أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

بأقلام نخبة من معاصريه

التقديم:

       يوافق عام 2009 الذكرى المئوية الأولى لمولد الدكتور داهش (ولد في 1\6\1909)زو يسر الدار الداهشية للنشر, في هذه المناسبة ,ان تصدر كتابًا تذكاريًا يلقي المزيد من الضوء على الرجل الذي حملت الدار اسمه و الذي ما يزال وبعد مئة عام من مولده موضوعًا ثريًا جديرًا بالدراسة برغم ما اهرق حوله من الحبر و لقد راينا ,من اجل ذلك ,ان ندع الدكتور يتحدث اليكم من خلال ادبه,ثم ندع الآخرين يتحدثون عنه.

       قسِم الكتاب الى خمسة اقسام ئيسية , قصرنا القسم الاول منها على تعريف بالدكتور داهش و ادبه , فافردنا فصلا اول للكلام على حياته في جدول زمني مقتصرين على الوقائع البارزة فيها .ثم عقبنا بفصل ثان ادرناه على الملامح العامة لادبه مع وقف سريعة عند مؤلفاته بحيث يخرج القارئ بفكرة شاملة و مختصرة في الآن نفسه عن انتاجه الادبي . ثم الحقنا به مقابلة صحفية مطولة يكشف فيها الدكتور داهش جوانب مهمة من حياته و فكره .

       و يشمل القسم الثاني مقتطفات من مؤلفات الدكتور داهش , وقد راعينا في اختيارها امرين :فكريا و فنيا . اما الفكري فمد القارئ بمقالات يستطيع من خلالها ان يتبين نظرة مؤسس الداهشية الفلسفية :تصوره لله تعالى وللنظام الروحي, نظرته الى العدالة الالهية, رايه في قيمة الانسان الحقيقية , نزوعه الى الاُخوة الانسانية الشاملة , فهمه للادب و رسالته ...اما الفني ,فابرز التنوع في ادبه من خلال الابواب و الموضوعات و الاساليب . و لايفوتنا اطلاقا انَ اضمامةً مختارةً من ورود الحديقة قد تنبئ عنها ,لكنها لا تستنفدها كلها .وما مطمحنامن هذا الاختيار سوى حث القارئ على ارتياد الحديقة نفسها؛ فنها و لا ريب , اغنى جدًا مما اقتطف منها.

       و يحتوي القسم الثالث على شهادات في الدكتور داهش و مقالات في الداهشية وضع اكثرها في الاربعينات من القرن العشرين ؛ وقد جاءت اشبه بالمصادر الاولى المباشرة للموضوع المدروس او المشهود له . و هي , في الحقيقة مختارات قليلة من مئات المقالات و الشاهدات و القصائد , رتبت هنا بحسب تاريخ نشرها . ولا بد من التنويه هنا بكلمة مستثنات رثت فيها السيدة ماري حداد الداهشية السيدة شموني, والدة الدكتور داهش , و اثبتت في هذا القسم لما تحات به الام من فضائل كريمة كان لها اكبر الاثر في ابنها .

     و افرد القسم الرابع لمجموعة من صور الدكتور داهش الفوتوغرافية تمثله في مراحل و مناسبات مختلفة.

     اما القسم الخامس ,فيضم ما كتب بمناسبة المئوية الئولى و لذلك فقد جاء اوسع الابواب جميعا . شاركت فيه اقلام من مختلف اقطار العالم العربي,منها من عرفوا الدكتور داهش شخصيا , و منهم من عرفوه من لال ادبه و فكره . و قد جاءت المقالات و الدراسات و الشهادات الدرجة في هذا الباب اشبه بالمرايا تعكس صور الدكتور داهش : داهش الاديب , و الشاعر , و صاحب العقيدة ,و صانع الظاهرات الروحية, و مؤسس المتحف.... و في مقدمة ذلك كله داهش الانسان . و مع ان نتوقف على شخص الدكتور داهش , في كل ابعاده, امر ليس من اليسير تناوله فقد حاول الكتَاب ان يوفوه حقه, و يكشفوا الشيئ الكثير من حقيقته. و قد يستوقف القترئ تعدد وجهات المظلر اليه و بل الاختلاف بينها احيانا , الامر الذي حرصنا على احترامه ايمانا منا بان حرية الكاتب , في حدود الموضوعية و الصدق , قيمة عليا لا يجوز المساس بها اطلاقا . و لقد علَمنا الدكتور داهش نفسه ان " الحرية هي هبة الخالق للخلائق. " زد انه كام احد ابطالها في المشرق العربي . و هكذا فقد جاء هذا القسم من الكتاب اشبه بمنتدى فكري يعبر فيه الكتَاب عن آرائهم و يتحملون تبعتها , فيستطيع القارئ ان يخرج من هذا الحوار الصانت بما يروقه.

       اما ترتيبب المقلا في هذ القسم , فقد التزم فيه موضوع المقال او منحاه العام من دون اي اعتبار آخر. وضعة اولا المقالات ذات المقاربة العامة , ثم ادرجت بعدها مقالات غلب عليها طابع الذكرايات الشخصية او المقابلات الصحفية , ثم تلتها الدراسات التي تناولت ادب الدكتور داهش و فكره , ثم اختتم القسم بالقصائد الشعرية من المئوية الئولى .

     و الى ذلك فقد كان يلزم ام يضم قسمين آخرين : قسما انجليزيا و قسما فرنسيا . لكن وفرة اللغة العربية التي وردتنا و الخشية من ان يبلغ الكتاب حجما ضخما , حملتانا الى فصل هذين القسمين عن الكتاب لاصدارهما مستقلين في وقت لاحق .

