أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

ذكريات الماضي

حقارة البشر وضِعتهم

لقد أوغلت البشرية في العماية،

وضلَّت سُبل الهداية،

وطمست المادَّة على حواسها المعروفة والمجهولة،

فإذا بها قطعة منها لا تتجزأ.

البشر لا يعبدون إلا المادَّة،

وقد اتَّخذوها لهم إلهاً دون الله،

يعبدونه ويقدسونه ويحرقون البخور أمامه،

مُتعبدين خاشعين غير مُلتفتين إلى سواه.

لقد اجتزت المرحلة الثانية من حياتي القصيرة هذه،

وأنا أنعم النظر بما يقوم به كلّ من أبناء جلدتي،

فإذا به سخف وهراء.

عاشرتهم،واختلطت بشخصيات متعدِّدة

تظنّ أنَّها بلغت من الأدبِ والكمال الشيء الكثير،

ولكن لدى الحقيقة وبعد التحقيق والتمحيص،

رأيتهم ذئاباً خاطفة في أثواب حملان وديعة.

وجهاء؟! وما هي هذه اللفظة...؟

إنهم يظنّون أنفسهم كالآلهة مُرتبة ومُنزلة،

وتراهم يشمخون بأنوفهم التي سيتَّخذها الدود له مقراً!

وعندما يسير أحدهم مُتبختراً في الشوارع،

يظن نفسه أنه الطاغية الجبَّار الذي لا يُصطلى له بنار.

أيها المُتعجرف الصلف،

إنني أهزأ بك وبمن هو على شاكلتك!

أعلمني ما هي معلوماتك التي تتباهى بها،

بل ما هي معارف أعظم فيلسوف،

مثلما يطلق عليه هذا الإسم أهل الكرة الأرضية؟

وهل قدَّم أو أخَّر في شيء- مهما كان من البساطة-

عن الحقيقة التي نشدها من يطلق عليهم اسم الفلاسفة

من قديم الزمان؟

إذن لم هذه (العنجهية) الكاذبة؟

لست أدري!

أوليسوا بشراً..؟

والمعروف عن البشر أنهم يسيرون

مثلما كان يسير أسلافهم منذ القدم.

وشأن المتعلمين لا يختلف أيضاً عن هذه الطبقة.

فكيف إذن بالطبقات الأخرى الجاهلة؟

فالحقيقة التي يجب أن تُذاع،

والتي لا يعتورها أي لبسٍ أو غموض،

أن البشريَّة قد أوغلت في الشر،

وانغمست بالأعمال الدنيئة،

وخاضت مُستنقعات الصغائر.

فما دامت الإنسانسة

قد وصلت إلى هذه الدرجة من الإنحطاط الأخلاقي،

فما الذي يدعني أن أحترم كبيرهم أو صغيرهم،

عظيمهم أو حقيرهم،

سائدهم أو مسودهم؟

إنني أعتبر الحيوانات العجماء والحشرات السامة

خيراً من أرباب العظمة الفارغة.

وأعتقد بل أجزم وأؤكد أنه لا عدالة في دنيانا التاعسة،

بل ظلمٌ فادحٌ صارخ مما يأتيه البشر الأدعياء.

هذا هو رأيي،

فإن حاز مقبولاً أو لم يحز فإنني أذيعه للملأ

سواء أغضبوا أم رضوا،

ولا يهمني رضاؤهم أو غضبهم،

ما دمت أعلن حقيقة لا يستطيع إنكارها أحد ما.

ولذا تراني أحيا بها وأموت لأجلها.

                     القدس أول نيسان 1933

حياتنا التافهة

عندما قذفَ بي العدم إلى عالمِ الوجود،

كنت ذرة في عالم الهناء والخلود.

في تلك الدقيقة ، كتب عليّ الشقاء.

وفي خضم هذه الحياة نؤت بالعناء.

بين سلسلة الآلام المُتلاحقة ترعرعت،

وبأحضانِ الشقاء والكرب العميق نشأت،

حتى أكملت العاشرة.

ومن ذلك التاريخ،

إبتدأت المعرفة الدنيوية تنطبع في أعماقي،

واتخذت عادات البشر لي قانوناً،

أسير على ما يسيرون عليه.

ونُقِشَ، أيضاً، في نفسي الحزن و الفرح،

وجميع العوامل البشرية الاخرى

التي لم أكن مُقيداً بها قبل مجيئي إلى أرض الفساد.

وعندما أكملت العشرين،

أحاطت بي رزايا دنيانا

إحاطة السوار للمعصم.

وكانت جميع هذه الشرورخاضعةً

للقانون الأرضي الذي يسير عليه الجسد الذي هو غلافٌ للروح النقيَّة.

كنت قبل مجيئي إلى الأرض لا أعرف عن الشرور شيئاً.

وعندما ولدت وترعرعت،

خضتُ غمرات مطالب الجسد الماديّ

مُدنساً الروح العلويّ.

إذن لِمَ سمح المُوجد للصلاح الطاهر

أن يندمج بالطلاح العاهر؟!

فكرت كثيراً دون أن أصل لنتيجة مُقنعة

فنكصت حتى تأزف ساعة معرفتي.

ستنطوي عشرات السنين،

وستنحني هامتي من مرور الاعوام.

فالأعوام تنهب الزمان نهباً،

فهي كالبرق المُومض الخاطف!

واعتمدت رأسي بيديّ،

ورحت أهيم في بوادي التخيُّلات،

علّي أفوز بحلٍ عادل

لهذه الألغاز والمعميَّات،

ولكنني،واأسفاه! عدت دون نتيجة منطقية.

إن الحياة يا أخي،ليست سوى وهمٍ باطل

وظلٍ حائلٍ زائل.

فالانهار الجارية وهي تصطخب،

والبحار الثائرة وهي تزمجر،

وكل ما في الكون من صاخبٍ وصامت،

سيعتريه الذبول فالأفول.

فإذا ما انتهت، بعد ذلك صلتنا بالحياة،

بعدما يُسيطر الموت على ربوع الكرة الأرضية

إذ ذاك نتجسد بعالمٍ آخر.

وبعين الدهشة يتراءى لنا الخطأ

الذي كان جسدنا الماديّ

يخوض فيه غمرات الباطل المرذول،

وكنا ننقاد بطلباته الدنيوية.

فيا للجسد الحقير ورغباته الدنية!

ويا للروح السامية وأهدافها السماويّة!

وفي عالمِ الروح سنعرف أخطاءنا التي جرفتنا و أسقطتنا،

فنتأسف لجهلنا الصارخ

الذي كنا نرسف بقيوده المتينة.

وفي عالمِ الروح، عالمِ الطهر والنقاء،

ننتشي برحيق الغبطة والسعادة الازلية،

وننشد أهازيج الحبّ مع الملائكة الأبرار،

ونبتهج بخلعنا جسدنا الماديّ الحقير

المُبتلى بأوضار المادَّة الخسيسة.

فبعالمِ الروح تحيا الفضيلة المُثلى

حيث لا يوجد مكر أو حسد،

ولا كبرياء،ولا دناءة،

ولا سفالة ،ولا جريمة،

ولا بغض،ولا نقيصة،

بل حبٍّ كامل، وسرور شامل،

إذ يظللنا العليّ القدير،

ويرعانا بحنانه اللانهائيّ.

ولكن، متى يأتي ذلك اليوم السعيد؟

وهل يجوز لنا الإندماج مع الملائكة الاطهار،

قبل أن نكون قد كفَّرنا عن أعمالنا الشريرة

تكفيراً يُنيلنا ما نصبو إليه؟

كلا، بل يجب علينا التكفير أولاً،

وعندما نستحق أن ننعم بالسعادة الخالدة.

ومن أعالي السموات،

تتراءى لنا من خلال الأزمان السحيقة صور أعمالنا الماضية كغمامةٍ سوداء مُرعبة،

تذكرنا بما كنا نقوم به عندما كانت المادَّة

هي العامل المُتسلط على عقولنا و نفوسنا.

فلنضرع إلى الله تعالى أن يرشدنا إلى الطريق القويم،

كي نقوى على محاربة الأدران والشرور،

فنقرب وقت خلودنا،

حيث تغمرنا السعادة مع الاتقياء الانقياء،

وإلا فالويل ثم الويل لنا

إذا ظللّنا مُتجاهلين طريق العدالة

ومُبتعدين عن الحقّ الذي يعلو و لا يُعلى عليه.

                                  10 نيسان 1933

غرور الإنسان

ما حياتنا سوى ظلٍّ زائل وسرابٍ حائل

ووجودنا كالبرق الذي ومضَ ومضى..     

يا لإنسان ما أتفه آماله وأسخف أوهامه!

وما أفشل غاياته وأضأل أحلامه!

وما أضحك مطامحه واتعس رغباته، وأبأس أمانيه!

فالغرور الحقير يقطن في شغاف نفسه،

فإذا كبرياؤه الممقوت تُشرف على العالمين.

فهو يظنُّ أنه فارس الميدان الأوحد،

وبطله الذي لا يشق له غبار، في كلِّ مضمار.

فهو خدين الحكمة،ورب المعرفة،

وصِنْوّ العلماء الأفذاذ، ومُختزن الفلسفة.

فهذا المُدعي المُغترّ،منذ اكتحلت عيناه بمشاهد عالم الأرض

قد جرفه تيار الحياة الصاخبة،

فإذاه مأخوذ مبهور بما تزخر به دنيانا الأثيمة...

فتجرفه مظاهر الحياة الكاذبة،

وتخلبه ببريقها الزائف وبما تضج به من كلِّ زائلٍ وفان.

وغروره السمج، وكبرياؤه القذرة..

يجعلانه يظن أنه اكتشف أسرار الحياة وفضّ مغاليق الموت المُبهمة،

وافتض معميات الخلود...

أما الحقيقة فإنه يكون قد ازداد غباءً على غباء،

وخاضَ مجاهل العماء السادر بعماء.

ويركبه الغرور الجامح فيظنُّ ان الكرة الأرضية قد كوّنت لأجله؛

وأن بحارها و انهارها ،

وأزهارها و أشجارها و أطيارها،

وما تزخر به من شجونٍ و شؤون..

إنما خلقت لأجله،

وهي مسخرة لمصلحته ،وتأتمر لأمره فيروح، وبسمة الإنتصار تعلو ثغره الأبلج،

رافعاً عقيرته لأبناء بجدته،

موزعاً عليهم عظاته،

شارحاً لهم معميات الأسرار الموصودة،

نافحاً إيّاهم بنعمةِ معرفته المزعومة...

وحقيقة الامر أنه عامه بالجهالة،

سادر بدروبِ الضلالة

تتوزعه شتى الأفكار المُتضاربة،

فهو لا يعرف يمينه من يساره،

ولا يفقه من دنياه شيئاً .

وما يُغيظ أنَّ هذا الإنسان يعتقد إعتقاداً لا شكَّ فيه

بأنه تفوَّق على الاولين،وبطش بالآخرين،

فهم أمامه اماءٌ وجهلة،

ولا شأن يذكر لهم إطلاقاً.

بينما الحقيقة تصفعه وتسفعه ببراهينها،

وتقذفه بيقينها،

فإذاه مغرورٌ سخيف،

وتافهٌ رهيف،وأرعنٌ كفيف!

ولشدَّة غروره وبلهه يظنُّ أنه علمٌ خفَّاق

تفوَّق على أبناء قومه،

فإذاهم تجاهه أقزام..

فهو لا يحترم سوى كيانه،ولا يعترف إلا بمعلوماته.

فشخصيته المغرورة أغلقت عليه باب الفهم الصحيح

فتقوقع على نفسه...

فليته عَلِمَ أن أحقر الكائنات يمكنها أن تقضي على وجوده

موردة إيّاه موارد التهلكة،

مُعفرة أنفه في الرّغام

إن الإنسان أشبه بظلٍّ زائل وخيالٍ حائل،

أو كحلم حالم يزول عند اليقظة،

أو كضباب إكتسحته العاصفة فتلاشى وغاب.

هذه هي حقيقة الأنسان المسكين الذي يملأ دنياه تبجُّحاً تافهاً

يستحقُّ عليه أفدح سخرية من أقذع لسانٍ ذَرِب

فالإنسان يستحق ما يلاقيه في دنياه

من إرهاقٍ وعنت وبلايا ورزايا،

ومُنغّصات آخذة بعضها برقابِ البعض،

ونكبات تنصبّ على الجميع دون رحمة أو إشفاق.

نعم..إن الإنسان يستحق هذا المصير التاعس،

إذ كم من المرَّات زار أرضنا عددٌ من الأنبياء،

رسل الله،

وشرحوا لنا حقيقة الوجود، والغاية التي خلقنا لأجلها،

وأطلعونا على أسرار روحيَّة سماويَّة،

وأكدوا لنا أننا إذا سرنا على هداها،

وتنازلنا عن بعض لذَّات جسدنا الحسيَّة الترابية،

فإننا ننال عوالم فردوسية مُتعها خالدة ولذاذاتها سرمديَّة.

وإذانا نهزأ بهم وبتعاليمهم،

ونسخر من أسرارهم الروحيَّة وإرشاداتهم السماوية،

ونضطهدهم ونرشقهم بكل فرية،

ونَصِمُهم بكل نقيصة وتهمة زرية،

ونستمر بممارسة لذات الجسد الذاتية.

وإذا هم ينطلقون من أرضنا،

عائدين لموطنهم الإلهيّ العظيم حيث النعيم الأبديّ.

يغادروننا ونحن ما زلنا غائصين برجساتنا الداعرة

ونجاساتنا العاهرة،

والأقذار المُدنسة تطوقنا كتطويق السوار لمعصم الحسناء.

ألا ليعلم أبناء الأرض الغارقون بالمعاصي المطوقة إيّاهم حتى النواصي

بأنه توجد عين إلهية مراقبة تُحصي على مخلوقات العوالم بأكملها كل كبيرة وصغيرة مهما دقّت وضؤلتْ.

وليتأكد أبناء الأرض والعوالم المعروفة و المجهولة

بأن ساعة الحساب الرهيبة آتية وبسرعة خاطفة.

وساعتذاك الويل لمن يستحقّ العقاب الإلهيّ العادل،

فتلك الساعة المهيبة، تلك الساعة المُخيفة،

ساعة عدالة الخالق الديّان،

تزمجر فيها رآبلة الحقّ،

وتدوّي فيها رواعد الرعود،

وتنقضّ فيها الصواعق المدمّرة،

فتبيد معشر الأشرار الفجار،

لتعود فتهبهم القدرة الإلهية الحياة ثانية،

ليخلدوا بعذاب أبديّ هائل المخاوف.

إن هؤلاء الأشرار الفجَّار سيلاقون جزاءهم العادل

هؤلاء الأشرار الذين جعلوا الشر دَيدَنهم

واعتنقوا الباطل، وحاربوا الفضيلة،

واعتدوا على المُقدسات ،

وارتكبوا الموبوقات الدنيئة،

وهزأوا بالسماء وباريها هؤلاء سيبطش العليّ بهم فيجعلهم عصفاً مأكولاً،

ووقوداً لجهنم النار الأبدية الإتقاد.

في هذه الساعة المُخيفة والحافلة بالرواعب المُذهلة،

لن ينفع مال ولا بنون ولا مجد باطل أو سلطان زائل حائل.

فما تزرعه إيّاه تحصد.

فلنزرعْ بذوراً جيدة،

كي نحصدها خلوداً مُمتعاً باللذاذات الأبدية،

هناك حيث نخلَّد بجناتِ النعيم إلى ما لا إنتهاء.

                                  بيروت 15 تموز 1938

آثار بعلبك

واحدة من عجائب الدنيا السبع

أصبحت رمزاً لمجدِ لبنان القديم,

ولغزاً من ألغاز الحضارات البائدة...

انَّها هياكل مدينة الشمس.

من يقف أمام أعمدتها العملاقة تستبدّ به الدهشة

من تلك القوَّة الجبَّارة التي رفعتها من تلك العصور الساحقة,

يوم لم يكن في يدِ الأنسان

أساليب الرفع والنقل الجبَّارة الحديثة المسيَّرة بالطاقة الذريَّة..

هذه الآثار العجيبة,

شواهد العصور الخالية,

هذه الهياكل والقلاع العظيمة

التي رأت الأمم تتعاقب عليها والجيوش تزدحم فيها,

تُرى من بناها وجعلها تُطاولُ السَّحاب؟

يقول بعض المؤرّخين أنَّ الفينيقيين كانوا أول من وضع نواة هياكل بعلبك, وأجروا فيها عبادة البعل وعشتروت. ثمَّ زاد الرومان عليها تحسينات, طابعينها بطابعهم الفنيّ الحضاريّ. ثمَّ أضاف العرب على ما شيَّد السابقون, صارفين عنايتهم للقلعة فيها بنوعٍ خاصّ.

لكنَّ زعم المؤرِّخين عن أصلها العريق ما زال قيدَ الظنّ والأحتمال, ولا يُمكن الجزم بشأنه, ذلك بأنَّ الفينيقيين والرومان لم يكونوا حائزين الوسائل الماديَّة الكفيلة باشادة ذلك البنيان الجبَّار الذي ما زال يذهل علماء الهندسة حتى في عصر الذرَّة والصواريخ, فضلاً عن أنَّ الدولة الرومانيّة ما كانت لتنشىء أيَّة مؤسَّسة أو أيَّ بناء, خارج روما, أعظم مما تُنشىء في روما نفسها. والحقُّ يُقال انَّ جميع الهياكل الرومانيَّة , سواء في روما أم خارجها تبدو كالأقزام ازاء قلعة بعلبك الجبَّارة ذات الحجارة الخارقة بطولها وسماكتها!

فما سرُّ تلك الأعمدة الجبَّارة المُنتصبة تتحدَّى الأجيال وتهزأ بالزمان؟

أيكون وراءها أدمغة غير بشريَّة , وقوى غير أرضيَّة؟

قد يُثير هذا التساؤل الضحك لدى بعضهم, ولكنَّ الأفتراضات الأخيرة التي ذهب اليها العلماء, وعلى الأخص السوفيات منهم, تدور حول امكان هبوط كائنات غير أرضيَّة من بعض الكواكب المُوغلة في أوقيونوسات الفضاء – اذ هبطت هذه الكائنات الفضائيّة الى كرتنا الأرضيَّة, وذلك منذ عصورٍ سحيقة – واشادتهم ذلك البناء المُعجز كأثرٍ من آثارهم على سطح كوكبنا, ثمَّ ارتحالهم الى مواطنهم بسفنهم الفضائيَّة. وقد تكون مركباتهم شبيهة بما يخترعه علماؤنا الفضائيون اليوم. وقد تكون متفوّقة على مُنجزاتنا الفضائيَّة تفوُّق تلك الحضارات الكونيَّة على حضارتنا الأرضيَّة التي ما تزال في المهد.

واذا صحَّ هذا التعليل – وهو ما يأخذ به بعض العلماء اليوم – فذلك يعني أنَّ الأنسان ليس وحده في هذا الكون اللانهائيّ مخلوقاً عاقلاً, انَّما ثمّة كواكب كثيرة قد تُعدُّ بمئات الملايين تأهلها الحياة, وتعمرها الحضارات, ويقطن فيها كائناتٌ أعظم قدرةً, وذكاءً, وحضارةً, ومعرفةً من الأنسان.

فهلاَّ يكفُّ الأنسان عن ادِّعاءاته, وكبريائه, ويخضع للقوَّة العُظمى التي أوجدته وأوجدت المجرَّات في رِحاب الكون اللانهائيّ ؟

بيروت, 15 تمّوز 1944 .

روح تغني

الفاجعة العظمىى

وتجهَّمَ الجو وعصفت الرياح,

وومضتْ السماء ثمَّ أبرقت وأرعدت.

