها إلى كوكب الأرض .

وكم كنّا نُدهش ويأخذنا العجب لما كانت تقصّه علينا الأعوام بعد عودتها من طوافها بين البشر ، وانتهاء أيّام حكمها القصيرة الأمد . فقد كانت تحدّثنا بأعجب الأنباء ، وأمتع الأخبار ، وأعنف الحوادث التي حدثت في خلال أيام إقامتها .

وكانت حوادث بعض الأعوام تتفوّق على أحداث غيرها بما وقع فيها من فوادح الأمور وعظائم الشرور .

وكان أعجب ما كنّا نؤخذ به اتفاق كلمة آلاف الأعوام القائلة :

إنّ أهمّ ما يهتم له البشر ويتمنون الحصول عليه ، إنّما هو معدننا ذو البريق الأصفر ... إذ أكّدت لنا هذه الأعوام المُحالة إلى التقاعد أنّ شأننا عند هؤلاء البشر بالغٌ في عظمته وأنَّهم يبذلون في سبيل الحصول علينا مشقَّاتٍ هائلة . ويمنون بمتاعبٍ فادحة كي يتمّ لهم الاستيلاء على القليل من معدننا .

وخلاصة الأمر أن أمنيتهم في دنياهم أن يحصلوا على أكبر قدر من مادتنا ... فهي لديهم وسيلة الوسائل وغاية الغايات .

وأيمَّ الحق لقد شعر البعض منّا بشوقٍ ملحٍ أن تُتيح له الأيام مشاهدة عالم البشر ليرى بنفسه مقدار صحّة هذه الأنباء العجيبة . وكي يتمتع بعالمٍ جديد آخر .

خمسة آلاف ومئة من الأعوام طويت منذ راودت بعضنا هذه الرغبة العجيبة . وفي نهايتها تحقَّقت أمنيتنا ...

 

قصص غريبة الجزء الأول

قصص غريبة و أساطير عجيبة

الجزء الأول

الحق أحق أن يتبع

بقلم الدكتور داهش

          بتاريخ 10/3/1976، و في الساعة الثالثة و النصف بعد الظهر، وصلت إلى نيويورك بطائرة الجامبو. و مكثت في أميركا عامين و نصف العام. و بأثناء إقامتي فيها كتبت معظم هذه القصص و الأساطير و عددها 85 قصة و أسطورة سيضمها مجلَّدان.

و هي المرة الأولى التي أكتب فيها هذا النوع من الأدب الحافل بشتى الصور العجيبة الغريبة.

و القصة يعالج فيها الكاتب أحداث الحياة ووقائعها الحافلة بشتى الغرائب التي هي مزيج من الخير و الشر. و في النهاية يخرج بعظة و نتيجة تحضّ على الخير و تشجب الجريمة.

والقارئ لقصصي و أساطيري سيُذهل لحكمي الصارم على كل ما تزخر به الحياة من شؤون و شجون.

و سيرى أنني قسوت بحكمي على المرأة والرجل أيضاً. و لكن الحقيقة أحقّ أن تُذكر دون أن يُسدل عليها رداء عاره، متسربل بشناره.

إن على الكتَّاب واجباً مفروضاً هو قول الحقيقة دون سواها. فلماذا يحاول الجميع صياغة قصصهم بإلباسها رداء الفضيلة،بينما الرذيلة هي السائدة في ربوع دنيانا!

عليهم أن ينقضوا انقضاض النسور على فرائسها، و قول الحقّ الصريح الواضح دون مُحاباة أو مُواربة.

لهذا يرى القارئ أن حكمي على أبناء الكرة الأرضية من رجال ونساء هو حكم صارم، و لكنه حقيقي.

فأنا لا أتحامل عليهم تحاملاً غاشماً، إطلاقاً. و لكني أصف واقعنا الحياتي الحافل بالمعاصي، و المطوق الجميع حتى النواصي.

فالغش هو السائد، و الباطل سوقه رائجة، والاعتداء لا ينكره مُنكر، و الفساد متفشّ في عواصم الكرة الأرضية بأسرها، والفسق و الفجور مسيطران على الجنس البشري بأسره، و الأطماع حدّث عنها ولا حرج، و كسب المال، و لو بطريق الحرام، غاية و ليس وسيلة، و الرذيلة صرعت الفضيلة، والشر بسط جناحيه وراح يرود أرجاء الكرة الأرضية، نافثاً فيها سمومه الرهيبة. و قد استجاب له أبناء الغبراء بقضهم و قضيضهم.

هذه هي الحقيقة، و الحقيقة لا يستطيع إنكارها إلا كل جاحد كاذب.