     و لا يسعنا , اخيرا ,الا ان نشكر جميع الذين اسهموا في اثراء هذا الكتاب بمقالاتهم و قصائدهم و نعتذر من الذين لم يتسنَ لنا نشر كلماتهم فيه . ثم انه كان من المتوقع ان يصدر الكتاب في مطلع حزيران (يونيو)2009 لكن صدوره تاخر بسبب سيل المقالات و الدراسات التي توالى ورودها بعد الوقت المحدد لاستقبالها . على اننا نامل ان ننشر في كتاي مستقل مقبل جميع ما فاتنا نشره هنا .

     نتمنى ان نكون قد وفينا بهذا الكتاب التذكاري حق الدكتور داهش علينا . و لشدَ ما يغبطنا ان ينظر هو من عالمه الى هذا الاثر بعين الرضا.

     و نحن نامل ايضًا ان يجد القُرَاء في الدراسات و المقالات المدرجة فيه ما يحملهم على العودة الى الينبوع نعني الى مؤلفات الدكتور داهش نفسها . لا بدَ لكل مفكر رصين من ان يجد في الدارسين من يؤيده او يناقشه . المهم ان تكون الدراسات حافزا الى مراجعة كتبه فانَ في الاصل من الغنى ما ليس في الدراسة , على قيمتها و جودتها . و اننا نهيب بالقارئ الى استنطاق مؤلفاته الدكتور داهش لاستخلاص رايه فيها و اتخاذ موقفه منها . فما كتبه بنفسه هو المرجع الصادق الاول , فان فيه فكره كله . و كثيرا ما سئل فكان يجيب : " عقيدتي في كتبي . فمن اراد الاطلاع عليها , فليقرا مءلفاتي . "

                                                                                                                              أسرة التحرير

القسم الاول:

             نظرة عامة في ادب الدكتور داهش

         الدكتور داهش احد ممثلي الادب الانساني .ملأ صفحات مشرقا ت منه بعطائه الفكري الذي دأب عليه زهاء ثلاثة و خمسين عاما من حياته الزاخرة بالنشاط و الاحداث و الانجازات . و قد تميزت مؤلفاته بتنوع موضوعاتها , و تعدد الفنون الادبية التي اعتمدت فيها , و بنزعة مثالية . و قد لفت في كتابه "القلب المحطم" يوم كان في ربيع شبابه الى انه و ما يكتب وحدة لا تتجزء : "كلمتي قطعة من كبدي و فلذة من روحي و خلاصة من عناصري." و في مقدمة كتابه الاول "اسرار الالهة" اشار الى انه منذ الصغر كان يتمنى ان ياتي يوم يستطيع فيه ان يضع كتابا ما من بنات افكاره شارحا فيه ما تجيش به نفسه . و قد تحققت امنيته الى ابعد الحدود فوضع ما يناهز مئة كتاب ادبي شكات خلال النصف الثاني من القرن العشين و مطلع هذا القرن ثروة فكرية اصلاحية تريد ان تبعث نورا جديدا في الحياة

         وليس الغرض من هذه المقالة سوى القاء بعض الاضواء على هذه الثروة الادبية. و لان المجال لا يتسع للكلام على كل مؤلف بمفرده فقد راينا تصنيف مؤلفاته الى ابواب بحسب انواعها الادبية و الاقتصار على بعض منها فقط للتمثيل و التوضيح . اما الابواب فهي : الادب الوجداني و الادب القصصي و الادب الديني و ادب الرحلة و ادب السيرة الذاتية و الادب الحكمي . و لا بد من الاشارة من الاشارة الى ان هذا التصنيف ليس قاطعا و ذلك لتداخل الابواب احيانا. زد ان من مؤلفات الدكتور داهش ما يصعب تصنيفه . و لعل يستقيم في ذاته بابا ادبيا مستقلا . و مع ذلك فقد راينا وضعه في الباب الانسب لتسهيل الاحاطة بالمؤلفات جميعا .

             الادب القصصي عند الدكتور داهش

         يتميز الادب القصصي عند الدكتور داهش بان الفن فيه ليس هدفا في ذاته لكنه وسيلة الى غرض ابعد هو : الحقيقة . ففي مقدمة روايته "مذكرات الدينار " ياخذ على ادباء عصره انهم يموهون حقائق الامور بالتانق اللفظي . ولايتورع , في مقدمة كتابه "قصص غريبة و اساطير عجيبة , من القول بيقين الواثق من نفسه : "ان على الكتاب واجبا مفروضا هو قول الحقيقة دون سواها.

         و لو انعمنا النظر قليلا في ادبه لوجدنا ان الحقيقة عنده ليست هي ايضا هدفا في ذاتها لكنها الباب الى مرمى اخلاقي هو تهذيب النفس . فكان غرض الدكتور دتهش الاخير من ادبه ان يهيب بالانسان الى الارتقاء الروحي و هذا في رايه هو الغرض الاخير من وجود الانسان نفسه على الارض.

         على ان الدكتور داهش و ان اتخذ الفن مطية الى الفضيلة فانه لم يستهن بمقوماته. فمن يقرأ قصصه يجد فيها من العناصر الفنية كدقة الوصف و حبك الوقائع و التشويق و جمال الاسلوب ما يناى بها عن جفاف الوعظ و الارشاد .

"مذكرات دينار"

       رواية وضعها الدكتور داهش في مطلع عام 1946 , بطلها دينار ذهبي بعيد مرمى النظر جول في الكرة الارضية و قابل اناي من مختلف الجنسيات و الطبقات و المشارب و قدم صورا واقعية عن المجتمع البشري في القرن العشرين اظهرت الجشع الرهيب و التناحر على المادة و التردي الروحي و الاخلاقي و المآسي الاجتماعية و مضالم الاستعمار . لكنها لم تخل من صور مضيئة . و كانت للدينار آراؤه الخاصة في الحرب و السلم و كان الاسبق في دعوت الدول و الممالك الى بناء (عالم واحد) و اعتماد قانون عالمي شامل من اجل تحقيق السلام . و في نهاية رحلته , يحذر الارض من خطر حقيقي داهم , و البشر من مصير مؤسف مؤس.