ثمَّ, ثمَّ قصفت بد ويٍّ رهيب,

وتساقطت الأمطار بغزارةٍ رهيبة لا مثيل لها,

فأضطرب البحر, وأذا الأمواج الثائرة كالجبال تهدر,

بعنفوان جبَّار مُرعب,

ورقصت الباخرة التي كانت تمخر الأوقيانوس,

وتأرجحت وكأنَّها كرة تتقاذفها الأرجل.

وأضطرب ركَّاب السفينة وهلعت قلوبهم,

وجحظت عيونهم للهولِ الساحقِ والرهبوت الماحق,

وكانت العاصفة تهدر بجبروتٍ صارم,

والخوف المُرعب حال اذ ذاك وصال,

فسجد الرجال وهم يضرعون في ساعةِ الرعب هذه,

رافعين ضراعتهم الى العليِّ المُهيمن على كلِّ ما هو معروف ومجهول

وولولت النسوة, وعلت منهن أصوات النحيب و الوجيب القاتل,

وأغمي على الكثيرات منهن.

وكان عو يل الأطفال يبعث الأسى العميق في النفوس.

وفجأةً دوى في الآفاق اللانهائيّة صوتٌ مُهيبٌ رهيب قائلاً:

-        لقد طغيتم وبغيتم وارتكبتم الشرور الرهيبة, وما ارتدعتم عنها.

-        انَّكم الآن تحصدون ما زرعتم.

وصمتَ الصوت.

فحدث هدوء هائل لبضع ثوانٍ.

ثمَّ انقضَّت صاعقة مزمجرة بهديرٍ جبَّار

فدمِّرت السفينة وبعثرت أشلاءها

مُمزِّقة اياها شذر مذر!

وكان الليل الدجوجيّ يضرب سرادقه المُدلهمّ على المحيط

فيزداد المنظر رهبةً مُرعبة,

لا يمكن لقلمٍ أن يصف أهوالها الفاجعة.

وفي صبيحة اليوم الثاني ليوم الهول المشؤوم,

كانت الأجساد طافية على صفحة البحر الذي هدأت ثائرته ,

وكانت الحيتان الجائعة تلتهم الأجساد بنهمٍ عجيبٍ غريب.

فيا لحياة الأنسان التعيسة,

اذ ما يكاد يرى نور هذه الحياة

حتى تضمَّه ظلمة القبر الدجوجيَّة .

فالحياة حُلمٌ عجيب ولكنه سريع الزوال.

فواهاً لأمال الأنسان السرابية الترابيَّة !

بيروت, الساعة السابعة الاَّ عشرة دقائق مساءً

تاريخ 7\4\1973

 

ضراعة لخالق البرايا

تبارك اسمك يا الله!

السماوات تُحدّث بعجائبك،

و الكواكب تُنبئ عن صنع يديك،

و السُّدم تذيع أخبار معجزاتك،

و المجرَّات تنشر انباء خوارقك،

و الجبال الشامخة المُشمخرة تطأطئ رؤوسها،

و تخرّ هولاً أمام موطئ قدميك!

و الأشجار السامقة ترتعد من عظمتك،

فتلتجئ لرحمتك الشاملة،

و البحر الجبَّار الثائر المُتلاطم الامواج

يخشع أمام جبروتك العاصف،

و العاصفة تنكفئ و تستكين أمام مهابتك الإلهيّة،

و الصواعق تصمت و تخرس

فلا يسمع لها ركز أو إيقاع،

و الزلازل تنكمش على نفسها،

فلا يسمع لها همسة أو نأمة،

و البروق المُومضة يخبو بريقها و يأفل نورها

أمام انوارك العجيبة،

و الرعود القاصفة تذعر من بهائك و جلالك

فتلزم الصمت الأبدي،

و أسود الآجام و نمور الآكام

يحلّ بها الوجلْ لخشيتك السرمديّة،

و مخلوقات الأرض طراً تحني هاماتها

و تعفّر جباهها بترابِ نعليك المقدَّسين.

إن عظمتك أيها المُوجد

لأعجز من ان يصفها قلمي المسكين!

إن فلاسفة الأرض و أدبائها و حكماءها و كتابها و فصحاءها

لأعجز من ان يستطيعوا وصف عظيم جلالك،

و روعة جمالك، و لألاء بهائك!

أي موجدي و موجد البرايا معروفها و مجهولها،

إنني أضرع إليك بخشوع كليّ

لكي تقيلني من عثراتي الكثيرة،

و تغفر لي حوبي، و تمحو ذنوبي.

فأنا مخلوق ضعيف، و لا رجاء لي إلا بك،

فرحمتك و حنانك يشملانني، و يشملان الخلائق طرّاً.

إن آثامي متعددة، و ارتكاباتي هائلة رهيبة،

و لكن رحمتك عظيمة و عفوك شامل.

فاشملني برحمتك و عفوك الإلهيين.

آه! ما أعظمك أيها المُهيّمن الجبّار!

و ما أرحمك و اعدلك بنا

نحن أبناء هذه الغبراء المساكين!

مرسيليا، في الساعة التاسعة و الثلث

من صباح 26/2/ 1974

 

غربت شمسي وأفلت أيامي

أشعر الآن بأنَّ شمس حياتي قد أذِنت بالغروب ,

وأيَّامي تتراكض متسابقة ولاجَّة بالهروب.

لقد تكأكأت عليَّ الأيَّام فتحوّلت لأسابيع فأعوام,

وعمري المعنّى سرعان ما فرَّ فرار الزئبق الرجراج!

فمنذُ فتحت عينيَّ لازمني البؤس, ورافقني الشقاء,

وأحاطت بي شراذم لا تحصى من شتى الرزايا والبلاء.

لقد قضيتُ طفولتي وأنا بعوزٍ شديد وحاجةٍ ماسّة,

ففي مطلع صباي كنتُ خالي الوفاض, اذ كانت جيبوبي خواء خلاء,

فبالجهد كنت أتبلَّع لقمتي اذ كان الأملاق رفيقي وخديني,

والشقاء التامّ أحاط بي احاطة السوار بمعصمِ الحسناء اليافع.

وها أنا الآن, وبعد طول هذه الأيام الشديدة المرارة

أقف على عتبة الأبديَّة منتظراً ملك الموت

واله مدينة الصمت السرمديّ,

ليأتي ويحملني طائراً بي , موغلاً نحو الأعالي,

مُبتعداً عن عالم المادَّة, مُقترباً من عالم الرُّوح الرائع المفاتن,

فأسرع أسرع أيُّها الموت, أيُّها الحبيب المرجَّى !

أسرع وأوقف ضربات قلبي الحزين ,

فقد ملَّ البقاء في دنيا الوحوش المُفترسة,

والذئاب الكاثرة التي لا يطيب لها الاَّ الولوغ بدماء ضحاياها التعساء.

أسرع أيُّها الموت , وضمَّني الى صدرك الرحب,

ثمَّ أحملني وأوغل بي الى عالمك البعيد السعيد,

عالمك الذي يخافه الجميع , وأحبَّه أنا الحبَّ كلّه.

أدخلني الى فردوسك أيُّها الموت,

فقد ضاقت نفسي من هذه الأرض وما تحويه من شرورٍ,

وما تجيش به من حقاراتٍ وارتكاباتٍ دنيئة وفجور,

آه ! لقد مللت الدنيا بما فيها , بمعارفها وخوافيها,

فدعني أيُّها الموت أدخل الى مدينتك السحريَّة,

مدينتك ذات السكون ألأبديّ والصمت السرمديّ,

ومن عالمك الرائع المفاتن, هذا العالم الذي تتوق اليه نفسي,

أنظر الى عالم المادَّة الذي خلفته ورائي,

فأراه غائصاً بالمعاصي حتى النواصي,

فأحمد الله الذي أنقذني منه,

بعدما مكثتُ فيه أعواماً طويلة,

مليئة بالشقاء المُرعب والعذاب الرهيب.

ربَّاه ! رحماك وأنْه حياتي,

ودعني ألقى مماتي,

فالموت خيرٌ من الحياة في أرض الذئاب المُفترسة !

باريس, تاريخ 21\11\1973

والساعة الثالثة والربع بعد الظهر

 

قصائد مجنحة

أين جمشيد وداريوس

والشمسُ التي أشرقت على قصور الأكاسرة,

وذُكاء التي سطعت على عروش القياصرة,

اذا بها تتألَّق فتغمر بأشعتها قبورهم وقد توسدوها ورؤوسهم حاسرة,

أينَ جمشيد وداريوس وسواهما؟ - انَّهم أصبحوا عظاماً نخرة بالية!

أين أنطونيوس وكليوباترا التي كانت بكلمتها آمرة ناهية!

أين هانيبال وقيصر وما كان يحيطهما من أُبَّهة وعظمة

لأنتصار جيوشهما الظافرة!

أينَ بونابرت والأسكندر؟ لقد أصبحا اسطورة يرويها راوية!

أينّ بلاط سليمان الفخم الضخم؟

فقد أصبح مرتعاً لبوم الخرائب والذِئاب الهائمة!

أينّ الأُلى حكموا وتكبَّروا , وظلموا وتجبَّروا

فسيقوا الى جهنَّم المُرعبة بنيرانها الخالدة!

أينّ الملوك الطُغاة, والأباطرة البُغاة بعد أنْ زلزل الموت عروشهم الآفلة!

فالموت أسكنهم اللحود بعد القصور المنيعة اذ أنشبَ فيهم فولاذ أظافره!

تُرى, هل اعتبرَ مخلوقٌ ما فترك الرذيلة وتمسَّك بالفضيلة الناصحة الناهية؟

انَّني واثقٌ بأنَّ الجميع سيمكثون غائصين برذائلهم الساقطة السافلة,

ولن تردعهم كلماتي, فهي بشرعهم كخيوط العناكب الواهية.

ميلانو, في 6\3\1974

الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر

موسوليني

لقد سقط الجبَّار وأمله تردَّم وانهار

أيُّها الدكتاتور الجبَّار!

أيُّها العِصامي الذي بنى مجده بيده !

يا من بوتقتَ ايطاليا ببوتقتك الموسولينيَّة الفولاذيَّة !

لقد انقاد لك الشعب الأيطالي مثلما تنقاد الخِراف لراعيها !

لقد ابرقتَ وأرعدتَ وهدَّدت وتوعَّدت !

وكانت خطبةٌ ناريَّة من خِطبكَ المُزلزلة

تدع الأسطول البريطاني القويّ يمخر عارضاً عضلاته في البحر المتوسّط,

تحسُّباً للطوارىء.

هدَّدتَ الحبشة وتوعَّدتها, ثمَّ ارسلت جيوشك اللجبة

فاجتاحت بلاد النجاشي.

وأسَّست أمبراطوريَّة شامخة وأنف مُعارضيك في الرغام,

اذْ كانت كلمتك قانوناً لا يُنقض.

ثمَّ أعلنتَ الحرب العالميَّة الثانية,

فزأرت المدافع , ولعلعت طلقات البنادق,

وألقيت القنابل الجهنميَّة ففتكتْ بالجماد والعِباد.

وزلزلت الأرض زلزالها, وأخرجت الأرض أثقالها,

فاذا بالعواصم العالميَّة قد أصبحت خراباً بلقعاً,

يُشيح المرء بوجهه عن أطلال خرائبها الحزينة,

التي كانت تبكي ماضيها الشامخ.

ثمَّ انتهت الحرب الضروس, وانتصر الحلفاء ,

وانكسارك مع الفوهرر الألماني أطفاء أوار هذه الحرب الجهنَّمية.

خَسِرَ الحرب بعد أن تألَّبت عليه جميع دول أوروبا وأمريكا,

اذ خرجوا عليه بأساطياهم وجيوشهم الجرَّارة ودباباتهم المُرعبة,

فكانت النهاية المُحزِنة المُبكية.

وأنت يا من أصبحتَ مهيض الجناح, كسير الفؤاد التاعس الحظ,

لقد انكفأ ميزانك كما انفضَّ عنّك جميع أعوانك.

فالجميع يُصبِحون مع المنتصر, ويولُّون وجوههم عن المُنكسر.

خسيء هؤلاء الزعانف! ما أشدَّ حقارتهم,

وما أبعد الشهامة وعزَّة النفس عنهم!

ويا أيُّها الدوتشي العظيم!

لو كنت انتصرت لكان العالم مجَّدك تمجيداً عظيماً,

ولعقدوا على رأسك أكاليل الغار علامة الظفر والأنتصار.

أمَّا وقد سقطت فقد أصبحتَ ( بعرفهم)

المُجرم والذي يستحقّ العِقاب المُزلزل!

خسِئت هذه القوانين الكاذبة, قوانين البشر التافهة,

فسواء أنتصر الديكتاتور أو انكسر فالأمران سيَّان عند الحقيقة,

الحقيقة الحقَّة التي لا يأتيها الباطل من الوراء أو من الأمام,

اذ انَّ ما يهمُّها انَّما أعماله.

فأعماله وسلوكه هي التي ترفع درجته أو تخفِّضها.

ثمَّ يا للعار الأبدي , ويا للشنَّار السرمدي!

اذ أطلق عليك النار أحدهم فأرداك قتيلاً.

ولكن لا تحزن, لا تحزن,

فالأسد أو النمر تجندلهم أيضاً رصاصة صغيرة.

والمسيح, أيضاً, ألم يصلبوه, وبعد انطلاقه بأعوامٍ مجَّدوه!

وغاندي, غاندي القديس ونبيّ القرن العشرين قتلوه, أيضاً, ثمَّ بكوه!

هؤلاء هم البشر, هؤلاء البشر الأشقياء الأشقياء.

ومقتلك أيُّها الدوتشيّ لن يذهب بعظمتِكَ, ولن يمحو عصاميَّتك.

فالكرة الأرضيَّة بأسرها تعرف أنَّك ما كدتَ تُغمِضَ عينيكَ,

وتنطلق من عالم الأرض,

حتى تفكَّكتْ تلك الأمبراطوريَّة التي بنيتها,

كما تبدَّد جميع ما أنجزته لمجدِ ايطاليا أيَّام حكمك.

وأن أُمجَّد فأنّي أُمجّد ( كلارا بيتاتشي)

التي أبت الاَّ مرافقتك برحلتك الأبديَّة.

هذه هي البطولة الحقَّة, ويا لها من بطلة لا يُشقَّ لها غُبار.

وممَّا يدعو الى امعان التفكير والتأمّل مثواك الأخير الذي لا يعرفه أحد.

فأفقر الفقراء تواريه الحفرة , ويُهال على جثمانه التُراب.

أمَّا أنت أيُّها الفولاذيّ الأعصاب ! ويا من أحرقت أعصابك

وبذلت حياتك في سبيل عظمة ايطاليا,

فقد ضنّوا عليك حتى بحفرةٍ صغيرة تحنو على جثمانك.

فما أشرّ هؤلاء الجاحدين الناكرين لأفضالك.

أيُّها الدوتشيّ الذي دوى اسمه حقبة من الزمان,

وردَّد اسمه كلّ انسان.

سواءٌ أمجَّدك الناس أم أبوا ذلك,

فما أنت الاَّ بطلٌ صنديد أرغمتَ التاريخ أن يسجّل اسمك

في صفحاته حتى يوم يُبعثون.

روما, يوم السبت في 9\3\1974

والساعة الثامنة الاَّ ثلثاً ليلاً.

زينـــا

زنبقة الرسالة

أنتِ ملاكٌ سماويّ,

يحيا في عالم الشياطين والأبالسة.

لقد أوصلتِ سيَّالاتك لأعتناق الداهشيَّة,

وسرتِ على تعاليمها الروحيَّة.

اذاً, ثقي بأنَّكِ قد ضمنْتِ لنفسكِ عالماً خلاَّباً

لا يستطيع قلم بشريِّ أنْ يصِفَ مفاتنه الألهيَّة.

وهناكَ حيثُ لا حزنٌ أو شقاء,

ستحيين مع ملائكة الله الأطهار الأبرار,

مدى الآجال والأدهار.

في 29\ 3\ 1974

الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر

ليلةٌ ليلاء

كانت ليلة رهيبة لا مثيل لهاّ

فصواعق السماء كانت تنقضُّ انقضاضاً مُدمِّراً,

فيتعالى صدى زمجراتها الهائلة المخاوف!

والأمطار كانت تتساقط بعنفوانٍ هائل!

ووميض البروق الساطعة يُبهر النواظر!

وعلا عواء الذئاب الجائعة

الهائمة بين الثلوج المُنهمرة بجنونٍ مُثير,

فرجَّعت الأودية صدى عوائها المُؤسي.

وفجأةً زلزلت الأرضُ زُلزالها,

وأخرجت أهوال أثقالها,

وانشطرت الأرض الى نصفين,

واذا بهوَّةٍ لا نهائيَّة الأسحاق

تبتلع البشر المُعوّلين بخوفٍ جبروتيّ صارم!

انَّها ليلة تاريخيَّة مُفعمة بالأهوال المُحيقة

انقضَّت على دُنيانا فنشرت فواجع الهولِ المُدمّر.

بيروت 10\5\1974

قيثارة الحب

المدينة المُقدَّسة

حلمتُ أنَّني أجوس جنَّةً قطوفها دانية,

وطيورها الجميلة الألوان تشدو بأعذب الألحان,

ومروجها عامرةٌ برياحين عجيبة وورود مُذهلة,

وحدائقها الغنَّاء فيها أشجارٌ ذات أثمارٍ شهيّة,

فجُستُ ربوعها وتذوَّقتُ ثمارها العجيبة,

ثمَّ تخلَّلتُ شوارعها, فاذا هي آيةٌ من الروعة,

ولعجبي العظيم شاهدتُ الذئب يُداعب الحمل,

والنمر يلاعب الظبي الأهيف ويلاطفه,

والأسد يمرح بسرورٍ مع بقر الغاب المسمَّن,

والثعلب يتناول طعامه مع الدجاج المطمئن.

ففي هذه المدينة السحريَّة لا توجد قوانين ودساتير.

فالسجونُ, لا يعرفها أهل هذه المدينة المُباركة.

اذ العدالة سائدة بين جميع قاطنيها السعداء.

وفي هذه البقعة الهنيَّة لا توجدُ قويَّاً وضعيفاً,

ولا ظالماً ومظلوماً, ولا غنيَّاً أو فقيراً.

فالجميع سواسية, وهم يحبّون بعضهم بعضاً,

والحقد لا يجرؤ أن يجوس ربوع هذه المدينة السماويَّة.

وبينما أنا مُنذهل ممَّا أشاهده من مُدهشاتٍ رائعة,

اذا بي أُشاهد كاعباً هيفاء رائعة التكوين,

اذ كان حسنها يكسف البدر في عليائه فيتوارى خجلاً.

اقتربتْ من مكاني , وحيَّتني وهي تبتسمُ لي ابتسامةً سماويَّة.

جعلت الدماء تصعد الى رأسي مُتدفقةً بجبروت,

وسألتني:

-         من أي كوكبٍ أتيتَ أيُّها الغريب؟!

فانعقد لساني, وتعثَّر بياني أمام حسنها الروحانيّ,

وسارت أمامي وأنا أتبعها حتى وصلنا الى منزلٍ عجيب

بُنيَ من الورود والرياحين,

أمَّا سوره الخارجي فقد صُنِعَ من الياسمين .

فدخلناهُ, واذا بمقاعده من أزهار البنفسج والنيلوفر والأضاليا الفاتنة.

وجلستُ معها على مقعدٍ صُنِعَ من أزهار الفلِّ والمنتور,

واذا بها تقول لي:

-         أني سأنتظركَ في هذه المدينة المُقدَّسة ,

عندما تنتهي مدَّة وجودك على الأرض.

وثقْ بأني أكون متلهِّفة أذ ذاك لأستقبالك.

وعندئذٍ سأحيا معك أبد الدَّهر !

واستيقظتُ, فاذا بي وحيدٌ فريد.

