أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الرحلة الداهشية الثانية

الدكتور دَاه

                                 الرَحلاتُ الداهشيَّةُ

                                   حولَ الكُرَةِ الأرضيَّة

                                   الرحلةُ الثانيةُ

                                    عام 1970

                                في خَمسِ سفراتٍ إلى

           الكوَيتْ- البحرينْ- قطر- الإمَارات العَرَبيَّة- السُّعوديَّة- إيطاليا

                   مَالطا- ليبيَا- قبرصْ- اليمن الجنوبيَّة- إفريقْيَا.                        

                     دارُ النَّارِ والنُّورِ للطباعَةِ والنشرِ والتوزيع

                                  

                                 بيروت 1983

                                   الحقيقةُ الإلهيَّةُ

أَشتَاقُكِ مِثْلمَا تشتاقُ الأَيائِلُ لجَدَاوِلِ الماءِ النَّميرة!

وأَتوقُ لرؤْيتِكِ مثلمَا يتُوقُ الأَنْبياءُ لهبُوطِ الوحْيِ عليْهِم!

وأتحرَّقُ للوُلوُجِ إلى خِدرِكِ الطَّاهرِ المقدَّس!

ويلجُّ بي الإلحاحُ للتهجُّدِ والتبتُّلِ ليلاً ونهاراً لأحظى بكِ!

وأتذوَّقُ لذَّةَ النشْوةِ العُظمَى عندمَا أتخيَّلُ أمْجادَكِ الفردَوسيَّةِ!

وأخرُّ سَاجداً عِندمَا أتخيَّلُكِ ممتطيَّةً الصَّاعقةَ تتقدَّمُكِ البُروقُ المومضةُ!

فيَا أيَّتُها الحقيقةُ الإلهيَّةُ!

أيَّتها المقيمةُ في الأخدارِ السَّماويَّةِ !

متَى أستظلُّ ربوعكِ العلويَّة

وانعمُ في أجوائِكِ البَهيَّة؟!

متَى؟!

                                                                داهِشْ

                                   مُقدِّمَة

                           أنَا تَوَّاقٌ للسَّفَرِ والتَّرحالِ

أنَا بطبيعَتي أُحبُّ الرحلاتِ وأَتوقُ للسَّفَرِ والتَّرحالِ شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً.

أُحبُّ السَّفَرَ إلى الصَّحارى، والتجوالَ في شِعابِ الجبالِ، كمَا أُحبُّ الهبوطَ إلى الأَوديةِ السحيقةِ، وأَرغبُ مشاهدةَ العواصمَ الكُبرى، والقُرى النائيةَ الهاجعةَ بأحضانِ الغاباتِ الظليلة.

وأُحبُّ أنْ أرودَ المتاحفَ العالميَّةَ لأُشاهدَ لوحاتِ الفنَّانينَ العظماءَ مِمَّنْ دان لهُمْ الفنَّ، وأصْبَحَ أَطوعَ لهُمْ مِنْ بنانِهِم.

لقدْ زُرْتُ متحفَ الأرميتاج الروسيّ في مدينةِ لننغراد، كما زرتُ مُتْحَفي تريتيكوف وبوشكين في مدينة موسكو. كذلكَ شاهدتُ مُتحفَ المتروبوليتان العظيمَ في نيويورك، وتجوَّلتُ في مُتحفِ بروكلِنْ وتملَّيتُ جميعَ لوحاتِهِ المعروضة لوحةً فلوحة. كما شاهدتُ متحاحفَ لوس آنجلوس، وسان فرنسسكو، وغيرِهَا كثيراً من متاحفِ الولاياتِ المُتَّحدة، وخصوصاً مُتحفَ الفنونِ الجميلةِ الحكوميّ في شيكاغو وواشنطن. وقد أُخِذَتُ بروعةِ مُتحفِ واشنطن العظيمِ ولوحاتِهِ الساحرةِ وأَناقةِ المبنى الضخمِ الفخم.

كما زُرتُ مُتحفَ البرادو المشهورَ بإسبانيا، ومُتحفَ اللوفر العظيمَ بباريس، ثمَّ مُتحفَ مارسيليا وغيرَهَا مِنْ متاحفِ المُدنِ الإفرنسيَّةِ العديدة، ثمَّ مُتحفَ النمسا المُدهِش الذي يضمُّ مئاتٍ من لوحاتِ أشهرِ الفنَّانين العُظماء، ثمَّ مُتحفَ روما الغنيّ بمحتوياتِهِ، ومتحفَ الفاتيكان الذي يحتوي على كنوزٍ لا تُقدَّرُ بمالٍ إطلاقاً.

كذلكَ زُرتُ متاحفَ نابولي وميلانو وغيرَهَا مِنْ المتاحفِ المنتشرةِ في المُدنِ الإيطاليَّة.

وزُرتُ إيضاً متاحفَ برلين وميونخ، واستمتعتُ بعظمةِ الفنِّ المُذهلِ الذي تحويهِ متاحفُ الشعبِ الألمانيِّ العريق.

ولنْ أنسى متاحفَ هونغْ كونغ، وطوكيو، ونارا، وكيوتو، ونيكو، وأوزاكا، ويوكوهاما، وكماكيرا. فالكنوزُ التي تنطوي عليهَا تلكَ المتاحفُ خالدةٌ بروائِعِها النادرة. كذلكَ ارتدتُ متاحفَ سيام، وأُخِذَتُ بمَا تحويهِ مِنْ روائعَ عريقةٍ في القِدَمِ، مُذهلةً بدقَّةِ الفنِّ. وشاهدتُ متاحفَ تركيَّا، وفنلنداَ، والدانمارك، وبولونيا، وبلجيكا، ورومانيا، وبلغاريا، وقبرص، وآثينا باليونان، وأديس أبابا في الحبشة، وطرابلس الغرب، وجيبوتي، ونيروبي، وتنزانيا، وغيرَها وغيرَها الكثيرَ من مُختلفِ المتاحفِ في العديدِ مِنَ البُلدانِ التي لا تحضُرُني أسماؤُها الآن.

ومعْ ذلك، فجميعُ هذه المتاحفِ لمْ تُشبعْ رغبتي للفنونِ الجميلة، فأنا أتوقُ للفنِّ، وأتعشَّقُهُ، وأَبحثُ عنهُ ليلَ نهارٍ، فهُوَ لي كالروحِ للجسدِ.

وبهذِهِ المناسبةِ تذكَّرتُ مثلاً شائعاً دوَّنَتْهُ الكتبُ إذْ قالتْ:" إثنانٌ لا يُشبعُ نهمهُمَا شيءٌ: طالبُ علمٍ وطالبُ مال".

وأَزيدُ عليْهِمَا ثالثاً فأقولُ:" وطالبُ فنٍّ"- الذي هوَ أنَا- فإنِّي، وأيَمُ الحقِّ لا يُمكنُ أنْ أُشْبعَ نهَمي منَ الفنِّ إطلاقاً. فمنذُ طفولتي وأنَا أتوقُ لمشاهدةِ أيِّ شيءٍ يمثِّلُهُ الفنُّ، سواءٌ أَكانَ لوحةً زيتيَّةً أم مائيةً أم بالباستيل. كمَا أَرغبُ رغبةً عارمةً بالتماثيلِ الفنيَّةِ سواءً كانتْ منحوتةً من الحَجَرِ أمْ منَ الرُخامِ أو العاجِ أو البرونزِ أو الخشَبِ أو المعدَن. والخُلاصةُ إنَّ الفنَّ يستهويني ويجذِبُني كالمغناطيسِ المقتدر.

وفي خلالِ سفَرَاتي المُتعدِّدَةِ ورحلاتي المتواصلة ابتعتُ منْ مُتعدَّدِ الفُنونِ عدداً كبيراً بذلتُ في سبيلهِ أموالاً طائلةً. وقد غصَّتْ خزائني بروائعِ الفنِّ، فهي لي متعةٌ للنَظَرِ وروعةٌ للبَصَرِ؛ وسأَبتاعُ منْهَا الكثيرَ أيضاً، إنْ شاءَ الله، برحلاتي القادمةِ إذا امتدَّ بي الأجلُ، وإلاَّ فإنِّي لا آسفُ على رحيلي منْ هذه الأرضِ التي يملأُهَا شقاءٌ متواصلٌ وعذابٌ دائم.

وأُؤكِّدُ للقارئ أنَّ الموتَ والحياةَ لديَّ سيَّانٌ، فأنا لا آبهُ إنْ دنَا أجلي في هذهِ اللحظةِ التي أُدوِّنُ بهَا أفكاري هذه. كمَا أؤكِّدُ أنَّهُ لا يهتزُّ بي وترٌ واحدٌ إذا دنَتْ ساعةُ مَنيَّتي، فقدْ شبعتُ منْ لومِ البشَر، وغدرِ الأصحابِ المزيَّفين، ودناءَةِ المدَّعين بالصداقةِ كذباً ورياءً.

فأنَا أعلمُ الناسِ بمَا يُضمرونهُ في قلوبِهِم، وما يختزنونهُ بأفكارِهِم. وتأكيداً لمَا أقولُ، فإنِّي كتبتُ تحتَ رسمي الفوتوغرافي في كتابي" كلمات"- وما كان عُمري ليتعدَّى السبعةَ وعشرينَ عاماً- الجملةَ التالية:

"حينمَا تشكُّ بأقربِ المقرَّبينَ إليكَ تبدأُ في فهم حقائقِ الكون، وتتكشَّفُ لكَ أسرارٌ مكنونةٌ كنتَ جاهلاً إيَّاها. فكُنْ على حّذَر، وإيَّاكَ والسقوطُ بشركِ مَنْ يدَّعونَ الإخلاصَ لكَ وما حقيقتُهُم إلاَّ ذئابٌ كاسرةٌ يرتدونَ أثوابَ الحملانِ الوديعة".

هذا ما كتبتُهُ عندَمَا كنتُ في شرخِ الشباب، فكيفَ لي أنْ أَثقَ بأحدٍ بعدَمَا حلبتُ منَ الدَهرِ شطريه، وبلغتُ منَ العُمرِ أرذَلَه!

وبعدْ فإنِّي أَهيبُ بالقارئ ليمتطيَ الطائراتِ معي، وليجوبَ البُلدانَ التي جبتُها، ويزورُ المتاحفَ التي بهرتْني. وقدْ دوَّنتُ رحلتي، ثمَّ دفعتُها إلى المطبعةِ فجاءَتْ على الصورةِ التي يجدُهَا القارئُ بينَ يديه. فإنْ حازتْ إعجابَه، فهذا يزيدُ سروري ويُضاعفُ جُهدي، ويحفِّزُني على مواصلةِ إخراجِ بقيَّةِ رحلاتي ليتمتَّعَ بمحتوياتِهَا القرَّاءُ. والسلام.

                          

                               المرحلةُ الأوُلى

                 من 26 حزيرانْ 1970 حتَّى 6 تمُّوز 1970

                 الكويتْ- البَحرَيْن- قطَر- دُبَيّ- الشَّارقة- الفُجَيرة

                               26 حزيرانْ 1970

إستيقظتُ باكراً لأنَّني مزمعٌ السَّفَر، مساءَ اليومِ، إلى الكُوَيتْ، فالبحرَيْن، فالدوحةِ، فدُبَيّ ومُلحَقاتِها- الفُجَيرةِ وأُمِّ القيوين، فالشارقةِ، فرأسِ الخيمةِ، فعجمان الخ الخ...

وقدْ استهلَّيتُ صباحي بكتابةِ مقدَّمةٍ لكتابي الذيْ أسْمَيتُه:

               "مختاراتٌ من كُتُبِ الدكتور داهشْ"

أي إنَّني إنتخبتُ مجموعةً ممَّا كتبتُهُ منذُ 39 عاماً، وهي موزَّعةٌ في شتَّى الكُتُبِ التي أَلَّفتُها ولمْ تُطْبَعْ بعِد.

وقد جمعتُها في كتابٍ، وسلَّمتُها إلى الشابِّ الأديبِ إيليا حجَّار، لتولَّى طبعَهَا في سِفرٍ واحدٍ، بأثناءِ غيابي في هذهِ الرحلةِ القصيرةِ.

                           الإخوةُ والأَخواتُ بتوافدون

وابتدأَ الإخوةُ والأخواتُ يتوافدونَ إلى منزلي بقصدِ توديعي. وامتلأتْ الغُرفُ بِهِم.

وقد تحدَّثْنَا في مُختلفِ المواضيع، وشتَّى الشؤونِ والشجون. وما إنْ وافتْ الساعةُ السادسةُ إلاَّ ثُلثاً حتَّى استقلَّيْنَا السيَّارة- سيارةَ الأخِ النبيل فريد فرنسيس، يتبعُنَا رتلٌ منَ السيَّاراتِ التي يستقلُّهَا الإخوةُ والأَخوات. فبلغْنَا مطارَ بيروت في تمامِ الساعةِ السادسةِ مساءً. ترجَّلْنَا من السيَّارةِ، أنَا والأختُ العزيزةُ(م) تتبعُهَا كريمتُها، فالدكتورُ فريد أبو سليْمَان. وكذلكَ ترجَّلَ الإخوةُ والأخواتُ، وكان عددهُمْ لا يقلُّ عن الأربعين. وأُخِذتْ لنَا صورٌ سينمائيةٌ وفوتوغرافية عديدة.

وفي تمامِ الساعةِ السابعةِ إلاَّ ثلثاً هبطْنَا إلى قاعةِ الإنتطارِ، ومكثنَا فيها نصفَ ساعةٍ أُذيعَ بعدَهَا وجوبُ ذهابِنَا إلى الطائرة. وصعدْنَا إلى سيَّارةِ المطارِ المتَّسعة، فأقلَّتنَا الطائرةُ وهي من نوعِ بوينغ رقم 707، وتستوعبُ 144 راكباً.

وكانَ الإخوةُ واللأخواتُ قد احتلَّوا شرفةَ المطار، فراحوا يُحيُّوني أنَا والأخَ الحبيبَ سليم قمبرجي والأختَ أوديتْ كارَّا، ونحنُ كُنَّا نُبادلُهُم التحياتِ الحُبِّيةَ الصادقة.

                                   في الطائرةِ الجبَّارةِ

ودخلتُ الطائرةَ معْ الأخ سليم والأختْ أوديتْ، وهي طائرةٌ فخمةٌ قاعتُهَا مستطيلةٌ، وفيها ستَّةُ مقاعدٍ في كلِّ صفٍّ- أيْ ثلاثةُ مقاعدٍ من الناحيةِ اليُمنى وثلاثةٌ من الناحيةِ اليُسرى- وبينَهُمَا الممرُّ الذي يسيرُ فيه المسافرونَ. وقدْ مكثَتْ أُوديتْ معنَا رُبعَ ساعةٍ، ثمَّ ودَّعَتْنَا مغادرةً إيَّاي والأخَ سليم.

وفي تمامِ السابعةِ والنصفِ دوَّتْ محركاتُها، ثمَّ سارتْ الهويْنَا مسافةً قصيرةً، ثمَّ أطلقَتْ لنفسِهَا العنَانَ. وفجأةً ارتفعَتْ بعدمَا كانتْ سرعتُهَا قدْ بلغَتْ 300 كيلومترٍ في الساعةِ. واستغرقتْ عمليةُ صعودِهَا نصفَ دقيقةٍ مثلمَا سجَّلَتْهَا ساعتي اليدويَّة.

                         نحنُ على إرتفاعِ 35 ألفَ قَدَمٍ

وأعلنَ المذياعُ، بعدَ دقائقَ، أنَّنَا على إرتفاعِ 35 ألفَ قدمٍ، والسرعةُ هي 950 كيلومتراً في الساعةِ.

وفجأةً شاهدتُ المُضيفةَ أمَل حمدان، ولي معرفةٌ بهَا منذُ أعوامٍ. فتبادلْنَا السلامَ والكلامَ، ثمَّ دَعَتْنِي، بعدَمَا استأذنَتُ الأخَ سليم، لكيْ أذهبَ برفقتِهَا لتُحدِّثَني.

رافقتُهَا وتحدَّثْنَا بشتَّى المواضيع، طوالَ ساعةٍ ونصفَ الساعةِ.

                             في غرفةِ القِيادةِ

سألَتْنِي أمَل هلْ تُحبُّ أنْ تُشاهدَ غرفةَ القِيَادةِ؟ أجبتُهَا: بكلِّ تأكيد. ورافقتُهَا إليهَا، وولجتُها. إنَّهَا غرفةٌ صغيرةٌ يجلسُ على مقاعدِهَا الأربعةَ أربعةُ ربابنةٍ. وقائدُ الطائرةِ لبنانيٌّ إسمُهُ محمد طيَّارة. بادلتُهُ السلامَ ورفاقَه الثلاثة- إثنانٌ منهمْ إنكليزيّان، وكانَا نهمكين بتدوين أرقامٍ على رُقعةٍ من الورقِ كبيرةُ الحجم.

وقد شاهدتُ على حيطانِ غُرفةِ القيادةِ مئاتٍ من مخْتَلَفِ أنواعِ الساعاتِ التي ثُبِّتَتْ على الجُدران، يُسيِّرُهَا الإلكترون بدقةٍ مُذهلةٍ. وكانَ الربابنةُ الأربعةُ كلُّهُم عيونٌ ناظرةٌ إلى تِلكَ الساعاتِ التي تُشيرُ إلى كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ: فمنَ الإرتفاعِ إلى الإنخفاضِ، إلى الحرارةِ المرتفعةِ فالمنخفضةِ الخ....