"قصص غريبة و اساطير عجيبة"(4 اجزاء)

       قصص و اساطير وضعها الدكتور داهش بين عامي 1944 و 1981 . و الكتاب من اكثر كتب الدكتور داهش استهدافا للنفس البشرية بهدف اصلاحها. موضوعات قصصه متعددة , و قد يتداخل بعضها في القصة الواحدة احيانا .فالوى جانب القصص التارخية و الخيالية و الاسطورية و الفكاهية و قصص الرعب والحب و الاحداث المنسية ,نقرأ عدد من القصص تمثل فلسفة الدكتور داهش في الحياة و بخاصة عقيدته في التقمص و العدالة الالهية و مفهومه الجديد "للسيالات الروحية"المبثوثة في سائر الكائنات المادية . و قد كتبت كلها باسلوب شائق استوفى شروط الابداع القصصي , و ساعد على استيعاب العبر و الافادة منها.

"خيال مجنَح او حياة الاحياء في القمر"

       كتاب ضم قصتين حافلتين بالتخيلات العجيبة الغريبة الفهما الدكتور داهش في العام 1978 . القصة الثانية " شوارب مستطيلة و لحى وبيلة " و هي الاقصر , تحكي علاقة الرجل و المرأة في مدينة تخيلية , و طريقة الزواج و مراسيمه في هذه المدينة . اما القصة الولى " خيال مجنح او حياة الاحياء في القمر " , و هي الاطول , فقد تناولت حياة الاحياء في القمر و كيفية حياتهم و موتهم و معتقداتهم و الاحداث التي تجري في كوكبهم .

       و لئن دلت هاتان القصتان على شيء , فعلى قدرة الدكتور داهش التخيلية الخلاقة و ابتكاره الصور و الوقائع البالغة الغرابة التي قلما جاراه فيها كاتب .

                         الادب الديني

الادب الديني هو الادب الذي يدور على موضوعات دينية من غير ان يكون هو بالضرورة نصا دينيا . و في هذا الباب يمكن ادراج كتاب الدكتور داهش " ابتهالات خشوعية " الذي يجمل ان يكون كتاب لكل مؤمن و كتابه " مذكرات يسوع الناصريّ " الذي تناول جانيا مجهولا من حياة مؤسس المسيحية . و يندرج في هذا الباب ايضا كتاباه " نشيد الاناشيد " و " ناقوس الاحزان او ميراثي ارميا " , و لا يخرج عنه كتابه " جحيم الدكتور داهش " الذي لا يقل شانا عن " الكوميديا الالهية " لدانتي , و " رسالة الغفران " لابي العلاء المعري .

" مذكرات يسوع الناصري "

     الفه الدكتور داهش عام 1943 . و هو يضم مذكرات خاصة بالسيد المسيح يروي فيها وقائع اعوام ثلاثة من حداثته المجهولة . و قد عبَّر فيه عن آرائه و مشاعره و تاملاته وكشف النقاب عن معجزاته الاولى و تعاليمه الروحية و الاحداث التي رافقت تبشيره بالرسالة و عن كيفية تعرفه بتلميذه بطرس , و تفاصيل حياته الاسروية و موقف عائلته منه و من مبادئه و عن بعض الاسرار الروحية بما فيها سر عودته الثانية الى الارض . و هو كتاب مميز , في موضوعه , و مضمونه , و غايته , واسلوبه .

" ابتهالات خشوعية "

       وضع هذا الكتاب بين عامي 1945 و 1980 . و هو مجموعة صلوات خشوعية كتبها الدكتور داهش املا برحمة الله و عنايته , و اناشيد روحية رفعها اليه تسبيحا بأُلوهيتي و قطع عبر فيها عن غربته الروحية في الارض و شوقه الى عالم الروح السعيد . و قد استهلها باحد عشر ابتهالا اقتبسها من مزامير داوود و صاغها باسلوبه دون ان يمس بمعانيها .

         الكتاب , من الدفة الى الدفة , يسوده جوٌّ روحي سامٍ نابع من توجهاته العلوية .

" نشيد الأناشيد "

       هو من وحي النشيد الخالد الذي ابدعته يراعة النبي سليمان قبل ثلاثة آلاف من الاعوام , و الذي الهم كتّابًا و شعراءَ و فنّانين على مر العصور , بمن فيهم الدكتور داهش . فقد اعاد عام 1943 صوغه باسلوبه و اضفى عليه اوصافا جديدة و قدَّمه في شكل قصيدة مسرحية و جمَّله باللوحات الفنيَّة الرائعة المطابقة لمعانيه السامية و بالخطوط المبدعة لنصوصه .

" ناقوس الاحزان "

       هو مراثي النبي ارميا و قد صاغها الدكتور داهش عام 1943 باسلوبه مضيفا عليها حلة جديدة من الاحزان و الاشجار تقديرا منه لفذوذيتها و تفردها في المقام الارفع من ادب الرثاء , و اعجابا بالنبي ارميا الذي يعتبره " استاذ كل من رثى و دون احزانه و مآسيه ليقرأها الخلف عن السلف " . و اشار في مقدمة كتابه الى انه لم يجد اي اديب سبقه في النسج على مثالها و صياغتها باسلوبه. و الجدير بالذكر ان للثراء في ادب الدكتور داهش حيزا لا يستهان به فمن رثاء حبيب الى رثاء صديق الى رثاء صاحب شان له في قلبه مكانة , الى رثاء بيروت , " عروس الارز " , التي دمرتها الحرب الاهلية الطاحنة , مثله في ذلك مثل ارميا في رثاء القدس .