لهذا أتمنَّى أنْ تدنو ساعتي الأخيرة,

لأعود فأجتمع مع فتاة أحلامي الفاتنة

في المدينة المُقدَّسة.

بيروت, الساعة العاشرة صباحاً

تاريخ 5\1\1975

فشا الإلحاد فيها

أحلامنا أوهام وأوهامنا أحلام

سواء أتخلفنا أم سرنا إلى الأمام

أنا لا أثق بأي البرايا: باباهم وبطركهم والإمام

كل منهم يطعن رفيقه بخنجره فيسقيه كأس الحمام

مثلما يطلق الصياد ناره على سربِ كثيفٍ من الحمام

تأوهت روحي لدنايا خسيسة يرتكبها كل من الأنام

شعوب الأرض قاطبة تؤمن بالخزعبلات والأوهام

مثل الشعوب البدائية التي كانت بخشوعٍ تتعبد للأصنام

ما دمت أحيا في أرض الشقاء، إذاً لن أتمتع بسلام

قلبي يخفق اهتياجاً لوجودي في عالم دجوجيّ الظلام

واهاً لمن يتحكمون برقاب العباد، فيا ويلهم من حكَّامٍ طغام

ينفخون كروشهم كالثيران المُسمنة ظانين أنهم عظام، وأي عظام؟!

وحقيقتهم جلود قذرة تكتسي بها العظام

ومن كان في دنيانا نزيهاً صادقاً أميناً يُعدّ من الكرام

نهشوا سيرتهم ولفقوا عليه أكاذيب دنية ثم أنحو عليه بالملام

لُعنت أرض كهذه عشَّش فيها الفساد وابتعد عنها السلام

ما عاد أبناؤها ليؤمنوا بأديانهم سواء أكانوا يهوداً أم نصارى أم من الإسلام

فشا الإلحاد فيها يا ويلهم من خالق الدُّنى خالق السهول والآكام!

وقريباً ستزلزل الأرض وتعصف بهم فتنهار منهم الأحلام

وتفتح جهنم النار شدقها لتبتلعهم

ثم تشويهم بنيرانها المتأججة ذات الضرام.

                     بيروت في 22/1/1975

لبنان أيها التعيس

الحِمَمُ تنصبّ والقنابل تتفجَّر

والديناميت يلعلع والرصاص يدوّي ويصفّر

والمقنبلات تدكّ الحصون فتمزقها ثم تعصف بها وتدمّر

والمدفعية تحمحم برهبوتها، فإذا بالشوامخ تخرّ وتتبخّر

والصواريخ تشق الفضاء بجبروتٍ هائل وهي تدمدم وتزمجر

والخوف عمّ البرايا فكلّ ابن حواء مُرتعد ومُنذعر

صراخٌ ونحيبٌ وعويلٌ مزقت سكون الليل بعد أن طالت أشهر

نكبات طوّقت لبنان بأسره! يا ويله! الأعداء به قد سخروا

حُرم ابناؤه النوم، فالمنايا ترغم الكل أن يسهروا

الأخ يقتل أخاه، والأب يبطش بابنه، فالكل سلاحهم شهروا

جثثٌ ملأت البطاح، فبدون جريرة هؤلاء التعساء نحروا

حسين قُتل لأنه مسلمٌ، ويشوع مثّل بجسمه إذ باسم مسيحه يجهر

والمسيح ومحمد يتبرّان من هذه المخازي المُرعبة فهم وراءها تستروا

أشلاء ممزقة تلعق الكلاب دماءها يا ويحهم!قد طغوا وتجبَّروا

وثكلى جُنَّتْ لهول مصابها، فضحكها وعويلها لن يحيياهم، فقد قبروا

وشاب ملء برديه الشباب سُمِلت عيناه وأطرافه قد بتروا

وصُلِمت أذناه وشوهت وجنتاه وبطنه قد بقروا

لا لذنبٍ جناه أو إثمٍ أتاه قطعوه- يا ويله!- إرباً إرباً وإيّاه قد شهروا

مقابر مُلئت أجداثها بجثث الضحايا فيا للويلات المُرعبة كم هي كثّر!

أهوالٌ تتلوها أهوال، فيا للأهوال المُزلزلة وهي تميد وتهدر!

وإذا استمرت المخاوف تترى فجميع سكان لبنان لا بد من أن يبحروا

وسيضمحل لبنان بذهاب بنيه بعدما تمزق أوصاله...وشرايينه تفجّر

وعندما يدوّن التاريخ أنباء مذابحه المُرعبة وضحاياه الذين قتلوا وتبعثروا

سيقول كان يوجد شعب إسمه الشعب اللبناني ولكنهم مخروا

إذ حارب بعضهم البعض وتذابحوا ثم فنوا وتبخروا!

فدعونا نذرف دموعنا لوعة عظمى على لبنان وعليه نتحسّر!!

                                                بيروت الساعة الواحدة بعد الظهر

تاريخ 25/10/1975

عاشق الغيد الصيد

طَلَبُ الإنْعِتاق

أَيَّتها الأَيَّامُ الزاحفةُ عليَّ،

الجارفةُ كلَّ ما يعترضك في سَيْرِك الأَزَليّ،

الواهبةُ الحياة، ثمَّ السالبة إِيَّاها ممن وَهَبْتِها،

المُذْرِّفةُ الدموعَ من المآقي، والباعثةُ الأَحزانَ العميقة،

ثمَّ المانحةُ الطربَ في الأعطاف، والُمُرنِّحةُ الأفئدةَ بالنشوة،

القابضةُ بأَصابعكِ الدهريَّة على ناصية الكائنات،

السائدةُ مدى الأَجيال دون أن تعرفي كلالاً أو ملالاً،

المُشاهدةُ حقارتَنا وصغارتَنا،وحِطَّتنا ووضاعَتنا،

الباسمةُ عندما تنظرين إلى أَهدافنا السخيفة وتمنِّياتِنا العجفاءِ،

يا أُمَّ كلِّ كائن،

أَنبئيني عن يومك الذي ستأْتي فيه ساعتي الأَخيرة،

فقد أَصبحت روحي قَلِقَة حائرة في عالم الدنيا المُظلم،

وذبلتْ نفسي، إِذْ عافت مَرئيَّات هذه الدنيَّة القاتمة.

أَنظرُ إِلى كياني فأَجدني غريباً عن هذا العالم البعيد عن أهدافي.

أَسير في صحرائه منفرداً دون أن يكون لي رفيق

يشعرُ ما أَشعرُ به ويُحسُّ ما أُحسُّه في هذا الكون.

أُوَّاه! ليس ما يُطربني، وليس ما يُبهجني.

كلُّ ما أَراه يبعث في أَعماقي كآبةً خرساءَ قاتلة.

فالطبيعةُ تبدو أَمامي عابسة غضوباً!

والأَزهارُ أراها ذابلة تتساقطُ أَوراقها بمرارة عجيبة!

وصَدْحُ الأَطيار يصل إلى أُذُنَيَّ وكأَنَّه عويلُ المُعذَّبين في الهاوية الرهيبة!

والليلُ والنهارُ أراهما كمهزلةٍ مسرحيَّة،

ولكنْ طال عليها الستارُ دون أن تَسدلَه يدُ القدر العاتية!

والسعادةُ الوهميَّة تزورني لحظةً لأَعود فأَفقدها أبداً!

للهِ! شَدَّ ما بتُّ أَضرعُ إلى الله جلتْ قدرتُه

أَنْ يأْمر ويردَّني إليه،

وإذ ذاك تطربُ روحي المُعذَّبة،

وتبتهجُ نفسي الحزينة.

بيروت مساء 21 آب1944

أخجلُ أن أكونَ عربيَّاً

وانتمائي للعرب والعروبة مَحال

ما سأعلنه الآن , رهيبٌ للغاية, ومؤسفٌ الأسف كلّه. في نيويورك وبقية ولايات أمريكا ال49, أربعة ملايين عربيّ يعيشون في ربوع هذه القارة الشاسعة.

وقد أردتُ أن أطبع كتاباً عربيَّاً من مؤلَّفاتي, وبحثتُ عن مطبعة عربيَّة أستطيع أن أطبع فيها كتبي, عُدّتُ بصفة المغبون, اذ لم أعثر على مطبعة عربيَّة يمكنها طبع كتابٍ عربيّ.

أربعة ملايين عربي في أميركا ومع هذا لا يوجد, في طول البلاد وعرضها , مكتبةً واحدة تُباع فيها الكتب العربيَّة, أو مطبعة مُختصَّة بطبعِ الكُتب بلغة الضَّاد.

أنَّ هذه الحقيقة مُخيفة , وهي لطخةُ عارٍ تدمغ العرب والعروبة والعربيَّة.

من المُخجل أن يكون الجهل ضارباً أطنابه ومتمركزاً بقضِّه وقضيضه, وضارباً سرادقه على هذه الملايين الأربعة. انَّ هذه الحقيقة مُخجلة ومُعيبة, ومُحطَّة بالعرب والعروبة, فهي تدمغها بخاتم الجهل المُطبق, والأميَّة البادية للعيَّان, في عصر العلم والنور والأختراعات, وفي القرن

العشرين, فيا للعار العظيم, ويا للخجل المُهين, ويا للحقارة العُظمى !!

الجالية اليابانيَّة أسَّست مكتبات لا تباع فيها سوى الكتُب اليابانيَّة التي تبحث في الأدب والفن والشعر والفلسفة والأجتماع والحرب والسلم والصناعة والزراعة والقانون الخ الخ ...

وكذلك الجاليات الصينيَّة والفرنسيَّة والأيطاليَّة والأسبانيَّة والهنديَّة الخ الخ ...

جميع هذه الجاليات لديها صحفها التي تصدر بلغاتها, ومكتباتها عامرة بأنفي الكُتب المُتعدِّدة المواضيع.

فقط الجالية العربيَّة لا يوجد لديها أيَّة مكتبة, فهي والحالة هذه مثار السخرية من جميع الجاليَّات , حتى ومن الشعب الأمريكي المضياف نفسه.

بأسفٍ عظيم أذكر هذا الأمر, فالحقيقة يجب أنْ تُقال, والحقُّ أحقَّ أنْ يُتبع.

سألت كثيراً وبحثتُ كثيراً , واتَّصلتُ بمراجع رسميَّة, وبمؤسَّسات عديدة, سائلاً مُنقِّباً عن مكتبةٍ ما مُختصَّة ببيع الكُتب العربيَّة, ولكن ام أفز بطائل, وعُدْتُ بصفقة المغبون..

وبعد اللتيا والتي قيل لي يمكنُك العثور على مكتبةٍ عربيَّة ببروكلين, اذ يوجد فيها جالية عربية كُبرى, وشددتُ الرحال اليها, وفلحتها فلحاً لأعثر على هذه المكتبة المزعومة. وبعد مجهودٍ شاقّ وجدتُ حُطام دكَّان , وفيها بعض أعداد من الصُّحف التي تقادم عليها العهد, وبعض الكُتب التافهة, وهي تُعدُّ على أصابع اليد, وقد حُشِرت بين أكياس الحبوب كالعدس والأرز والذرة والحمُّص والفول, وقد أُصيبت برشاش الزيوت, فالدكَّان هي دكَّان سمانة.

هذا ما استطعت العثور عليه بعد تنقيب عام ونصف العام. فها أُلام اذا ناديت بالويل والثبور وعظائم الأمور؟ انَّ الصُّحف العربيَّة في الشرق تنشر في صفحاتها الأولى, وبالخطّ العريض الملفت للأنظار قائلةً:

          انَّ العرب هم من علَّم الغرب الأدب والفنون, والعرب هم من أيقظ الأمَّم الغربيَّة من غفلة الجهل المُطبق, فلولا العرب لم تظهر ثقافة غربيَّة, ولبقيت في عالم النسيان الخ الخ ...

هذا التبجُّح ما هو الاَّ للأستهلاك المحلّي, فالعرب عامهون في عوالم الجها المُطبق, غارقون في دياميس مُظلمة, لا يدخلها بصيص من نور ليبدِّدَ جهالتهم, ومع هذا مزَّقوا آذان السماء بادعاءاتهم الوهميَّة الصارخة.

وأُعطيِتُ عنوان رجلٍ اسمه الدكتور شوريز, وهو عراقي ويصدر جريدة الأصلاح بنيويورك. وقيل لي انَّه كاهن, وهو مُقيمٌ في نيويورك منذُ عام 1934, فاتَّصلتُ به تليفونياً , وسألته اذا كان بالأمكان طبع كتابٍ عربي بمطبعته, فأجابني بأنَّه يُحرِّر جريدته مستعيناً بصحفٍ عربيَّة ينقل عنها ما يروقه من أخبار, وجريدته تصدر في مطلع كلّ شهرٍ, وهو بمفرده يصفَّ أحرفها , ويبوّبها , ويستغرق عمله شهراً كاملاً تصدر بنهايته.

مساكين العرب بأمريكا, وتعيسة الجاليات العربية العامهة بجهالة القرون السحيقة بقِدمِها.

          تالله, ألا يوجد بين الملايين الأربعة من يهمَّه مُطالعة الكُتب وأقتناؤها, وهل أجدبت ألأمَّة العربيَّة لهذا الحدّ المُخجل, والمؤسف معاً؟!

          انَّ المُصيبة كبرى, والبليَّة عُظمى, والطَّامة شاملة عامَّة.

          لهذا يؤسفني أنْ أقول دونما خجلٍ أو وجلٍ بأنَّني من العار أنْ أكونَ عربيَّاً.

          ملاحظة: اذا قال بعض القرَّاء بأنَّه توجد صُحفٌ عربيَّة في المهجر, فهي صُحفٌ تعيسة تعيش على هامش الحياة, وهي تحتضر . وقد لاقى العديد منها حتفه رغمَ أنفه, اذ لا يوجد قرَّاء يعينونها على البقاء حيَّة, فاندبوها.

نيويورك, الساعة 8 الاَّ ربعاً من صباح

9\12\1977

                            

رسولة الله

يا فاتنة الآلهة،

ومثيرة الغيرة في قلب فينوس الصناع!

أيتها المُذلّة لجبابرة الأولمب!

يا من وهبك الخالق جمالاً خلاباً يصعق القلوب!

أيتها المغناج الفردوسية المحاسن!

إن بهاءك لا يضارعه بهاء،

ورواءك يُذهل عقول الفلاسفة والحكماء.

إنني أحني هامتي أمام مفاتنك،

وأخضع لقوة تأثيرك المُطلق،

وأجثو مطأطئاً رأسي لعظمتك،

أنت يا من أحيا لأجلك،

وأموت في سبيلك،

يا رسولة الخالق للخلائق!

لأنك روح الحقّ الازليّ!

                             الولايات المتحدة الأميركية

                             الساعة 10 وربع من ليل

                             28/12/1977

ينبوع السعادة

طَلَبُ الإنْعِتاق

أَيَّتها الأَيَّامُ الزاحفةُ عليَّ،

الجارفةُ كلَّ ما يعترضك في سَيْرِك الأَزَليّ،

الواهبةُ الحياة، ثمَّ السالبة إِيَّاها ممن وَهَبْتِها،

المُذْرِّفةُ الدموعَ من المآقي، والباعثةُ الأَحزانَ العميقة،

ثمَّ المانحةُ الطربَ في الأعطاف، والُمُرنِّحةُ الأفئدةَ بالنشوة،

القابضةُ بأَصابعكِ الدهريَّة على ناصية الكائنات،

السائدةُ مدى الأَجيال دون أن تعرفي كلالاً أو ملالاً،

المُشاهدةُ حقارتَنا وصغارتَنا،وحِطَّتنا ووضاعَتنا،

الباسمةُ عندما تنظرين إلى أَهدافنا السخيفة وتمنِّياتِنا العجفاءِ،

يا أُمَّ كلِّ كائن،

أَنبئيني عن يومك الذي ستأْتي فيه ساعتي الأَخيرة،

فقد أَصبحت روحي قَلِقَة حائرة في عالم الدنيا المُظلم،

وذبلتْ نفسي، إِذْ عافت مَرئيَّات هذه الدنيَّة القاتمة.

أَنظرُ إِلى كياني فأَجدني غريباً عن هذا العالم البعيد عن أهدافي.

أَسير في صحرائه منفرداً دون أن يكون لي رفيق

يشعرُ ما أَشعرُ به ويُحسُّ ما أُحسُّه في هذا الكون.

أُوَّاه! ليس ما يُطربني، وليس ما يُبهجني.

كلُّ ما أَراه يبعث في أَعماقي كآبةً خرساءَ قاتلة.

فالطبيعةُ تبدو أَمامي عابسة غضوباً!

والأَزهارُ أراها ذابلة تتساقطُ أَوراقها بمرارة عجيبة!

وصَدْحُ الأَطيار يصل إلى أُذُنَيَّ وكأَنَّه عويلُ المُعذَّبين في الهاوية الرهيبة!

والليلُ والنهارُ أراهما كمهزلةٍ مسرحيَّة،

ولكنْ طال عليها الستارُ دون أن تَسدلَه يدُ القدر العاتية!

والسعادةُ الوهميَّة تزورني لحظةً لأَعود فأَفقدها أبداً!

للهِ! شَدَّ ما بتُّ أَضرعُ إلى الله جلتْ قدرتُه

أَنْ يأْمر ويردَّني إليه،

وإذ ذاك تطربُ روحي المُعذَّبة،

وتبتهجُ نفسي الحزينة.

بيروت مساء 21 آب1944

أخجلُ أن أكونَ عربيَّاً

وانتمائي للعرب والعروبة مَحال

ما سأعلنه الآن , رهيبٌ للغاية, ومؤسفٌ الأسف كلّه. في نيويورك وبقية ولايات أمريكا ال49, أربعة ملايين عربيّ يعيشون في ربوع هذه القارة الشاسعة.

وقد أردتُ أن أطبع كتاباً عربيَّاً من مؤلَّفاتي, وبحثتُ عن مطبعة عربيَّة أستطيع أن أطبع فيها كتبي, عُدّتُ بصفة المغبون, اذ لم أعثر على مطبعة عربيَّة يمكنها طبع كتابٍ عربيّ.

أربعة ملايين عربي في أميركا ومع هذا لا يوجد, في طول البلاد وعرضها , مكتبةً واحدة تُباع فيها الكتب العربيَّة, أو مطبعة مُختصَّة بطبعِ الكُتب بلغة الضَّاد.

أنَّ هذه الحقيقة مُخيفة , وهي لطخةُ عارٍ تدمغ العرب والعروبة والعربيَّة.

من المُخجل أن يكون الجهل ضارباً أطنابه ومتمركزاً بقضِّه وقضيضه, وضارباً سرادقه على هذه الملايين الأربعة. انَّ هذه الحقيقة مُخجلة ومُعيبة, ومُحطَّة بالعرب والعروبة, فهي تدمغها بخاتم الجهل المُطبق, والأميَّة البادية للعيَّان, في عصر العلم والنور والأختراعات, وفي القرن

العشرين, فيا للعار العظيم, ويا للخجل المُهين, ويا للحقارة العُظمى !!

الجالية اليابانيَّة أسَّست مكتبات لا تباع فيها سوى الكتُب اليابانيَّة التي تبحث في الأدب والفن والشعر والفلسفة والأجتماع والحرب والسلم والصناعة والزراعة والقانون الخ الخ ...

وكذلك الجاليات الصينيَّة والفرنسيَّة والأيطاليَّة والأسبانيَّة والهنديَّة الخ الخ ...

جميع هذه الجاليات لديها صحفها التي تصدر بلغاتها, ومكتباتها عامرة بأنفي الكُتب المُتعدِّدة المواضيع.

فقط الجالية العربيَّة لا يوجد لديها أيَّة مكتبة, فهي والحالة هذه مثار السخرية من جميع الجاليَّات , حتى ومن الشعب الأمريكي المضياف نفسه.