             الطائرةُ تُغيِّرُ طريقَ سَيْرِهَا إلى تُركيَّا فبغدادَ فالكويتِ

وفهمتُ منَ الأُختِ أمل حمدان أنَّ المسافةَ بينَ بيروتَ والكُوَيت تقطعُهَا الطائرةُ بساعةٍ وخمسَ واربعينَ دقيقة. ولكنَّ الطائرةَ ستُغيرُّ طريقَ سيرِهَا، فلاَ تدخلُ الأجواءَ السوريةَ، لأنَّهُ اليومَ بينمَا كانتْ طائرةُ رُكَّابٍ مُحلِّقةً فوقَ الأراضي السورية أُصيبتْ بصاروخٍ حربيٍّ في أثناءِ معركةٍ كانتْ تدورُ بينَ السوريينَ والإسرائيليِّين.

وهذا مَا دفعَ المسؤولينَ عن الطائرةِ إلى تغيِيرِ طريقِ سيرهِم، لكيْ يتجنَّبوا المرورَ في الأراضي السورية، فتوجَّهوا إلى تُركِيَّا فبغداد.

وفي تمامِ الساعةِ العاشرةِ إلاَّ ثُلثاً كُنَّا نُحلِّقُ فوقَ العاصمةِ العراقيةِ التي كانتْ أنوارُهَا المتوهّجةُ تتألَّقُ وكأنَّهَا الماس. وبعدَ عشرِ دقائقٍ كُنَّا نحلِّقُ فوقَ مدينةِ البصرةِ، فاستغرقتْ سفرتُنَا ثماني ساعاتٍ حتَّى بلغنَاهَا. فيَا للفرقِ الهائل، ويا لعظمةِ العلم!

                           وبلَغْنَا الكُويتَ أخيراً

في تمامِ الساعةِ العاشرةِ والنصفِ ليلاً هبطَتْ بنَا الطائرةُ في مطارِ الكُوَيت. وقد استغرقتْ سفرتُنَا من بيروت إلى الكُويَت ثلاثَ ساعاتٍ كاملةٍ، أيْ بزيادةِ ساعةٍ ورُبعِ السَّاعةِ بسببِ تغييرِ الطائرةِ الإضطراري لخطِّ سيرِهَا.

وقدْ مررْنَا على موظَّفي الأمنِ العام، فأشَّرنَا على جوازاتِ سفرِنَا، ثمَّ إلى إدارةِ الجمارك، فأنْهَيْنَا معاملاتِها، ثمَّ استقلَّينَا سيارةَ تاكسي إلى فُندقِ شِراتون الكويت. واستغرقَ سيرُنَا من المحطَّةِ إلى هذا الفندقِ رُبعَ ساعةٍ بالسيَّارةِ. وسجَّلَ العدَّادُ علينَا مبلغَ دينارٍ كويتي ونصف، أي ما يُعادلُ 14 ليرةٍ لبنانيَّة.

والفندقُ في غايةِ الفخامةِ. وقدْ أُعطينَا غرفةً رقمُهَا 717، وهي ذات فرشٍ فخمٍ، ومقعدُهَا وثير، وأرضُهَا مفروشةٌ بسجَّادٍ مُثبَتٍ فيهَا.

وعندَ ولوجِنَا الفندق كانت الساعةُ المُثبَةُ على الجدارِ تُشيرُ إلى الثانيةَ عشرةَ والرُبعِ ليلاً، بينمَا كانتْ ساعتي اليدويّةُ تشيرُ إلى الحاديةَ عشرةَ والرُبع، أي بفارقِ ساعةٍ واحدةٍ بينَ بيروت والكُويت.

وبعدَ أنْ غسلتُ وجهي أويتُ إلى فراشي. وكذلكَ الأخ سليم. وكانتْ الساعةُ قدْ بلغَتْ الواحدةَ بعدَ منتصفِ الليل، لكنَّ النومَ استعصى عليَّ.

وبعدَ اللتيَّا والتي ولجتُ مدينةَ الكرى السحريةَ التي تقطنُ فيهَا الأحلامُ مُراوِدةً جميعَ الأنام.

                                27حُزيران 1970

                        يقظَتي في فُندقِ شِرَاتون- الكُوَيْت

كانتْ الساعةُ تُشيرُ إلى السادسةِ عندَمَا استيقظتُ مِنْ نومي العسير، وميزانُ الحرارةِ كانَ يُسجِّلُ الدرجةَ (20)، معْ أنَّ مُكَيِّفَ الهواءِ كانَ يعملُ طوالَ الليل. فنهضتُ وغَسلتُ وجهي، وما لبثَ الأخُ سليم قمبرجي أنْ نهضَ مِنْ رُقادِهِ أيضاً.

انتصيتُ قلمي ورحتُ أُدَوِّنُ مراحلَ وقائعِ الأمس، فاستغرقَ ذلكَ نصفَ ساعة. ثمَّ هبطتُ والأخُ سليم إلى مطعمِ الفُندقِ، وتناولتُ فيه كوباً منَ الشاي مع الحامض، وقسمتُ كعكةَ بسمسم كانَ قدْ أحضرَ لي منْهَا سبعاً الأخ جان شدياق بالأمس، فوضعتُها في حقيبتي. قسمتُها إلى نصفين، لي نصفٌ ولسليم النصفُ الآخر، وغمسنَا لُقمِهَا بالصعترِ والسُمَّاقِ الحرِّيف، وهذا اللونُ من الطعامِ أُحبُّهُ كثيراً.

                                 إلى أَسواقِ المدينةِ

وخرجْنَا سيراً على الأقدام، ورُحْنَا نضربُ عرضَ الطُرقِ أنا والأخ سليم. وكُنَّا ندخلُ شتَّى المتاجر، نُقلِّبُ نظرنَا بمحتوياتِهَا، ونلمسُ موجوداتِهَا.

إنَّ شوارعَ الكُويتِ فخمةٌ، وأبنيتُهَا ضخمةٌ، وهي مبنيَّةٌ على الطرازِ الحديث، وبضائعهَا متنوّعةٌ.

وقد دخلتُ أسواقاً قديمةً فيهَا شتَّى أنواعِ السِّلَع، ولكنِّي لاحظتُ أنَّ الأسعارَ مرتفعةٌ أكثرَ منْ أسعارِ مدينةِ بيروت؛ معْ أنِّي سمعتُ مراراً وتكراراً مِنْ أشخاصٍ عديدين أنَّ السِّلَعَ في الكُويتِ أرخصَ من سِلَعِ بيروت لأنَّهُ ليسَ عليهَا أيةُ رسومٍ جمركيَّةٍ. ولكنَّ الحقيقةَ أظهرتْ العكسَ بصورةٍ جليَّةٍ لا غُبارَ عليهَا.

كان الميزانُ يُؤشِّرُ 44 درجةٍ مئويّة، والحرارةُ على إزديادٍ مُطَّرِد. فأعياني الحرُّ (لا السيرُ). وكانتْ الساعةُ قدْ بلغَتْ العاشرةَ صباحاً؛ فاستقلَّيتُ تاكسي عائداً فيه إلى الفُندق، فبلغتُهُ بعدَ خمسِ دقائق نَقَدْتُهُ عليهَا رُبعَ دينارٍ كويتي، أيْ ما يُعادلُ ليرتين لبنانيتين ورُبعاً.

بلغتُ الفندقَ وأنا مُرهَقٌ لشدَّةِ القيظِ المُنهِك. وولجتُ الغُرفةَ، وابتَرَدْتُ بالماءِ المثلج المحفوظِ بالترموس. ثمَّ غسلتُ وجهي، وتنشَّقتُ عُطرَ التاباك الأرج، فخفَّ بذلكَ إرهاقُ الحرِّ القاتلِ عنِّي.

وكان الجرسون يُصلحُ السريرين، فسألتُه أنْ يدعَني أُشاهدُ غُرفةً خاصةً معْ صالونِهَا. فأدخَلَني إلى غُرفةٍ رقمُهَا 718، وهي في غايةِ الفخامةِ، وفيهَا سريران فخمان، وصالونُهَا مُنسَّقٌ تنسيقاً رائعاً، ويزينُهَا من الثُريَّاتِ والصحونُ الصينيَّةِ المنمَّقةِ ما ترتاحُ العينُ إليه. وكذلكَ فيهَا برَّادٌ وفرنٌ خاصَّان. وسألتُهُ عن الأجرِ الذي يتقاضونهُ عن هذهِ الغُرفةِ وصالونِهَا، فأفادني أنَّ أُجرتَهَا اليومية تبلغُ 22 ديناراً كويتيَّاً للمنامةِ فقط، أيْ 30 جُنيهاً مصرياً، أي ما يُعادلُ 200 ليرة لبنانية. ثمَّ خرجَ المستخدمُ، ودخلتُ إلى الحمامِ فابتردتُ فيه. بعدَ ذلكَ جلستُ أُدَوِّنُ حصيلةَ اليومِ حتَّى الساعةِ العاشرةِ ونيفٍ منه.

                                 رُقادٌ بعدَ إرهاقٍ لشدَّةِ الحَرِّ

كانتْ الساعةُ الثانية بعدَ الظُهرِ عندمَا استسلمتُ للرُقادِ بعدمَا أُرهِقتُ لشدَّةِ الحرارةِ الرهيبة. وطالَ نومي حتَّى الساعةِ الخامسةِ إذْ نهضتُ نشيطاً موفور العزيمة. وارتديتُ ثيابي، بعدَ أنْ طلبتُ كوباً من الشاي الممزوج بالليمون الحامض.

وفي تمامِ الساعةِ الخامسةِ والنصفِ استقلَّيتُ أنا والأخ سليم تاكسي أقلَّنَا إلى سوقِ الخُضارِ والفواكه.

إنَّ البناءَ المختَصَّ ببيعِ الجملةِ للفواكهِ بناء ضخمٌ واسعُ الأرجاء. وقد شاهدْنَا فيه جبالاً من البطيخ السعودي الأحمر وهو أبيضُ اللونِ ومستطيل.

كذلكَ شاهدْنَا أكواماً من البطِّيخ الأصفر. ولدى سؤالي عنْ سعرِ البطِّيخ الأحمر، عرفتُ أنَّ الكيلو منه بعشرين قرشاً لبنانيَّا، في حين أنَّ الكيلو في لبنان بخمسين قرشاً.

وكانتْ آلافٌ من أكياسِ النايلون مملوءَةً بالبصلِ الباكستاني، وكلُ كيسٍ يحتوي على 10كيلو، وسعرُ الكيلو 20 غرشاً لبنانيَّا، بينَمَا في لبنان ابتعْنَا الكيلو منَ البصلِ الباكستاني، قبلَ شهرين، بليرةٍ ونصف، وأمسْ لدى مُغادرتي بيروت كان كيلو البصل الباكستاني بنصفِ ليرة.

وكمْ كانَ عجبي كبيراً عندمَا شاهدتُ هذا السوقِ وهو يحتوي على كلِّ أنواعِ الفواكهِ والخُضار، من إجاصٍ ودِرَّاقٍ وخوخٍ وبرتقالٍ وبندورةٍ وباذنجان وفلفلٍ أخضر وليمون حامض إلخ الخ ... أمَّا العِنَبُ فوجودهُ قليلٌ وحجمُهُ صغير.

قلتُ كمْ كانَ عجبي كبيراً لأنَّني سمعتُ مراراً أنَّ الكُويتَ لا يستطيعُ المرءُ أنْ يُشاهدَ فيها فواكهَ إلاَّ بشقِّ النفس، بينمَا الواقع، كما شاهدتهُ، بخلافِ ذلك.

ثمَّ استقليَّتُ السيَّارةَ والأخَ سليم برفقتي، ومضيْنَا إلى الشارعِ الرئيسيِّ في الكُويت؛ وتقومُ على جانبيه مخازنُ كبرى فيها شتَّى السِّلَعِ وهي مُرتَّبةٌ ترتيباً لا بأَسَ به.

أمَّا أسعارُ السِّلعِ فمرتفةٌ، وهي غير ما توقَّعتُه، لأنَّني كنتُ قدْ سمعتُ بأنَّ الكويتَ سلعُها رخيصةٌ لأنَّهَا معفاةٌ من الجمارك. ومعْ أنَّ الساعةَ كانتْ قدْ بلغَتْ السادسةَ والنصف مساءً، فإنَّ الحرارةَ كانتْ 35 درجة، وذلكَ يُضايقُ للغاية.

وقد عُدنَا إلى الفُندقِ في السابعةِ والنصف، وقد بلغَتْ مِنَّا الروحُ التراقي لشدَّةِ القيظِ الرهيب. وهُنَا، في الكُويت، تُغلَقُ المتاجرُ منذُ الساعةِ الواحدةِ بعدَ الظُهرِ حتَّى الخامسةِ، وإذ ذاكَ تفتحُ أبوابُهَا ثانيةً بعدمَا تخفُّ وطأةُ الحرِّ الخانقِ وتعودُ الحياةُ للمدينة.

وحالَ وصولي إلى الفندقِ طلبتُ كوباً من الشاي تناولتُه في غُرفتي المكيَّفةِ بالهواءِ. واختراعُ المُكيِّفِ هو إختراع، لا شكَّ، عظيمٌ، لمنفعتِهِ التي لا ريبَ فيهَا.

جلستُ أتَحدثُّ معْ الأخِ سليم في شتَّى الموضوعات. وما أزِفَتْ الساعةُ العاشرةُ والنصف حتَّى أوينَا إلى فراشينَا، وأسْلَمْنَا أنفسَنَا لسلطانِ النومِ القاهر.

                               28 حزيران 1970

نهضتُ منْ فراشي بفندقِ شراتون- الكويت في الساعةِ الرابعةِ صباحاً. فرحتُ أتلهَّى بمطالعةِ الصحفِ حتَّى انبلجَ الفجرُ وأشرقَتْ ذُكاء.

عندَ ذاكَ تناولتُ بعضَ الفواكه، ثمَّ ارتديتُ ثيابي؛ وبرفقةِ الأخ سليم ذهبْنَا إلى المدينةِ سيراً على الأقدامِ.

كانتْ المتاجرُ ما تزالُ مقفلةً، فجوَّلْنَا ما شاءَ لنَا التجوال. وما أنْ بلغَتْ التاسعةُ حتَّى ابتدأتْ المتاجرُ تفتحُ أبوابَهَا لإستقبالِ الزائرين من المشترين والمشتريات.

وبعدَ أن أرهَقَنَا الحرُّ الشديدُ الذي بلغَتْ درجتُه 36 معْ أنَّ الساعةَ كانتْ التاسعةَ والنصف، هرولنَا عائدين إلى الفندق. رتَّبْنَا حقائبَنَا وأقفلناهَا، ثمَّ استقلَّينَا سيارةً إلى محطَّةِ طيرانِ الكُويت. وكان حسابُ الفندقِ عن ليلتين بتناهما فيه 27 ديناراً كويتياً أي 250 ليرةٍ لبنانيَّة. وهذا عن المنامةِ فقط دونَ الطعام.

مذكرات يسوع الناصري 1

مذكَّرات يسوع الناصري

استسلام

هذه هي إرادةُ أبي السماويّ،

وإلاّ ما كنت لأحيا، في عالم الرياء والأكاذيب.

لقد تعبت نفسي من كلِّ شيء،

وعافت روحي هؤلاء البشر الأدنياء.

إنّ التعاليم السماويّة لا تجدي فيهم نفعاً،

والمواعظ التي تلقى عليهم بوحيٍ من السماء

لا تلبث حتى تتبدّدَ من مخيّلاتهم

المحمومةِ بحبِّ هذا العالم الفاني.

الفقراء، والبؤساء، والمصابون

هم وحدهم الذين يصغون لي عندما أتكلّم.

أمّا الأغنياءُ هؤلاء... فإنّهم يعبدون المال وحده دون اللّه.

فالويل لهم عندما تدقّ ساعة حسابهم الرهيبة.

سيعولون، وسينوحون، ولكنْ دونما جدوى،

إذ ستبدّدُ هوج الرياح توسّلاتهم، وتعصف بها عصفاً.

ها قد قطعتُ اثنتي عشرة مرحلة من مراحل حياتي،

وأنا لا أصطدم سوى بكلِّ نقيصةٍ وكلِّ رذيلة.

ليس من صالحٍ واحد!

نعم، ليس من يعمل صلاحاً سوى اللّه جلَّ اسمهُ.

أمّا أنا فقد قطعت على نفسي عهداً:

أن أسير على طريق الحقّ،

طريق الحبِّ الإلهيّ،

طريق النور السماوي،

مهما اعترضتني الخطوب والنائبات...

فمهما اضطهدتُ، ومهما عذّبتُ،

ومهما شُقيتُ، ومهما بَكيتُ،

ومهما أصابني من رزايا وكروب،

فلن أتركَ من يميني مشعل الحقيقةِ

المُعطى لي من أبي السماوي،

كي أنير به جنبات هذا العالم الكثير الظّلام.

لقد أمرني أبي أنْ أهبطَ إلى هذا العالم الجاحد،

ففعلتُ.

وها أنا أصطدمُ بعقباتٍ جبّارة،

دون أن يعتورني فتورٌ،

أو تزلّ بي قدم.

بلأمس كنتُ في الهيكل الكبير،

أجادل العلماءَ من أحبارِ اليَهود،

ةأقرَع لهم حُججَهمَ بحججي،

فتنهار تلك الحجُجُ الواهيةُ

المبنيّةُ على الأغراض الشخصيّة، والأمور الدنيويّة،

وأكشف لهم ذلك الرداء الغليظ الكثيف

الذي كانوا يلبسونها إيّاه،

فتبدو عاريةً على حقيقتها،

ولا تلبثُ حتى تتوارى خجلاً واستحياءً.

ولكنّ الأحبارَ، هؤلاء الأشرار،

ما كان الحياء ليطرقَ أبوابَ وجوههم الصفيقة.

لقد حرّقوا الأرم، وحاولوا الإعتداء عليّ،

بعدما أصيبوا بفشلٍ ذريع،

وهم، هم المتعمّقون بأسرار التلمود،

القابضون على ناصيته،

والعالمون بأدقِّ أسراره مثلما يقولون.