" جحيم الدكتور داهش "

         رحلة قام بها الدكتور داهش الى العالم السفلي او ما يسميه " عالم الادلهمام الابدي " او " مملكة الظلام " قادته الى " مدخل الجحيم " , ثم الى دركاته الاثنتين و الخمسين , مواطن الاثمة المعذّبين . من الدفّة الى الدفّة يقدم الكتاب شريطًا متسلسلًأ للعذابات و الاهوال المزلزلة التي ينزلها بالخطأة الأبالسة المنوط بهم امر التأديب و التعذيب . و في موازاته شريط آخر يبين لهم اسباب هبوطهم الى تلك الدركات , و عدالة الجزاء الذي يلقونه , لان ثواب الانسان او عقابه وقف على اعماله . و من تلك الدياميس , يرفع الدكتور داهش ضراعته لخالق البرايا كي يرحم اولئك المعذَّبين و يغفر آثامهم .

       الكتاب صورة للعدالة الالهية . و هو سداسيات من النثر الشعري المقفى , اربع منها لكل درك . و قد كتب باسلوب يوافق اجواء الرهبة السائدة فيه , تزيدها هولًا رسومه الم~ة و الاربعون المعبّرة عن نصوصه .

                     أدبُ السيرة الذاتيَّة

         ليست السيرة الذاتية تدوينًا لمفاخر الكاتب و مآثره , و انما هي تجربة حياة في عمل ادبي . و قد تقتصر على مرحلةٍ منها , و ربما شملت اليوميات و المذكرات . و قد توافرت لادب السيرة الذاتية عند الدكتور داهش كل مقوماته بما فيها الصدق و الجمال و عمق التجربة ز فحياته كانت زاخرة بالافراح و الاتراح و المطامح و الاحلام البعيدة , و قد واجهته فيها تجارب قاسية بسبب افكاره التي كان يتوخى منها الخير و الارتقاء يالحياة الانسانية .

         و اعماله التي تندرج في باب السيرة الذاتية هي : " بريء في الغلال او يوميات سجين الغدر و الخيانة " , و " من وحي السجن و التجريد و النفي و التشريد " , و " يوميات مؤسس العقيدة الداهشية 1945 – 1946 " .

       و مع ان كتابه " يدي المزازلة او كيف سقطت سقطة الموت المدمِّرة " اقرب الى الادب الوجداني , فهو لا يخلو من خصائص سيرةِ ذاتيةِ . اما كتاب " الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش و الدكتور حسين هيكل باشا " فقد راينا ادراجه هنا و ان يكن ينتمي ايضا الى ادب الرسائل les belles lettres .

" بريء في الاغلال او يوميات سجين الغدر و الخيانة "

         هذا الكتاب يضم يوميات الدكتور داهش عن مرحلة من مراحل الاضطهاد الظالم الذي انزله به . و قد استغرقت تلك المرحلة شهرا و نيفا من النصف الثاني من عام 1944 . لكنها تبدو لهول الاحداث و تواترها و كانها عدة اعوام !

         يروي الدكتور داهش في يومياته تفاصيل الاحداث التي وقعت له في تلك الفترة , من سجنه و تعذيبه و محاولة اغتياله , الى تجريده من جنسيته و ابعاده و تشريده , ثم عودته سرًا الى بيروت و احتجابه بها . كما و يروي معاناته الشديدة , و آلامه و احزانه , و احوال السجون و علاقاته بالمساجين , و مواقف الداهشيين المشَرّفة من قضيته , و صبره و تجلده على المحنة و سعيه الحثيث للخروج منها .

       و برغم شيوع الاسى في مناحي الكتاب , فقد حفلت فصوله بمواقف الدكتور داهش البطولية في وجه ظالميه , و بحكمته و سرعة بديهته امام المستجدات الصعبة , و باصراره على انتزاع حقوقه التي سلبت منه بقوة الظلم و بتحديه لليأس و القنوط بالامل و العمل . و لم يخلُ من فصول ارشادية و ثقافية توافق هواه المشبوب للهداية و المعرفة , و من فصول فكاهية ترد للقارئ فرحته الى الدكتور داهش و رفاقه المساجين و المعذبين , و تنتزع الضحكات البريئة من اعماق اعماقهم . و تسود اليوميات اجواء الايمان الراسخ بعدالة الله . و قد دوَّن الدكتور داهش في اليوم الثالث منها الكلمة الآتية : " الدنيا محك الرجال . فمن وهنت قواه حطمته . و من ازدادت عزيمته مضاءً , هشَّمها ثمَّ ردَّمها . اللَّهمَّ اجعاني من الظافرين ! " .

" من وحي السجن و التجريد و النفي و التشريد "

         هو مجموعة قطع و قصائد وجدانية كتبها الدكتور داهش عام 1944 , في اثناء المرحلة من الاضطهاد التي تعرض فيها للسجن و النفي و التشريد , بالتزامن مع كتاب " بريء في الاغلال " .

         و قد قدَّم في قسم منها تفاصيل اضافيية عن بعض احداث تلك المرحلة , باسلوب النثر الشعري الذي يمتزج فيه السرد بالوجدان .

        تختلط في الكتاب نبرة الاسى من الظلم بارادة الصمود في وجه مرتكبيه , و صور الاضطهاد الوحشي بمشاعر الاعتزاز بتقبذثله , في سبيل مرتكبيه , و صور الاضطهاد الوحشي بمشاعر الاعتزاز بتقبذثله , في سبيل الحقيقة , اسوةً بالمضطهدين العظام في التاريخ . و في وجه مواجهة الشر الفادح العظيم , يرد الدكتور داهش بالمزيد من التوجه نحو المثل العليا و التشبث برسالته .