بأسفٍ عظيم أذكر هذا الأمر, فالحقيقة يجب أنْ تُقال, والحقُّ أحقَّ أنْ يُتبع.

سألت كثيراً وبحثتُ كثيراً , واتَّصلتُ بمراجع رسميَّة, وبمؤسَّسات عديدة, سائلاً مُنقِّباً عن مكتبةٍ ما مُختصَّة ببيع الكُتب العربيَّة, ولكن ام أفز بطائل, وعُدْتُ بصفقة المغبون..

وبعد اللتيا والتي قيل لي يمكنُك العثور على مكتبةٍ عربيَّة ببروكلين, اذ يوجد فيها جالية عربية كُبرى, وشددتُ الرحال اليها, وفلحتها فلحاً لأعثر على هذه المكتبة المزعومة. وبعد مجهودٍ شاقّ وجدتُ حُطام دكَّان , وفيها بعض أعداد من الصُّحف التي تقادم عليها العهد, وبعض الكُتب التافهة, وهي تُعدُّ على أصابع اليد, وقد حُشِرت بين أكياس الحبوب كالعدس والأرز والذرة والحمُّص والفول, وقد أُصيبت برشاش الزيوت, فالدكَّان هي دكَّان سمانة.

هذا ما استطعت العثور عليه بعد تنقيب عام ونصف العام. فها أُلام اذا ناديت بالويل والثبور وعظائم الأمور؟ انَّ الصُّحف العربيَّة في الشرق تنشر في صفحاتها الأولى, وبالخطّ العريض الملفت للأنظار قائلةً:

          انَّ العرب هم من علَّم الغرب الأدب والفنون, والعرب هم من أيقظ الأمَّم الغربيَّة من غفلة الجهل المُطبق, فلولا العرب لم تظهر ثقافة غربيَّة, ولبقيت في عالم النسيان الخ الخ ...

هذا التبجُّح ما هو الاَّ للأستهلاك المحلّي, فالعرب عامهون في عوالم الجها المُطبق, غارقون في دياميس مُظلمة, لا يدخلها بصيص من نور ليبدِّدَ جهالتهم, ومع هذا مزَّقوا آذان السماء بادعاءاتهم الوهميَّة الصارخة.

وأُعطيِتُ عنوان رجلٍ اسمه الدكتور شوريز, وهو عراقي ويصدر جريدة الأصلاح بنيويورك. وقيل لي انَّه كاهن, وهو مُقيمٌ في نيويورك منذُ عام 1934, فاتَّصلتُ به تليفونياً , وسألته اذا كان بالأمكان طبع كتابٍ عربي بمطبعته, فأجابني بأنَّه يُحرِّر جريدته مستعيناً بصحفٍ عربيَّة ينقل عنها ما يروقه من أخبار, وجريدته تصدر في مطلع كلّ شهرٍ, وهو بمفرده يصفَّ أحرفها , ويبوّبها , ويستغرق عمله شهراً كاملاً تصدر بنهايته.

مساكين العرب بأمريكا, وتعيسة الجاليات العربية العامهة بجهالة القرون السحيقة بقِدمِها.

          تالله, ألا يوجد بين الملايين الأربعة من يهمَّه مُطالعة الكُتب وأقتناؤها, وهل أجدبت ألأمَّة العربيَّة لهذا الحدّ المُخجل, والمؤسف معاً؟!

          انَّ المُصيبة كبرى, والبليَّة عُظمى, والطَّامة شاملة عامَّة.

          لهذا يؤسفني أنْ أقول دونما خجلٍ أو وجلٍ بأنَّني من العار أنْ أكونَ عربيَّاً.

          ملاحظة: اذا قال بعض القرَّاء بأنَّه توجد صُحفٌ عربيَّة في المهجر, فهي صُحفٌ تعيسة تعيش على هامش الحياة, وهي تحتضر . وقد لاقى العديد منها حتفه رغمَ أنفه, اذ لا يوجد قرَّاء يعينونها على البقاء حيَّة, فاندبوها.

نيويورك, الساعة 8 الاَّ ربعاً من صباح

9\12\1977

                            

رسولة الله

يا فاتنة الآلهة،

ومثيرة الغيرة في قلب فينوس الصناع!

أيتها المُذلّة لجبابرة الأولمب!

يا من وهبك الخالق جمالاً خلاباً يصعق القلوب!

أيتها المغناج الفردوسية المحاسن!

إن بهاءك لا يضارعه بهاء،

ورواءك يُذهل عقول الفلاسفة والحكماء.

إنني أحني هامتي أمام مفاتنك،

وأخضع لقوة تأثيرك المُطلق،

وأجثو مطأطئاً رأسي لعظمتك،

أنت يا من أحيا لأجلك،

وأموت في سبيلك،

يا رسولة الخالق للخلائق!

لأنك روح الحقّ الازليّ!

                             الولايات المتحدة الأميركية

                             الساعة 10 وربع من ليل

                             28/12/1977

نهر الملذات

عنزة النبيّ

كانت عنزةً صغيرة,

جميلة الصوف,

خضراء العينين,

لطيفة القوائم,

تمشي الهوينا وهي تتخطَّر,

وترعى الكلأ بتودَّة.

وذات يوم,

كانت تتسلَّق جبلاً أشمّ,

فاذا بها تسقط من علّ.

حتى بلغت الوادي,

فكسرت ساقها,

وجُرِحَت في أكثرِ من مكان,

فهرول الراعي الفتى,

وضمَّد لها جراحها,

وسهر عليها حتى شُفيتْ.

ومنذ شفائها كانت أتبع لراعيها من ظلِّه,

تجلسُ حيث يجلسْ,

وهي تنظر اليه.

وكأنَّها تشعره بعرفانها لجميله.

ومنذُ سقوطها, كانت تخاف تسلق الجبال ثانيةً.

لهذا كان الراعي يذهب بقطيعه الى السهول والغابات,

وكانت هذه العنزة الجميلة

تترك القطيع يقضم حشائش الغاب,

وتذهب الى راعيها, فتجلس بقربه.

وترفع نظرها اليه ثانيةً,

كأنَّها تحدِّثه بلغتها العنزيَّة,

لاعقة بلسانها الطريء يده,

لاحسة أنامله وكأنَّها تُقبّلها.

والراعي الفتيّ يُربِّتُ على ظهرها.

ليعود فيمرُّ بأصابعه على فروة رأسها,

والعنزة سعيدة لهذه المُلاطفة,

تثغو وقد انتشّتْ بالسعادة القصوى.

وكان الراعي الفتيّ يأتيها بالحشائش ويُطعمها بيده,

اذ كان يشاهدها متخلِّفة عن القطيع

الذي كان يلتهم الحشائش بلذَّة,

في تلك المراعي الخصبة,

ومن فرط حبَّه لهذه العنزة المدلَّلة,

كان يُطعمها بيده, ثمَّ يسقيها,

فتثغو, وتثغو,

وهي ناظرةً الى عينيه,

فكأنَّها تُخاطبه بثغائها الرقيق,

وخاطبها الراعي قائلاً لها:

يا عنزتي العزيزة

أيَّتها الصغيرة الجاثمة بجانبي,

ستمضي مئات الأعوام مُتسابقة,

وتتحوَّل الى آلاف من الأعوام متلاحقة,

وأذ ذاك سأعود,

فألتقي بك ثانيةً.

ولكنَّك ستكونين حينئذٍ فتاةً فتيَّة,

ملء برديكِ الصبا والشباب المُتألق,

وسأكون أنا حينذاك أكبر منكِ بأعوامٍ عديدة.

وستتمنِّين, يا عنزتي العزيزة, يومذاك.

أن تربطي حياتكِ بحياتي,

ولكنْ, هل سيتحقَّق حُلمكِ,

وتبلغين أمنيتك؟

أنَّ هذا الأمر متروكٌ للأجيال القادمة,

عندما سألتقي بكِ وتلتقين بي.

أمَّا الآن, فكلي هنيئاً, وأشربي مريئاً.

انَّك تجلسين بقربي في المراعي الخصبة,

عند الجداول, وبين الينابيع,

وتحتَ أفياء الأشجار الغضَّة,

وتتبعين خُطاي أينما ذهبت , وأنَّى اتَّجهت .

وعندما سألتقيك بعد أجيال,

سيكونُ اسمك سُهيلا,

لأنَّكَ ترافقينني في الغابات والسهول دون الجبال.

وتأكَّدي يا عنزتي اللطيفة بأن نبوءتي ستتحقَّق,

لأنَّ النبيّ داوود هو من يُخاطبكِ.

بيروت , مساء 7\5\1972

سرابٌ وأباطيل

ما الدنيا الاَّ دار للشقاء العظيم

لأنَّ الحياة فيها مُرهقة, ودروبها شائكة,

فالتعاسة ترافق أبناءها منذ ولادتهم

حتى يوم يُلحدون فيه بقبورهم.

وأماني أبناء هذه الغبراء

أن هي الاَّ أوهامٌ سرابيَّة.

وما يظنونه لذاذات رائعة

انَّ هي الاَّ شهوات ترابيَّة فانية.

يكدُّ كلٌّ منَّا ويكدح,

واصلاً ليله بنهاره ونهاره بليله,

وهمَّه الأوحد أن يجمع النضار,

النضار الطنَّان , والأصفر الرنَّان,

بائعاً في سبيل ذلك ضميره,

مُلحداً وجدانه, ومُضيِّعاً ايمانه,

حتى اذا ما كدَّس الأموال,

وظنَّ أنَّه قد تحقَّقت له الأمال,

اذْ ذاك,

يتجلَّى له شبح الموت المُرعب,

وسرعان ما يحصد له حياته.

بمنجله القاطع الذي لا يرحم,

واذا به, بغمضة عين,

قد أصبحَ يتقلَّب في نيران الجحيم

عِوضاً عن انطلاقه الى جنَّات النعيم!

فواهاً لكِ, يا حياة, ما اتفهكِ !

وما أرعبك أيَّها الموتُ العادل !

نابولي في 21\5\1972

والساعة السابعة الاَّ ربعاً مساءً.

يوم مولدي

منذُ ستِّين عاماً مضتْ

وفي مثل هذا اليوم ولَّدتني أمِّي.

في مثلِ هذا اليوم خرجتُ للوجود.

في مثلِ هذا اليوم أبصرتُ نور هذا العالم,

وشاهدتُ ظلام هذا الكون المُخيف.

ومضت الأيَّام تركض, فاذا بها تصبح أسابيع,

ثمَّ كوَّنت شهوراً فأعواماً.

واذا بي أشبُّ عن الطوق.

وما بلغت من العمر الثامنة ونيفاً

حتى كان والدي يرقد رقاد الأبد.

ومكثت أثقال الحياة الباهظة على كتف أمّي.

بعرق جبينها أطعمتني, وبأوجاع نفسها كستني.

ومرَّت الأعوام تباعاً, وأنا أشاهد من خلالها وقائع مُرعبة.

فالغشُّ هو السائد بين العِباد,

والكذِب جلس على عرشه في البلاد,

والقويّ يُحطِّمُ الضعيف,

والغني يدوس على عنق الفقير,

والفوضى ضاربة أطنابها في أرجاء الكرة الأرضيَّة,

والحقّ للقوة الغاشمة, فهي الآمرة الناهية,

وشاهدت الجميع يتكالبون على الماذَّة,

كتكالب الضباع على الجيف النتنة,.

يبيع كلٌّ منه ضميره, ويُلحدَ شرفه

في سبيل حصوله على النِضار,

ملتحفاً للوصول اليه, بكافة الأوزار والأوضار,

وشاهدتُ الدَّاعين الى الفضيلة – انَّما هم أول الفاسقين,

فذُعرتُ, وتملَّكني يأسٌ قاتل وحزنٌ لا نهائيّ,

اذ عرفت انَّ عالم الفضيلة المثالي

لا يوجد في دنيانا الرهيبة الأحداث.

انَّ كرتنا الأرضيَّة هي سجنٌ مُخيف,

يحيا في أرجائه البشر مُرغمين,

وعِوضاً عن تآخيهم تراهم يفتكون بعضهم ببعض,

ويقوِّضون قراهم ويردِّمون مدنهم,

فيسود الخراب العالم, وتعمُّ الفوضى, ويضطرب حبل الأمن,

ستّون عاماً تلاحقت, ومشاهد الرُعب هذه تمثُل أمام نظري,

لأنَّ الشرَّ مزَّق الفضيلة, وانتصر عليها انتصاراً عظيماً.

انَّ من كُتِب عليه الشقاء , ومن سيذوق مرَّ البلاء

هو من يولد في هذا العالم الغائص بالتعاسة,

وهو من يزور كوكب البلايا,

ومن تُعشِّش في ربوعه الرزايا.

فهل يأتي يوم تزول فيه هذه الشرور.

فتعمُّ السعادة أرجاء هذا الكون المسعور؟

أنَّ هذا الحُلم جميل, انَّها أُمنيةٌ سماويَّة, بل رغبةٌ وهميَّة

لا ولن تحقِّقها الأيام.

فمرِّي يا أيَّام, والحقي بها أيَّتها الأعوام,

لأنَّ نفسي قد تعبت من سيرها في عالم لا رحمةَ فيه,

وبتُّ أترقَّب اللحظة التي فيها يأمر الخالق فيدعوني اليه

ففي موتي فرحي, وبمغادرتي الدنيا ابتهاجي.

بروكسل – يلجيكا, أول حزيران 1972

الساعة الثامنة والنصف صباحاً.

 

bourouk

برُوقٌ ورُعود 

 

ضراعة

 

ربي...قوِّني واهدني و سدّد خطواتي نحو الفضيلة

إنزع من اعماقي الميول الوضيعة الدنيئة

و لا تدعني أسير الشهوات الدنيوية

نقِّ قلبي يا الله، و طهّر روحي، ودعني أسمو بنفسي الكئيبة

أقل عثرتي ، و لا تدعني فريسة للذنوب الرهيبة

طهّرني يا الله، ودعني اتفيأ جنانك الظليلة

 

داهش

 

صعاليك

      عجبتُ لأولئك الأذلاّءِ الرَّعاديد الخاضعين الخانعين أمام حثالات البشر ونفايات الدُّنيا وزعانف المستنقعات ، أولئك الوُصُوليِّينَ الذين قادتْهُم الأقدار للجلوس على أرائك الأحكام وهم مهازلُ الأيَّام . أمَّا أنا ، فإنَّني أشمَخُ بأنفي على أنوفهم المُعفّرة ، وقريباً سأدعهم يتذلَّلون أمام قدميَّ وهم يطلبون منّي المغفرة لأنني لم أُبعثْ لأطيع بل لأطاع .

      نعم لقد أُرسلتُ كي أُحَكِّمَ سيفي في رقابِ أعدائي الأنذال ، وسأنتقم منهم شدَّ انتقام ، بلا هوادةٍ ولا كلال ، ممَّا ستتحدَّثُ عنه الدُّنيا على توالي الأيام وكرُورِ الآجال .

                                                                                                المؤلِّف

 

مقدمة الكتاب في ترجمته الانكليزيّة

      هذا الكتاب الفذّ " بروق ورعود " يتألف من مجموعة من المقطوعات الشعريّة الطّريفة المُترجمة عن العربية . وهي تعرض بلغةٍ حيّةٍ مشوِّقةٍ حدثان الحياة وقصّة تقلّباتها الغريبة ، وتصف بعباراتِ متوهِّجةٍ أفراح الهوى المُثيرة ، وأتراح الحبِّ الخائب .

      وفي جميع المقطوعات تغزُرُ الصور الرّمزيّة والمجازيّة التي قد لا يروق بعضها جميع فئات القُرَّاء ، ولكنها مع ذلك تمتلك جاذبية هي نسيج وحدها ؛ وإنّها لجاذبيّة تبدو حيناً عذبةُ رقيقةً ، وحيناً آخر عنيفةً صاعقة .

      ولو عانى أي انسان من المحن والتجارب ما عاناه مؤلِّف الكتاب الدكتور داهش ، حسبما يصف ذلك بإبداعٍ في مصنَّفهِ ، فإنَّه من العجبِ حقاً للمترجم أن يتصوّر ذلك الإنسان قد استطاع أن يجتاز محنتهُ بسلامة !

      وقد يُدهشُ مُعظم قرّاء الانكليزيّة من جراء الطِّباع الشّرقية التي بوسع أصحابها أن يصمدوا بوجه الفواجع المزلزلة التي تضرب عواطفهم ، ويبقوا رغم ذلك قادرين على الاستمرار في الكتابة .

      وتنتظم كتاب " بروق ورعود " حركةٌ وجدانيةٌ بارزةٌ في قوّتها ، مؤسية بسياق وقائعها ، خارقةٌ بمباهجها العارمة . والمؤلّف مُشبع بالأوصاف الدقيقة للملذات ، ومُفعم بثروةٍ من الألفاظ التي تصوِّر شرور المدنيّة الحاضرة ورياءها .

      والكتاب ، في الواقع ، روايةٌ صادقةٌ لتجارب المؤلّف في الحياة . ولو كابد غيره ما كابد من صدود الحبّ الذي هو أقوى من الموت لكان فقد اتزانه العقلي ، وهُدِّد بأن يصبح ضجيج تارّمس الصّامت.

      وهذا المُصنّف بليغ بصياغته الشّعرية ؛ ومعانيه تنبسط من أعمق أغوار اليأس الى أرقى عوالم السعادة والمجد . وبينما يقف المؤلف لحظاتٍ على مشارف الغبطة ، يعود ليغوصَ في بحر الكآبة السوداء ومرارة الشقاء ! وهو يتناول بوصفه مُجمل مفاسد البشر ، ورياء رجال الدّين المعاصرين المطبق المنكر ، لكنّه يحاكي ويمجِّدُ ربَات الجمال والمفاتن الأخّاذة بنشوةٍ عظمى .

      ولا يدخلنَّ في بال القارئ أنَّ المؤلِّف قد اقتبس أيّة فكرة من سواه . فموضوعات الكتاب جميعها من إلهام الدكتور داهش . وهي مزيج من التأملات والوقائع المُثيرة المشوقة والمأساوية العنيفة . ونظرات المؤلف في الحياة مكتنفة ، أحياناً ، بإيقاعات حزينة ، وأحياناً أخرى، مغمورة بنشواتٍ من الغبطة . وسبب ذلك لا بدّ أن يكون حبّاً مُخيّباً ، تركتْ ثمارهُ في فم ذائقها مرارةً بعد حلاوة . وهكذا امتزجت الحسرات الباقيات بالآمال المُضيئة ، وتساوقت في الكتاب بصدقٍ عميقٍ سيجعل قلوب القرّاء ترتعش انفعالاً وتأثُّراً !

      قال سليمان الحكيم : " الحبُّ قويٌّ كالموت ... مياهٌ كثيرةٌ لا تستطيع أن تروي ظمأ الحبّ ، ولا الفيضاناتُ يمكنها أن تغرقه . وإذا أراد امرؤٌ أن يهبَ كلُّ ثروة بيته لقاءَ الحبّ ، فإنّه يُحتقرُ احتقاراً. " هذه الحقيقة البديهية المشّعة كالماسة الصّافية تبقى صامدةً كواقعٍ أكَّدَتْهُ التّجارب والاختبارات الشخصية حسبما عبّر عنها أحكمُ إنسانٍ في العالم . وعلينا ألاَّ ننسى " أن سليمان كان له سبع مئةِ امرأةٍ وثلاثُ مئةِ سرِيَّة ، وأن نساءَهُ أملْنَ قلبه ! " ( سفر الملوك الأول ، الإصحاح 3:11 ) .