لهذا يرى القراء أن قصصي موسومة بهذا الطابع الذي لا يرحم رجلاً ولا يبرئ امرأة من الأوشاب و الاوزار الواقعية. و أنا لا يهمني آراء الغير إطلاقاً إذا كانت تشجب رأيي، فما كتبته عن السلوك البشري أؤمن به إيماني بوجود خالقي، إذ إنه حقيقة واقعة، و بذله نفسه عن الآخرين، و تمسكه بالفضيلة المثلى، إنه:

غاندي نبي القرن العشرين

وبانطلاق غاندي إلى عالم الأرواح النقي التقي، أقفل الباب إذ لم يأت إلى عالمنا رجل صلاح آخر يماثله إطلاقاً.

وغاندي رحل عن دنيانا في الساعة الثالثة بعد ظهر الجمعة الواقع في 30 كانون الثاني 1948، تاركاً أرضنا الغارقة في أقذارها و دناستها المشينة. و يوم مصرعه هلعت نفوس كبار رجال العالم و سياسييه، و غمر الحزن النفوس و ساد الذعر الأفئدة، و راحت صحف الدنيا ترثي أعظم رجال الكرة الأرضية.

وها إني أعيد نشر الكلمة التي صدرت في جريدة"الدفاع" الفلسطينية، بتاريخ شباط 1948، إذ قالت تحت هذا العنوان:

غاندي- نورٌ وروح!

"من الغرب و الشرق تجاوبت الأصداء تعليقاً على خسارة العالم بغاندي. و ما سبق في هذا العصر، أن شاع الحزن في نفوس الملايين على رجل، شيوعه على معلم الهند ومحرِّرها ووالدها. و هذا وحده كاف لإيضاح تلك المنزلة التي كان يحتلها المُصلح العظيم في نفوس الشعوب و الأفراد. و هو برهان، كذلك، على أن الشرق ما زال يدفع إلى العالم بالمصلحين ذوي الدعوة الإنسانية الشاملة.

لقد كان غاندي أرق و ألطف من أن يواجه بالقتل. كان نوراً له ما للنور من طبيعة الإضاءة في الظلام. و في عالمنا جوانب مُظلمة كبيرة، فكان غاندي ساطعاً فيها باستمرار يُهدي الحائرين، أقوياء و ضعفاء، إلى طريق الخلاص.

و في دنيا تفتقر إلى التضحية و المحبَّة، كان غاندي يُلقي الدروس الرائعة فيهما. و حسبه أن احداً لم يستطع الرقيّ إلى مستواه. و إلى أن يستطيع الناس ذلك، سيبقون في حاجة ماسة إلى الاستقرار و سكينة النفس.

وما نحسب أذناً في هذه الدنيا لم يطرق سمعها اسم غاندي. و هو اسم رحيم ينزل على القلوب رخيماً كالنغم، عذباً كالفرات، مُهيباً كالقداسة."

فغاندي من امجِّدَه، و غاندي من أجلَّه و أقدّسه.

وبانطلاقه من ربوع دنيانا قُضي على الفضيلة، إذ لم أر في عالمنا من يتشبث بناصيتها. فالجميع عبيد لشهواتهم البهيمة، كما هم عبيد لمصالحهم و ان يكن على آلام سواهم ممن يعتدون على حقوقهم ليكونوا الفائزين بالغنيمة الملوثة بطاعون الاغتصاب الدنيء.

وأخيراً، إنني أعلن بصوتي الجهوريّ قائلاً:

إن عالمنا مُصابٌ بطاعونِ الشرور المُحيقة، و قاطنوه أشرار فجَّار.

فيا ويلهم، يوم حسابهم، و هم يتقلبون بين أشداق النار الأبدية الاتقاد، جزاء وفاقاً.

الدكتور داهش

بيروت، في 4 كانون الثاني 1979

توطئة

بقلم غازي براكس

هوذا الدكتور داهش الذي تفرد بين الناس بأعماله، يتميز بين الادباء بخوارق قصصه!

وإذا كان هوميروس قد عرف بأساطيره الميثولوجية؛ و فولتير بقصصه الغريبة الاحداث، و دانتي برحلاته إلى النعيم و الجحيم، و إدجار ألن بو بأقاصيصه العجيبة، و جول قرن برواياته الخيالية، و تولستوي بتصوير الحياة الواقعية، فإن الدكتور داهش استطاع أن يجمع فيه ميزاتهم جميعهم، ويتفوق عليهم بما وهبه الله من خصائص روحية فريدة تتيح له اماطة اللثام عن أسرار الحياة و الموت و ألغاز الوجود المادي و الروحي.

فبعد كتابه المُعجز " مذكرات دينار" الذي هو أشبه بأوذيسّة القرن العشرين، يطلع الدكتور داهش على العالم الأدبي بخمس وثمانين قصة موزعة في جزءين. و هي قصص قصيرة جذابة، من أي جانب أتيتها عدت منها وملء راحتيك جنى لن ينسى مذاقه اللذيذ العجيب!