لكنّ خوفهم من الجمهور الذي كان يحصي عليهم الأنفاس،

وسنّي التي هي دون سنِّ الرشْد

منعاهم من الانتقام

الذي تتأجّج جمرته في أعمقِ أعماق أفئدتهم.

أنا أتأكّد بأنّ يوم عذابي سيأتي قريباً،

وسأهان على أيديهم، وسأضطهد.

وأخيراً، سأعلّق على خشبة الصّليب.

ولكنْ، هذا ما أمرني به أبي الحبيب،

وأنا أتيتُ طوعاً لمشيئته السماويّة.

فلتمضِ الأيّـــام،

ولتتسرّب الأعـــوام،

ولتدنُ ساعتي الأخيرة،

فأنا لها جدُّ مشتاق...

قافلة الحياة تجري

اليوم تسقط الورقة الأخيرة من عامي الثاني عشر،

وها أنا في مدينة القدس أتجوّلُ في أسواقها،

وأتخلّلَ دروبها الضيّقة،

وليس من يسير معي،

إذْ إنّني وحيدٌ فريد:

وحيدٌ في آرائي وفي معتقداتي،

وحيدٌ في ميولي واتّجاهاتي،

وحيدٌ في أهدافي ورغباتي.

ولكنّني سعيدٌ كلَّ السعادة

في وحدتي هذه، وفي اتّجاهاتي تلك.

لقد كلّت قدماي من كثرة السير،

وها إنّي أشعرُ بالجوع يقرصُ أمعائي،

وبالظماءِ يحرُقُ أحشائي.

ولكنّي لا أملكُ نقوداً،

كي أبتاع كسرةً من الخبزِ أتبلّغُ بها،

وكي أروي أوامي.

فلتكنْ مشيئةُ اللّه ...

وعندما بلغ بي التعبُ والجوع والعطشُ درجةً قصوى،

قصدتُ الهيكلَ حيثُ كنتُ بالآمس،

وانطرحتُ أمامَ أبوابه،

وأنا ألهث من شدّةِ السّغبَ والتعب...

وإذا بعينٍ نقّادةٍ تلمحني.

وسرعان ما دنا منّي صاحبها الهَرِم،

وهو ينظرُ اليّ بعطفٍ وحنانٍ ملموسين،

ويقول لي:

لا شكّ أنّكَ غريبٌ يا بنيَّ!

هو ما قلت.

إنّي أراك جائعاً، فهل لي أن أرجوكَ مشاركتي الطعام؟

فلم أرفض،

لأنّني شعرتُ بحبٍّ جارف لهذا الرجل الذي يخاطبني.

وحُلّتْ عقدة الكيس المتواضع،

وأُخرِجتْ من جوفهِ قبضةٌ من الزيتزن الأخضرِ البرّاق،

مع قطعةٍ من الجبن، ثمّ بصلةٍ شهيّة.

وقبل أن أذوق أيّة كسرةٍ، توجّهتُ نحو السماء،

ورفعتُ صلاةَ شكرٍ حارّة للّه أبي وأبى البرايا.

من أنتَ يا بنيَّ؟ وماذا تُدعى؟

يسوع الناصري.

يا للّه! وهل أتيت بمفردك من تلك القرية النائية؟

نعم، أيُّها الشيخ الكريم.

ولِمَ أيُّها اليافع؟

كي أُنفّذَ إرادة من أرسلني.

ومن هو الذي أرسلك؟ ولِمَ؟

أبي السماويّ!

وقد أرسلني كي أنقضَ عهداً قديماً،

وأبني على أنقاضه عهداً جديداً.

وَيكَ يا بنيَّ! أمسُ بكَ؟ أم تراكَ تهذي؟

لا هذا ولا ذاك، ولكنّني أُكلّمك بالحقيقة.

إنّكَ تدهشني أيُّها الصغير بحديثكَ العجيب،

وبقوّة بيانك الغريب.

فهل لي أن أسألكَ عن أبويكَ،

إذا كانا ما يزالانِ حيّيْن يُرزقان؟

لك ما شئتَ.

إنّ أبي الأرضيَّ اسمه يوسف،

وهو نجّارٌ معروف في مدينة الناصرة.

واسمُ أمّي مريم.

وهما يعيشان مع إخوتي يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا،

وشقيقتيَّ فادية ودانية.

هل أتيتَ بمفردك الى مدينة القدس؟

أم رافقكَ إليها أحدُ إخوتك؟

كلاّ، بل أتيتها بمفردي،

لأنّ آرائي وميولي لا تتّفقُ وميولَ إخوتي.

وليس من يعطفُ منهم عليَّ سوى شقيقتيَّ.

يا للسماء!

إذن، والداك لا يعرفان الآن مكان وجودك!

هي الحقيقة.

فإنَّ والديَّ غادرا الناصرة منذ أُسبوع،

وقدِما الى مدينة القدس سعياً للبحثِ عنّي.

وحال وصولهما الى الهيكل،

شاهداني وأنا أجادلُ الكهنةَ والأحبار.

فتقدّمتْ إليَّ والدتي وقالت:

" والآن، هيّا بنا إلى الناصرة."

فعُدتُ معهما.

وكان برفقتنا قافلةٌ كبيرةٌ وجهتها تلك التخوم.

وعندما خيّمَ المساء طلب الجميع النوم.

وكنّا قد بلغنا سهلاً فسيحاً تملأُهُ الأزهار البرّيّة،

وانتثرت في جوانبهِ بضع شجيراتٍ ضخمة،

ولكنّها لا تحمل ثمراً ما.

وفي الهزيع الثاني من الليل الشديدِ الظلمة،

أُوحيَ إليَّ في الحلمِ

أنْ أعود في الحال الى مدينة القدس،

لأنّه تنتظرني هناك حوادثُ

لها علاقة بالرسالة التي أرسلني اللّه من أجلها.

وأُعلمتُ بأنّني سألتقي برجلٍ بارٍّ اسمه يونا،

يكون ابنه صخرةً راسخةً

يبنى عليها دين اللّه جَلّتْ قدرته.

وللحال نهضتُ من مكاني،

ونظرتُ، فإذا الجميع يغطّون في نومٍ عميق.

وبسرعةٍ ملحّةٍ ألقيتُ نظرةً على والديَّ،

وودّعتهما بايماءةٍ من رأسي،

ثمَّ رحتُ أضربُ الطريق في ظُلمةِ الليلِ الحالك...

ما كُدت أنتهي من سردِ حديثي،

حتى شاهدتُ الشيخ الجليل يجثوا أمامي بخشوعٍ،

وينكبُّ على يديَّ يقبّلهما بورعٍ فائق،

ثمَّ يصيحُ قائلاً:

أنت أنتَ هو ابنُ اللّه!

وأنا، يا سيّدي الحبيب، أُدعى... يونا.

في ضيافة يونا وبطرس

الليل هادىءٌ ساكن!

والقمر الفريد يغمر البطاح بأنواره الفضّية اللطيفة!

والنجوم المتألّقة تملأ صفحة السماء الزرقاء،

وكأنّها يواقيتُ يتيمة

وهي تطيل النظر إلى البدر الهائمِ

في سهول السماء الشاسعة!

والطبيعةُ نشوانةٌ من روعةِ وجلالِ هذا المشهدِ الخلاّب!

والساعة قد بلغتِ الثانية بعد منتصف الليل.

والجميع قد استسلموا لسلطان الكرى الجبّار.

أمّا أنا فقد جلستُ أعتمد رأسي بيدي،

وأطلقتُ العنان لتصوّراتي...

ثمّ تحدّثتُ قائلاً:

" ترى متى يتغلّبُ هؤلاء البشرُ على ميولهم الشرّيرة

وأمانيهم الباطلة؟

ومتى يتّجهون نحو المثل العُليا،

ويسحقون بقوّة إيمانهم الضعف الذي يسري في أعماقهم؟

متى ينفّذون إرادة باري الأكوان ومُبْدعِ السماوات؟

متى يكون الجميع قلباً واحداً وروحاً واحداً؟

متى يبوّقُ ملاك الربِّ ببوقه الأزليِّ قائلاً:

ألا فلتفرح الملائكة،

وليبتهجِ الأطهار،

لأنَّ أبناء الأرض قد سحقوا كلَّ ضعفٍ، وكلَّ نقيصة،

وتغلّبوا على قوّات الشرِّ الخبيثة،

لهذا أُعطيتْ لهم السعادة العُظمى!

وللحال، يبوّقُ الملاكُ الثاني ببوقه الجميل...

وإذا بالأرضِ تُدكُّ وتتلاشى،

وإذا بجميع الذين نفّذوا إرادة اللّه

قد انتقلوا إلى عالمٍ مضيءٍ خالد بسعادته الفائقة،

وراحوا يتفيّأون ظلال أشجاره،

ويقتطفون من ثماره المجهولة، ويتذوّقونها،

فتنتشي أرواحهم،

ويسبّحون اللّه على نعمهِ الإلهيّة،

لأنّهم إنّما يتذوّقون ثمار المعرفة.

أيْ أبي السماويّ !

متى تأتي هذه الساعة السعيدة؟

ومتى يُحقّقُ هذا الحلم الذهبيّ؟

أنا متأكّد بأنَّ هذا اليوم هو بعيد جدّاً،

لأنَّ البشر ضعفاء الضعف كلّه،

وقد غرقَ كُلٌّ منهم في محيط أطماعهِ ورغباته،

وليس من يتمسّكُ بدفّةِ الفضيلة،

كي يصلَ إلى شاطىء السلام.

فأعنّي، أيْ أبي، كي أستطيع إنقاذ الغرقى وهم كثيرون."

وبينما أنا في تأمّلاتي هذه،

إذ بي أشعر بيدٍ تلمس كتفي بلطف.

وعندما التفتُّ، نظرتُ الشيخَ يونا وابنه بطرس،

وقد وقفا أمامي بخشوع،

وجعلا يرجوانني أن أعود إلى فراشي،

إجلسا، إجلسا يا عزيزيَّ،

ولنتكلّمَ عمّا لأبي،

فإنّني، بعد قليل، سأرقد طويلاً،

وستمضي أجيالٌ قبل أن أعود فأستيقظ.

بُطرس:

أيّها القدّيس الصغير،

ويا من تشرّفتْ غُرفتنا المتواضعة

بقدومك إلينا، وقبولك ضيافتنا.

ها إنّني قد قطعتُ من مراحل حياتي أربعةً وثلاثينَ عاماً،

وأنا أجهلُ كُلَّ ما هو يختصّ بالسماء،

فهل لكَ أنْ تنيرَ عقلي المُظلم،

وتفتح مغاليق قلبي المُوصد؟

أعرني سمعكَ يا عزيزي بطرس،

وانظر، هناك، بعيداً في قبّة السماء،

وتمعّن في ذلك النجم العجيب التألّق.

إنّني أراه يا مُرشدي.

وها هو بريقه الخاطف يتألّق بسرعةٍ غريبة.

فما هو هذا النجم، يا ترى؟

إذا عملتَ بوصايا أبي ونفّذتَ إرادته،

وقهرتَ ميولكَ، وتنازلتَ عن البعض من رغباتك،

فإنّك ستبلغ هذا النجم السعيد،

وتتكشّف لك إذ ذاك أسراره،

وتتمتّع بأضوائه الخلاّبة.

للّه! وهل يوجد فيه أحياءٌ مثلنا،

أم هم أرواحُ من ينتقلُ منّا؟

كلاّ، بل هم أحياءٌ ممّن نفّذوا الوصايا،

وعملوا بها دون أن يعثروا.

وأنتَ ستكون هناك إذا عملتَ بوصاياي.

لا، بل سترتقي من كوكبٍ إلى آخر،

حتى تبلغَ درجةَ الكمال التّامّ.

وإذ ذاك تتجاوز نطاقَ النجوم،

وتبتعدُ عن تلك التُّخوم،

بعد أن ينتهي دور التجربة.

وعندئذٍ ترى نفسكَ في المحيط الروحانيّ.

وهناك تغمركَ أنوار اللّه خالق كُلِّ شيء،

وتتكشّف لك أسراره العميقة،

وترى بعين روحكَ كُلَّ ما هو مكنون،

فتسبّح اللّه

مع الأبرار الأطهار الذين ساروا مثلما ستسير،

وبلغوا حيثُ ستبلغُ أنت.

رحماك! أعنّي حتى أبلغ قمّة هذا المجد.

هذا طوع يديكَ إذا أردته.

سالمة امرأتي سأتنازل عنها غداً،

ولن أعود فألتقي بها.

نعم، سأتنازل عن هذه الرغبة الدنيويّة،

في سبيل قهر وتطهير روحي المذنبة.

كلاّ، لا تفعل هذا، يا عزيزي،

فإنّكَ قد تزوّجتها زواجاً مشروعاً،

مثلما جاء في الناموس والوصايا.

واعلم ، يا بطرس، أنّ أهل هذه الدنيا يُزوّجونَ ويتزوّجون

كي يأتيهم الأبناء الذين هم منهم.

وعندما تأتي ساعة تطهيرهم وانتهاء آثامهم،

إذ ذاك لا تعود لهم حاجةٌ للزواج,

فينتقلون إلى كوكبٍ آخر وعالم آخر

حيث لا يوجد شيء اسمه زواج، ولا بنون ولا بنات.

أمّا الآن فوصيّتي إليك

أن تعتني بغرس روح اللّه في قلب ابنك.

وثقْ، يا عزيزي بطرس،

بأنّه إذا سقط ابنك بالخطيئة،

فسينالكَ منها الشيء الكثير،

لأنّه منكَ، وبسببِكَ أتى إلى هذه الأرض.

فإذا اعتنيت بتربيته تربيةً حقيقيّة،

على خوف اللّه ومهابته،

فإنّما تكون قد اعتنيتَ بنفسكَ وروحكَ.

أنا مدينٌ لك يا ابن اللّه بجميع هذه المعلومات السماويّة.

فهل لك أن تكشفَ لي سرَّ وقوع الأنبياء في الخطاْ الفادح،

أمثال داود وسليمان الحكيم

وسواهما ممّن اتّصلوا بالنساء اتّصالاً غير شرعيّ،

وهم الأنبياءُ الذين تكشّفتْ لهم الحقيقة،

ولمسوها بالوحي لمسَ اليد؟

يا عزيزي، إنَّ داوُد النبيَّ وسليمانَ الحكيم وأمثالهما

لم يخطئوا مطلقاً بما قاموا به،

بل كانَ الأمر على عكس ما ظنّه الجميع.

لقد كانوا أنبياءَ،

وكان الوحي يأتيهم بما يجب عليهم تنفيذه من أمور.

فالسراري اللواتي كُنَّ يملآنَ مقاصير الملك سليمان

قد انتفعنَ منفعةً روحيّةً عظمى

من وجودهنَّ مع النبيِّ الحكيم.

وهذا أمرٌ سوف تتكشّفُ لكَ أسراره،

ثمَّ داوُد النبيّ

الذي يتمتّع بدرجةٍ ساميةٍ من الدرجات الرفيعة،

ألمْ يذكر الكتاب المقدّسُ

أنَّ قلبهُ قد فُحِصَ ووجدَ أنّه ذو طهارةٍ فائقة؟

فكيف توفّقُ بين هذا القول السماويّ

وعمله الذي يؤاخذ عليه،

عندما استولى على امرأة أوريّــا الحثّيِّ،

لو لم يكن هذا واجباً؟

وتأكّد، يا عزيزي بُطرس،

بأنّ امرأة أوريّــا الحثّيّ هي نفسها امرأة النبيّ داوُد،

ولكنْ في دورٍ سابقٍ وولادةٍ سابقة.

وبينما كنت أشرح ليونا وبطرس

أسرار التقمّصِ، والعدالةَ فيه...

تجلّتْ أمامنا أنوارٌ خاطفة،

وسمعنْ ترانيم روحيّةٌ مُبهجةٌ انعشتْ نفوسنا.

وللحال، خشعنا جميعاً,

ورفعنا صلاةَ الشكرِ والحمدِ للّه القادر على كُلِّ شيء.

وعندما انتهتِ الترانيم العذبةُ قبّلنا بعضنا بعضاً،

وتعاهد الأبُ والابنُ والحفيدُ وامرأةُ بطرس

أن يسيروا على طريق الحقِّ واليقين،

ما دام فيهم عرقٌ واحدٌ ينبض.

غاب البنفسج1

استقبال عام 1980

                 

أيها العام الجديد،

إنني استقبلك مرحبًا بقدومك،

بالرغم من اكفهرار السماء المطيرة

التي حجبت عنك أنوار نجومك.

إن أيام سلفكَ الراحل

كانت أيامًا دجوجية الجلباب.

فكم فقد فيها من الأحباب!

وكم تجندلَ غدرًا من أحبّ الصحاب!

إن الحرب الضروس الشرسة بلبنان

التهمت الشيوخ وافترستَ الشبان،

وهتكتْ العديد من الغيد الحسان!..

فهلاّ رأفت بنا وأغدقت علينا الحنان،

بعدما راشتنا سهامُ إبليس وصنوه الشيطان.

إن الدواهي التي دهمتنا،

والأهوال التي انقضت علينا،

والمخاوف التي عصفت بنا،

والرواعب التي ردَّمتنا،

والصواعق التي دمَّرتنا،

والصواريخ التي أبادتنا...

ما كنا لنبتلى بمزلزلاتها

لو سرنا على طريق الفضيلة المثلى.

لقد شططنا عن الطريق القويم،

وانحرفنا عن الخط المستقيم،

وانجرفنا بتيار الشر الطافح الأثيم،

وخضنا غمرات شهوات إبليس الرجيم،

ونفذنا رغبات بعلزبول السفلي الذميم،

ومكثنا راتعين من شهواتنا الدنية

أعوامًا تتلوها أعوامٌ فأعوام...