      وحدها الآدابُ الإنسانية السَّمْحةُ يمكنها أن تقيمَ الجسر بين الشرق والغرب ،إذْ إنَّ الحقائق الخالدة يقبلها الجميع بدون طلاءٍ ولا ازدراء . وهذا الجسر الواصل ما زال ممكناً أن يقام ، رغم وقائع الماضي المحزنة، ورغم رأي كيلنغ القديم المعروف : " الشرق ُ هو الشرق ، والغربُ هو الغرب! والاثنان لن يجتمعا أبداً "

      لكنّ الايقاع والحبّ الجريئين ما زالت لهما الزّعامة في عالم المشاعر والمغامرات البشرية . وبهما قد اندمج الشرق والغرب !

     أخيراً ، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ الإبداع الأدبي المتجلِّي في الكتاب لم يوف كلّ حقِّه في عملية التَّرجمة ، نظراً لاختلاف الاصطلاحات في اللغتين . زدْ إلى ذلك صعوبةً أخرى ناتجةً عن المُغالاة المُذهلة في استخدام التّشابيه والصور ، والتي تناسب الكتابة الشّعريّة الشّرقية ، وكذلك استحالة نقل الإيقاع والتسجيع العربيّين الى ما يماثلهما في الانكليزية .

                                                                                                 يوسف مالك

 

مقدمة

      هي بروقٌ نفسية ورعودٌ كلامية حاولت فيها شرح ما أشعر وأحسُّ به في مختلف شؤون هذه الحياة بصورةٍ مُوجزةٍ لا تتعدَّى السُّطور السِّتة لكلِّ قطعةٍ منها .

      ومن يطالع الكتاب يظنَّني قد غلوت في بعض الآراء والمواضيع التي يحتويها . ولكنَّني أصارحه القول أن ما كتبته قد كتبته عن اعتقادٍ ويقينٍ صادقين ، وبالأخصِّ في ما يتعلق برجال الدين وبالعدالة والمال وبالمرأة وبكثيرٍ غيرها ممَّا له صلة بحياة الإنسان على هذه الأرض السَّقيمة .

      هذا رأيي أُعلنه على رؤوس الأشهاد غير هيَّابٍ ولا وجلٍ من نقد النّاقدين وألسنة المُتخرِّصين المتطاولين والسَّلام .

بيروت ، شباط 1943

                                                                                             الدّكتور داهش

 

 

أطلالٌ وظلال

 

أين أحلام الشّباب الرّائعة ؟

وأين ثمارُ الصِّبا اليانعة ؟

وأين باقاتُ ورودي العطرة ؟

وأين آمالي العذبةُ النَّضرة ؟

سألتُ القدر العاتي : " زهرةُ عمري أين صارتْ ؟ "

أجابني ساخراً هازلاً : " أسفي عليها ، ذبُلتْ وتوارتْ . "

 

 

حسرة

 

لَهْفَ نفسي على الشباب يهوي كالشُّهُب !

يمضي ... وكأنَّه البرقُ قد وَمَضَ !

يا له من حلمٍ جميل راودني ثمَّ مضى !

يا لبردة الشبّاب القشيبة وقد غابتْ !

يا لأناقتها الفتَّانة وقد ذابتْ !

لقد مرَّتْ وتلاشتْ كتلاشي السُّحُب ! ...

 

تفاهة الحياة

 

ويلي من حياةٍ أراها عبئاً ثقيلاً !

وَوَيحي من الدُّنيا بما فيها من أرضٍ وسماء !

وكذلك البشرُ فإنّهم في حقيقتهم أدنياء

بل قلْ : إنّهم أفكة مُراؤون

بلْ قلْ : إنّهم أثمةُ مُداجون

رحماكَ ربّي ... أبعدهم عني ، ولا تدعني ذليلا !

 

لوعة

 

أيتها الشمس ، ابزغي واملإي البطاح نوراً ساطعاً

وابعثي النشاط في قلوب الكسالى السكارى

وارقبي من أعاليك أعمال أولئك المساكين الحيارى

ثم أرسلي خيوطك الذّهبية على جدث فيه سرٌّ رهيب

فهناك ترقد الصّبيّةُ التي علا منّي لأجلها النّحيب

إذْ إنَّ الموتَ احتفظ بها وأقام بيننا بُعداً شاسعاً !

  

ليتني

 

ليتني كالطّير الشادي على أفنان الشجرْ

في فجر شبابٍ زاهٍ يُتَوِّجُهُ الزَّهر !

ليتني كالأثير الرقيق يعبثُ بالقمرْ

صاعداً هابطاً في دعابةٍ وسمرْ

غائصاً في اليمِّ ... حيثُ أبلُغُ أغلى الدُّررْ

باقياً حتّى النِّهاية حيثُ لا يحيا الكدرْ ! ...

 

ذئابٌ مفترسة

 

رجالُ الدّين أبالسةُ الدّنيا ، بل وقودُ الجحيم في العالم الثاني !

إنّهم كذبةٌ مُراؤون ، بل أثمةٌ مُداجون

يدَّعون أنّهم لِخُطُوات السّيّد المسيح يترسّمون

وخُطُواتُه الطّاهرة بريئةٌ من أضاليلهم المُنكرة

هم يقطنونَ القُصُور الشامخة يُسمُّونها " أديرة "

ولم يكن لفاديهم مكانٌ ليُسنِدَ إليه رأسَهُ في العالم الفاني !

 

 

العدالة الموْءُودة

 

يا أعواد المشانق ، كم لك من ضحايا بريئة شريفة !

وكم من أثمةٍ لم يتأرجحوا بحبالك القويّة !

ولؤماء لم تطلهمْ يدُ الأحكام العدليّة !

إنَّ دموع الآباء والأبناءِ تشُقُّ الفضاء

وصرخاتهم العميقة تخترقُ السّحاب فالسّماء

لا كنتِ يا أحكام ! وتباً لك أيتّها القوانين السّخيفة !

 

فناء

 

ها إنَّ الأعوام الزّاحفة الهاربة مرَّ أمامي موكبُها

والحلمُ الذي كان يُراودُ نفسي قد اضمحلَّ

ونجْمُ أملي الذي كان يُحبِّبُ إليَّ الحياة قد أَفل

وهذا الشباب الجميل الطّروب قد عفت آثارُه

وشبحُ المشيب الرهيب قد بدتْ أخبارُه

ربّاهُ !... وهل بعد هذا من أمنيةٍ سوى المنيّة ترقُبُني وأرقُبُها ؟

 

كافرة

 

هي شعرةٌ بيضاء لمحتها ، فاضطربت لها روحي وارتعش رأسي !

رأيتها بغتةً ، فتملّكني الجزعُ ، وطارت نفسي شعاعا !

يا رسولة الشؤمِ ، ومُثيرة كوامني حزناً والتياعا

قبحاً لكِ ! أنت تهبطين علينا وأنفُ الدّهر راغم

ولا نستطيعُ ، يا رمز الكفن ، اقتلاع جذورك من هذه المعالم

لله ! كم لك من أخواتٍ هبطْن عليَّ ، فوهتْ قواي وتقطّعت أمراسي !

 

رسولاتُ الغواية

 

المرأة الجميلة التي رأتها عيناي هي كانت فتنتي

بحثتُ عنها كثيراً ، فامتلكتُها ، ولم يكن في غيرها غبطتي

نساءٌ كثيراتٌ من مختلف الأعمار على وجه هذه البريّة

من شتّى الأجناس والمهن ، ومن مختلف الشعوب البشريّة

لقد خضتُ بحارهُنَّ ، فتاهَ رُشدي ، وضاعت حيلتي

وفي النهاية ، وقد دنا المشيبُ ، عرفتُ خطإي بجعلهنَّ قِبلَتي ومُنيتي

 

 

 

 

 

      

 

 

 

أسرار الآلهة الجزء الأول

أسرار الآلهة

الجزء الأول

 

لتسمع البشريّة

آمالنا أوهام وأوهامنا آمال

نحن دوماً ترانا نطلب تحقيق المُحال

نخلع ثوباً جديداً ونستعيض عنه بأسمال

كلٌ يقول : إنّه قد بلغ ذروة الكمال

ولو تبدّت الحقيقة لظهرت لنا حقارة الخصال

ولن نقلع عنها حتى تدنو ساعة الزّوال ...

                                                           الدكتور داهش

                                                     من كتاب " بروق ورعود "

 

 

تعريف

                               بقلم الكاتب الكبير سامي بك السراج

      ليس الشعر مُلكاً للمجيدين من رجال القوافي والأوزان ، ولا حكراً لأساطين البديع والبيان ، إنما الشعر فيضٌ وجداني ونبعة روحانية يؤتاهما كل من استغرقت " الشاعرية " حواسّه ، ولقد ينحدر منه سيلها انحداراً ، فتجيء بالمقاطع والأوزان ، في اتزان وغير اتزان .

      لكنه في كل حال هو " الشعر " منظوماً كان أم منثوراً ، ولكنه هو الفيض الذي يقذف به الإحساس الرقيق والتفكير الدقيق ، وتأتي به العاطفة المصقولة والذهن المجلوّ ، وان شعراً من هذا الطراز المُتكامل ، لمن حقِّه أن يجد الى الروعة طريقه ، والى الاعجاب سبيله ، فلئن فاتته الصناعة الشعرية ، لن تفوته "الشاعرية" ، التي هي ملك للناظم والناثر على السواء ، فهي توحي إليه ، وتمدُّهُ بالإلهام والبيان .

      ذلكم هو الشعر بمعناه ، او بما يقرب منه .

      لقد أطلعني صديقي الدكتور داهش على كتابه الذي أسماه " أسرار الآلهة " فاجتليت فيه صوراً لما إليه أشرت .

      إنّه عالج الحب ، علاج من يحسّه إحساساً في شغافات قلبه ، لا علاج من يتخيله تخيّلاً ، ويتوهّمه توهُّماً . إنّه ألمَّ بالنجوى الساحرة ، في سكون الليل وهدأة السحر ، فأحسن النجاء ما شاء له الإحسان ، وأسعفه البيان . إنّه طاف بأنحاء البؤس ، فتمثّله فناءً وتلاشياً في خضمّ الحياة ، وأبدع في نعته ، وفي تلوين صوره ما شاء له الإيداع .

      وفي كتابه هذا ، لذاذات من النوع الذي يبعث بها الخيال ، فتملأ أحاسيس القارئين مُتاعاً وطرباً .

      ومُتصفّح الكتاب ، يرى للمؤلف آراء خاصة في الحياة ، والمرأة ، والزواج ، والمال ، وجمال النفس _ ممَّا لا يبرح موضوعاً تتبّعه ذوو الفكر وأُولو النهى ، وفي آرائه مرارةٌ وأسىَ ، وفيها ثورة على الوجود ، وتمردٌّ على الموجود !

      فمن إرادة ترنو الى النسف والشجب ، إلى فكرة ترمي للتشذيب والتهذيب ، الى رغبة في صلاح المجتمع ، وجعله " إنسانياً " صرفاً، الى نزعة صوفية تنظر إلى ما يحيط بها نظرة زراية وإحتقار !

      فالكتاب على الجملة ، مجموعة نظرات ذات صور وألوان ، ومحصول فكرٍ شتّى ومجتمعة ، تتناول موضوعاً إثر موضوع ، وتنفي عن قارئها كلّ ملالةٍ وسأم ، فهي ذوْب عاطفة مؤلفها ، وعصارة روحه ، وخلاصة تجاريبه .

      وقصارى ما أنعت به هذا الكتاب ، أنّه مرآة إحساس كاتبه ، وصورة نفسه ، التي تعتلج فيها رغباتٍ شتّى من تقديس المحبَّة والجمال، والمرارة والأسى ، والتصوير والخيال .

                                                                                         سامي السراج

                                                                                            القدس

 

تعريف

                                     بقلم الدكتور داهش

      هذا الكتاب ألّفته عنما كانت سنّي عشرين عاماً . وها قد إنطوت الأيّام ، وتسربّت الشهور ، وأُبيدت الأعوام، وما زال مخطوطاً ومهملاً بزاوية النسيان .

      واليوم نفضت عنه غبار الزمن وطالعته ، فإذاني أجد الكثير ممّا سبق وكتبته يحتاج لتشذيبٍ وتهذيب ، فضلاً عن الحذف .

      فعندما كتبت هذا الكتاب كنت في عمر الورود ، وكانت تنقصني الخبرة . وعزمت على أن أصرف النظر عن طبعه. ولكنّي عدت ثانية وصمّمتُ أن أدفعه الى المطبعة مثلما سبق وكتبتهُ دون أن أجري فيه أي تغيير.

      فالفرق شاسعٌ بين ما يكتبه المرء في مطلع شبابه وبين ما يدوّنه بعدما يكون قد حلب من الدهر شطريه ، وبعد أن يتلقّى من الدهر صفعات مزلزلة ، ويدخل في جوف أتّون مُتّقد بالنيران المُبيدة ، فإذا بهذه النيران الجهنّميّة تُصهره ، ثمّ تُبَوْتقه ، فاذاه شخصٌ لا يمُتُّ لشخصيتّه الأولى بأيّة صلة .

      وبعد ، فها هو كتابي أضعه بين أيدي القرّاء ، فليحكموا له أو عليه ، والسلام .

                                                                                            داهش

                                                                                   بيروت في 27 شباط 1979

 

لماذا وضعت هذا الكتاب

                                               بقلم الدكتور داهش

 

... منذ الصِّغر ،

كنت أتمنّى أن يأتي يوم

أستطيع فيه أن أضع كتاباً ما من بنات أفكاري ،

شارحاً فيه ما تجيشُ به نفسي

من شتّى الميول والعواطف والأفكار والآراء ،

نافثاً فيه أحزاني وآلامي ، وآمالي وأحلامي ،

مدوّناً في صفحاته خطرات ليلي وصباحي ،

وذكريات أفراحي وأتراحي ،

وغيرَ ذلك من شتّى الميول البشريّة الطارئة .

وها قد سنحت الفرصة الآن لذلك .

فأنا أقوم به مُغتبطاً مسروراً .

ولمّا كنت من المُعجبين بكتابات الكاتب الخيالي الكبير

المرحوم ( جبران خليل جبران ) فقيد الشرق ،

تصفحتُ كلّ ما كانت قريحته الفيّاضة ،

وخياله الواسع يوحيان إليه.

وكانت عرائس خياله تمدُّهُ بالمساعدة في كلّ ما يكتب ،

فكأنّه معين لا ينضب !

وأيم الحقّ ! إنني كنت أسبح في بحرٍ من الخيال اللامتناهي

عند قراءتي بعض قطع خياله !

ولا أعود إلى نفسي إلا بعد مرور دقائق طويلة ،

من فرط نشوتي الروحيّة التي كانت تتركها في نفسي

قراءتي لتلك القطع السامية الخيال

التي كان كاتبها العبقريّ يرمي الى غاية من ورائها .

وقد أعجبت بصورة خاصة ببعض قطع لهذا النابغة الكبير

مثل : حياة الحب ، الأجنحة المتكسرة ، مناجاة أرواح ، مضجع العروس ، والأب سمعان .

... فاستهوتني هذه البدائع وأمثالها جدّ الاستهواء ،

ورغبت في أن أصوغها في قالبي بعد أخذ الفكرة عنه .

وعند ذاك ، حلّقت بروحي ، كما سبق وحلّق من قبلي ،

وأمسكت بقلمي ،

واستوحيت عرائسي الخفيّة !

فألهمتني كتابة ما كتبت من القطع

التي ألّفت بها كتابي هذا ،

وقد سميته : ( أسرار الآلهة ) ! ...

نعم ،

إنّ جبران خليل جبران لم يسبق لكاتب غيره

أن جاراه في خياله الواسع ،

وسيمضي زمنٌ طويل أيضاً ،

حتى يأتي ذلك الجل الذي يستطيع أن يحلّ مكانه ،

ويتبوّأ في خياله المُطلق ما كان جبران متبوئاً إياه .

ولكنّ الفضل في ذلك يرجع إلى فتاته ( سلمى كرامة ) ،

تلك الفتاة اللعوب التي أحبها وشغف بها .

ولكنْ ... قدّر ألا تكون له ...

فسحق الألم كبده ، وهاج ما كان دفيناً فيه من الشعور ،

فغادر الديار السورية الى الأقطار الأميركية ،

بعد أن خلّفته معبودته سلمى كرامة

ذاهبة بعيدة ما وراء الغيوم ،

الى ذلك المكان البارد المنسيّ ،

قهراً وحزناً على زواجها برجلٍ

غير فتاها ( جبران ) ، مُرغمةً مُكرهة .

وكان رسمها لا يبرح مُخيّلته

بعد مرور السنين الآفلة الطويلة .

... كان يظن أنه يستطيع أن يتناساها ،

بمضيّ السنين الآتية . ولكن ، أنىّ له ذلك

وأشواك الذكريات مُحيطةٌ به من كل جانب ؟

كانت ذكراها تزداد رسوخاً في أعماقه

بتوالي الأيام الطويلة ،

وتقضُّ مضجعه ، مخلّفةً له آلاماً

لا طاقة لبشريّ على تحملها .

كان يصهر في كل دقيقة من دقائقه

بأتّون ذكرياته العالقة بفتاتة وقد خلّفته وحيداً ،

في بحر هذه الحياة الصاخب الأمواج ،

المزبدّ الأثباج بعنفٍ وقسوة ّ!

_ هذه الحياة التي لا ترحم ، ولن ترحم !

ففتق الحزن المرير عليها قلبه الفيّاض الجائش ،

المليء بحبَّه المكين لها ،

فأتى بدرره الخالدة التي نقرأها ،

فنسبح مع عرائس المروج !

نعم ،

إنّ سلمى كرامة هي المرأة التي خلقتْ

جبران خليل جبران !

فكتب ما كتب ...

ولولاها لما قرأنا النبي ويسوع ابن الانسان ،

وآلهة الأرض ، ومملكة الخيال ، والعواصف ،

وغيرها من بدائعه الخالدة !

و ( ديانا )

هي فتاتي التي حالت القوّة ما بين قلبي وقلبها ،

فغادرتها مُضطرّاً ، مُرغماً ، مُكرهاً !

وصورتها منقوشة في أعماق أعماقي .

وكاد الحزن عليها يودي بي ،

لولا الأمل الذي لولاه لقضي عليّ :

أمل رؤيتها يوماً ... مهما طال !

إذ ما زلت في سنِّ الشباب ،

وهي ما زالت فتاةً صغيرة السنّ ...

نعم ،

إنّ ديانا لها كلُّ الفضل في ما أتيت به

من هذه القطع التي استمدَدْتُها

من وحي جمالها البارع ، وحسنها الرائع !

نعم ،

إنّها مُستمدّة من وحي لطفها الباهر ، ونورها الساحر !

إنّها مُستمدّة من عطفة قوامها اللدن الميّاس !

إنّها مُستمدّة من حلكة شعرها الداجي

المُنسدل على كتفيها !

إنّها مُستمدّة من عذوبتها اللاحدّ لها !

إنّها مُستمدّة من طهارة روحها ونقائها !

إنّها مُستمدّة من صفاء عينيها وزرقتهما !

إنّها مُستمدّة من وهج مقلتيها الفتّاكتين !

إنّها مُستمدّة من نصوعها الذي يفوق نصوع زنابق المروج !

إنّها مُستمدّة من نقائها المزْري بنقاء الياسمين !

إنّها مُستمدّة من روحها النقيّة الحالّة فيّ !

إنّها مُستمدّة من صفائها الذي ليس وراءه صفاء !

إنّها مُستمدّة من حبّها العُذريّ !

إنّها مُستمدّة من صباها في العنفوان !

إنّها مُستمدّة من سنواتها التسع عشرة !

إنّها مُستمدّة منها !

ولولاها لما كان الكتاب !

إنّها مُستمدّة من وحي حبَّها لي وحبِّي لها !

إنّها مُستمدّة من ديانا التي ما زلتُ أتخيّلُها

رغم بعدي عنها

سنتين قاسيتين ، مريرتين ، قاتلتين ،

أبديّتين ، أزليّتين !