" يوميات مؤسس العقيدة الداهشية 1945 – 1946 "

           هذا الكتاب يؤرخ لمرحلة من مراحل اضطهاد الدكتور داهش اعقبت عودته من منفاه سرًا الى لبنان , و شهدت تحول في المواجهة . فقد انقلب الدكتور داهش المضطهد , في اثنائها , الى مقاوم عنيد يحتكم الى قلمه , سلاحه الوحيد في مقارعة الخصوم . و من محتجبه القسري , شن حملة قلمية منظمة على مضطهديه تمثلت في اصداره 65 كتابا اسود و 125 منشورا كشف فيها امام الراي العام اللبناني و الدولي فظاعة الجريمة المرتكبة بحقه , وفضح مفاسد الرئيس الظالم و مثالب اعوانه .

           في هذه اليوميات يروي الدكتور داهش كيفية ادارته لتلك الحملة : كتابته المتواصلة للكتب و المناشير و البيانات و الرسائل , و خططه لتسليم تلك الى الداهشيين الذين يتولون امر طباعتها و توزيعها بسرية تامة , وسبل معرفته للجواسيس و تضليله لهم , و وصيته الى الداهشيين اذا سقط دون مبتغاه . و يقول الدكتور داهش في كتابه انه سيداب على شن هذه الحرب القلمية حتى يستعيد السليب او يسقط صريع جهاده النبيل . و لقد كان له ما اراد !

" الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش و الدكتور حسين هيكل باشا "

         مراسلات جرت عام 1951 بين الاديبين الكبيرين , و تناولت موضوع الاضطهاد الذي تعرض له الدكتور داهش , و بخاصة امر تجريده من جنسيته اللبنانية . شرح الدكتور داهش في رسائله للدكتور حسين هيكل باشا اسباب الاضطهاد , وسرد وقائعه الاليمة و الظلم الفادح الذي نجم عنه . و قد جاء في درَّ الدكتور حسين هيكل باشا عليه ان في " تجريد اي انسان من جنسيته وزرًا منكرًا و اثمًا فاحشًا يلجأ اليه الطغاة لمآربهم الاستبدادية " . و وعده بان يثير مسالته فور عودته الى مصر من احل اعادة الحقّ الى نصابه . الحق بالرسائل فصل آخر ضمَّ عرائض و وثائق و بيانات و ردودا ذات صلة بقضية الاضطهاد .

                     الادب الوجداني

   في هذا الباب يندرج كثير من مؤلفات الدكتور داهش . و لعله اقرب الابواب الى نفسه لانه يستطيع من خلاله ان يطلق العنان للتعبير عما يجول فيها من شتى المشاعر . لكن ادبه الوجداني ليس تصوير لخلجات النفس فحسب ؛ فقد بث في تضاعيفه من الفكر العميقة ما يحمل القارئ على التامل في الحياة و الوجود . و لعل ابرز خصائصه الصدق و تصوير الحقائق بلا تنميق او تزييف .

       ادب الدكتور داهش الوجداني اقتران قلب و عقل في جمالية اسلوب انيقة .

" اسرار الآلهة " و " قيثارة الآلهة "

هذان الكاتبان هما باكورة مؤلفات الدكتور داهش , وضع قصائدها النثرية بين عامي 1927 و 1933 . و لم يخف , في مقدمة " اسرار الآلهة " , اعجابه بادب جبران خليل جبران و تاثره به و محاولته محاكاته , لا بل اعادة صوغ بعض قطعه صياغة جديدة . و الكتابان , في مجملهما , من وحي تجربة حب مرَّ بها المؤلف . و لكن اذا غلب على الاول منهما التشبيب بالحبيبة و الشةق اليها و الامل باللقاء , فقد شاعت في الثاني اجواء الوداع وة ذواء الحب و اقترانه بالموت . ولا يخلو الكتابان من قصص ميثولوجية توافق منحاها اقتباسها المؤلف من الاساطير اليونانية , و صاغها باسلوبه .

" القلب المحطم " و "جحيم الذكريات "

       مقالات وجدانية الفها الدكتور داهش بين عامي 1934 و 1942 , جنح فيها الى الادب التاملي بعد ان تجلى له خداع الحب , و بعد ان خبر خيانة الاصدقاء , فاعرب عن شكه في الطبيعة الانسانية المتقلبة , و اظهر اعراضا عن الحياة الدنيا وما يعتورها من شرور , و تاق الى عالم آخر تسود فيه العدالة . كان الارض ليست وطنه ؛ فهو فيها يعاني غربة روحية اشبه بما ذهب اليه افلاطون في فلسفته . و قد يصدم القارئ ما ابداه المئلف من آ{اء ربما بدت قاسية , لكن شفيعة الصدق ز جلاء الحقيقة بلا مساحيق .

" عواطف و عواصف " و " نبال و نصال "

     هذان كتابان اصدرهما الدكتور داهش خلال عامي 1943 و 1944 . و هي لا تخرج في منحاها عما يطبع وجدانياته عامة من برم بشرور الارض و ثورة على شرائعها الجائرة و توق الى عالم الروح ...لكنها تمتاز باللجوء الى الطبيعة عل فيها ما يلطف شيئا من غربته الروحية . و لم يخل هذان الكتابان من قطع تدور على الاضطهاد الذي قاساه المؤلف ابان تاليفهما .

" حدائق الآلهة توشيها الورود الفردوسية "

و " فراديس الالهات يرصعها اللينوفار المقدس "

   سلسلتان تتالفان من عشرة جزاء , و تنبسط وجدانياتها بين عامي 1927 و 1980 .يقلب القارئ صفحاتها فتطالعه الموضوعات العاطفية , و الابتهالية , و الوصفية , و الفلسفية , و القصصية . . . فكأن الصفحات مرايا يرتسم عليها ما تجيش به نفس الدكتور داهش من مختاف الاحاسيس و الاراء . و في مكنة القارئ ان يشهد , , , من خلالها , , , تحولات تلك النفس المرهفة   في حقبة زمنية استغرقت نصف قرن و يزيد , و لا يفوته ان يقع فيها على ملامح سيرة ذاتية .