دون أن نعتبر بالفضيلة أو نرتدع.

وإذا بيد الله القوية تدكُّ ربوعنا دكًّا،

وتُحيل عامرنا لخراب هائل،

وتجعله قفرًا بلقعًاينعبُ البُوم بخرائبه،

وتجولُ الغربان بين ركامه وطلوله،

وتصولُ الذئابُ بعرضه وطوله.

إنّه الجزاءُ الإلهي عصف بنا فقوضنا تقويضًا،

وما كان الله ظالمنا،

بل كنا لأنفسنا ظالمين.

فرحماكَ، أيها العام، رحماك!

فها إني ألتجئ لائذًا بحماك.

تُرى، هل سيمتدُّ أجلي

حتى نهاية أيامك،

أم تراني سأتوارى في أحد أيام عامك؟

لقد وطئتَ أرضنا اليومَ أهلاً،

وها إني أستقبلك سهلاً،

منتظرًا ما ستفاجئني به مخبآتُك.

ومَنْ ألقى اتكالَه على الله

فإنَّه ناصرُه وظافرُه.

                                        بيروت، الساعة الثانية والنصف

                           من فجر أول كانون الثاني 1980

 

صَوَاعِقُ وحُمَمْ

                           

إنما الدنيا هباءٌ ومجيءٌ ورحيلْ

وشقاءٌ وفناءٌ وبُكاءٌ وعويلْ

كلُّ ما فيها دنيءٌ وسقيم ووبيل

أولُ القتلى مسجىً دَمُه روَّى السبيل

يا لقايين! بكف الغدر قد أصمى هبيل

هي دنيانا البغي تحتوي قالاً وقيل

نبذوا كل الوصايا، هزأوا بالأناجيلْ

سلَّط الربُّ عليهم جمع طير الأبابيلْ

إصعقيهم يا رزايا، والعنيهم كل جيلْ

                     بيروت، الساعة الثامنة

                     من ليل 18/3/1980

 

زَورق الحياة              

سأستقلّث الزورق،

وأرفعُ شراعه،

ليُسيره الهواء

في عرض المحيط اللجب.

وسينطلق وهو مُحاطٌ بجبال

من الأمواج العاتية الغضوب!

فتارةً تعلو به موجةٌ جبارة،

فيطاولُ السماء،

وطورًا تهوي به أخرى إلى قاع اللجج المزبدة.

وتلاطم هوجُ العناصر

هذا القاربَ المسكين،

فإذا به يخور ويتفكك،

ويصبح طعمةً يقطن الأعماق!

وما أشبهه بحياتي

التي عصفت بها أحداثُ الزمان،

فأورثتني شقاءً أبديًّا وحزنًا سرمديًا!

                                بيروت، الساعة الخامسة والنصف

                                     من مساء 20/3/1980

أغاريد شاعر

كلمتي لعَام 1978

أيُّها العام الجديد

مرحبًا بك، مرحبًا وأهلاً،

لقد انطوى عهد سلفكَ وغيَّبه القدر، فإذاه وقد توارى حتى يوم يبعثون.

انطوى وبادت آثاره، أمّا أخباره، وما حدث فيه من شؤون وشجون فباقية.

إنَّ الأمل الذي كان يراودني بسلفك لكي تحقَّق آمالي فيه، قد خاب،

والقلق الذي رافقني في أيامه أذابني وأضناني.

فيومٌ يُخلقُ ويومٌ يموت، وأنا أعدُّ ساعاته وأُحصي دقائقه،

والأمل يحدوني للحياة لعلّ وعسى أن أُحقّق بغيتي قبل دُنو مُنيتي؛

ولكن السؤال خاب، والرجاء فشل، والخيبة تمَّ لها الفوز والانتصار،

ورغمًا عن هذا فإنّ عزيمتي ما هانت، وشكيمتي ما لانت،

وعوّلت أن أمكثَ سائرًا في طريقي الصعبة،

هذه الطريق المفروشة بسهامٍ مسنَّنة وحرابٍ مُسدّدة لترديني.

إنّ آمالي وساعة، وأماني كثيرة، وطموحي شامخ،

ولي أملٌ وطيد بأن أهدمَ العقبات، وأُقوّض المُثبطات وأردِّم الحواجز،

ثم أجتازُ بقلبٍ جريء وجنانٍ ثابت وعزمٍ وطيد حواجز الفشل،

هذه الحواجز الراسخة المُكشِّرة عن أنيابها الحادّة

لتمزّقني بأظافرها دونما رحمة أو إشفاق.

إنني أستمدُّ العون والقوة من خالقي وواهبي نسمة الحياة،

وسأندفع بقوة صاروخية لأحطّم ما يعترضُ سبيلي من عقبات كأداء.

ثمّ سينصرني الله على أعدائي وسأتسنَّم قمة المَّجد والسؤدد،

وسأنشر رسالتي في أمريكا،

وستطوّق عقيدتي الداهشية الكرة الأرضية.

إنّ المشقَّات، لا شكَّ، لم ينته أمرها،

ولكنها أعجز من أن تُثبط قوَّة إرادتي الجبَّارة.

إنَّ الفشلَ كلمةٌ لا يعترف بها قاموسي،

فهو خالٍ من تدوينها، ولن يُدوّنها كتابي.

لهذا أعدكَ أيّهااليومُ الأوّل من هذا العام الجديد،

بأنّني لن أُلقي سلاحي، حتى يكونَ الظفرُ حليفي،

والانتصارُ ملكَ يميني وحليفي بإذن الله تعالى.

                                     الولايات المتحدة الأميركية

                                     الساعة 8 ونصف من صباح

                                     أول كانون الثاني 1978

 

أيضًا إلى أخي سليم(1)

ها قد مضتِ الأعوام،

وتصرمت الشهور،

وتلاشتِ الأيام،

وما زال الأنام يعمهون بالآثام،

ويخوضون معامع الشرور،

ويسكرون بخمرة الفجور؛

لقد اندمجوا بالآفات،

وخاضوا غمرات الموبقات،

وهيهات أن يرتدعوا هيهات!

وأنتَ أيها الأخ الحبيب!

لقد تكشفت لك الحقيقة،

فذهلتَ مما يرتكبه المدّعون باعتناق الأديان،

هؤلاء الكذبة الذين أصبحوا لا يأبهون بوصايا الديان.

وقريبًا قريبًا سيبوق ملاك الرب بالصوُر،

وإذا بالجبال تتفكَّك عراها، وتُباد ذرّاتها،

-------------------------------------------

(1) في أول تموز عام 1970 كتبت قطعة أدبية في مدينة الدوحة للأخ سليم اسميتها: إلى أخي سليم قمبرجي. وها إني اليوم أعود فأكتب قطعة ثانية وذلك بعد مرور 7 أعوام و7 شهور و23 يومًا من كتابتي للقطعة الأولى وأسميتها: أيضًا إلى أخي سليم.

-------------------------------------------

والأطوادُ الشامخة تتدمّر وتتردّم فتعلو آهاتها،

وتظهر شياطين الهاوية، وتطفر أبالسة الجحيم

المتّقد بالنيران الخالدة مدى الآجال،

ويقودون كلَّ من مكر وارتكبَ المُحرَّمات من النساء والرجال،

ويلقون بهم في أعماق سقر المُتأججة بالأهوال الهائلة الرّعب،

وتعلو صيحات الذعر المُبيد والخوف الهائل من الأشباح الشهب،

فتهتز أسس الهاوية لهول صرخات هؤلاء الأشرار الفجَّار؛

وإذ ذاك أحلق بجناحي الشفافين نحو الأعلي،

وأنت ترافقني فأرتاح ويطمئنّ بالي،

ونبلغ جنة الفردوس الخالد بنعيمه الأبدي؛

وإذا بالأب حليم الوقور يهرع بحبور لاستقبالنا،

وقد انضمّ إليه الحمل الوديع جورج حدّاد والفرح يغمره غمرًا،

ويفتح الأخ الحبيب جورج خبصا ذراعيه

ويضمني إلى صدره العامر بالإيمان؛

فأشعر بفرحٍ إلهي ومرحٍ لانهائي يغمرانني فأنسى الوجود،

وكذلك يهرع الأخ بولس فرنسيس والشوق يحدوه للقائنا،

وتتقدم ماجدا هذه اليمامة الذبيحة، هذه الحمامة الشهيدة،

وتقدِّم لنا باقةً من حبق جنَّة الخلود،

وتحيينا والدتها المُجاهدة ماري حداد، هذه النادرة بين النساء.

وبرزت والدةُ الهادي وهي تقول لنجلها:

"اليوم دستَ بقدميك رؤوس الأعادي"؛

وكان النور يطفحُ من وجهها البهيّ،

والسعادة تشملها بنعيمها اللانهائي؛

كيف لا وقد نعمتْ عيناها واكتحلتا، ثانيةً، بهاديها الحبيب!
وجلس الجميع تحت شجرة معرفة الخير والشر،

ورُفعتْ آيات الشكر لخالق الخلائق وباري البرايا،

وتمضي الآجالُ وتزحف الأجيال،

ونحن نظنُّها ثواني لعظم سعادتنا وعظيم غبطتنا.

وإذ ذاك أُذكرك يا أخي سليم،

قائلاً لك:

أما قلتُ لكَ بالدوحة:

الساعاتُ تمرُّ مرَّ السحاب،

والدقائق تتلاشى، فذهابها دون إياب،

والأيّام تفنى بما تحمله من شقاء وعذاب؟

فلنمجِّد الخالق، ولنثبت بإيماننا الروحي الخالد الراسخ،

ليتحقَّق أملُنا باجتماعنا في فردوس النعيم المقيم.

                                           الولايات المتحدة الأمريكية

                                           الساعة 3 وربع بعد الظهر

                                                23/2/1978

 

أيتها البحيرة المُرتدية ثوبها الناصع

أيتُّها البحيرة المرتدية ثوبك الناصع البياض،

هذا الثوب الجليدي الذي أضفاه فصل الشتاء عليكِ؛

فإذا بردُكِ مُخيفٌ وزمهريركِ عنيف،

والأشجار على ضفافكِ عاريةٌ كئيبة،

لا طير صادح يتنقل على أغصانها الباكية،

ولا قُمري يُغرِّد بين عيدانها الجافة،

والريحُ تعوّل وصفيرها يتعالى،

فهي تنوحُ على جمال خلاب

طواه فصل الشتاء العاصف.

والإِوزُّ الذي كان يجوب صفحتكِ الرقراقة،

اختفت آثاره وطويتْ أخباره؛

فقد ولّى الادبارَ عندما احتلتكِ جيوشُ الثلوج اللجبة.

والأزهار البرية التي كانت توشي ضفافك،

فتأخذ بمجامع القلوب بألوانها الفتانة،

لقد حصرتها الثلوج وأماتها الصقيع الرهيب.

والنيلوفر المُذهل الذي كان يطفو على صفحتكِ الضاحكة

بدَّدته الأمطارُ الغزيرة وأبادته ثلوجُك الزمهريرية.

ولكن الفلك سيدور دورته أيتها البحيرة الثلجية،

وسيعود الربيع فيحتلُّ ربوعكِ ويخيم على أواذيكِ؛

وإذ ذاك ستتالق مياهك النميرة،

وستكتسي الأشجار بأوراقها الخضراء الغضَّة،

وستغرّد الطيور على أفنانها مُبتهجة بعودة الربيع الفاتن،

وسيحومُ الفراش على زنابق غابكِ

العجيب بروعته وإبداعه ومفاتنه الإلهية،

وسترتدي الطبيعة حلتها الأخاذة

فتبتهج العيونُ وترقص القلوبُ لهذا السحر الخلاّب،

وسيعود البط البري والإوزّ الأنيق،

فيمخرانِ عبابكِ ببهجة فائقة،

وستغمر أنوار البدر صفحتكِ،

فإذا السحر الحلال يسكب جمالاً على جمال.

وإذ ذاك سأزورك أيتها البحيرةُ العجيبة،

وأُمتع بصري بمفاتنك الخلابة،

وأُسبِّح الخالق المُهيمن،

فهو الذي منحكِ هذه الفتنة، وهذا البهاء الرائع.

                                في السيارة المنطلقة من واشنطن إلى كندا

                                     الساعة 6 ونصف من مساء 27/2/1978

أناشيد البحيرات 1

هل تتحقق الأحلام؟

كم أودُّ أن أحلَّق للنجوم!

هاربًا، مسرعًا، ناجيًا من ذي التخومْ

جائبًا فيها الأعالي، في أقاصيها أحُومْ

بَاحثًا راجيًا نجمًا قصيًا، ضائعًا بين الرُّجومْ

عابرًا ربواتٍ من بروقٍ وسدومْ

تاركًا أبناءَ أرضي يرسفون بالهمومْ

مُهملاً أبناءَ دنيا مُبهظينَ بالسمومْ

يا لدنيا مُظلمة، سبحتْ فيها الغيومْ

إن نفسي تائقةٌ لسماء فاتنة، فيها أدومْ

هذا ما أرجوهُ ربّي، ولهُ روحي تَرومْ

                                     الولايات المتحدة الأمريكية

                                     الساعة 9 و10 دقائق من صباح

                                           21/5/1978

 

نجَوايَ لخالقي

ضَاقتِ الدُّنيا عَليَّ يا إلهي

فإليكَ ملجئي، أنتَ جاهي

أنتَ كوّنتَ المجرَّاتِ الزَّواهي

خرَّ إبليسُ رعوبًا!

عُفِّرتْ شُمُّ الجبَاهِ.

قد كفرتُ بالملاهي

فهي عنوانُ الدّواهي

بكَ أصبحتُ أُباهي

مجدُكَ لا مُتَناهِ

يا إلهي، يا إلهي!!

                كتبتها في السيارة الذاهبة بي إلى مطار كندي بنيويورك

                           الساعة الخامسة والنصف من مساء 23/5/1978

 

فتنة الربيع الضاحك

أهلاً بالربيعِ وسهلاً بأزهارِهْ!

ما أُحيلى جمالَ خضرةِ أشجارِهْ!

وما أعذبَ تغريدَ أطيارِهْ!

وما ألذَّ شهيَّ أثمارِهْ!

ويا لصفاءِ ماءِ أنهارِهْ!

ويا لروعةِ خرير غُدرانِهْ!

فعلى الأفنان غرَّد كنارُه

والرمانُ تبرعَمَ نُوَّارُه

فالصيفُ تلْذعُنا جمراته

وتلفحُ وجوهَنا نيرانه

والرّبيعُ وقد أشرقَتْ أنوارُه

عَزفَتْ تطربنا أوتارُه

فشنَّفَت الفضاءَ أنغامُه

فاصبحتُ من عُشّاقِه وسُمَّاره

وسُحرتُ بحقوله وغيطانِه

وبُهرتُ لفتنةِ أُقحوانِه

وتَنسمتُ عطرَ فُلّهِ وبنفسجه

ونعمتُ بأرج ياسمينهِ وحبقه

وتَزينتُ بورده وقُرنفله

وذُهلتُ لنُصوع زنابقِه

وخشعتُ لروعةِ أشعارِه.

               

كتبتُها في السيارة الذاهبة بنا إلى مطار كندي

                           الساعة 6 وربع من مساء

                                23/5/1978

 

مشاهداتٌ مُذهلة

في الشارع الرابع عشر بنيُويورك

في الساعة الرابعة والنصف استقليت التاكسي، وذهبت إلى الشارع الرابع عشر في نيويورك. وهذا الشارع المستطيل لا يستطيعُ النظر مشاهدة نهايته؛ وتقومُ على جانبيه مئات المتاجر المتنوعة السلع. وسرت فيه على أقدامي، واندمجت بآلاف السائرين من نساء، ورجالٍ، وشبانٍ، وشابات، وأطفال، ورُضعٍ محمولين على أكتافِ أُمهاتهم؛ والبعض من هؤلاء الأطفال يجلسون في عرباتهم، وتدفعُ هذه العربات أيدي والديهم أو والداتهم. ورحت أتفرّس في الوجوه. وجوهٌ عديدة مختلفة ومتباينة، وجوهُ أميركيين، ويابانيين, وبرتوريكيين، وبرازيليين، ومكسيكيين، وباريسيين، وإنجليز، وماليزيين، ولبنانيين، وسوريين، ومصريين، وكوريين، ومالطيين، وفلسطينيين، وقد اختلط حابلهم بنابلهم.

فها هي فاتنة دعجاءُ وقد ارتدت أفخر ما ترتديه الأنثى، وعبق من جسدها عبيرٌ ضمخ الفضاء، وهي تسير بغنج وكأنها رشأ غرير.

وتلك الزنجية عقصت شعرها خُصلاً عديدة، وهي تسير ناظرة للجنس الأبيض بعينٍ شزراء، وعبستُها تُظهر عدم رضاها على هذا الجنس البغيض لديها.

وذلك الشيخ المُهدَّم يسير الهوينا، وقد طوت الأعوامُ ظهره، وخففت من دفع خطوه، فهو يسير بتعبٍ ملحوظ.

ومرَّ أعمى، ودليلُه عصا بيضاءُ طويلة برأسٍ أخضر، وهو يضرب بها الأرض يمنةً ويسرةً.

وتلك عجوزٌ شمطاء ولكنها مُتصابية تسير وعينها ترنو إلى شابين مُتلاصقين، وكأنها تذكر أيام صباها الراحل بعدما حط على كلكلها فصلُ الشتاء القاحل.

واصطدم نظري بعبدة، أقسم بأنني ظننتها للوهلة الأولى برميلاً ضخمًا يتدحرج على الرصيف، وإذاها زنجية تسيرُ مثلما يسير الدب السمين.