إنّها مُستمدّة منها ولها .

نعم ،

إنّ كتاب ( أسرار الآلهة )

لولاها .... لما كان !

داهش

أول آب 1932

 

 

أحزان دائمة الدّوران

منذ أن يرى الانسان نور هذه الأرض الحقيرة

تحطّ عليه في الغالب أفدح الأحمال

فيخرّ من أثقالها المُبهظة كالجبال

ويغوص في أعماقها فيرتطم بالكدر والأحزان

ثم لا يلبث أن تعبث به يدُ الأشجان

وبعد قليل يتوارى مردِّداً اللعنة على أرضٍ شريرة

                                                                           الدكتور داهش

                                                                     من كتاب " بروق وروعود "

                                                                     عام 1927

 

إلى معبودتي

 

أي معبودتي الجميلة !

لقد أحببتك فيما مضى ،

ولكنني ما زلت أُحبُّك ،

وسأبقى في المستقبل وفيّاً لك !

أي معبودتي الحبيبة ، أتسمعينني ؟ !

وحقّكِ سأقضي ان لم ترجعي كما كنت سابقاً !

عديني ، أي جميلتي ، عديني .

لقد يئست من حياةٍ كلُّها آلامٌ لا تطاق .

وهل توجد آلامٌ أشدّ من بعدك عني ؟

يا إلهي !

لم هذه الآلام النفسيّة الشديدة الوطأة

على نفسي المُحطّمة ؟

ألم يكفني ما قاسيته من يد الزمن العاتي الذي لم يرحمني ،

بل حطّم آمالي على صخوره الصمّاء ؟!

إنّني متأكد أنّ قلبي لم يخلق لغير حبك ،

وانّ نبضاته لا تردِّد سوى اسمك ،

وعينيَّ لم توجدا الاّ لكي تطيلا النظر

الى عينيك الفاتنتين اللتين لا شبيه لهما !

شعرك المُنسدل ، ذو اللون الفاحم السواد ،

بم يا ترى أستطيع له تشبيهاً ؛

إنّ أقرب شبهٍ له عندما يداعب نسيم الصباح

أمواج الخضمّ العظيم !

والآن ، بم أستطيع أن أصف وجهك المشرق ؟ !

أَأُشبّههُ بأجمل يوم من ايام الربيع الزّاهي

المكلّل بورود مُتعددة الألوان ؟ !

إذن ، أكون قد عجزت عن وصفه كما أُريد !

وصوتك أيتها المعبودة ،

إن أقرب نغمات إليه تلك البلابل والقماريّ

التي تجتمع أسراباً على أفنان الأشجار

القائمة بجانب الأنهار ذات المياه الصافية العذبة ،

وهناك تغرّد وتغرّد ...

معبودتي ، حبيبتي ، جميلتي ،

حياتي ، كياني ، كلَّ آمالي في هذه الحياة !

دعينا نذهب معاً عندما يكون البدر في أتمِّه

الى مجاهلِ الغابات المُلتحمة الأشجار ،

حيثُ لا رقيب ولا عذول .

وبين الأشجار الباسقة الوارفة الظلال

التي تشدو عليها البلابل والطيور المختلفة الأشكال ،

هناك ...

بعيدين عن ضوضاء البشر ومساوئهم ،

والى جانب الأنهار الجارية ،

وعلى خريرها الموسيقي المبدع ،

أجثو بجانبك ،

لأبثّكِ عميق الحبّ الذي امتزج بدمي ،

فعدت لا أستطيع بدونك حياة ،

وأحرِّك شفتيّ لأخبرك بما صنعه البعد بي ،

يا غادتي التي لا أصدق أنك الآن معي !

ثّم أرفع بصري الى جمالك الملائكي ،

وأنظر إليه وأنظر ...

وهناك أبقى لك ،

وتبقين لي !

إلى ان نفنى معاً في الحبّ ،

أي معبودتي الجميلة !

                                                   القدس ، 14 أيار 1927

 

 

 

 

جحيم الذكريات

جحيم الذكريات

 

ذكريات مؤسية

 

أيها الحزن ... لقد أجَّجْت صدري بالمُزعجات

أيها القاطن في أعماق روحي في هذه الحياة

لقد سلخت عني المُطربات وانتزعت مني المُبهجات

ثم رفعت الغشاوة عن عيني فأبصرت أسرار البسيطة

وشاهدت أيام صبوتي الساذجة البسيطة

وعند ذاك ... مرّت أمام نفسي الحزينة شتّى الذكريات

                                                                           داهش

                                                               ( من كتاب بروق وروعود )

 

هذا الكتاب !..

                                         بقلم كرم ملحم كرم

 

لي في الشعر المنثور رفيع هوىً. فالعاطفة في رحابه مُطلقة الأعنّة ، يدفعها الخيال فتنقاد، وتجلوها الموهبة فترتع في انسجامٍ صقيل ، فلا قيود ولا حدود . ألا مرحباً بشعرٍ طلّق القافية !

على أنّ هذا الشعر ، الشعر المنثور ، ليس من السهولة بما يبيح لكل طارق أن يتغلغل منه في المحراب . فهو والشعر الموزون المقفى ينبعان من عين واحدة . فإذا جفا الطبع ، ونبا التوليد ، فالنكوص أوْلى . ولا خير في معنىً أرمد العين ، وفي مبنىً معتلّ الكبد . فالسقم في مواليد الأدب يزيد على الغنية !

بل إنّ للشعر المنثور أحكاماً مزدوجة لا سبيل إلى التعامي عنها : أحكام الشعر وأحكام النثر معاً . فعليه أن يملك من الشعر رنّته وخياله ، ومن النثر حبكته وعالي سناه . فإذا اجتمعت به روعة الشعر الحالية العود ، وصياغة النثر المحكمة الأداء ، فقد توفر فيه الفنّ وأشرف على الغاية. وإلا فما يدعو إلى إجهاد النفس في ثرثرةٍ بالية ؟

والشعر المنثور طبع الأدب العربي بطابعه في ما عالج منه جبران خليل جبران وأمين الريحاني . على أن جبران أصفى خيالاً وأبعدُ مدىً . فهو وحده فارضٌ هذا اللون الجديد على أدب الضاد . ولولاه لاستبقى الخيال العربي صبغتهُ في أواخر عهد الانحطاط وأوائل عهد الانبعاث : صناعة لفظيّة ليس لها من السموّ دعامةٌ تتكئ عليها . إنْ هي إلا حشوٌ مملٌ وتكلُّفٌ ممقوت !

وعهد الانحطاط عشق الألفاظ دون المعاني ، وامتدّت عدواه الى مطلع عهد الانبعاث . فما شذّ عنها سوى أديب إسحق وقد صان بيانه عن الإغراق في التدجيل اللفظيّ . فنفح الأدب بأسلوب خاص يتنكّر للسجع الرخو الشكيمة ، وللخيال البليد . وهذا الأسلوب جاد على أدب الضاد بدم طريف استروحت به اللغة العربية شميم الحياة ، فأدركت أنّها في مستهلّ نهضةٍ ريّا . وتوفرت لها ترجمة التوارة ، فنعمتْ بالشعر المنثور الأغنّ الجرس . كما نعم العهد العباسيّ بالمقامات وقد عكف على سبكها بديع الزمان ، فأقام منها فنّاً خاصاً جلاه الحريري ، ونافرهما فيه الكثيرون ، فما ثبت على المحكّ سوى ناصيف اليازجي في "مجتمع البحرين" وبه ختم السجع عهده وصرنا الى تحطيم القيد والى الإنطلاق الرسيل .

ومنذ بديع الزمان والأدب العربي يتعثر بالألفاظ . فكان ضفائر محبوكة من غويص المعاجم ووعر الكلام . لا يمتد الأفق بالمنشئ الى أبعد من الصياغة ، وقد جهل الخيال المجنّح والنفاذ الى اللبّ الصراح ، فاشتغل الأدب بالرصف . ولقد رصف أهراماً على أهرامٍ ، جميلة التنضيد ، براقة النظيم ، إلا أنها أهرامٌ من حطبٍ جاف لا عصير فيها ولا زبد . فانكبَّ على المعاجم وعلى كل ما ينحو نحو المعاجم ، فما استولده أقطابه غير الأدب المصنوع وليس فيه الكفاية .

وزاد القوم هياماً بالألفاظ ذلك الطراز من الشعر المعقّد الكلم لخالقه أبي تمّام وللاحقه فيه أبي الطيّب المتنبّي. فتعمّلا البيان يذلّلانه للصناعة . ولولا تفوّقهما في النفس الشعريّ لخنقهما الجهد المكدود . وأقبل أبو العلاء بلزوميّاته فناءتْ معانيه الجسام بألفاظه الضّخام وقد فرضها على شعره عنوةً واقتداراً . وإننا لنسمع أبداً لهاثها تشكو به اضطراب نظامها وترجو الغوث والإنصاف!

مع أنّ "الأغاني" راجت في ذلك الحين موفورة السلاسة ، شجيّة الأغاريد ، ومع انّ شعر عمر بن ابي ربيعة ، وجميل بثينة ، وأبي نؤاس ، ملء الأسماع والأبصار ، ولكنّ الفحولة بدت لأبي تمّام في الأخطل والفرزدق فجاراهما ، بل حاول أن يعلوهما ويزيدهما شأواً ، فغاص على الخشن الغليظ من الكلمات ونبذ الطبع السليم . وتفتحت عينا المتنبي وشعر أبي تمّام في كل فمٍ وفي كلّ أذن فأبى إلا أن يقتحم الميدان .

ولكن الأدب العربي ملّ الجعجعة مع طربه للفخامة ، وشاقته موشحات الأندلس في نداها وسميح زغبرها ، فنهد إلى الجو الطليق. وفي الموشحات من رحابة الخيال ما لا تسخو به اللزوميات . فكان أن عافت النفوس التقليد ، وحنّت إلى الخلق والإبداع .

وطغى عهد الانحطاط زمناً طويلاً فخرست الألسن . وما تنفس أدب الضاد إلا والبعثات الدينية الغربية تستقر تحت سماء الشرق حاملةً بيمينها التوارة . وأدب التوارة مهر أدب الانبعاث بمواليد صحاح ، منها الرقّة والخيال ، الكامنان في الشعر المنثور ، بل إنّ الشعر المنثور نفسه وليد التوارة ، فما نغشَ به أدب الضاد إلا وقد ترجمت إلى لغتنا مزامير داوُد وأناشيد سليمان .

وأدب التوارة أبو الأدب الوجداني في اللغات أجمع . فعدا على الغرب ونهلتْ منه فرنسا أدبها المعتمّ به القرن التاسع عشر . وهذا الأدب ترجمناه واستقينا من نبعته ، فخرج بنا عن الخشونة ومال بنا الى الحياة . وقد يكون أبعدنا عن فحولة اللفظ ، إلا أنّ هذه الفحولة لا نريدها طاغيةً بل مسعفةً . والإسعاف بدأنا ننعم بمكنته ونتبين مداه .

والأدب الوجداني حزينٌ ، باكٍ ، وطابع الحزن والبكاء مقدورٌ له . وهو صورة ساطعة لكل نفس تأوي إلى اللحم والدم ، وما في اللحم والدم غير الخيبة والاضطراب والألم والنوح . فلا عجب أن يزخر الأدب الوجداني باللوعة والتلهُّف والزفرات .

والشعر يسيطر على التوارة . ولم يكن بالمستطاع ترجمة هذا الشعر شعراً والإبقاء فيه على معناه الناصع . فترجم نثراً ، وكانت منه نواة الشعر المنثور الشجيّ الأنّة . وقرأ فريق من أدبائنا هذا الشعر المترجم نثراً فطابت لهم محاكاته . ولقد فعلوا ، وفي طليعتهم جبران ، ونفحوا أدب الضاد بلون جديد يضمه إلى ثروته ومذخوراته ، وهو لون جميل الأداء ، ريّان الأسلوب . على أنّ السهولة الموهومة في الشعر المنثور أباحته لكل طالب . فتصدّى له من يندّ عنه الشعور وصفاء الروح . وبتنا ، ونحن نبغي سماع البلبل والشحرور ، نسدّ آذاننا عن نعيق الغربان والبوم .

وكل لون من الوان الأدب عرضة للإستباحة ، يواثبه صغار الأحلام ورائدهم الغرور ، ولا يرجعون عنه إلا وقد أذلوا ناصيته وشوهوا جهارته . ولكن الراسخ القدم هو الموهوب . ويكفي الشعر المنثور أن يخلع عليه جبران سنيَّ اللألاء ورحيب الخيال كي ينمو ويعيش ، ويفسح له الأدب العربي المجال الوسيع في دولته وأسواقه . فهو حديث العهد بالنور ، وقد أنجبه القرن العشرون ، غير أنه خصيب الجنى . فلا بدّ أن يتوفر عليه أدباءٌ مُلهمون ، ويرفعوه إلى الذروة . فلن يكون جبران وحده فارس الحلبة ، وإن يكن أول من شقّ الطريق ومهّد الصراط !

و " جحيم الذكريات " من بضاعة الشعر المنثور . فهي نفاثات روح يشقى ويتألم ، روحٍ خبِرَ الناس وتجلّت له حقيقة الحياة ، فنفر من الناس والحياة وساوره شكٌّ وقلق ، والتمس الخلاص من دنيا الأباطيل الطافحة بالخداع والغرور والحمق والآثام .

وفي كل مقطعٍ من مقاطع الكتاب يطفر اليأس ، ويطغى الألم ، ويندلع الكره وتثور النَّقمة . فما العالم في عُرفِ المنشئ غير كتلةٍ من ذئاب وثعابين . أما الخيرُ ، وأما الصلاحُ ، فكلمتان تحسب الأجيال أنّها منطلقة إليهما ، غير أنّهما كلمتا حقٍّ أريد بهما باطل . فما علاهما من الخير والصلاح غير قشرةٍ ناحلةٍ ، هزيلة ، على حين أنَّ اللبَّ كلّه نفاقٌ وضلال !

إنّ العالم لتعسٌ شقيٌّ في "جحيم الذكريات" والناس فيه أدنياء جشعون أو أغبياء مُحتالون ، وهو قول صدق. فالعالم بؤرةٌ من ألم واضطغان وبلاهة وفساد . يدّعي الصلاح ولا يحاوله ، ويطمح إلى السعادة ولا يبلغها ، بل هو لا يطيق بلوغها ونفوس أبنائه أعشاشٌ للغدر والحسد والخسّة !

ولقد آثر صاحب " جحيم الذكريات " الشيطان على الإنسان . والرأي نبيلٌ ، فالشيطان مع كل انغماسه في الدنس والكيد والحقد والشر لا يبلغ منها ما بلغ الإنسان في رجسه وسفالته ومدى طغيانه .

وصاحب "جحيم الذكريات" واعي الإحساس . فما خفي عليه أنّه يتخبط في هذا العالم مثله في خضمٍّ يموج بالرياء والبغضاء والخيانة والفساد . فالرياء في من حوله ، والبغضاء في صدور من يتوهّمهم أعزاء عليه ، والخيانة في من يحسبهم أوفياء ، والفساد في من يدعون التُّقى ويتاجرون برحمة الله !

أجل ، هنا هي الجحيم العاتية ، لا في العالم الآخر . والشيطان في هؤلاء الدراجين على سطحها ، لا في جهنّم النار . كلي ثقةٌ وإيمان ، فالجحيم والشيطان مع كل أهوالهما ليسا أشدَّ ويلاً من الأرض وأبنائها على الأرض وأبنائها . فجهنم الأرض ألأم من جهنّم الآخرة . وشيطان الأرض أعظم رعبأً ودمامةً ورجساً من شيطان النار الدائمة الضرام !

لقد أعجبني من " جحيم الذكريات " مرماه ومعناه . ففيه الشعر المنثور الرقيق ، إلا أنّ أروع ما فيه الحقائق الشهب النضناضة اللسان .

فالعالم جحيم ، والإنسان شيطان ، وأجيال الناس مواكب من ثعابين وذئاب ... هدفُها ، كلُّ هدفِها ، نهشُ بعضها بعضاً !

إنّها لصورةٌ متوعّدةٌ ، راعدة ، ولكنها صادقةٌ ، قاطعة ! ألا اخلعْ عنك ثيابك لنعرفك من أنت . ما أبعد هذا الإنسان الروّاغ الضاري عن مثال الله !

                                                                                         كرم ملحم كرم

                                                                                    بيروت ، شهر نيسان 1934

 

الحقيقة الصادعة

لا صديق ( حقيقي ) في هذه ( الحياة ) !

كلا ، وليس من تطمئنُّ له نفسي ، ويرتاح إليه فؤادي !

لا ، وليس من أبثُّه شكاتي ، وأفضي إليه برغباتي !

لا ، وليس من أؤمن بنزاهته ، أو أثق بأمانته !

لأنّ الصداقة ( الحقَّة ) لا تحيا في أجواء هذا العالم الخادع ،

بل إنّها لا ترضى أن تكون سجينةً فيه ،

مقيّدة بنظمه المحدودة العاتية !

الصداقة ! كلمةٌ عذبةٌ جميلةٌ هادئة ، رقيقةٌ فتانةٌ ساجية !

إنّها ( حلمٌ ) بعيدٌ بعيد ، ولكنّه جميلٌ جميل !

إنّها ( وهمٌ ) من الأوهام يطوف بهذا العالم الماكر !

إنّها ( طيرٌ ) طليقٌ يعلو ويعلو ، وليس لأحدٍ من يدٍ عليه !

إنّها ( سماوية ) حين تتجرد عن الغايات ،

( أرضية ) حين تتردَّى في حمْأةِ المقاصد ،

( جهنميّة ) حين تهزأ بنفسها ، وتنسى ذاتها !

إنّها ( عظيمة ) تضارع السماء ، إذا لم تكبّلها الغايات البشريّة ،

والمقاصد الدنيويّة ، والنزعات الجهنميّة !

إنّها ( نقيّة ) كألوان الشّفق حين لا تلوثُّها الأدران بأوزارها !

إنّها ( روحٌ ) قدسيّ يسبح في فضاء المجهول البديع المثال ،

البعيد المنال !

إنّها ( فردوسٌ ) سماويّ مليءٌ بشتّى ما تتمنّاه الأنفس ،

وتصبو إليه القلوب !

إنّها ( الحبُّ ) السماويّ البريء

تسكبه الملائكة الأطهار أمام عرش الديّان !

لكنّنا _ ويا للأسف ! _ نحيا فوق هذه الأرض ،

والأرض هي غير السماء

حيث الصداقة الحقّة !

كان لي في ( الحياة ) صديقٌ مُخلص ؛

لكنّه تحوّل من ( ملاكٍ ) رحيم إلى ( شيطانٍ ) رجيم !

فأكّد لي أنّ الصداقة الحقّة مفقودة ،

وأظهر أنّ هذه ( الزهرة ) العبقة الأرج

لا تَيْنع في حديقة هذا العالم البائس !

يا صديق ماضيَّ ،

لقد عرفت هذا ، قبل أن تعَرِّفنيه ،

ولن تراني أثق بك ، أو بأيِّ إنسانٍ ، بعد اليوم !

وإنّ جميع من تطلعُ عليهم الشمس صاروا عندي أسواء ،

بعد أن ألقيتَ عليَّ درسك المُفيد !

حَسْبي ، أيُّها ( الخائن ) ، ما لقيتُ منك ،

وحسبكَ ما سُمْتنيه من عذاب !

بل بحسبك تلك الكأس المريرة

التي سقيتنيها حتى آخر قطرة !

وواحسرتاه لذلك ( الأمل ) الهانئ الجميل

الذي كاد يُزهرُ ويُعَطِّرُ أجواء الفضاء ،

ثم ذوى ، ومات ، وتحوَّل إلى هباء !