        غلالة شفيفة تفصل بين النور و الظلمة , و المتعة والعذاب و الحياة و الموت .

" نشيد الحب "

         شابان شقيقان يتباريان في ما بينهما في وصف حبيبته في محراب " الحب المقدس ". فتتساقط امطار في صور و مشاهد و رؤى و تشابيه تضيق بها الاوراق و يقصر عن التقاطها الخيال .

       قصيدة مطولة في " حبيبة " يؤكد الكاتب انها امرآة . لكن بعض الوصف يبنى عن انها الهة !

       قصيدة يتعانق فيها الواقع و الخيال , بل يمتزجان . وتتشابك في صفحاتها الرموز و الاشكال و الالوان كما تتشابك اغصان غابة عذراء .

       قصيدة نثرية رقيقة وضعها الدكتور داهش عام 1935. و هي ذات نفس قصصي ادواتها من البشر و الشجر و الغيوم و النجوم و الليل و الشفق و الغسق و الندى و الاثير و الخضم و الجداول و مليكة الفجر و ربة الجمال و الارواح الهائمة في فراديس الآلهة .

   نشيد روحه الحب النقي السماوي عزفته قيثارة الروح باصابع الحقيقة و وصلة يه الى مسامع النجوم .

                 الادب الحكمي  

   هو الادب القائم على عبارة او عدة عبارات تتضمن فكرة فلسفية او حكمة عملية او صورة خيالية او حالة وجدانية . . . و في هذا الباب يمكنة ان تندرج " تاملات " ماركوس اورليوس , و اقوال ألإمام عَلِيّ , " حكم "لارشفو كو , و " خواطر " باسكال , و " كلمات " جبران . و قد طرق الدكتور داهش هذا النوع الادبي في كتابه " كلمات " .

       اما كتابيه " بروق و رعود " و " المهند الباتر "فقد اختطَّ لنفسه نمطا خاصا قائما على سداسيات مسجعة.

" كلمات الدكتور داهش "

       وضع الدكتور داهش هذا الكتاب في خلال عام 1936 , فكان يدون كل يوم كلمة . وقد استاثر موضوعا المراة و الصداقة بنصيب وافر من " كلماته " . ثم اضاف الى الكتاب في طبعة ثانية كلمات في نقد الظلم و الظلام استوحاهما مما الحق به من حيف في اثناء مرحلة الاضطهاد .

     و عليه , فليست " كلمات الدكتور داهش " خواطر املاها التامل النظري او الترف الفكري , لكنها نصوص مفتلذة من صميم تجاربه في الحياة ختى ان بعضها لا يعدو ان يكون دعتء او تافف او غضبة او وصفا . . . كل ذلك بلغة تقطر صدقا , لغة تنفذ مباشرة الى القلب لانها صادرة من القلب .

" بروق و رعود " و " المهند الباتر "

         الكتابان سداسيات مسجعة . يضم الاول 200 سداسية الفها الدكتور داهش عام 1942 , و يضم الثاني 366 سداسية الفها على امتداد العام 1980 . و قد طرق في الكتابين موضوعات متعدّدة كالحب و الصداقة و العدالة و الاخلاص و تفاهة الحياة و الخيانة و جمالات الطبيعة و الطفولة و عظمة الخالق المبدع . . .

       مما يستوقف القارئ في الكتابين ان آراء المؤلف فيهما لم يطرا عليها تغير بالرغم من الفاصل الزمني بينهما ؛ الامر الذي يدلعلى نضوج الدكتور داهش و بعد نظره و هو بعد في رعيان الشباب .

       " بروق و رعود " و " المهند الباتر " يحركان الاعصار الذي يضرب سواحل افكارنا , فيقتلعان بهدف الغرس , و يهدمان بهدف البناء , فنلمح في عنفهما و لطفهما و لينهما و جبورتهما جمال الولادة الجديدية .

       نهج جديد في الكتابة متفرد , و ابحار ضد تيارات الافكار الموروثة و الاعراف المتبعة و القيم السائدة .

     قطع ادبية مكثفة المعاني , شديدة التوهج تشبه اسهما من النار .

     ملخصات كانها مواد دستور او مبادئ نظام او اسس صروح و بروج . كان كل قطعة مختصر كتاب

                                                      ادب الرثاء

     ان المدح و الرثاء يتفقان من حيث الموضوع : الاول يمدح الحي , و الآخر يمدح الميت . و قد يتوفر الصدق في الرثاء اكثر من المدح , لا سيما اذا كان المرثى قريبًا الى قلب الاديب . اما اذا خرج الرثاء من نطاق القلب , فانه لا شك واقع في شرك المناسبة و دوائر المجاملة و التملق . و قد غطى الرثاء و المدح مساحة غير قليلة من الادب العربي قديمه و حديثه . فالدب ابن محيطه . و المحيط مثقل بالقيود التي يخضع لها الاديب ارضاءً للجماعة . على ان في الرثاء مجالا للانطلاق و فسحة للنظر في فلسفة الحياة و الموت .

       اما الدكتور داهش فقد وجه رثائه الى المقربين الى قلبه كوالدته , و ماجدا التي تخلت عن حياتها انتصارا له , و بعض احبائه المؤمنين بعقيدته .

       و قد وضع في ادب الرثاء اكثر من كتاب و مقال منها " نهر الدموع " و " روح تنوح " .

" نهر الدموع "

       لون جديد من ادب الرثاء . كتاب بكامل صفحاته سطره الدكتور داهش بين عامي 1969 و 1979 في رثاء صديقه الحميم الدكتور جورج خبصا . و قد اضاف اليه القطع الوجدانية التي كان يرسلها اليه من منفاه عام 1944 ابان الاضطهاد الذي تعرض له من قبل السلطة اللبنانية انذاك .