فان نشدت المتعة و التسلية و جدتها في موضوعاتها الطريفة، و أحداثها الغريبة و حبكها المشوقة المثيرة، و عقدتها المحيّرة المربكة،وحلَّها المُدهش المُذهل. و إن توخيت الفائدة و العبرة لقيتهما حيثما مررت، بلا وعظٍ مملّ أو إرشادٍ مُزعج أو إسهاب مسئم. فالحياة هي التي تتكلم بألسنتها اللامحدودة، وتنطق بأحداثها اللانهائية، فإذا أنت محمول في زورق الخيال، فوق أمواجها المتدفقة، تارة متهادياً، طوراً مُندفعاً، تشهد تحوّل الأسباب إلى نتائج والبذور إلى ثمار، في شريط من الأفراح و المآسي، و الآمال و الآلام، و الدمع و الابتسام، حتى لكأنك تسيح بين الآزال و الآباد، و قد تجمعت الحياة بين يديك نهراً خالداً!

تجول المؤلف في عالم الأرض. و الدهشة مستبدة بك، فكأنك لم تعرف الناس و لم تألفهم! فوجوههم غير التي عرفتها، بعد أن سقطت عنها الأقنعة! وحقيقتهم غير التي ألفتها، بعد ان بدت عارية، وكالحربة تطعنك في الصميم!

فالمرأة تغلب الشهوة الجامحة على رغباتها، و الخيانة على تصرفاتها،و الرياء يقود خطواتها، ومع ذلك، فعرشها في الأرض لا يتزعزع، و سلطانها على قلوب الرجال لا يتضعضع! و إن وجدت صادقة مخلصة فلا تكون من طينة الأرض لكن هابطة من بعض الكواكب القصية!

و الرجل يهيمن الطمع عليه، و تطوقه الغيرة، و يحف به الغدر و الظلم. فإن اطمأن قلبك إلى امرئ فأكبرت أعماله و حمدت سيرته، فسرعان ما تكتشف أن هذا النور ليس من ذلك الظلام، و أنه كالذهب بين الرغام!

وقد يخطر على بالك أن الحياة قد تكون أصابت المؤلف بلطخات منها سوداء. فأظلمت نظراته، و قست عليها عباراته،واشتد تشاؤمه فتوهَّم أن الشرَّ قد تسلطن على الأرض، و المفاسد قد عششت و فرَّخت في قاطنيها، لكنك لا تلبث أن تدرك، إذا كنت من ذوي الألباب، أنه أصاب بتصويره الفذ كبد الحقيقة، لأن رايتها هي رايته، و محجتها هي غايته،فهو رجل العدل و الصدق، و كلامه هو الفصل و الحق، و إنما نحن نعيش في مخادعة أنفسنا، نزيّن وجه الحياة القبيح حتى لا نُفجع ببشاعة وجوهنا. في حين انه يصدقنا القول و التصوير و إن جرحتنا مدية الحقيقة، من أجل أن يقينا مخاطر الحياة المُخيفة، و يعلّمنا الأمثولة الشريفة.

و يعرج خيال المؤلف بك إلى الكواكب و العوالم العلوية، فتفتح امامك أبوابها الدهرية، و ترفع حُجبها الأزلية، فإذا أنت تجوس ربوعها السعيدة، تشارك قاطنيها النشوة العظمى، و تدهش لأسرارها المُذهلة، و أساليب حياتها العجيبة، فتوقن،إذ ذاك، بأن سعادة الأرض ليست إلاّ وهماً زائلاً و ظلاً حائلاً إزاء سعادتها الدائمة، و تدرك ان الحضارة البشرية ليست سوى درجة في سلّم الحضارات الكونية،إذ تكشف لك جوانب قليلة من علوم الكواكب الباهرة، فتتوق لأن تحرز نصيباً، و لو هزيلاً، من سامي معارفها، و حظاً، و لو ضئيلاً، من نعيم لذائذها.

و يفتح لك صاحب الكتاب أبواب الجحيم، فتتعرف إلى أبالستها و قد تجسدوا في الأرض بشراً أسوياء، فساكنوا الناس و خالطوهم، حتى إذا ما اطمأن هؤلاء اليهم، كشف زبانية الجحيم عن حقيقتهم المرعبة، فكانت المأساة المُفجعة!

أو يفتح لك أبواب القبور، فيطفر أمواتها يغرون الغواني بالقصور، حتى إذا دقت ساعة الحساب، و أسفر الميت عن وجهه الرعاب، حلّ العقاب و أي عقاب!