ووقفت أمام متجرٍ مُختص ببيع أدوات الموسيقى، وكانت أنغامُ البيك أب تملأ رحاب المتجر، وتتسرب الأنغام للخارج؛ وإذا بي أجد شابًا وقد استبدَّ! به الطرب، وإذاه يتابع بحركات رجليه وكفيه الأنغامَ الموسيقية، ثم راح يضرب كفًّا بكفّ متابعًا تلك النغمات. فدُهشتُ لما رأيت. ثم تابعتُ سيري، وإذا ببائع صورٍ ملونة بطريقة تنفرُ العيون من مشاهدتها: فألوانها وقحة للغاية، ورسومها سقيمة، وكحال صاحبها يُمسك بقبضة يده رزمة من النقود الورقية، وهو يحصيها ناظرًا إليها بنهم. فقلت لقد حذرني الكثيرون قائلين لي: إياك أن تخرج نقودًا في الشارع العام؛ فإذا شوهدت نقودٌ في أي شخص في شوارع نيويورك، فإن خطرًا جسيمًا قد يتهدده. وها إني أُشاهد رزمة من أوراق النقد مع هذا البائع المتجول. وآلاف من المارة يشاهدونه وهم غير مُهتمين اطلاقًا.

وللمرة الثانية شاهدت فتاةً بميعة الصبا وربيع العمر وهي تتابع أنغامًا صادرةً من أحد المتاجر وتهزّ كتفيها، وتدقُّ قدميها بالأرض، وكأن بها جنةً، فاستغربتُ هذا المشهد للغاية.

وكنتُ أرى رجال الشرطة مُنبثين يراقبون المارة حتى إذا حدث أمر يسترعي تدخُّلهم، تدخلو فورًا.

لقد شاهدتُ مشاهد عجيبة غريبة؛ فآلاف الآلاف من المارة راقبتُ سيرهم وتمعَّنت في وجوههم. وكان عددٌ كبير منهم يدخلون إلى المتاجر، وآخرون سواهم يغادرون تلك المتاجر، وكل منهم مُنهمكٌ بما يرغب شراءه مُقلّبًا السلع، مُنقبًا في كل واحدة منها يريد ابتياعها. وأعين أصحاب المتاجر ترمق الزبائن، وهمُّهم تصريف هذه السلع المتراكمة.

وعندما مللت هذه المشاهد، واستبدّ بي التعب، وكان الحر خانقًا، والعرق يغمرني غمرًا، استقليت سيارة أُجرة أعادتني إلى شقة الأخ غازي براكس، فوصلت إليها وتلك المشاهد راسخةٌ في عقلي، ولن أنساهَا، مشاهد الجماهير المُندفعة إلى المتاجر والمُتدفقة في الشارع، من نساء ورجالٍ وشبان وشابات، والسيارات التي تملأ شوارع نيويورك مُقلة أغنياء وفقراء، صادقين وكاذبين، قتلةً ومجرمين – جميع هؤلاء الخلائق يسيرون في متاهات هذا العالم، والموت يترصدهم، فهو سيقنصهم الواحد يتلوه الآخر؛ فجميعُنا مصيرُنا إلى تلك الحفرة الخالية الباردة المنسية.

فرحماك ربّي رحماك...

لقد ضاقت نفسي، وملّت روحي مشاهد عافتها، فباتت تصبو إلى عالم آخر تظلِّله السعادةُ، وتسوده السكينةُ وتغمره بردة الطمأنينة وتشملُه عناية ربِّ الخلائق...

                                          نيويورك

                                الساعة 6 ونصف من مساء 12/8/1978

 

قلقٌ صاعق

وزحفَ القلق بجيوشه العرمرمية،

وراحت جنوده تطلق عليَّ نبالها الصائبة،

وانقضتْ صواعقها فاحتلت وجودي،

فإذاني كريشة في مهبِ الرياح الهوجاء،

تتلاعبُ بي مرنّحةً إياي شمالاً وجنوبًا!

وتكأكأت عليَّ البلايا وناشتني الرزايا،

وكشّر الهول عن أسنانه الحادة بوجهي؛

ثم وثب عليَّ فهرأ جسدي عضًّا وتقطيعًا!

والأهوال المُدمرة افترستني بقسوةٍ هائلة،

والذعرُ قطن في فؤادي التعيس الخافت الضربات،

والتصورات المُخيفة حملتني إلى عالم القلق الدجوجي،

فرحت أتخبط في سيري فيه على غير هُدى.

وناشتني نسور التخيلات الجهنمية،

ومزقت لحماني صقور الافتراضات الابليسية،

ويا لها من أفكار مُقضَّة للمضاجع، إنها شيطانية!

وأسرتني ظنونٌ مُفتلذة من جهنم النار المُتقدة؛

واذاني أسير جميع هذه الجحافل الساطانيلية.

لم ترحمني الأفكار المُتزاحمة المُتسابقة المُتلاحقة.

دمّرتني، هدّمتني، قوّضتني، لاشتني وأفنتني!

يا للهول! إن حياتي أصبحت جحيمًا تخافه الشياطينُ القاهرة،

والموت بتُّ أراه رحمةً كبرى، ليتني أنعم بفردوسه البهيّ.

فرحماكَ يا إلهي! رحماك يا خالقي وموجدي!

أبعدْ عني هذه الكوابيس الصاعقة المُدمّرة،

أو فاصعفني، فأُريح وأستريح!

                                الولايات المتحدة الأميركية

                                الساعة 12 من ظهر 4/10/1978

جبل المسرات

زينا المزدانة بفضائلها

يا زنبقة المروج الندية،

إن أنتِ إلا طاهرة مطهرة.

فسيرتُكِ حافلةُ بالجهاد المُقدس،

جهادك لأجل عقيدة سامية.

إستللت سيف الحقيقة،

وبطشت به ظُلم الباطل،

فتجندل أمام قدميكِ.

إن الله ينصر من يسير في طريق الفضيلة،

وأنتِ من حملتِ مشعلها لتُنيري الطريق السويّ

لِكلِّ من اعتنق مبادئ الفضيلة.

فسيري على هذه الطريق القويمة،

واعلمي أن حياة المرء قصيرة الأمد.

وعندما تدقُّ ساعة انطلاقكِ من عالم الأرض

الحافل بالشرور،

تجدين روحكِ قد بلغت عالم النور،

هناك حيث تغمركِ البهجة

ويحفُّ بكِ السرور!

                                   بيروت

                          الساعة 12 إلا الثلاث قبل الظهر في 3/1/1979

 

حديث بين زهرتين

                         

   كان أصيص زُرعت فيه زهور صفراء موشاة بنقط حمراء؛ وقد وُضع على طاولة بصالون المنزل. وجلس عشرون شخصًا بين رجلٍ وامرأة يتحدثون بشتى الشؤون والشجون.

   وإذا بعادلة تشكو دنياها وتتأسف على ماضيها...

وقالت أوديت: "الحياة كلها شقاء، فهي غارقة بالعناء، وليس فيها ما يسرُّ المرء ويشرح خاطره...".
   وأعلنت توفيقه أن الحياة بمشاغلها وما تحويه من بؤسٍ مُقيم هي مُملة ومتعبة.

   وقال حسن: "بالأمس كدتُ أفقدُ حياتي، إذْ مرت رصاصة أمام أذني! فلو أصابتني لكنتُ الآن في عالمٍ آخر".

   وراح كل منهم يشكو أيامه، وينحي باللوم على دنياه وما تزخر به من شقاء وتعاسة... فليس فيهم إلا كل شاك وباك، وليس من أحد سعيد!...

   وقال يوسف: "كلكم تشكون ما أصابتكم به الأيام من شرور وويلات..." وأكمل قائلاً: "وحقيقة الأمر ليس في دنيانا ما يُبهج ويدع المرءَ محبورًا.

   فعندما توفي الاسكندر الكبير فُتِحتْ وصيتهُ، فإذا فيها هذه الجملة القصيرة العظيمة المغزى:" أطلب أن لا يسير في جنازتي إلا كل مسرور ومبتهج (الاسكندر)". وفهم الجميع أن الاسكندر ترك هذه الوصية ليخفف وقع موته على والدته؛ إذ من المؤكد أنه لا وجود لأي شخص لم ينكبه الدهر بحادث ما".

   وكثرت الشكاوى من جميع الحضور، وتعال تذمرهم من مرارة الحياة. كما تمنى بعضهم لو لم ير نور الحياة.

وإذا بزهرة من زهرات الأصيص تقول للزهرة ربيبتها:

   "تحمد الله على أننا خلقنا أزهارًا جميلة ندية، فليس لنا ما نشكوه. وليس من مُنغصات تقضُّ علينا مضجعنا. فما يكاد ماؤنا يجفّ حتى يسرعوا ويمدونا بالماء. وكل من يُشاهدنا يُبدي كلمات الإطراء والإعجاب لجمالنا.

   وعلينا أن نرفع صلاتنا لخالقنا ونرجوه أن يسمح لنا فنعود نتقمص أزهارًا فاتنة جميلة ونضمخ الأرجاء بعبقنا المحيي لكل من يتنسمه".

   واقتربت صباح من الأصيص، واقتطفت الزهرة المتكلِّمة، وشبكتها بصدرها. وإذا بزينا تدعو ضيوفها لتناول طعام العشاء.

   وعندما ابتعدت صباح جعلت زهرةُ الأصيص تنادي شقيقتها وتودعها بلوعة وحزنٍ بالغ.

   واستمدت الزهرة قوة من ضعفها، وقفزت من صدر صباح، فسقطت أرضًا تريد العودة لأصيصها، ولكن أقدام الذاهبين لتناول العشاء سحقتها.

وهكذا كانت نهايتها.

             بيروت، الساعة الرابعة والنصف من مساء أول نيسان 1979

 

عيدُ ليلى

كانتِ الأزهار المختلفة الألوان تزين المرج الضاحك،

فتزيده جمالاً على جمال، وفتنةٌ على فتنة، وروعةً على روعة،

فأنت ترى بساطًا على امتداد البصر،

تُنمِّقه شقائقُ النعمان والبابونيا والورود البرية

وقرنفل الغاب الفاتن والأقحوان بفمهِ الأصفر وأوراقه البيضاء!

وكانت الزنابقُ تنتصب بفتنة عجيبة،

وهي تتيه بين أشقائها وشقيقاتها، من مختلف أنواع الأزهار

العجيبة بألوانها القوس قُزحية،

وعلى وجه البحيرة المُذهلةِ انتشرت أزهار النيلوفار،

هذه الأزهارُ التي اتخذها آلهة الهنود لهم شعارًا مقدّسًا،

واختبأ البنفسج الحييّ بين تضاعيف الصخور،

وكان يمتِّع نظره بالبساط السندسي العجيب.

وأعلنت وردةٌ جورية على الأزهار الربيعية نبأ عيد ليلى،

فقالت: أيتها الأزهار الفاتنة،

إن ليلى قد وُلدتْ بتاريخ 11 شباط 1950،

إذًا لقد أصبحَ عمرُ مليكتنا الدعجاء 29 عامًا،

فافرحوا وابتهجوا بهذه المناسبة السعيدة.

وسُمع صوت زهرة شقائق النعمان، فقالت:

إن حمرتي الشهية مستمدة من حمرة شفتي ليلى الحبيبة.

وقال القرنفل: ما جمالي إلا صورة عن جمال ليلى.

وصفقت الأزهار واهتزت بخيلاء بعدما داعبها نسيمُ هفهاف.

وانبرى الأقحوان فقال: أما بياض أوراقي فمستعار من جيد ليلى الصناع.

وأعلن الزنبق أن امتشاقه صورة مصغرة عن قامة ليلى الهيفاء،

فقوامها المُغري يهزأ بالخيزران.

وتكلم البنفسجُ بصوتٍ خافتٍ يكسوه الحياء فقال:

أما تواضعي فهو مُستعار من تواضع ليلى حبيبة الأزهار.

وصاح الجلنار قائلاً:

إن حب ليلى لي يتفوق على حبها لمعشر الأزهار،

فقد امتلكت كوزين فاتنين من أثماري،

وهي تحرص عليهما حرصها على حياتها،

فأصبحا جزءًا منها لا يتجزأ.

ومن البحيرة سمع صوت النيلوفار العجيب المفاتن فقال:

إنني أقدم نفسي لليلى، هذه الغادة الفريدة المفاتن،

فليتها تزين بي شعرها العجيب،

إذًا لكنت أحظى بالنعيم الذي أنشده؛

إنني أنتشر في المعابد الهندية،

ففشنو الجاثم في معبده المُقدس بكلكتا

يقبض بيده الإلهية على زهرة من زهراتي البديعة،

وكذلك بقية الآلهة في مختلف المعابد المُشادة في الهند

تُنثرُ أمامَها زهرتي المُقدسة.

فليت أمنيتي تتحقق، فتُبتُ ليلى الفاتنة زهرةً من أزهاري،

غارسة إياها بشعرها ليزداد جمالي جمالاً.

وضحكت ليلى، وبغنجٍ ودلال،

أخذت بأناملها الغضة زهرة النيلوفار،

ورشقتها بشعرها، فصفقت الأزهار بمختلف أنواعها،

ووقفت العنادل على أغصان الدوح،

فغردت أغاريد البهجة المنشِية،

مشاركةً الورود المخملية والنراجس البرية والأزهار السحرية

بعيد مولد ليلى.

وطرب زهر الخزامى،

ورقص مع أترابه من أزاهير الغاب السحري.

فَثملت ليلى وشعرت بسعادة فائقة،

وشكرت الجميع على حفاوتهم وسرورهم بمولدها.

                                        الساعة الواحدة بعد الظهر

                                        12/2/1979

آمالنا أوهام

حذار ثم حذار

الساعة الآن التاسعة والثلث،

وأنا جالس بجناحي في فندق بيفرلي هلز، بضاحية بيفرلي هلز، في أميركا، أفكر بهذه المدينة التي وصلت إليها ليل أمس،

وأفكر بما مثّل فيها من أفراح و أتراح،

أفراح السخفاء من أبناء البشر الغارقين بالأضاليل والتوافه.

فعندما يغرقون أنفسهم بالملذات القذرة،

يظنُّون أن أفراحهم قد بلغت غايتها،

وحقيقة الأمر أنهم يكونون غارقين حتى أعناقهم بمباذل

سوف تكون عاقبتها وخيمة عليهم.

إن هذه المدينة حافلة بضروب الملاهي المتعدِّدة؛

ومن لم يكن مثقلاً بالدولارات، فلا نصيب له فيها.

فالدولار أصبح رباً ومعبوداً، فهو السيّد المُطاع دون سواه،

وقد غرق الجميع،من قمة رؤوسهم حتى أخامصهم،

بالتهتُّك والموبقات الدنيئة،

فهم قد مزَّقوا برقع الحياة عن وجوههم،

وخاضوا في لجَّج المباهج الزائلة والبهارج الفانية،

مُتناسين زلزال عام 1906، يوم 18 نيسان منه،

ذلك الزلزال الذي دمّر مدينة سان فرنسيسكو.

وما يدريهم أن الكرّة ستُعاد عليهم، إن لم يرعووا عن غيّهم،

ويندموا على تهتُّكم المُعيب،

واندفاعهم في ارتكاب ملذات حقيرة

لن تكسبهم سوى الموت والعار.

فالحكيم الحكيم من اعتبر واتعظ،

فيعود ويتمسك بالفضيلة

لأن الفضيلة هي الخالدة،

والرذيلة لن يكتب لها إلا الفشل التامّ.

إن الحرب النووية على وشك الإندلاع.

وإذ ذاك ستدكّ الأرض دكاً وستدمر تدميراً تاماً،

فيفنى أبناء آدم!

ومن كان متمسِّكاً منهم بالفضيلة، ولم تغرّه الشهوات الساقطة،

فإنه يجد عالماً سعيداً، وفردوساً مُذهلاً بفتنته، وأبدياً بسعادته،

ينتظره ليخلد فيه مُتنعماً بمباهجه الإلهية اللانهائية.

وبعكسه، من ارتكب الموبقات الآثمة، وغرق في لجج الآفات المُدنسة فإنه يلقى عذاباً رهيباً وشقاء سرمدياً،

فحذار، ثمَّ حذار، ثمَّ حذار.

                           ضاحية بيفرلي هلز

                           الساعة التاسعة والثلث صباحاً

                           تاريخ 19/1/1977

عنكبوت النسيان

وينسج عنكبوت النسيان خيوطه المُحكمة،

وإذا بالحزنِ العميق الذي حطّ علينا بكلكله،

بعد فقدنا لأحب حبيب لدينا، وقد تناسيناه،

أصبح ذكرى تمرّ بخواطرنا في مناسباتٍ خاصة.

إن الإنسان مشتقٌ من النسيان.

فالأعوام الزاحفة تطوي أهمّ أحداثنا المأساوية؛

وسواء أكانت تلك الاحداث الهامة

مُفرحة أو مؤسية، فإن الزمان يبتلعها بطياته؛

فالزمان كالمُخدر يسيطر على شعورنا،

فإذا بنا وقد نسينا الماضي بأفراحه وأتراحه،

ولا نعيش إلا بحاضرنا الذي نسير في دروبه المُتشعبة.

فكم من صديق حقيقيّ غيبته القبور بظلماتها المُدلهمَّة؛

وساعة انطلاقه إلى عالم الغيب، كان وقع ذلك الغياب رهيباً.

وبانطواء الأيام خفّت وطأة الأحزان وتلاشت أثقال الأشجان.

وبفناء الليالي فناء لوجودي.

إذ لماذا التشبث بتوافه هذه الدنيا التعيسة؟

ولم التكالب على بهارج دنيانا وزبارجها الزائلة؟

وعندما أفكر بأمجادِ سليمان الحكيم،

وبثروته الطائلة الخيالية، وبهيكله الشامخ الذّرى،

وقد دكّت أركانه،واضمحلّ بنيانه، وتفكَّكت عرى أوصاله،

إذ ذاك يتملَّكني العجب العجاب،

وأذهل من عدم اعتبارنا لهذه الحقيقة الصادعة،

حقيقة أباطيل العالم وفنائه الذي لا بد منه.