     " نهر الدموع " , كما يدل عليه العنوان , كتاب ينضح بالحزن المرير , و ينتقل من خلال الرثاء الى الحديث عن عبثية الحياة و قسوة الموت . انه مجموعة من قطع الوجدان تحكي عن صلات روحية متينة بين المؤلف و المرثي تتجاوز عالم الارض .

" قيثارة الاحزان او روح تنوح "

         هو جزء من كتاب " الحمامة الذبيحة " الذي يعرض ماساة استشهاد ماجدا حدَّاد احتجاجا على اضطهاد الدولة اللبنانية للدكتور داهش و الذي يضم رسائلها اليه بعد تجريده من جنسيته اللبنانية اعتسافا و نفيه خارج البلاد . كما يضم الى مراثي الدكتور داهش , ميراثي بعض الداهشيين بالشهيدة , و في طليعتهم والدتها ماري حداد , و شقيقتها زينا , و الشاعر حليم دمُّوس .

       لقد داب الدكتور داهش على كتابة مراثيه في الشهيدة , و ابراز اخلاصها و وفائها النادرين مدة اربعة و اربعين عام (1945-1979 ) , و امتلكته حالة الحزن المرير و التاثير عليها مدى الحياة.

                     الادب الميثولوجي

       اعتمد الدكتور داهش الاسطورة منذ كتاباته الاولى في كتابه " اسرار الالهة " و " قيثارة الالهة " موليا اياها اهمية خاصة . و قد جاءت الدراسات الانتروبولوجية الحديثة لتعتبرها الحجلر الاساس في عمارة الفن و الجمال , و تنفي ما شاع عنها , في بعض الحقب , من انها مرادف للخرافة . فهي مادة الفن مثلما ان الافكار مادة الفلسفة . و قد عرفها شليغل SCHLEGEL بانها نظرة جديدة الى الحياة لا تقوم على التفكير المنطقي , و تعود الى فوضى الخيال الجميلة , و الى جوهر الطبيعة الانسانية المتمثلة رمزيا في تجمع الآلهة القديمة .

       غير ان للاسطورة في المفهوم الداهشي ابعادا روحية . فهي قصة للمألوف , لكنها ذات جذور واقعية , يستعين بها الدكتور داهش لتفسير نظرته الى الكون و الحياة . و يندرج من مؤلفاته في هذا الباب كتابا " الالهات السا " و " عشتروت و ادونيس " و بعض من كتاب " قصص غريبة و اساطير عجيبة " . اما " ضجعة الموت " فقد ادرج هنا لما فيه من ملامح ميثولوجية , و لانه يكاد يستقيم بابا في ذاته .

" الالهات الست "

         قصيدة نثرية   حوارية وضعها الدكتور داهش عام 1935 . يمتد مسرحها الى بعض الغيوم المحومة على جبل الالهة حيث الالهات الست مجتمعات يتحاورن و يو فدن احداهن (venus) الى شاب لانتزاع الكآبة من نفسه و اغرائه بالحياة .

     يدور حوار في القصيدة حول موقفين : موقف ياخذ بمظاهر الحياة و يدعو الى التمتع بها , و موقف ياخذ بجوهرها و يرغب عن متعها و مغرياتها .

     ان موضوع القصيدة يتعلقل بفلسفة الحياة .و هو , بمجمله , يدور حول الحقيقة . اما البناء الدرامي فيرتكز على عنصرينمهمين متناقضين هما الواقع و الخيال .

"عشتروت و ادونيس "

       شعراء كبار استهوتهم اسطورة " عشتروت و ادونيس " امثال شكسبير و بايرون و شلي , و حرضت اقلامهم على صياغة جديدة لها . كذلك استهوت الدكتور داهش , فاعاد صياغتها عام 1943 , و وسمها بطابعه الروحي , و هدفه اثبات حقائق كانت قديما في عداد الاوهام , مظهرا ان ما كان يحسبه الناس غرافة ما عو الا حقيقة اتشحت بالخيال .

     حبكة جديدة لاسطورة " عشتروت و ادونيس " تميزت بسماتها الروحية , و بصورها و حوارها و وفرة اناشيدها و كثافة رموزها , و حضور مميز للطبيعة فيها .

" ضجعة الموت اوبين احضان الابدية "

       كتبها الدكتور داهش عام1933 نثرا فنيا , و نظمها مطلق عبد الخالقىشعرا و لما يكملا عقدهما الثالث . و طبعت مخطوطة بصيغتها النثرية و الشعرية , و مزينة برسوم فنية رسمت خصيصا لها .

     كتاب خارج على اعراف الكتابة . و لا ينتمي الى اي لون من الوان الادب . و يمكننا تجاوزا الحاقه بادب الغرابة . فالمؤلف , كما يقول , " تحت سلطان قوة قادرة قاهرة غير منظورة . " و اهداه الى " حبيبه الموت " .

       يمثل الكتاب رحلة حب في العالم الآخر , تتوزع احداثها بين الارض والسماء , و تنتظم قصيدة طويلة في مجموعة اناشيد بث فيها الدكتور داهش كل عواطفه و بعضا من تعاليم عقيدته الروحية . و قد اتصفة بغرابة رموزها و شدة ايحاءاتها , و بالشوق الى الحقيقة الالهية و الاندماج بها , و بالحنين الدائم لعالم الروح .

       قبل في الكتاب عند صدوره : " لو عاد شكسبير الى الحياة لما طبعت له دولة بريطانيا كتابا يشبه كتاب " ضجعة الموت " . "

                         أدب الرحلة

       عرفت الآداب العالمية ادب الرحلة منذ عهود بعيدة , و كان نصيب الادب العربي منه غير قليل . و لهذا الادب شروطه و اصوله التي يجب التقيد بها و ان اختلفت الدوافع الى القيام بالرحلة . فقد يكون الدافع دينيا او سياسيا او تجاريا او علميا او ترفيهيا او استطلاعيا . و في مقدمة تلك الشروط الصدق و الامانة و الدقَّة . و لا نعدو الحقيقة اذا قلنا ان الدكتور داهش يعد من ابرز ممثليه في الادب العربي المعاصر .