لقد قضيت على الأمل الباسم ( بخيانتكَ الدنيئة ) ،

وحكمتَ عليه بالشقاء !

وداعاً ، دون لقاءٍ أرجوه ،

أو قربٍ أعود فأتمناه .

                                                                 القدس ، 8 كانون الثاني 1936

 

حقيقة واقعة

إنّ ( روحي ) مُعذبةٌ حيرى !

والاضطراب يسير في جسدي المُهدّم البالي !

والأسى يشيع في حنايا نفسي الهائمة !

وصراخ ( فؤادي ) يشقُّ أجواز العنان !

ولا راثٍ لبلوتي ،

ولا مفرِّجٌ لكربتي !

بل ليس من يعطف عليَّ ، أو يرقُّ لي !

لكنّي ، لست في حاجة لعطف مخلوق ، أو رقّة إنسان !

أجل ، أنا قويّ ،

وقوّتي لا تقف عند حدّ ، وليس لها نهاية !

أنا ذو بأس ، وبأسي أكبته ، وأمنعُه عن الظهور !

أنا ثائرٌ على الوجود والموجود ،

ولن أنيَ عن هذه ( الثورة ) الجامحة الجبّارة ،

حتى يأتيني داعي الحِمام !

وعند ذلك ،

تنتهي هذه ( الحياة ) الغارقة في اضطرابها !

                                                              القدس ، 8 كانون الثاني 1936

 

نفس تعبة

ما هذا ( الشعورُ ) الغريب ،

الذي أحسُّه يتمشى في حنايا نفسي الحزينة ؟

ما هذه ( الكآبة ) التي تظلِّلُ ( روحي ) ،

وتبعث فيَّ عاطفة السأم الشامل والنفور العميق ؟

ما هذه ( الأخْيِلةُ ) المريرة التي تُدمي قلبي الحزين ،

وتلاشي وجودي المسكين ؟

ما هذه ( الآلام ) الجائحة تقطِّعُ أحشائي ،

وتزيد في بلائي ؟

ما هذه ( الأشجان ) التي تأبى فراقي ،

طولَ أيَامي وأعوامي ؟

ما هذه ( الطيوفُ ) الباهتةُ تحومُ فوق رأسي ،

وتثيرُ فيَّ أعمقَ التنهّدات وأغربَ التصوُّرات ؟

ما هذه ( النارُ ) المتأجّجة

تستعرُ في أعماقي ، ولا ينطفئُ لها أُوار ؟

بل ما هذه ( الحياةُ ) البائسة التي تفرضُ نفسها عليَّ فَرْضاً ؟

ومتّى سيُبَدَّلُ الحال غيرَ الحال ،

وتحلٌّ أيَّامُ الراحة والهدوء والسلام ؟

متى ؟ متى ؟ يا عروس أحلامي !

ألا تسمعين ؟

                                                                                حيفا ، مساء 20 شباط 1936

 

زفرة صارخة

نفسي حزينة !

وأشعر بآلامٍ عميقةٍ تحزُّ في نفسي ،

وظلمةٍ مُدلهمّة تكتنفني ،

فألجأُ إلى الدموع ،

أقتل الألمَ بالألم ، والداءَ بالداء !

فيزيد عذابي ، وأغدو أذوب في حنايا البؤس والشقاء !

أنا أكاد ألمس الأسى الصارخ !

ويكاد الحزن المُمِضُّ يجتاح ( روحي ) المتألمة اجتياحاً !

أنا حزينٌ متألِّم ، شقيٌّ حيران !

أنا قلقٌ مُضطرب ، أنشدُ انطلاق ( روحي ) من جسدها في كلّ حين !

نفسي مُحطَمة ، وقلبي كسير ، وأنا والهٌ حزين !

أنا مسكينٌ بائس ، بل أشقى خلقِ الله طُرّاً !

أنا تعبٌ ، أُحسُّ بمرارةٍ لاذعةٍ لا يُحسُّ بها أحد ،

وألمسُ الوحشةَ القاتلة تعصرُ ( روحي ) عصراً ،

وتهصرُ ( قلبي ) هصراً !

أوَّاه ! ما الحافز إلى اكتئابي ؟

وما الدافع إلى اضطرابي وعذابي ؟

لا أدري ، لا أدري !

                                                                 القدس ، 27 شباط 1936

 

      

متى ؟

الآن ، إنتهى كلُّ شيء ، وأُسدِلَ على الماضي السِّتار ،

وتلاشت حتى الذكرياتُ ! واأسفاه !

لقد مضى ما كان ، وعفت آثار الأمس القريب والبعيد ،

وامحت معالم تلك الأويقات السعيدة والسُّويعات الهانئة !

أما ذلك ( الحلمُ ) العذبُ الجميل فقد اضمحلَّ !

وأما تلك ( الشعلة ) المُقدسة الخالدة ،

فقد انطفأ أوارُها ، وخبا لهيبُها ،

وانزوت في زوايا الظلمة والنسيان !

وأوتارُ تلك ( القيثارةِ ) الشجيّة النّغم ، السحريَّة التوقيع ،

تقطعتْ ، وتفرَّقت بدَداً ، وغدت كالقصبةِ الجوفاء ،

تعبثُ بها رياح الصحراء ،

فتوقِّع ألحاناً مشوشةً ضائعة ، لا حياة فيها ولا روح !

وذوتْ زهرةُ العمرِ _ واأسفاه ! _ ذوتْ قبل الأوان !

وأنا ما أزال في ريعان الصّبا ، وعنفوان الشباب !

وتصرَّمَ حبلُ الأمل ، يعتلجُ في قلبٍ محطَّم ،

ونفسٍ قلقة ، وروحٍ حائر !

وأخيراً ، آه ! نعم ... وأخيراً فازت أشباح الليل المرعبة ،

وساد السكون الأبديّ ،

واشتمل حياتي ظلامٌ عميقٌ سرمديّ !

ثم سكت ذلك القمريّ ،

طائر أحلامي الجميل الذي طالما شدا وتكلَّم في سكينة الليل

شدْواً عذباً وكلاماً عذباً ،

سكت عن الشَّدْوِ والكلام .

وحاك ( الشرُّ ) ثوبه المظلم الكثيف ،

ودأب على حوكه ليل نهار حتَّى أتمَّه في خمس سنوات ،

وكانت له الغلبةُ والفوز في النهاية !

أجل ، لقد فرَّق ( الشرُّ ) بيني وبين صديقي ،

بيني وبين أخي ؛

والموت نفسه

ما كان يجرؤ على أن يدنو من ( المكان ) الذي كنّا نجلس فيه

نتساقى كؤوس الصداقة والولاء ، والحبّ والوفاء !

ويا للعجب ! استطاع ( الشرُّ ) أن يصنع ما عجز عنه الموت !

عجيبةً أحوال هذه الدنيا ، وغريبةٌ أسرار هذه الحياة !

أواه ! انتهى ما كان بيننا ، وأٌسدِلَ عليه ستارٌ كثيف ،

والذي ( كان ) مُحالٌ أن يكون !

ثم ( حقيقةٌ ) أثبتها ( نتيجةٌ ) لهذه المقدّمة :

الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الغادر الماكر !

وهذه الأرض ، دار الشقاء ،

أحقرُ من أن تحمل ظهرها ( صديقاً مُخلصاً ) !

حقيقةٌ مؤلمة ! ولكنْ ، ماذا أفعل ، والواقعُ الأليمُ يدعمها ؟

آه ! لا أستطيع أن أُصرّح ! لا أستطيع أن أقول !

يا إلهي ! ترى ، متى تنطلقُ ( روحي ) الصاخبة الجيَّاشة ،

الثائرة المُتمرّدة ، المُتألِّمة الحزينة ؟

متى تنطلق من هذه الحياة ؟

متى ؟

                                                                                القدس , في 27 شباط 1936

 

 

                    

أناشيدي

أناشيدي

 

نشيد الأدهار

أيتها الغابات ردِّدي معي صدى أيامي على هذه الأوتار !

ويا أيتها البحار اسكتيني واسمعي ضربات قلبي المُنهار !

وأنت يا قفار... حتام لا يقرُ لروحي فوقك قرار ؟

وأنت أيتها الجنود والأغوار أصدقيني متى تحين ساعة الإنتصار ؟

وأنت يا زمان ! ... ردّد معي أناشيد الطموح والمجد والفخار

ويا جبابرة العناصر الرهيبة... إلى م أتأرجح بين ذراعي الأقدار ؟

                                                                               داهش

 

أدب الحقيقة

                              بقلم الدكتور فوزي برجاس

 

إذا كان الأدب صورة عن الكاتب وانعكاسا لذاته ، فان الصفحات التي تحبِرها يراعة الأديب إنما هي تجسيد لخلجات نفسه وخفاياها، وأفق ترتسم فوقه طموحاتها واتجاهاتها. فلئن غيّب الثرى وجه ذلك الكاتب ، فإنه لن يقوى على صورته الملتصقة دوما بأدبه. حتى وإن جهلت المجتمعات حقيقة المُفكرين أو اضطهدتهم وهم على قيد الحياة، فإنَ هؤلاء المُفكرين قد عاشوا وخلدوا بسموً أفكارهم وكتاباتهم في ضمائر الأجيال اللاحقة.

والدكتور داهش هو المثل لتلك الحقيقة. بل إنَه المثل لمن شقَ الطريق الى المجد والخلود وهو بعد في الحياة رغم الاضطهاد ورغم الظلم الأرعن الذي أصابه، ورغم ما فاضت به نفسه الثائرة من فكر لا تتناول مجتمعا بشريا ضيقاً محدوداً ، وإنَما تهدف إلى تهديم الأسس المزيفة التي قام عليها المجتمع الإنساني بأكمله لتعلي على أنقاضها بنيان الحضارة الحقة على أسس من القيم الروحية الخالدة.

وأدب الدكتور داهش لا يعطي صورة واحدة لشخصيته، وإنما يعكس عنها مجموعة من الصور الرائعة المختلفة بوضعيتها وألوانها، والمتحدة لإبراز الصورة المُتكاملة للرجل الفذِ الذي شقّ دربا جديدة للحياة.

فالسبيل الى غزلياته يمر عبر حدائق وفراديس إلهية أبدعتها مخيلته الخصبة، فيظهر الدكتور داهش هناك وسط تلك الجنان وقد استحالت الطبيعة بأشجارها وأزهارها، وأثمارها واطيارها، ومروجها وغيطانها مرتعا لذلك الحب الغريب العجيب. ثم تهبط آلهة الأولمب وتطفر حريات النعيم فوق التلال الحالمة فيغدو ذلك الحب عرسا إلهياً يرعاه كيوبيد إله العاشقين ، وتسكب فيه خمرة السعادة الإلهية.

وحين تقرأ وصفة للطبيعة ، فإنك ترى من خلاله صورة رجل مبدع ينسج من خيوط فكره الخلاق بردة حيَةَ يلقيها فوق عناصر الطبيعة، فاذاها كائنات عاقلة مدركة. فالشلالات العظيمة تردد أنشودة الخلاق العظيم، والصحارى الشاسعة تسبح الله وتخشع لمهابته، والغيوم تتحول الى اجنحة أثيرية تحمل الانسان من عالم التعاسة والشقاء الى عوالم بعيدة سعيدة.

وفي فيض نفسه المثقلة بثمار الحكمة تنبجس ينابيع كوثرية غنية بماء الحياة تكفي لأن تروي ظمأ الأجيال المتعطشة الى نور الحقيقة المفقودة، وتقلب مفاهيم الحياة والموت، والسعادة والشقاء، والحب والبغض، وغيرها من الأسرار رأسا على عقب. ويظهر الدكتور داهش، وهو بعد في طراوة الشباب، أعظم من خبر طينة البشر، وغاص في أعماق الحياة ليقتلع جذورها الراسخة في مهاوي المادة، ويزرعها من جديد في تربة الروح النقيّة.

كما تبرز في معظم مراحل أدبه صورة المؤمن العظيم بعدالة السماء، والمتيقِن من تنفيذ أحكامها وإن عبر تقمصات عديدة تخضع لقوانينها جميع الكائنات. فتراه عبر قصصه ووجدانياته، وعبر جحيمه ونعيمه ومراثيه معلماً لأحكام تلك العدالة ونذيراً بالمسؤولية الروحية المترتبة على مفاسد البشر وشرورهم.

لكن الصورة الألصق بشخصية الدكتور داهش وبنفسيته وبأدبه هي تلك التي رافقته في جميع مراحل حياته ، والتي يطل فيها على مواكب الأجيال والأمم إطلالة الشاهد على مسيرتها. فمن خلال نظّراته السوداء يرى حياة الأرض أشدَ قتاماً من سواد الليل، وأنّ حياة البشر مترعة بالآثام الجسام ، مترعرعة في تربة الإفك المرذول، ولا تنمو إلا على سماد البهتان والزور. وإذا الأرض في نظره دار شقاء وبلاء وجهالة لا تعرف ظلاً للحقيقة ولا يزورها طيف السعادة، بل إنه يرى فيها جحيماً متلظياً يكتوي البشر بآلامه.

ولأجل ذلك، يلعن الدكتور داهش الساعة التي فتح فيها عينيه على أرض الشقاء ، ولا يمنح ثقته لأي مخلوق تظلله ذكاء؛ وإنما يتجه بكلّيته نحو السماء ، نحو العوالم العلوية السعيدة، نحو النجوم والكواكب المغمورة بالنور والبهاء ، آملاً أن يجوس ربوعها، ويتنعّم بأنوارها.

ويروح الدكتور داهش في فيضٍ من أناشيده يرفع كفيه الى الله مصدر قوته كي يقيه عثرات الحياة ويقصّر حياته الأرضية ويعيده إلى جناته السرمدية. كما يرسل ضراعاته الى حبيبه الموت الذي لم يعد في نظره مصدر التعاسة بل الحبيب الوحيد والسمير الفريد ورسول الرحمة والخلاص، راجياً منه أن يجتثّ نبضات قلبه ويحلق به نحو عوالم أخرى مجهولة.

إنَ هذه الأناشيد هي صورة عجيبة لرجل غريب عجيب، غريب في حياته وأفكاره، غريب في مطامحه واتجاهاته؛ وهل كان العباقرة الأفذاذ إلا غرباء يعبرون وادي الحياة ويطلقون فيه صيحاتهم لتحفظها الأجيال وتردد أصداءها ألسنة الدهور ؟!

                                                             فوزي برجاس

                                                                     الولايات المتحدة الأمريكية

                                                                           في 26 – 12 – 1982

                                                                                                              

حياتي البائسة

أنّى لي أن أصف حياتي البائسة !

إني أشّبهها بزورق ، صغير ، جميل ،

يتهادى على صفحة البحر السحيق الغور ، البعيد القرار !

وفجأةً يتكاثف الضباب ، وتعصف الرياح ،

ويشمل الكون الظلام ،

فيضطرب البحر ، وتصطخب الأمواج ، وتتدافع كالأطواد ،

وتتلاعب بالزورق المسكين ، بغير ما رفقٍ أو لين ،

مُسيِرةً الى غير ما هدىً يرتجيه ، أو سلامٍ يبتغيه !

 

فتارةً تراه فوق متن موجةٍ مشمخرةٍ هادرة ، مزمجرةٍ ثائرة ،

وطوراً يهبط معها اللُجج متقلباً خائضاً ، فلا تتبيَنُهُ العين ،

ومن ثم يطفو ... ليعود فيغوص في أغوار الخضمِ السحيقة !

 

وإذا ما دنتْ ساعة المنيَة الرهيبة ،

لا تلبث مداعبة الأمواج إياه طويلاً ،

حتى تلفظه بعنفٍ وقسوةٍ الى أحد الصخور الصماء العاتية ،

فيتحطم من هول الإرتطام شرَ تحطيم !

ومن ثم يفغر البحر الثائر المهتاج فاه ،

ويبتلعهُ في طيَاته الآبدة حيث الجحيم !

 

فما أشبه حياتي بذلك الزورق الصغير المسكين ،

الذي حكم عليه القضاء ،

بالشقاء ، والتلاشي ، والفناء ! ..

                                                           القدس ، 25 نيسان 1933

 

العالم الفاني

كلُ ما في الكون يسير الى التلاشي ،

والفناء ، والعدم !

فالأطيار الصادحة التي طالما شدتْ مبتهجة !

والأزاهير التي كانت تكلِلُ هامة المروج ،

مختالةً بألوانها الزاهية ،

معبٍقة بأريجها الفواح ،

وهي تترنَح تيهاً وخيلاء ،

من تأثير مُداعبة النسيم العليل لها !

والشمس المُرسلة وهجها المُحيي

إلى جميع قاطني الأرض من إنسان وحيوان ! ..

والجداول ذات الأنغام الموسيقية المتناسقة !

والأنهار العظيمة وهي تهدر بجلال ،

بينما مياهها تسير مُسرعة ،

مُخترقة الآجام والغابات ، وهي تلتطم بالحصى !

والخضمُ العظيم ،

مبتلع عشرات الآلاف والملايين

من بني البشر المساكين !

والغابات في أدواحها الباسقة !

والسهول الموغلة في الإنبساط والاتساع !

والجبال الذاهبة صعودا في عرض الفضاء !

والأرض ...

بما حوتْ من إنسان وحيوان ،

وهوامَ ، وأزهارٍ ، وأطيار ،

وكلٍ ما تزخر به

من كلٍ ذي نسمة وحياة ...

سيكون نصيبها الأفول والفناء ،

والتلاشي والعفاء !...

فما أشقاك ... أيُها الإنسان !...

                                           بئر السبع ، في 6 كانون الأول 1933

 

يا نفسي

لا تدعي غرور الحياة ومباهجها الزائفة ،

وأطايبها السريعة الأفول ... تتملَكُك ! ...

وإذا لم تستطيعي لها ردعاً ...

_ ساعتذاك _ إعرضي في مخيلتك :

كم من ملايين البشر طواهم العدم ،

فأصبحوا في خبر كان ... لا نعرف عنهم شيئاً !

وذلك منذ عهد السيد المسيح .

كم من ملوك ذهبوا !

كم من قواد فنوا !

كم من عروش قوّضت !

كم من نجوم هوتْ !

كم من حسناء ذوتْ !

كم من شعوب قد بادتْ !

كم من عصورٍ قد توارتْ !

كم من آجالٍ قد انقضتْ !

وكم منها سيمضي بعد أن يأتي ؟!...

إذن لم هذا العُجْبُ بالنفس والغطرسةُ الكاذبة ؟

ولم تشمخُ بأنفك ؟

أيُها القائد المعجب بجنودك البواسل المتراصّين كالبنيان !

لا تشمخْ بأنفك ،

ولا تغترّ بمن سجدوا أمامك ؛

فعما قليل ! ... تطوى جنودك في ثنايا العدم ! ...

وتتناسى الأجيال القادمة أعمالك !

ويصبح اسمك أثراً بعد عين !...

كما عفت آثار أسلافك من قبلك !

كلُ ما في الكون :

من اصطخاب وحياة ، وضجيج وحركة ،

سيؤولُ إلى السكون التام ، والخنوع الرهيب !

وسيخلد الى الهدوء ، والاستكانة الأبدية !

بعد أن تنتهي أوقاته المحدودة ،

فيذهب الى غير ما رجعة !...

فواه للحياة هذه !

ويا للانسان من مسكين جاهل!...

                                                                 القدس 1933

 

حياة الانسان

أرايت الطيف عندما يظهر فجأةً ،

ثم يتلاشى بسرعة البرق ؟

أوتذكر حلم حالم وسرعة عفائه ؟ ...

أم رأيت الغيوم المتلبّدة ، وسرعة تبددها ،

بعد هبوب الريح العاتية ،

وهي تسوقها أمامها ، وتعصف بها عصفاً ؟!