أوليس الملك سليمان الحكيم نفسه من قال بأمثاله:

"باطل الأباطيل وقبض الريح".

فإذا كانت الأرض، بكل ما تحويه، مآلها إلى الزوال والفناء السرمدي، فلماذا، لماذا لا نتجه نحو القوّة الموجدة،

نحو المكوّن الإلهي السامي،

نحو خالقنا من العدم إلى الوجود،

نحو الله الذي هو الألف والياء،

إذ هو البداية وهو النهاية؟

ولماذا لا نطلّق الأطماع التي تقودنا إلى الهاوية السحيقة الأغوار؟

ولماذا لا نتمسك بالفضيلة نابذين الرذيلة؟

ولماذا لا نسير في طريق الهداية والحق والصراط المستقيم؟

حتى إذا دعانا داعي الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه،

نكون ساعتذاك مُتأهبين لمرافقته والإنطلاق معه

إلى كوكب دريّ يتوهج بأنواره الإلهية.

وهناك نكافأ على استقامتنا فنُعطى فردوساً داني القطوف،

أيامه أعياد وأسابيعه بهجات أعوامه مسرَّات،

لا يمكن لقلم بشري أن يصف مقدار سعادته اللانهائية.

وهناك نجتمع مع أحبائنا وأعزائنا ونسبح الله،

ونمجّد قدرته الإلهيِّة، ونحيا إلى ما لا نهاية بسعادة

تقصر الأقلام عن وصفها لعظمتها وروعتها!

فتعال، تعال أيها الموت الحبيب واحملني بعيداً

عن عالم الأرض الشقي بأتعابه الرهيبة،

ودعني أجوس معك جنة الخلد، فتهنأ روحي،

وتبتهج نفسي في ذلك الملإ العلويّ.

                           في السيارة الذاهبة إلى نيويورك

                     الساعة العاشرة إلا ثلثاً من صباح 16/2/1977

الديانة الداهشية

وجهك أروع من وجوه فتيات الفراديس وقيان جنَّات الخلد!

وعيناك درتان تتوهجان، فتبهران الأنظار بتألقهما العجيب!

وجبينك جنة عدن حيث رتع آدم وحواء!

وشعرك كأغصان الصفصاف،

يداعب النسيم العليل البليل أفنانها المتهدِّلة!

وفمك الأحوى كخاتم النبي سليمان

أبصم عليه قبلتي المُلتهبة بحبّك!

وشفتاك وردتان نادرتان: قرمزيّة وجوريّة!

وأذناك يا لروعتهما! ما أشد فتنتهما!

فالأذن اليمنى جوهرة كوهي نور الشهيرة،

واليسرى ماسة التيجان المتألقة بأنوارها الساطعة!

وعنقك برج بابل المُتشامخ بعنفوان!

وذراعاك أشبههما بالصليب المُقدَّس

الذي سمّر عليه سيّد المجد!

وأنفك دقيق، ومبسمك رقيق!

وأسنانك لآلى تتوهج، وماسات تتألق بأشعتها العجيبة!

فيتكسّر النور على النور.

وساقاك عاج نفيس يتمناه أباطرة أثيوبيا!

وقوامك جبل هملايا الشامخ الذرى،البعيد المنال!

وهامك جبل كلمنجارو الأفريقي المتسامق نحو بروج السماء!

إن فتنتك العجيبة أيقظت جبل جلعاد الهاجع بطمأنينة،

فراح يلتهم محاسنك الخلابة بناظريه الخفيين.

وصدرك العجيب،صدرك الفردوسي البهجات،

إن هو إلا حديقة البارناس المترنحة بلذاذاتها الخالدة!

ونهداك يمامتان وديعتان أفتديتهما بنفسي وروحي وقلبي وحسي.

إن صنين خشع لجمالك المُذهل،

وأرز لبنان أنشدك نشيد حبّه السامي،

وبلابل الغياض غرَّدت لفتنتك الفينوسية،

وشحارير الأرباض رنَّمت بترانيم الفرح لفتوتك،

وصحراء سيناء أنشدتك ترانيم بني إسرائيل،

عندما تاهوا بفيافيها أربعين عاماً كاملاً،

وصهيون مهبط الوحيّ والتجلِّي الإلهيّ

انحنى إجلالاً لروعة مفاتنك؛

وهيكل سليمان بارك البطن الذي حملك،

وأهرام مصر العظيمة تحدثت بعذوبتك،

وأبو الهول الصامت نطق عند رؤيتك،

وجبل الطور سجد لأنوثتك،

ولم يسبق له السجود إلا لخالقه ومكونه.

فكيف بي لا أنتشي و ترتعش روحي عند مشاهدتك؟!

فأنت بأبي وأمي يا من تدلَّهتُ بغرامها المشبوب،

فأنت أروع أحلامي وأبهى تصوراتي!

وستبقين مثلي الأعلى حتى يوم مماتي.

                           الولايات المتحدة الأميركية

                           الساعة 11 ونصف ليلاً

                           تاريخ 3/3/1977

وتفجَّرت دنيا نا

زأر الصاروخ النوويّ فاذا بالرعبِ سائد

رُدِّمَت دنيانا, وأندثرت شوامخها, وكلُّ شيءٍ فيها أصبح بائد

والبرايا صعدت أرواحهم تشكو لخالفها تلك الأهوال والشدائد

مدنيَّة الأجيال تهدَّمت, وتقوَّضت, ولم يعد فيها ذاهبٌ وعائد

كلُّ ذي نسمة صمت أيدياَّ, فلم يعد في الدنيا شاتم أو حامد

تفجَّرت الأرض, وأبتلعت قاطنيها من كلَّ شابٍ وشيخٍ وناهد

سكون القبور خيَّم عليها , اذ فُنيت ولم يبق عليها أيّ رائد

أطماع دنيا فجَّرتها, فكَّكتها,

فاذاها كالعهن تلاشت, ذابت, لأجل المكائد

كلّ بنيها جوزوا, فليس فيهم من يضارع قدِّيس الهند غاندي المُجاهد

بلابل الروضِ أندثرت, وغنيت أغاريدها, والله شاهد

فزلزلت دنيانا, وتفكَّكت أُسُسها , اذ عصفت بها الرواعد

هي استحقاقاتٌ انتقضَّت على أهل الأرض

فاذاهم مفكّكو الأرجل والسواعد

وفغر الجحيم فاه وابتلعهم فهلعوا واذا كلٌّ منهم مذعور, قائمٌ وقاعد!!

في السيارة الذاهبة الى نيويورك

الساعة 10 وربع صباحاً تاريخ 14\2\1977

تراب وسراب

الأرض ستُدمَّر

ما شاهدته ليل الأمس لا يُصدَّق!

ما شاهدته في حندُسِ الليل هو رهيبٌ كلَّ الرهبة!

ما شاهدته يدلُّ على انحطاط الجنس البشري.

انَّه أول الويلات التي ستُحيق بالأرض دونما ريب.

انَّ الفحشاء التي مثَّلت بأرقى مُدن الأرض لا تصدّق وقائعها.

انَّ الدعارة التي حبَّذها المُشاهدون تدل على تدهور الأخلاق نهائياً.

انَّ الفسق الذي تسمح به الدولة يدلُّ على الرعب المزلزل.

انَّ الأخلاق ديست تحت سنابك الدعارة الوقحة.

مشاهد يخجل القلم أن يدوّنها لأنها لوثة العار وعنوان الشنّار.

رجالٌ ونساء – نعم ونساء- كانوا يشاهدون الدعارة بأعينهم.

ثمَّ يصفِّقون لما يشاهدونه من أثمِ بأيديهم!

لا كنت أيَّتها المدنيَّة المُلطَّخة بأنتن الأقذار,

كيف تسمح الحكومة بمثل هذه اللوثات الفاضحة؟!

ألا يوجد رجال فضيلة ونساء قيم أخلاقيَّة في البلاد؟!

كيف يسمح الأخ لأخته أن تحضر موكب الفسق؟!

وكيف يسمح الزوج لزوجته أن تذهب لدار الفجور؟!

انَّ الجبال ستتفكك أوصالها !

والآرض ستُفكُّ من عُقالها !

وستعصف بدنيانا صواعق الغضب الألهيّ المُبيد.

اذ ستنطلق القنابل الذريَّة فتُباد كلُّ ذريّة,

لأنَّ صبر اللّه طويل... ولكن غضبه الهائل سبنصبُّ علينا.

فزلزلي أيَّتها الأرض زلزالك,

وأخرجي أيَّتها الصخور أثقالك,

فدنيانا أصبحت بحاجة ماسّة لأن تُدمَّر تدميراً نهائياً.

فمدينتا سدوم وعامورة اللتان أمطرهما الله ناراً وكبريتاً,

ومحاهما من عالم الوجود لفسقهما ودعارتهما

لا تُذكر مخازيهما

اذا قيست بما يجري اليوم في أرقى عواصم الدنيا.

فألهم يا الهي, ألهم يا خالقي ويا موجدي

المسؤولين في أمريكا وروسيا

أن يطلقوا القنابل الذريَّة من عقالها,

فتتفكَّك ذرَّات دنيانا وتُباد فنُباد,

عقاباً لِما يجري من دعارة مُرعبة لم تشاهد البشريَّة نظيرها

منذ خلقتها يا ربَّ العالمين.

وبعد فناء أرضنا وما كانت تضمَّه في ربوعها من البشر,

ضعهم في جهنَّمك المتأجِّجة بنيرانها الخالدة , يا الله,

جزاءً وفاقاً لِما ارتكبوه من فسقٍ مُعيب,

فيعرف الجميع اذ ذاك أنَّ الجزاء من نوع العمل,

ويُخلَّدون حينئذٍ في جحيمهم الأبديّ,

تمزِّقهم كلاليب الشياطين,

وتشطرهم سيوف الأبالسة,

ويُسقون الحنظل, ويُطعمون الزقّوم,

ويُحرمون من النوم,

ويغوصون في أوقيونسات القلق الأيديّ,

ويُهيمن عليهم الخوف المُرعب,

ويقطن في قلوبهم الجزع المروّع,

وهم في أهوالِ مخاوفهم خالدون.

ستوكهولم- أسوج في 20-6-1972

الساعة السابعة والثلث صباحاً.

 

الوردة الجوريَّة

أيَّتها الوردة العجيبة! انَّ وجهك الضاحك هو الجمال المتجسّد,

وعبيرك الناعم المنعش هو روحك الشفافة,

ولغتك يا وردتي الجوريَّة هي الشعر المنمَّق,

انَّ يد اللّه هي التي كوَّنت رداءك السماويَّ !

والنسيم الشفَّاف يطربه قربك,

لهذا ترينه ـبداً يترنَّح امام معبد جمالك المُذهل للعقول,

والشمس تبتهج عندما تراك أبداً تبسمين لها,

فتحيِّيك بدورها اذ تغمرك بأنوارها الألهيَّة المُحيية,

وعندما تتفتَّح براعمك الدقيقة, يغمرك فرحٌ عجيب,

للمشاهد التي كوَّنتها يدُ المُبدع المُهيمن.

فيا مليكة الأزهار,

أنت فينوس المروج,

وحبيبة الشموس,

بل عشيقة الأقمار,

أنتِ تشمخين غلى غصنكِ الأملود بجمالٍ فائق

وافتخارِ من ظفر بالأنتصار.

لقد خلقتِ وردةً بهيَّة, ولكن واأسفاه!

سريعاً ما يطالكِ الموت يا مليكة الرياحين.

وأذْ ّاكَ تحزن المروج لفراقك.

وتنوح الحدائق لبُعدك المُرجَّى,

وتندِبُ شقائق النعمان عيابك المُحزن,

وتغرِّدُ الأطيار أغاريد الحُزنِ لفراقك المُشجي,

وأوراقك الخضراء الغضَّة تتطاير مُتناثرة,

موغلةً بعيداً بعيداً مع الرياح الغضوب,

وأريجك العجيب, وعبيرك الغريب يتضوَّع في الأرجاء الفسيحة.

وهكذا تتجسَّدين في عالمٍ آخر وردةً سماويَّة.

تغرسها فينوس على شعرها الألهيّ العجيب,

كرمزٍ لها يُمثّل الجمال الخالد,

فيا وردتي ذات الفتنة الفردوسيَّة!

أسكبي عليَّ عبيرك لأتنسَّم منه رائحة جنَّات الخلد

المترعة باللذاذات اللانهائيَّة.

حدِّثيني عن عالمك الموشَّى بالأزهار العجيبة

حدِّثيني عن الحيِّ الألهيّ,

حدِّثيني عن الكواكب والسُّدم والمجرَّات,

حدِّثيني عن الجمال والفتنة والروعة,

حدِّثيني عن عالمك السحريّ الذي لا يبلغ اليهِ

الاَّ كلُّ من صفت نفسه وسمت روحه,

وعرف معنى الجمال الخلاَّب والفتنة التي تضلُّ فيها العقول

حدِّثيني , حدِّثيني يا وردتي العجيبة

حدِّثيني يا ربَّة شعري حدِّثيني !

الدكتور داهش

 

المال والله

عندما صمَّمت أن أقوم برحلةٍ حول العالم، ذهبت إلى شركة الطيران وقلت لها:

-إذا منحتني تذكرة سفر مجانية فإن الله سيزيد دخل الشركة.فنظر إليّ المدير نظرة تهكّمية،وقال لي:

- ليس عندنا وقت نضيّعه، فادفع تجد دفتراً يخوّلك القيام برحلةٍ ترى فيها الكرة الأرضية بأسرها.

واضطررت أن أدفع،لأن اسم الله لم يكن جوازاً صالحاً لمنحي دفتراً مجانياً. وكانت أول مدينة نزلت فيها روما.

وعندما غادرت فندق الهلتون الذي نزلته عند وصولي إلى روما، قلت للمسؤول:

-إن الله سيعوّضكم أضعافاً إذا لم تتقاضوا مني أجرة منامي. فقال لي:

-الوقت لا يسمح لي بمبادلتك المُزاح، فادفعْ وارحلْ.

فدفعت صاغراً ثم رحلت.

وفي مدينة نابولي ابتعت سلعة من متجرٍ كبير، وقلت لمن باعنيها:

-أنا مؤمن بالله فلا تأخذ ثمنها منّي.

أجابني:

-آمن بالله أو بالشيطان، فهذا أمر يخصك.أما ثمن السلعة فيخصني.

فدفعت الثمن و خرجت.

وفي باريس أعجبت بلوحة زيتية، وقلت لصاحب المتجر:

-حلمت أن الله قال لي أن لا أدفع لك ثمنها، إذ يجب أن تهبني إيّاها مجاناً، فيكافئك الله على عملك.

فأجابني:

-انا لا يهمني ما قاله الله لك, وما يهمني هو قبض ثمن لوحتي.أما مكافأته لي فأنا بغنى عنها لأنها وهمية وسفسطة كلامية.

فأجبرت على ان أدفع له وأهرول خارجاً.

وفي بلجيكا استبد بي العطش الشديد، فشربت زجاجة من عصير البرتقال، وقلت لصاحبة متجر المبردات:

-         لقد نسيت محفظتي في الفندق فسامحيني بالزجاجة التي شربتها بوجه الله.

فاستشاطت غضباً وقالت :

-لن تغادر مكانك قبل أن تدفع ثمن ما شربته.

أما وجه الله فدعه لك لترى وجهك فيه كالمرآة.أما أنا فدعني أشاهد وجه الفرنك، فهو انفع لي من وجه إلهك المزيّف.

وفي أمستردام - هولندا- تناولت طعام الصباح بأحد مطاعم المدينة.

وعندما نهضت لأخرج مثلت دوراً، إذ جعلت أبحث في جيوبي ثم أخرجها فارغة.

وقلت لمن أحضر لي الطعام:- لقد فقدت محفظتي،فتأكيداً لوصية السيد المسيح الذي قال"إن جاء عدوّك فأطعمه، وإن عطش فأسقيه"، وأنا لست عدواً لك: وأنت تدين بدين المسيح، فتنفيذاً لوصيته تجاوز عن ثمن الغذاء.

فأجابني:

-         ولكنك ستجد محفظة نقودك في السجن.

فقلت له:

-         هل هذا هو تكريمك لكلام مسيحك؟

أجابني:

-         أنا أكرّم الدينار لا المسيح، وجميع أبناء البشر مثلي، فنحن متساوون.

وفي ديسلدورف- ألمانيا- لم أجد مكاناً في أي فندق ذهبت إليه لأن معرض المطابع الدولي كان معقوداً آنذاك . وقد وجد لي مكتب الإستعلامات مكاناً أنزل فيه عند عائلة.

فمكثت عندهم ثلاثة أيام. وعند انقضائها قلت لرب المنزل:

-   إن الله أمر بإكرام الغريب.فتنفيذاً لوصيته الإلهية، وتكريماً لأقواله السرمديَّة، أطلب أن تعفيني من أجرة الغرفة، وعند عودتي إلى بلادي أسدّد لك الحساب.

وإذ ذاك احمرّت عيناه وانتفخت أوداجه، وكاد أن يلقيني من النافذة. وقال لي:

-   حقائبك عندي حتى تدفع لي إستحقاقي. أما خرافة الله فنحن اليوم في القرن العشرين. وكلامك كان يصدق في العصور المُظلمة لا اليوم. إذ إننا نعيش في عصر العلم، عصر النور والمعرفة.

وفي كوبنهاكن – الدانمارك - قصصت شعري و قلت للمزيّن:

- ما هي ديانتك ؟ أجابني:

- مسيحي.