و تجول مع المؤلف في رحاب الطبيعة، فإذا أرضها وفضاؤها، نباتها و حيوانها جميعها كائنات عاقلة تدرك و تشعر و تريد، و تعاني الصراع بين الشر و الخير، فتعجب، إذ ذاك، من انك لست العاقل الوحيد بين الكائنات، و ترهف أذنيك لتلتقط همسات قد تبوح بها عرائس الانسام و القصب، أو طوائف الخضار و ألواح الخشب. و تغلغل بصيرتك- و قد شحذها لك المؤلف-إلى جواهر الأشياء، تكتشف معانيها الخفية و العلاقات بينها و بين الناس، فإذا الكل قائم على ناموس التقمص و على قانون العدالة الإلهية التي لا يختلّ ميزانها.

و تعترضك في أحداث التاريخ ثغرات تودّ أن تملأها، و أسئلة تتمنى الإجابة عنها، فإذا المؤلف يعطيك الجواب الشافي و التعليل العجيب اللذين لا يقدر عليهما إلا الرجل العجيب.

هكذا، يرى القارئ نفسه، وهو في سياحته الاخاذة، مدفوعاً إلى أن يعيد النظر في مفاهيمه التي ورثها عن الاجيال البائدة، و في اعتباره لنفسه ولحضارته. فليس الإنسان دائماً هو الأفضل بين المخلوقات حتى الأرضية منها فقد يفضله الكلب أحياناً، ذلك بأن القيمة الحقيقية هي للسيال حيثما هو وليس للإنسان. و السيال- تلك الطاقة الإشعاعية الخفية الحية المشتركة بين الكائنات جميعها- قد يرتقي و قد يتسفّل حسب الميل الذي يحركه، ومسؤولية ارتقائه أو انحطاطه يتحملها هو وحده. أما الحضارة البشرية فليست سوى حلقة صغيرة في سلسلة الحياة الكونية المتصاعدة حتى اللانهاية.

وعلى ضوء ذلك، تكشف هذه القصص سر علاقات العوالم بعضها ببعض، و سر تفاهم الناس أو اختلافهم، و هناء الأزواج أو أشقائهم...فقد يرد ذلك إلى تلاقي سيالاتهم في دورات سابقة، كما إلى توافقهما أو تناقضها. فقد يعيش الفقيران سعيدين، و الغنيان شقيين، و قد يُلهم الإنسان سيَّالٌ من عالمٍ علويّ، أو يوسوس له سيَّالٌ من عالمٍ سفليّ!

وقصص الدكتور داهش تمتاز بالعمق، على بساطة أدائها. و عمقها في أنها تنقلك من الاحداث العارضة إلى الجوهر، و تفتح بصيرتك فترى الحياة بأبعادها الحقيقية واستمراريتها الأبدية التي هي أعجب من الخيال. من هنا أن الخيال في هذه القصص جلَّه حقيقة واقعية، لكنها تخفى عن عيون البشر العاديين.

وهذا الأدب القصصي ينقلك إلى ما يعادل الفلسفة الحية، الفلسفة التي ليست بشعوذات فكرية أو افتراضات متناقضة وهمية، إنما هي الحقيقة العارية التي أتيتك على أجنحة الخيال فتبهر عينيك، فلا يبقى ماثلاً أمام ناظريك إلا ميزان العدالة الإلهي!

وطرافة هذا الأدب ليست في البهلوانيات اللفظية، و الاستعارات البيانية، و الزخارف البديعية، و التدجيلات الفنية التي كثيراً ما يلجأ المحدثون إليها حينما يأخذهم هوس التجديد، بل هي في أفكاره السامية العجيبة، و موضوعاته الفريدة المبتدعة، و في إزاحة الستر عن حقيقة موجودة و ليست مخترعة،لأن حقائق الحياة كالقوانين الطبيعية يُماط اللثام عنها. لكنها في صميم الوجود كائنة؛ و فضل الأديب العبقري في أنه يستطيع أن يحطّم قشور الحياة لينفذ إلى لبابها، فيرى، إذ ذاك، ما لا يراه الذين ينظرون بعيون وجوههم فقط.

أخيراً، لا غنى عن الإشارة إلى أن العالم الطريف العجيب الذي يقدمه الدكتور داهش، في الأرض و البحر و الفضاء، و في داخل الأشياء، ليصلح أن يكون مادة غنية خصبة للسينما و التلفزيون. و لكن فيها التشويق و الإثارة،و التعليم و الإفادة، و العمق و البساطة. فهي قصص خارقة من رجل خارق. إنها ألف ليلة و ليلة القرن العشرين كتبت بأسلوب حيّ أخاذ بجمال بساطته، لتكون مُتعة وفائدة للكثيرين.

غازي براكس

بيروت 4 كانون الثاني 1979

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.