أم قرأت عن الذين يتيهون

في البوادي الشاسعة الأطراف ،

بعد أن يفقدوا كل قطرةٍ ماءٍ عندهم ؟!

وعندما تكاد الروح منهم تبلغ التراقي ،

يرون المياه البلّورية من بُعْد...

تدعوهم إلى الإسراع لارتشافها ،

فيسرعون إليها ... وبعد مسيرٍ شاقّ ،

يبلغون النقطة التي رأوها عن بُعْد ...

تجري فيها المياه الصافية !

وإذا بهم يُصدمون لدى الحقيقة :

إذْ إنهم يرون _ عوضاً عن الماء _

رمالاً مُحرقة ... تتوهج تحت أشعة الشمس ...

لأنّها سراب !

ثم !

هل رأيت الأيام ... وسرعة مضيّها ؟!

والسنين ... وسرعة كرورها ؟!

والقرون ... وكثرة مرورها ؟!

والدهور ... وكم منها بدا وانقضى ؟!

والعصور ... وكم منها أتى ومضى ؟!

هكذا هي :

حياة الإنسان المسكين ... تتلاشى !...

وإذا به :

مفقودٌ ، غيرُ موجود ! ...

                                                   القدس ، 1933

 

    

أضحوكة الحياة

ما الحياة غير وهمٍ         باطلٍ سوف يزول !

فالدراري سوف تخبو       بعد وقت لا يطول !

وذكاء سوف تفنى           بعد ذياك الشمول !

والليالي ستولّي             عندما يأتي الأفول !

وقصور عامرات           سوف تغدو كالطلول !

وشعوب الأرض طرّاً     دوَلٌ سوف تدول !

وملوك الأرض جمعاً       حكمهم سوف يحول !

ويجول الخوف في     _   هذي البرايا ويصول !

كل ما فيها قريباً             سوف يعروه الذبول !

يا له من يوم رعبٍ         إنّه يوم مهول !

 

والطيور الحائمات   والصروح العاليات   سوف تهوى !

والمروج العامرات   والورود الناضرات   سوف تذوى !

والجبال الشامخات   والصخور الراسيات   سوف تعفى !

والبوادي الشاسعات   والصحارى الواسعات   سوف تمحى !

ودموع العاشقات       وحنين الوالهات     سوف ينسى !

والغواني الفاتنات   واللحاظ الفاتكات     سوف تسلى !

والعيون الناعسات   والشعور الحالكات   سوف تبلى !

والخطوب الطاغيات   وغرور الماضيات   سوف يفنى !

والدراري اللامعات   والنجوم الساطعات   سوف تطفا !

والمياه الساقطات       والبحار الهائجات     سوف تطغى !

وأضاحيك الحياة   وسخافات الممات       سوف تطوى !

                                                                         القدس ، في 29 كانون الثاني 1934

 

 

 

القلب المحطم

القلب المُحطَم

 

يا قلبي

يا قلبي المعذَب، ويا عواطفي المُحطَمة،

ويا ميولي الجبَارة، ويا إحساساتي البائسة !

أنا ابن الأسى ووليد العذاب !

فطَهريني ، أيَتها الألام،

وانتشليني يا إلهة الطُهر

مما أنا فيه من تعسٍ بالغ ، وعذابٍ كبير .

                                               داهش

                                               من كتاب " كلمات "

 

فاتحة الكتاب

 

       أهلا بالقلب المُحطَم المُلهم

يا أخي،

أرأيت الروض الناصع الزاهر بأزهاره ؟

والبحر الواسع الزاخر بتيَاره ؟

والفضاء الشاسع الباهر بأنواره ؟

هذا هو الدكتور داهش الرائع الساحر بأسراره !

فمن بساطة مُتناهية إلى عبقرية لامُتناهية !

ويشهد عليَّ هذا القلم الجاري على هذه الصفحة

يسوِدها كما تسوِد فحمة الليل وجنة النهار ،

أنَني ما دخلت مرَة على هذا الأخ العجيب ، والانسان الغريب ،

وهو في سرِ خلواته ،

إلا خرجت من غرفته حائراً مدهوشاً

لما أراه وألمسه من عجائبه وآياته !

فمن مطالعات دائمة ، ومراجعات ملازمة ،

وظاهرات روحيَة علويَة ،

إلى مباحث أخلاقية ،

إلى نشر آثار قلميَة ، وألوان أدبيَة فنيَة ،

هي بالإعجاب والدهشة حرية !

وأمامي ، الآن ، مخطوطة " القلب المحطَم " ،

من نتاج ذلك القلم ( السحريَ ) والفكر ( المُلهم ) ،

وهي صفحة من صفحاته ، ولمحة من لمحاته ، ونفحة من نفحاته !

وفيها الشعر والنثر ، والمعنى العميق الدقيق ،

والمبنى الرصين الرشيق ؛

وفيها العناوين الفريدة ، والمباحث المُفيدة ،

وكلها ترمي الى المرامي البعيدة والأهداف السديدة .

وأنت إذا طالعت هذه المجموعة من الألف إلى الياء ،

كما طالعتها أنا ، خشعت نفسك مثلي

لمثل هذه الرسائل البديعة ،

والتأملات الرفيعة ، والأحلام الصريعة ،

والصرخات الداوية ، والكواكب الهاوية ، والآمال الذاوية ،

إلى ما هنالك من نفثات صادقة ، وقلوب خافقة ، ودموع دافقة ،

وذكريات مؤلمة ، وثورات مُهدَمة ، وأجنحة مُحطَمة ،

ونفوس جائعة ، وحوادث رائعة ، وتنبؤات واقعة ،

الى غير ذلك من روائع بدائع الأقوال ،

حيث يتعانق الخيال بالحقيقة والحقيقة بالخيال !

وعندئذ ، تخشع الروح النقية فترتفع إلى العلياء ،

وتسمو الى أسمى سماء !

فيا أخي ،

إن كتاب " القلب المُحطم " تحفة ، بل طرفة !

وهو عندي همسات الهام ، ولمسات أقلام ،

وإن كان في نظر سواي عصارة يأس ودموع وآلام !

وإذا كان ( الألم واليأس ) ينبثق منهما ،

مثل هذه النظرات الأدبية المُذهَبة ،

والخطرات الروحية المهذَبة ،

فمرحباً باليأس ، وأهلاً بالآلام ،

ومرحى لنوائب الزمان ومصائب الأيام !

لم اشْكُ من وقع المصائب مرةً       إن المصائب هذَبت أخلاقي

هذا بيت من أبيات قلتها من سنوات ،

واليوم ، جاءت هذه المجموعة الفريدة تؤيد هذا ( البيت ) وتقوِيه ،

وتدعمه بأدلتها البالغة البليغة وتعليه .

نعم، هذا ما لمسته وشعرت به ،

بعد أن طالعت بلذةٍ روحية هذه المجموعة الفنية الرائعة ،

وبعد أن أتيت على آخر كلمة من آخر سطرٍ

من آخر صفحة من صفحات هذا المؤلف العجيب !

 

أهلاً بالقلب المُحطَم المُلهم !

أهلا بالقلب الخافق الدافق !

فمنه ستتفجر مياه الرحمة والحب والحنان !

وحبَذا ( صخرة اليأس )

تغالبها الرياح الهوجاء ،

وتشقُها عواصف الأرض والسماء ،

فتحيينا بمثل هذه الينابيع الروحيَة الصافية ،

وتنعشنا وتقويّنا بالأسرار الإلهية الشافية !

                                               حليم دموس

                                             بيروت ، 12 حزيران 1942

 

شاعر يموت

 

ربَـــة الشعــــر الهمينـــي            معجـــزاتٍ خالــــداتْ

وادنـــي منـي تسعدينــــي           أنت يـــا سر الحيـــاةْ !

 

علِلينـــــي ، أملينـــــــــي           أخبريني ، يـــا فتـــــاة

أصدقينــي ، يـا ملاكــــي          هل تعود الماضيــاتْ ؟

 

يــا لقلبـــي من معنًــــــى             يا لها من زفــــــراتْ !

 

 

أعلمينـــــي ، يا فتاتــــي ،           أين تلك المبهجــــــاتْ؟

 

فَتَنَتْنــــــي إذْ رمتنــــــي             بعيــــون ناعســـــــاتْ

وحَنَتْ نحـــوي عطفــــاً           كحنــــوِ المرضعـــاتْ !

 

قبَلتْنــــــي ، أنعشتنــــي           أصعدتني السمــــواتْ !

غمرتنــــــي بزنــــــودٍ            يانعـــاتٍ رائعــــــاتْ !

 

يــــــا لسعدي ونعيمــي            يا لها من مفرحــــــاتْ !

كـــم رقصنــا وشدونـــا           في المروج العامــراتْ !

 

ويح قلبي ، بعــد هـــذا ،        قطعـــت كلَ الصـــلاتْ

فغـدتْ روحي حيــــرى       كالحيارى التائهــــــاتْ !

 

هجرتنـــي ، نبذتنـــــي       سلبـــــت مني الحيـــــاةْ

هل سمعتم عن عذارى       ذات دَلٍ فاتكـــــــــاتْ ؟

 

ضاق عيشي بعد هجـرٍ       ذقتُ فيه المهلكـــــــاتْ

غاب أنسي ، يا لبؤسي !     يا لها من محرقـــــــاتْ

 

يا لنفسي ! يـا لتعسي !       بعد تلك الذكريــــــــاتْ

 

 

هدَمتنـــي ، قوضَتنــــــي        حطَمتنـــــي النائبــــاتْ !

 

بخشــــــــوعٍ وخضـــوعٍ         ودموع ساقطاتْ  

وخــنــــــوع وركـــــوعٍ         وذهولٍ وشتاتْ !

 

يــا لتعســــي وشقائــي !         يا لها من طاغياتْ !

ذكريــات قـــد طوتهـــا   _     السنوات الغابراتْ !

 

لا تزيدي فـــي شقائـي ،       يا نعيمي في الحياةْ

واذكريني ، يـــا هنائي       واغفري لي السيئاتْ

 

طمئنيني ، يا ( عنايَتْ )     يا نواةَ الذكرياتْ

طمئنيني ، إنَ قلبـــــــي           ناشدٌ منك النجاةْ

 

ربّـــة الشعر ارحمينــي       واصنعي ذي المعجزاتْ

ليت شعــري ! بشِريني     هل تزول المنغصاتْ ؟

 

يـــا لقلبي من حزيــن !         هل مضى عهدي وفاتْ ؟

ليتهـــا ترجع يومــــــاً             قبل أن يدنو المماتْ !

 

كم وكم جبتُ الفيافـــي     والقفار الشاسعاتْ

كم مخرْتُ البحر حتى   كدت أن ألقى المماتْ !

بعد أن أقضي شهيــداً       يا طيوراً حائماتْ

بسكونٍ غرِدي لي         واسرعي نحو الفلاةْ

 

أخبريها ، يا طيوري ،     كم سكبْتُ العَبَراتْ

ونفثتُ الزَفراتْ           في الليالي الداجياتْ !

 

أيقظيني من سباتي       انا لا أهوى السباتْ

ودَعيني في حياةِ     _   الخُلد خَيْرٍ الحَيَواتْ !

 

أشعريني بحفيفٍ         يا غصوناً رائعاتْ

أطلقي لحناً شجياً       في الليالي الساطعاتْ

 

غاب بدري ، عيل صبري ،     ضاق صدري في الحياةْ

هاكِ قبري قُرْبَ زَهْرِ           وورودٍ يانعاتْ !

                                                         القدس ، 25 كانون الثاني 1934

 

صلاة الفجر

اتبعيني ، يا بنيتي ، لنذهب الى ( بيت الله ) ،

لنرفع له الصلوات الصادرة من قلوب أفعمتها الأحزان ،

وتآمرت عليها حوادث الزمان .

هيا أسرعي ، يا بنية ، قبل أن ينبلج الفجر،

وترسل عذارى النور خيوطهن المتألقة ،

فتبدد هذه الظلمات المتكاثفة .

هيا بنا ، يا بنية .

أنصتي جيداُ...

ألا تسمعين خطوات النسوة وهن يسرن بسكون في الطريق

ذاهبات حيث ( بيت الله ) ،

ليقدمن له طلباتهن ،

ويستغفرن عما أتينه من ذنوب وأسرار خفية ،

يكتمنها حتى عن أنفسهن ؟

أسرعي ، أسرعي ، فإن الدقائق تمر متتابعة ،

وتلحق بها الساعات متسابقة .

هيا قبل أن يولي الوقت ، ويأتي الفوات .

هلمي لنضرع إلى العليّ ليباركنا .

أسرعي ، أسرعي . ما بالك تتوانينْ ؟

أولا تعلمين أنه لم يبق من الوقت سوى مدة قصيرة لا تفي بما ينبغي ؟

 

دعينا نجثو في المعبد باحترام ،

ونقدم الى الخالق ، عزّ وجلّ ،

كل ما تجيش به دخائلنا من ميول ورغائب مكنونة مستورة .

في الصلاة عزاء، يا بنية .

إنها فرصة لا تتاح كل حين ،

فأسرعي معي ، هيا ، هيا

حيث نشعر بالسعادة تتملكنا بعد ذلك .

لنترك شرور هذا العالم وما فيه عند تطلع قلوبنا الى السماوات .

لنتناس الهموم والأتراح والمنغصات وكل ما في هذه الحياة .

لننس ويلاتها وشرورها ،

لننس آثامها وغرورها .

لنتناس كل شيء ، يا بنيتي ، ونتجه نحو القدير ،

فنشعر ببردِ السلامة والسكينة يُخيمان فوق رؤوسنا ،

ونستشفَ العذوبة الروحيَّة ،

وتستكين قلوبنا المتألمة من هذه الحياة ،

فنسعد ، وإن كنا ما نزال بعد في الحياة .

أنصتي جيداً... إنها أناشيد سماوية !

إنهم يرفعون كلماتهم (المصوغة) في قالب شعري

يسبحون بها خالق السماوات ، وباسط الأرض ،

كي يغفر لهم ما أتوه من أعمالٍ يستحقون عليها الحساب .

أنظري إلى عيونهم كيف أقفلت ،

وتمعني في ملامح وجوههم ، وفي أسارير جباههم ،

إنها تدل على خشوع مُتناه كليّ أمام الخالق العظيم .

فلنخشع ، يا بنيتي ،

ولنضرع إلى الله كي يزيل عنا هذه الأوزار المُثقلة بها ذواتنا من ساعة ولادتنا إلى ساعتنا الحالية،

وحتى يأتينا داعي الموت فنذهب إلى حيث ينتظرنا العقاب .

أسجدي ، أسجدي ، أيتها الطاهرة ،

لأنك ما تزالين صغيرة السن ، يا طفلتي العزيزة .

 

ليتني مثلك ، يا فتية !

إنك ما تزالين نقية ،

فاحرصي على طهارتك كي تبقي كالحمامة الوديعة .

لا تدعي الشرَ يتغلب عليك ، يا بنية ،

لا ، لا ، وأبعدي الأفكار الرديئة إذا ما ساورتك .

ها هي خيوط الفجر قد ابتدأت ترسل أشعتها النورانيّة ،

فتبدّد الظلمات المُكتنفة الهيكل .

أكملي صلاتك ، يا بنيتي ،

قبل أن يعمَ النور أرجاء هذا المكان المقدس .

 

أنظريهم يغادرون أماكنهم مُسرعين ، بعد أن أنهوا فروضهم الدينية .

ها قد احتلّ النور أرجاء المعمور ،

وها قد لبس المعبد حلَة بهاءٍ ، وسطوعٍ وصفاء !

فهيا بنا ، يا بنية ، نرجع إلى منازلنا .

ويا لحياة الانسان !

إنها أحلام تمرُ بنا ونحن لا ندري !

أنظري ، ألم نكن ، قبل أن نجيء الى هذا المكان ،

نرى الظلام يعمُ الأرجاء ؟

ولكن انظريه أين هو الآن !

ها قد تبدد وكأنَه ما كان !

وهكذا سيحلّ في المساء ، كما اعتاد ، وسيولي هذا النهار .

وهكذا حياتنا تنقضي !

فما أشبهها بتوالي الأيام ، وكرور الأعوام !

                                                       القدس ، 27 كانون الثاني 1934

 

أنا غريب

نعم ، أنا غريب في هذه الحياة الغريبة عني .

نعم ، أنا جئت من عالم مضيء غير هذا العالم الكئيب .

نعم ، أنا أشعر بثقل الثواني وهي تمر بي مرَ الخاطر .

نعم ، أنا سرعان ما أراها تتحول إلى دقائق فساعات .

نعم ، أنا أشاهدها وهي تصير أياماً فأسابيع ...

نعم ، ثم كأني بها بها وقد صارت شهوراً فسنين !

نعم ، إنني أحصيها بعد أن تتكاثف وتتكاثر .

نعم ، وأحسُ بنفسي أنمو من سني الطفولة .

نعم ، وأستقبل طور الشباب فالرجولة .

نعم ، ثم أرى السنين تحطُ عليَ بكلكلها الثقيل .

نعم ، وسيتقوس مني الظهر ، ويخبو فيَ الشعور !

نعم ، وأفتش عن العكاز المعقوف ، فإذا هو لا يفارق يدي !

نعم ، ثم أحسُ بالضعف العام الشامل

يسير في جسدي متمشياً في مفاصلي !

نعم ، ووشكان ما أراني هِماً عديماً بالياً .

نعم ، ثم أشهد الجدث القاسي فاغراً فاه لابتلاعي !

نعم ، ثم إذا بي أجد نفسي صريعاً

بين يدي حبيبي ( الموت ) المُهيب الجبَّار !

نعم ، فترتعش روحي ، وينتعش جسمي ، إذ أطرب لهذا اللقاء !

نعم ، ثم يُهال التراب فوقي ، ويذهب القوم .

نعم ، وأبقى وحيداً فريداً لا مؤنس لي في وحشتي .

نعم ، فأنا هكذا أتيت ، وهكذا سأعود.

نعم ، إذ غريباً أتيت الى هذا العالم...

نعم ، وغريباً سأغادره كما أتيته !

                                        القدس ، كانون الثاني 1934

 

 

    

أضحوكة الحياة

 

ما الحيـــاة غير وهــــمٍ         باطــلٍ سوف يــزول !

فالدراري سوف تخبـــو          بعد وقت لا يطــــول !

وذكــــاء سوف تفنــــى           بعد ذيـــاك الشمـــول !

والليالـــــــي ستولّـــــي           عندما يأتي الأفــــول !

وقصـــور عامـــــرات           سوف تغدو كالطلول !

وشعوب الأرض طرّاً             دوَلٌ سوف تـــــدول !

وملوك الأرض جمعاً              حكمهم سوف يحـول !

ويجول الخــــوف في           هذي البرايا ويصـول !

كل ما فيهـــا قريبــــاً             سوف يعروه الذبــول !

يا له من يـــوم رعبٍ           إنّــــه يــــوم مهــــول !

 

والطيور الحائمات   والصروح العاليات   سوف تهوى !

والمروج العامرات   والورود الناضرات   سوف تذوى !

والجبال الشامخات   والصخور الراسيات   سوف تعفى !

والبوادي الشاسعات   والصحارى الواسعات   سوف تمحى !

ودموع العاشقات       وحنين الوالهات     سوف ينسى !

والغواني الفاتنات   واللحاظ الفاتكات     سوف تسلى !

والعيون الناعسات   والشعور الحالكات   سوف تبلى !

والخطوب الطاغيات   وغرور الماضيات   سوف يفنى !

والدراري اللامعات   والنجوم الساطعات   سوف تطفا !

والمياه الساقطات       والبحار الهائجات     سوف تطغى !

وأضاحيك الحياة   وسخافات الممات       سوف تطوى !

                                                                         القدس ، في 29 كانون الثاني 1934

 

 

 

 

 

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.