قلت له :

-   المسيح قال"من أخذ رداءك فأعطه أيضاً قبعتك".لهذا أطلب منك أن لا تأخذ ثمن إصلاحك لشعري.

أجابني:

-         أنت ومسيحك أغربا عني، بعد أن تريني وجه الكرنات العشرين أجرة عملي.

وفي هلسنكي – فنلندا- ركبت الباخرة النهرية، وقمت فيها مع سواي من السيَّاح بنزهةٍ حول الجزر الفنلندية. وقبل أن أدخل الباخرة قلت لقاطع التذاكر أن يعفيني من دفع ثمن التذكرة لأن الله يحب عمل الخير. فقال لي:

-         نحن الغربيين عمليون. أما أنتم الشرقيون فخياليون فادفع أو دع الله يدفع عنك.

وفي ستوكهولم بآسوج أحببت أن أقوم برحلةٍ في أوتوبيس مع غيري من السياح إلى الكرة الآسوجية.

وقلت للشركة المُولجة بإعطاء التذاكر أن تهبني تذكرة مجانية تخوّلني القيام بهذه الرحلة.وأكملت - أن الله لا يضيّع أجر المُحسنين.

فأجابني المسؤول:

-أنا لا أؤمن بالله أو بالشيطان، فكلاهما عندي سيّان. فإذا كنت مؤمناً بأحدهما فدعه يعطيك تذكرة الرحلة، وإلاّ فدعنا نرى عرض أكتافك.

وعند ذاك نقدته ثمن التذكرة.فابتسم وقال لي:

-هذا هو الله الذي يعرفه أهل هذا العصر،أما الله الذي تعنيه فقد دفنه العلم ولن تقوم له بعد اليوم قائمة.

وبعد غد سأذهب إلى أوسلو بالنروج، ثم اغادرها بعد أيام إلى لندن، ثم إلى النمسا، وأخيراً إلى اليونان.

ولكنّي لن أجرّب ما جرّبته في العواصم التي ذكرتها لأن الأجوبة ستكون واحدة.

فيا أيها الدينار،

يا صاحب المجد والقوة والإقتدار،

يا صاحب المقدرة الفذّة العجيبة،

يا من يحبك جميع سكان الكرة الأرضية.

لقد تفوقت على الخالق تجاه الخلائق.

فالخالق قد خلقك فتعاظمت عليه...ونجحت.

وهنا أعجوبة الكون الكبرى.

أمخلوق ويتفوق على الخالق فيتمسك به الجميع، ويطلبه الجميع، ويتوسّل إليه الجميع، ويعبدونه دون الله؟!

والشعوب تراها تزحف حيث يكون ،ضارعة إليه أن يزورها لتتبارك به، وملوك الأرض يطلبونه بشوقٍ عظيم!

وحكَّام المعمورة يلجّون في طلبه، ودكتاتورو دنيانا يقلبون الأرض ويقبّلونها في سبيل الحصول عليه!

وغيد هذه الدنيا وصباياها، وأجمل الجميلات فيها يبذلن ما حباهنّ الله به من جمالٍ في سبيلِ الحصول على بعضه!

فالخالق فشل من حيث انتصرت أنت!

أتوجد قوة تعلو على قوةِ هذا الدينار الجالس على عرش القوة والإقتدار.

إن الله أصبح عند البشر مجهولاً، والدينار أصبح هو المعروف والمُعترف به.

إن هذا إلا لغز عجيب غريب لا يستطيع أي مخلوق بشريّ أن يفكَ طلاسمه ويرفع الأختام عن رموزه ليهتك أسراره.

إنَّ مُخترعك أيها النضار إن هو إلا الشيطان الرجيم بعينه. لقد أوجدك ليوجد الشر في الدنيا.

أوجدك لتعم الخطايا، وتعظم الرزايا، وتطغى البلايا.

أوجدك كسلاحٍ يحارب به الله عز و جل، وقد نجح هذا الشيطان الأثيم.

فالبشر قد عبدوا النضار، وتخلّوا عن الله خالق الليل والنهار.

أوجدك ليوجد الشقاق، وليعمّ الكذب ويعظم النفاق.

أوجدك ليضمّ كل أهل الكرة الأرضية إلى جهنمه المتَّقدة بالنيران ذات التأجّج الأبديّ.

فيا الله!يا خالق الاكوان، وموجد العوالم المعروفة والمجهولة!

أما آن لقدرتك الإلهيَّة أن تبطشَ بهذا المال الأثيم؟

فببطشك به تكون قد بطشت بإبليس اللعين.

إن صبرك، يا الله، هو عظيم وعظيم جداً.

فعندما ترغب إرادتك الإلهيَّة أن تُنهي سلطة المال في أرضنا الشقية بوجوده، إذ ذاك يعمّ الصلاح أهل الأرض.

وعوض أن يضمهم إبليس إلى مملكته الجهنمية المتأجِّجة بالنيران الخالدة الأبديَّة، تستضيفهم السماء في جنَّاتها العجيبة ذات البهجات السرمديَّة.

                           مدينة أوبالا الأسوجية،في 18/6/1972

الساعة الثانية بعد الظهر

أفراح وأتراح

أفراح وأتراح

سكنتْ حركته,

وأطبقَ جناحيه

بعد أن ضمَّ رجليه ويديه,

واستحالت حركته الفتَّانة الى صمتٍ أخرس عميقٍ كلَّ العمق,

وجَثَم جثمته الأبديَّة بدعَةٍ وصمتٍ حزين,

واستحال اخضرار جناحيه الى اغبرار الموت الذي لا يرحم,

لقد مات الجيز اللطيف التكوين بعد نزاعٍ مؤلم,

لقد انطلقت روحه بعد ساعات احتضارٍ طويلة.

وكان المه المجسَّم يبدو بالحركات البطيئة التي يبديها في يديه النحيلتين,

وبزعنفتيه الدقيقتين المهتزَّتين بين الفينة والفينة.

وفي خلال احتضاره حاول ان ينهض أكثر من مرَّة,

ولكنه كان يهوي دون بلوغ أمنيته المستحيلة.

رشَشته بالماء فما أجداه نفعاً.

ونفختُ عليه برقَّةٍ علّي أبعث فيه الحياة,

فكنتُ كالنافخ بالرماد.

أمسكته بلطفٍ ورقَّة وجعلته ضمن وردةٍ قانية اللون,

علَّ أريجها يُحييه, ولكن عبثاً كانت محاولاتي المُضحكة.

وما بلغت الساعة الواحدة بعد الظهر.

حتى انتهى أمره وتبدَّدَ عمره,

فحملته بخشوعٍ وورعٍ, ووضعته ضمن علبةٍ معدنيةٍ,

وأغلقتها عليه فحنتْ عليه وحنَّتْ اليه.

انَها مثواه الأخير ورمسه البارد المُظلم .

وأنا, أنا البشريّ المسكين,

أتمنَّى على الله العليِّ العظيم

أن يرسل لي في يومي الأخير

يداً رفيقةً رقيقة

تغمضُ عينيَّ المتعبتين من أتراح دنيا الفساد والشقاء,

وتضعني في نعشي, ثمَّ تذرف عليَّ دمعةً صادقةً,

لتعود هذه اليد فتواريني في الجدث البارد المنسي!,

وهناك أمكثُ مضطجعاً ضجعتي المؤسية الأخيرة

حتى أبد الآبدين.

بيروت, تاريخ 4|6|1945

منزل محاسن وأميرة.

15-                                                                             عذراء ترثي عفافها وطهارتها

-   إنني أندبك أيها العفاف المثلوم بدموع عيني وبدماء قلبي الحزين . وأرثيك أيتها الطهارة الملوثة رثاء الثواكل اللواتي لا يتعزين .

وأبكيك أيها الشرف الرفيع الذي اقتحم أحطّ الكلاب رتاجة المنيع .

وأعول عليك أيتها العفة عويلاً منبعثاً من أعماق روحي النائحة .

وأنوح على فقدك أيها النقاء بعدما اعتدى الرعاع على قدسيتك .

إن التأوّهات الصارخة تمزّق أحشائي بعدما فقدت زهرة فخاري .

والآهات المزلزلة تحرمني لذّة الحياة وتحببني بالممات .

لقد اعتدى الذئب الشرس على النعجة المسالمة فافترسها . وقضقض الوحش عظامها الرخصة بجبروت الغيلان الممسوخة .

فإذا كان الفقر يدفع بالفقراء الشرفاء كفريسة سهلة للأغنياء الأدنياء فلماذا لا تقتصّ منهم يا ربّ السماء ولماذا لا تروّعهم ؟

إن عدالتك تأبى مثل هذا الظلم الصارخ صراخ الهول لفداحة الجريمة النكراء .

فالضعيف والفقير والمسكين والبائس واليائس والحزين ليس لهم من ملجأ إلاّك يا رافع السماوات وباسط الأرضين . فافتح ذراعيك القويين وضمهم إلى صدرك العطوف . فهم يلتجئون إليك في ساعة محنتهم السوداء ويضرعون أمام سدنك الربانية صباح مساء طالبين بخشوع وورع مبتهلين لربوبيتك الخالدة أن تنتقم ممن عبث بأمانتك المقدّسة التي وهبتهم أياها فاعتدى عليها السفّاحون الأجلاف القلوب .

إني أجثو تحت موطيء عشك طالبة أن تصبّ جام نقمتك على الذئب الذي افترس عفافي .

1945

                                   أغنية طاغور

عندما تطلبين إليّ أن أغنّي

يخيّل إليّ أن قلبي يكاد يثب لعظم الكبرياء

فأمعن النظر متملياً بأنوار وجهك المشرق

فتتساقط دموعي من فرط حبي لك

وتتحوّل قسوتي إلى عطف ولطف

فتذوب متحطمة أمام موطيء قدميك .

أما عشقي لك وعبادتي إليك

فينشران أجنحتهما كطير فتّان صادح

يسبح مع الرياح فوق البحار الفيروزية

شادياً أمتع أغانيه قائلاً :

-         يا مليكة روحي

أنا أعرف بأن غنائي يطربك

لهذا أرسل أناشيدي التي تعبّر عن آمالي

كي تلثم بأطراف أجنحتها الشفّافة قدميك

هاتين القدمين المعبودتين اللتين أقدسهما

وعندما أترنح من عذوبة الأغنية

أطيل النظر إلى عينيك الدعجاويين

وأنسى نفسي ...

وعندما أعود إلى عالم المادة

أناديك بشغف وشوق عميقين ، قائلاً :

-         أنت سيدتي ... بل أنت معبودتي !....

1945

التائه في بيداء الحياة

حقيقةٌ مُخيفة

أعوامٌ تتلوها أعوام,

وتقتربُ منيَّة الأنام.

فما يكاد المرء يفيح عينيه على هذه الفانية,

حتى تراه قد شبَّ عن الطوق وترعرع.

ثمَّ تدور الأيام دورتها , فاذا به شابٌ قويُّ العضلات.

ثمَّ تنقضي الأعوام, فاذا به كهلٌ وقد صقلته العوادي.

وبوتقته بآلامها الرهيبة.

ثمَّ يشيخ, وتذت ظهره قد تقوّس , وأضراسه قد تساقطت.

وشموخه قد تعفَّر, ويداه عرتهما رجفة الزحف للجدث,

وهمَّته قد تقاعستْ, وآماله قد ذوت, ورغباته قد تلاشتْ.

ثمَّ تفترسه شتى الأمراض والعِلل.

فيضيق به ذرعاً وأقرب المقرَّبين اليه,

ويتمنَّى كلٌّ منهم أنْ ينقضَّ عليه غرابُ الشؤم فيورده حتفه,

ويصدُق حدسهم اذ يهوي عليه منجل الموت,

فاذا هو بغمضة عين وقد طواه الردى,

ساخراً به وبآماله في أيَّام شبابه الراحلة.

وهكذا يتنفس ذووه الصعداء,

ويسرعون به الى حغرته الأخيرة,

ثمَّ يهيلون عليه التراب ويعودون الى منازلهم

ليُعيدوا تمثيل آثامهم ومهازلهم.

فواهاً ما أتعسَ حياة الأنسان المسكين,

وتُلحده الحفرة الرهيبة.

بيروت, منتصف الليل

تاريخ 2\1\1970

يا نفسي القلقة

يا نفسي القلقة !

أيَّتها النفس الحيرى!

يا من أثقلتك أوزار هذه الكرة الأرضيَّة!

يا من أرهقتكِ متاعب هذه الفانية!

أيَّتها السجينة في هذا الجسد الماديّ الحقير!

يا من تريدين الأتطلاق فتكبّلُك المادة بكبولهت الممقوتة!

أيَّتها التوَّاقة للأنعتاق, الراغبة بالتحليق نحو العلاء!

يا من تنشدين عالماً غير عالمك الماديّ هذا!

أيَّتها النفثة القدسيَّة والنغحة العلويَّة!

لقد حُكِمَ عليكِ أنْ تنزوي في جسدٍ ماديٍّ أرضي, لأمدٍ قصير,

ومن خلاله تنظرين – والألم يمعن فيكِ تعذيباً –

ما يُرتكب في هذا الكوكب من شرورٍ هائلة, وآثامٍ مُرعبة,

تشاهدينها فتتمنين لو لم تهبطي الى عالم الأضاليل المُدنّسة,

تحاولين هداية الناس , والناس قد اندمجوا بالشرور,

وتمنطقوا بالأثآم , ونطقوا بأفحش الكلام.

أفراد, أيَّتها النفس, يُعدَّون على الأصابع ,

فهموا الحقيقة , وتبعوها, ولكن بقدارٍ أيضاً.

وما دام الأنسان أيَّامه معدودة, ولياليه ستتصرَّم حبالها,

فلماذا لا يرتفع بروحه نحو الأعالي,

ليكافأ على أحتقاره مغريات الحياة, بفراديس عنَّاء.

تمضي آلاف من الأعوام وهو راتع بسعادة

لا يمكن لقلم بشريٍّ أنْ يصفها,

لعظيم ما تحتويه من لذاذاتٍ روحيَّة ومُتَعٍ الهيَّة.

ان جميع مُغريات هذه الحياة لا تستطيع ادخال الفرح الى نفسي,

أو تدعني أشعر بسعادةٍ وهميَّة,

سرعان ما يبترها سيف الموت الرهيف الرهيب.

ويوم تنطفىء شعلة حياتي ,

ويوم يدعوني اليه داعي الموت ويبسط ذراعيه ليضمَّني اليه,

ويوم تتوارى عن عينيَّ مرئيَّات هذه الأرض المُفعمة بالآثام الهائلة,

يومذاك أشعر بالسعادة الحقيقيَّة ,

وأتذوَّق لذَّة العوالم العلويَّة,

وأحيا هناك في تلك الربوع السحريَّة,

الحافلة بمُتع لم تشاهد مثلها العيون, أو تسمع بها الآذان!

يومذاك تكتمل أفراحي وتتمُّ مسرَّاتي الروحيَّة .

فمتى أنطلق من ربوع الأسر الى فضاء الحريَّة؟ متى ؟!

فندق شراتون بالكويت, والساعة 9:30 ليلاً . 27\6\1970

اليوم الأخير

أو الدينونة

يا يوم الرعبِ المُدمّر!

يا يوم الرهبوت الطاغي!

أيُّها اليوم القاصفة رعوده والمومضة بروقه!

أيُّها اليوم المُتفجِّرة براكيته بالويلات والمقوِّضة للمعمور!

أيُّها اليوم الثائرة زلازله, المُزمجرة ويلاتهّ

أيُّها اليوم الحافل بالويل الجبروتي المُرعب!

أيُّها اليوم العاصف بزمجرته الكونيَّة المُذهلة!

أيُّها اليوم الذي ستنقضُّ فيه صواعقك على كافة الأرجاء!

أيُّها اليوم الحالك السواد المُهيمن على الآباد!

أيُّها اليوم الدجوجيّ الظلمات الفاحم النظرات !

ستنطلق أفاعيك الرهيبة, يا يوم الدينونة,

لتنقضَّ على الأثمة والأفاكين !

وستميد الأرض تحت أقدام الحكَّام الظالمين!

وستردِّد البرايا بهلعٍ مُرعبٍ اسم ربِّ العالمين!

وستخرُّ الجبال المُشمخرة عند ذكر الباري الأمين!

وستطغى البحار وتغرق جميع المكرة والفجَّار!

وسختبىء الفسقة وهم يهرّون هرير الرعب في الأوجار!

ولكنَّ يد العدالة ستطالهم وتلقيهم بين أشداق النار!

والرعب سيطغى على الكرة الأرضيَّة وستهلع شراذم الفجَّار!

أمَّا من نفَّذ أقوال سيِّد الأطهار,

وجعل الفضيلة دستوراً له وخير مزار,

فانَّه سيرتقي يومذاك فردوس النعيم ويتنعَّم مع الأبرار .

فندق الكونتننتال بدُبي

3\7\1970 والساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً.

فقاقيع

خلوت إلى نفسي،واستعرضت أسماء بعض من يطلقون عليهم في عالمنا الفاني لقب (العظماء). فمن رعمسيس إلى نبوخذنصر، فنابليون بونابرت، إلى الإسكندر الكبير، فداريوس الفارسي، فتيطس، فأغسطس قيصر، فجنكيزخان، فتيمورلنك، فهولاكو، فهتلر، فموسيليني، فستالين، وغيرهم من كبار القادة والفاتحين...جميع هؤلاء مرُّوا في كرتنا الأرضية مرَّ السحاب العابر!

وأنا أشببهم بالفقاقيع التي تطفو إحداها على سطح الماء لفترة ثم يفجّرها الهواء فتتلاشى بلحظة عابرة...وهكذا بقية الفقاعات التي تتفجر وتتلاشى بعضها إثر بعض!

فلماذا لماذا حاول الإسكندر اغتصاب العالم، وما الفائدة التي كان يرجوها حتى لو استعمر الكرة الأرضية بأسرها؟! أوليست نهايته الموت، والموت نهاية كل حي؟!

وكذلك بقية زملائه الفاتحين!...

وماذا لو تملَّكوا الأرض وما فيها بمن فيها ما دام مصيرهم إلى فناء ووجودهم إلى زوال!

إن المادة قد أخفت الحقيقة عنهم، وأطماعهم كانت ستاراً حديدياً تحتجب الحقيقة وراء حديده الرهيب.

إن ذكرى هؤلاء الذين دوّن التاريخ أسماءهم كعظماء تضمحّل، وتتلاشى معها هذه العظمة الكاذبة فوراً،عندما يُذكر اسم المسيح أو محمد أو موسى أو بوذا،هؤلاء الأنبياء والهُداة مؤسسي الأديان، والمُبشرين بالإخوة الإنسانية.

فلا رصاص حاصد للأرواح، ولا مدافع تمزّق الأشلاء فيعلو النحيب ويتصاعد النواح، ولا طائرات حربية تذهب بالرجال إلى عالم الأشباح...بل حبٌّ شامل، وعطف كامل، وأيدٍ تصافح أيدياً بالأكفِ والأنامل.

الأنبياء فقط ليسوا بفقاقيع، فهم رُسل الله البصير السميع.

فذكرهم يملأ دنيانا ويُضفي عليها برداً وسلاماً.

هؤلاء هم العظماء ، وعظمتهم الروحيَّة خالدة خلود الأبد. إذاً فليصمت الفقاقيع بعدما تجندلوا وتجندلت معهم أطماعهم، فاندثرت عند ذاك أحلامهم. وإن خلَّدها لهم التاريخ فإنه تاريخ الإنسان المحدود التفكير.

وحيّا الله مؤسِّسي الأديان الذين يقودون الإنسان إلى الإيمان الذي سيدعه يرتع في جناتِ النعيم.

                                         جيبوتي 17/11/1970

                                         الساعة 12 ونصف بعد الظهر

أناشيد عابد

مخاوفٌ مُدلهمَّة

الساعاتُ تمرُّ, والوقتُ يفرُّ, وأنا, لستُ بمُستقرّ.

الأيَّام تتسرَّب, والأعوام تذوب, والعمر يفنى اذْ سيكتنفه غروب.

لقد كنتُ طفلاً يحبو, ثمَّ أصبحتُ يافعاً, ثمَّ شاباً,

وأخيراً, لفَّني الزمان, فاذا بي هَرِمٌ, تعبتُ من الحياة والحياة ملَّت منِّي.

فأسرع أيُّها القضاء واختطفني.

احملني وحلِّق بي نحو مدينة مجهولة,

مدينة لا تمتَّ لمُدن أرضنا بسبب.

ودعني أتجوَّل في منعطفاتها علِّي أكتشف سرَّاً خفياً

يُحبِّب لي وجودي, بعدما لعنته في أرضنا الشقيَّة.

تسرَّبي يا ساعات حياتي وتلاشي,

ففي تسرّبك انطفاء شعلة حياتي.

لقد أحاطت بي المخاوف,

ولازمتني الأهوال الجسام,

وقطنت في أعماقي الوساوس,

فبتُّ وكأنّي مخلوقٌ قادم من عالم, كلُّ ما فيه مُرعب!

أنَّ أشباح الظلام تعبثُ بي وتتلاشى طمأنينتي,

وتدعني أحيا في جحيمٍ تخافه حتى أبالسة الظلمات المُدلهمَّة.

فليت الذي وهبني الحياة يعود ويستردَّها منِّي ثانيةً.

ليطفأ قنديلي, وليسكب زيته كي لا يعود فيضيء.

فتجربة الحياة انَّما هي رعبٌ قاتل وهولٌ مُردِّم.

فاظهر أيُّها الموت, وتجلَّ لي, فانِّي لا أخافك.

انَّما يخافك كلُّ من يتشبَّث بهذه الحياة التافهة.

وما دمتُ قد خبرتها وتذوَّقتُ علقميَّة مرارتها,

لهذا أهيبُ بك أنْ تنهي وجودي,

اذ بمماتي تبدأُ ثانيةً حياتي.

كتبت في طائرة الجامبو الذاهبة من باريس الى نيويورك

تاريخ 10-3-1976, الساعة الخامسة و24 ذقيقة بعد الظهر.

الرسالة الداهشية تهاجر

بزغت مثلما تبزغ ذكاء، فإذا بصَرُ الشعوب إليها ران

وأشرقت، فإذا سناها يبهر الأنظار بلونه الأرجوانيّ

صرخت: إليّ يا شعوب الأرض اهرعوا، فالعمر فان

فكل من يستعبده جمالي،يحظى بسعادة وأمان

ومن يشح بوجهه عني فإنه يُستعبدُ للشيطان

أنا فِتنتي فيها عذابٌ، وعذابي يستحيل سعادة لخلاَّني

وانبرت تبدي محاسنها على الحشد، الصادق منهم وذوي الروغان

أنا أجمل نساء الأرض، قالتها بتصميم، فاستوعبتها كافة الآذان!

عجباً! أيتيه البدر على بدرٍ ساطع في السماءِ ثان؟!

ضحكت حسناؤها لِما حباها الله من حسنٍ فائقٍ نوراني

والطيور شدت طرباً لمرآها وهي تُداعب عقدها الجماني

شُدهت بها، وعصفت برأسي عذاب الأماني

وتلاعب بي الهواء، فأصبحت كريشة في مهبّ الطعان

لمست أناملها الغصة البضة، فابتسمت ،فإذاني غريق بحر ذي هيجان

هلعت عندما توارت بين ورد ونسرين وجلنار قان

تبعتها بتبتّل أريد عبادتها والعبادة وجدت فقط للرحمان

أنا ما كنت عاشقاً سواها، وبحبها لست بالمتواني

الخالق أضفى عليها بردة الحسن، وزودها بالرقة والحنان

فهي فتنة للحدائق الغنّاء، هي مليكة الجنان

هي ظبي شرود يرتاد حدائق المنّان

هي فراشة مُنمَّقة تطير فرحاً على الأفنان

ترنّم بهجة بنغمٍ ساحرٍ يُبهج المرء، فإذاه من أجلها مُتفان

وإذا أراد الله لي سعادة، منحني أن ألقاها وتلقاني

فأعيش معها عمراً مديداً، مُدلّهاً بها،عازفاً على كماني

هي ليست كاعباً تدلّ عليّ، كلا وليست من القيان

إنها الرسالة الداهشية تهاجر لأمريكا، نابذةً وراءها جبال لبنان.

                           باريس الساعة الرابعة من فجر 10/3/1976

والدة داهش

الهادي اتمنَّاه منك!

أتمناَّه أن يأخذ لون عينيك المتوهِّجتين بالذكاءِ النادر،

وفمك الاحوى وما يحويه من لذاذات لا نهائية،

وشفتيك الأرجوانتين المُغريتين،

ووجهك الصبوح ذي الفتنة العجيبة،

وسمرتك المُذهلة، يا أفتن الكواعب الصيد؟!

وأتمنى ان يخلدَ التاريخ اسمك،

وأن يثبّت في المعابد الداهشيَّة،

وأن تقرأه الأجيال بخشوعٍ تام،

وأن تقبّله شفاه المُتعبدين والمُتعبدات

لاثِمينه بتبتلٍ فائق،

مُباركين البطن الذي حملك،

مُعيدين في هذا اليوم الذي ولدت فيه،

مُنشدينك أناشيد روحيَّة سماويَّة

مقبلين المكان الذي عشت فيه،

رامقين صورتك بقدسية علوية،

مردِّدين بأصواتٍ خافتة:

حقِّقي طلباتنا يا أم الهادي المُقدس،

الذي انتشرت انباء مُعجزاته في جميع أقطار المعمورة.

وستقرع أجراس المعابد الداهشية،

داعية المؤمنين والمؤمنات للولوج إلى بيوت العبادة،

ورفع ابتهالات الشكر للمُوجد، لسماحه بمجيء الهادي إلى أرض البشر،

لكي ينقذ كل من أوصل سيالاته للإيمان بالداهشية،

وهي المدخل إلى فراديس النعيم.

وستُحرق الرموز المدوَّن بها طلبات ورغبات الداهشيين والداهشيَّات.

وسيرتفع لهيب هذه الرموز،

وهي في أجرانها الخاصة المثبَّتة في أمكنتها بالمعبد

المُزيّن بتماثيل كل أخ جاهد في سبيل عقيدته

الراسخة رسوخ الأطواد الجبارة.

وسينوح كل من اضطهد النبي الحبيب الهادي

الذي ذاق الأمرّين منهم.

فعندما كان أسيراً في سجن الكرة الأرضية الرهيب،

حاق به شقاء هائل،

وحاربه الكفرة المُماذقين الذين ألصقوا به كل فرية.

وأخيراً حلّق بعيداً عن مُعتقله الأرضيّ المُخيف،

مُنطلقاً نحو الأعالي،نحو السماء، نحو فراديس النعيم الأبدي.

إن الأديان يحتاج تثبيتها لقرون عديدة.

فكل ما عداها زائل، وهي الخالدة خلود السماء.

وعندما تنتشر الداهشيَّة وتصبح ديناً كونياً،

وهذا لا شكَّ سيتمّ،

إذ ذاك تنفخ الملائكة بأبواقها السماويَّة،

معلنة أن الداهشيَّة هي الدين الإلهيّ

الذي ثبتته المُعجزات والخوارق التي عجِزَ الانبياء عن الإتيان بمثلها،

إذ لم يمنحوها.

لهذا فأنا داهشيّ بأثناء حياتي الأرضية،

وفي مماتي،

وفي يوم عودتي للحياة،في عالم الأرض،وفي عالم الأخرى،

وسأبقى داهشياً حتى يوم يبعثون.

                           الولايات المتحدة الأميركية

                           أول نيسان 1976

                           الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر

أناشيد عاشق

نيويورك و ناطحات سحابها

نيويورك،

أيتها المدينة الصاخبة!

أيتها المدينة التي لا تعرف ما هو النوم!

أيتها المدينة العجيبة الغريبة!

أيتها المُفاخرة جميع عواصم الكرة الأرضية

بناطحاتِ سحابها المُشمخرة!

أيتها الفاجرة - المُتاجرة بفتياتٍ كثيرات

ممن تضمينهم إلى صدرك الكبير!

أيتها المُضمخة بالطيوب،

المُعطِّرة شوارعك برائحة البترول المُحترق من ملايين السيارات

التي ترود دروبك المُمتدَّة وشعابك المُتشابكة!

أيتها الصبية اللعوب،والعجوز المُتصابية!

والهرمة التي تنظر لحدها بصبرٍ غريب!

أيتها السابحة بكنوزك!

القابضة بيمناك على بورصاتِ الدنيا بأسرها!

يا من تضمِّين اثني عشر مليوناً من الخلائق بين جنباتك الواسعة!

أيتها المدينة التي لا يغمض لها جفن في الليل،

ولا تتعب في آناءِ النهار!

أيتها المدينة الغنية بمتاحفها الرائعة،

السحرية بأبنيتها العجيبة الشامخة!

أيتها الرانية نحو بروج السماء العلويَّة!

يا أضخم العواصم، وربة المُدن، وسيدة ولايتها التسع والأربعين!

لقد جبتُ ربوعك يا نيويورك الضخمة الفخمة،

جبتها في خلال الأيام السبعة التي قضيتها في ربوعك الممتدَّة،

وشاهدتُ ما لم أكن لأحلم أن أشاهده في عالم التخيلات والأوهام:

إنَّ الرذيلة قد تفشت في بعض أحيائك،

وعشَّش الفسق في مواخيرك القذرة!

والسائرات في دروبك ترينهنّ وقد طلقن الحياء وودعن الفضيلة،

بعدما دسن الشرف،

إذ تريهنّ وقد كشفن عن صدورهنّ ونحو رهن،

وارتدين أثواباً تكاد أن تظهر عوارتهن!

أي مدينة نيويورك الضخمة باتساعها وارتفاع ناطحات سحابها!

ألا فاعلمي بأنني حزينٌ لما شاهدته في ربوعك؛

تعيسٌ لأنني شاهدت المادَّة قد داست القيم الروحيَّة فهشمتها!

وما كان للروح أن تُغلب أو تداس!

وسيأتي يوم،يا نيويورك المُتغطرسة،

وإذا عاليك سيصبح سافلك!

هذا إذا لم ترعوي عن غيّك وفجورك،

وتعودي إلى حظيرة الروح؛

فالعودة إليها تقيك الغوائل،

يا أيتها المدينة الضَّالة في هذا القرن التعيس،

القرن العشرين ربيب إبليس!

                           نيويورك،في 18 أيلول 1969

والساعة الثانية عشرة إلا ربعاً ليلاً

تمثال الحريّة

أيّها التمثال العظيم!

يا رمز الحريّة!

والحريّة معشوقة شعوب الأرض طرّاً،

بيدك الجبّارة ترفع مشعلها،

هذا المشعل الأبديّ النور!

يا من أصبحت أشهر من نارٍ على علم!

ألا تعلم بأنك أخطأت بإعطائك الجميع الحريَّة التَّامة،

دون أن تقيدها ببعض القيود الضرورية؟!

لقد أبحتها حتى للزنجي والتركي والعربي والعجمي،

ولجميع من يقطن في المدينة التي تنتصب فيها.

لكن الضَّرر كان واضحاً من وهبكِ الحرية

للغادات الناعمات الغاديات الرائحات.

لقد خلعت عليهنّ رداءك العظيم،

فهرعن وخلعن بدورهن ثيابهن،

وأصبحن كما ولدتهنّ أمهاتهنّ!

أرأيت أيها التمثال العظيم

أن الحرية يجب أن يكون لها قيد يصونها

كي لا تفقد معناها!

لقد تلوثت هذه الحرية بعدما لطختها أفعالهنّ.

وثق بأن نهر الهدسن نفسه

لأعجز أن يستطيع غسل ما التصق بالحرية،

ورفع الأدران والأوشاب التي امتزجت بهذه الحرية

امتزاج الرُّوح بالجسد!

ويا أيها التمثال الشهير!أشهر سيف نقمتك،

واضرب به الخارجين والخارجات

عن طريقك القويم وصراطك المستقيم.

وقوّم اعوجاج من سوّلت لهم نفوسهم السير بطريقِ الباطل،

يا أيها المانح النعمة لملايين الملايين.

أيها التمثال الجبَّار المُنتصب كالقدر المُهيب!

دعني أكون سوط نقمتك،لأسوط به اللواتي أسأن إلى حريتك.

ودعني أرفع هذا السوط وأخفضه على أقفية المُخنثين

من رجالِ هذا العصر وخنافسه الحقيرة؛

فالخنفسة تسحقها النِعال،

ومَنْ تخنفس حاقت عليه اللعنة،

فأصبح بحاجة للنعل كي يؤدبه ويقوم اعوجاجه،

فيعود إذ ذاك صوابه إليه.

وداعاً أيها التمثال العظيم ! يا رمز الحرية العظيمة

التي تتوق إليها نفس كل بشري يقطن في هذه الغبراء!

نيويورك في18 أيلول 1969

منتصف الليل

دُعاء

أيُّهار الخالق الجبَّار!

انّي أنحني بخشوعٍ أمام سُدَّتك الألهيَّة,

ضارعاً اليك أن ترحم ضُعفي البشريّ, وتمحو آثامي.

انَّ الرغبات والميول التي تتصارع في داخلي لرهيبة.

وأصطراع الخير والشرّ غي نفسي يؤرّقني ويكدر أيَّام حياتي,

فآناً ينتصر الخير ويرفع رايات نصره مُبتهجاً,

وحيناً يبطش الشرّبهذا الخير ويقوده مُكبَّلاً أسيراً !

وأنا بينهما حائرٌ تائه,

فأسرع لأستجير بك كي تنقذني.

أنا ضعيفٌ كلَّ الضُّعف يا ألله,

ومنك أستمدُّ قوَّتي.

أنَّ جبروتك وعظمتك يبدوان في الجبال التي كوَّنتها,

وفي الأرض المُمتدَّة التي بارادتك أوجدتها,

وفي المُحيطات التي تتلاطم أمواجها مصطفقة ليل نهار,

مُنشدة نشيد الشكر والأمتنان لخالقها المُهيمن!

والطيور ما تغاريدها الاَّ لحمدك والتسبيح لقدرتك!

ورمال الصحارى تشدو وتردِّد أغاريد ألوهيَّتك!

والشمس الضاربة بأنوارها كرتنا الأرضيَّة

أنَّ هي الاَّ ومضةٌ من وميضِ مشيئتك الألهيَّة العجيبة!

انَّ جلالك أيُّها الخالق السرمديّ تهابه جميع مخلوقاتك !

فالأساد تجثو بخشوعٍ فائق, وتُعفِّر وجوهها تحتَ أقدامك!

والنمور الضاربة تعنو بجباهها للحضيض أمام جلالك !

وجميع مخلوقات العوالم المعروفة والمجهولة

يُبهرون حيال سنائكَ !

انَّ عفوك, يا خالقي, لا نهاية له,

وحلمُك يشمل جميع العوالم التي تعرفها والتي نجهل كلَّ شيءٍ عنها,

ومراحمك لا تحدُّها شطآن العوالم التي كوَّنتها ألوهيَّتكَ .

فاعفِ عنِّي يا الله , وأرحمني أيُّها المُكوِّن وأمحِ آثامي,

ودعني, بعد انطلاقي, أتمتَّع بأنواركَ الألهيَّة,

حتى أبد الآبدين.

جنيف ( سويسرا), في 7 تشرين الأول 1969

والساعة 8:30 صباحاً

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.