" الرحلات الداهشية حول الكرة الارضية "

     سلسلة مؤلفة من 22 مجلدا تحوي الرحلات التي قام بها الدكتور داهش الى مختلف ارجاء العالم , بدءًا من عام 1969 الى عام 1983 . اما الدافع اليها , فثقافي ذو منحيين : استطلاعي و فني . و اذا كان الاستطلاع مما يشترك فيه مع كثيرين من الرحالة , فقد تفرد عنهم بالبحث عن اللوحات و التماثيل و التحف اشباعا لنهمه الفني و اغناءً لمجموعته الفنية .

     و لقد نهج من رحلاته نهجا خاصا , فكان يقف على مناحي البلد الطبيعية و العمرانية و الاجتماعية و الاقتصادية . . . ملتزما الدقة في التوقيت , و سرد الوقائع , و وصف المشاهد , حتى ليخيل الى القارئ انه رفيثه في الرحلة . و الى ذلك كله , ف " الرحلات الداهشية " سجل امين لنفسية المالف و نظرته الى الامور , و تقويمه لها .

                   انا داهش اتحدث اليكم

تحت هذا العنوان , نشرة مجلة " الاسبوع العربي " في عددها رقم 263 , الصادر                           بتاريخ 22 حزيران 1964 , المقابلة التي اجراها الصحفي داود . أ الصائغ مع الدكتور

داهش . و قد استهلها بقوله : " قابات الدكتور داهش 3 مرات ليقدم لكم نفسه و فلسفته

   و خوارقه . "

     " ترى , ماذا سيقول الناس عني بعد موتي و زوالي ؟

     ان البعض سيستمطرون على اسمي اللعنات و النقمات .

       كما اناخرين سيرددون ذكري بالتقديس و الرحمات .

     و ستخرج اهات عميقة من شتى القلوب و الصدور ,

     بعضها اهات غبطة و حبور , بعضها غصات لقاطن القبور .

     اما انا , فحسبي ان اكون بين يدي الديان لعرض اعمالي ؟

     من ذا الذي بامور الحياة و الاخرة , و يتوقع ان يذكره البعض بالمديح و اخرون باللعنات . اتراه قام بحاته بما يستوجب ان ينقسم الناس حول اعماله فئتين , فخرج عن دائرة الرجل العادي الذي يقال عنه في حياته و بعدها " انه رجل آدمي ؟ "

     لعل الاساوء لم تنسب الى انسان كما نسبة الى قائل هذه الكلمات . دولة باسرها , بكامل اجهزتها , وقفت بو جهه , من رئيسها الاول الى هيئتيها التنفيذية و التشريعية , الى جميع المامورين عندها , الى اجهزة الاعلام فيها الذي تولى قيادة الحملة و قال للناس : ارجموا هذا الرجل , الصقا به النقائص , ارفقوا باسمه اللعنات و الشتائم , ضعوه على هامش مجتمعكم , فهو عميل للشيطان . . . و لغط الناس باخباره و قالوا عنه : ساحر و مشعوذ و منوم مغناطيسي و سلب الناس عقولهم و اموالهم و الحق بهم الويل . و هزا المجتمع بكل من تبعه و امن بما يقوله و يفعله .      

     قصة قديمة , ترجع الى ابعد من عشرين سنة . و منذ ذلك الزمان , لم يتبدل بعد راي الناس فيه او تتغير صورته في اذهانهم . فاذا ما سالت احدا عنه ردد على مسامعك هازئا ما حفظه من اخبار السوء عنه , و اردف يقول بكثير من اللامبالات : " ترى ماذا حل به اليوم يقولون انه قتل في طهران و ان الحكومة الحكومة ابعدته من مدة طويلة و حظرت عليه دخول البلاد ثانية . . . الرجل انتهى منذ زمن بعيد و احابيله انكشفة للناس . . . "

     حسبنا ان نعرف ان اكثر الذين يعرفوننا عن كثب و يعتبرون انفسهم من المقربين اليه و يعترفون بمقدرته في افتعال الخوارق , و يحدثونك باعجاب عن خلقه و انسانيته و مبادئه و برائته مما نسب اليه ,يستحلفونك في نهاية حديثهم الا تنقل شيئ عن لسانهم بخصوصه , و ان تحفظ ذلك في سرك ولا تذيعه , فهم يخجلون و يخافون ان يجاهروا براي صالح عنه مخافة ان يحسبهم الناس اتباعه , فينبذوهم كما نبذو امثالهم من قبل .

     اما هو , فيعرف ذلك و يقول لك : " انا اعذرهم فالانسان , , مهم على شانه مطبوع على الضعف " .و لعل ابتعاد الناس عن هذا الرجل هو ما جعله يبتعد عنهم هو ايضا , .

     داهش , الرجل الاسطورة , اين هو ؟ من هو ؟ كيف يعيش ؟ من هم الداهشيون ؟ ما قصة خوارقه ؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعل الناس يامنون بمقدورته الروحية اذا كان من غير طينة البشر العاديين ؟ او لماذا لا يدعهم يامنون به على الاقل فيسيطر على عقولهم و ينتزع منها صورة الشر التي طبعتها مخيلاتهم عنه ؟

   و نحن في تحقيقنا عنه لا نتوخى انصاف الرجل او الدعوة للايمان به بقدر ما نتوخى القيام بتحقيق موضوعي مع داهش و عنه . سندعه يتحدث اليك و لاول مرة , يشرح لك مبادئه , يروي لك اسباب النقمة التي اثيرة عليه يبدي آراءه المختلفة , و يطلعك على طريقة عيشه و اسرار مقدرته غير العادية . و سينتقل اليك بعض الداهسيين بعض الاخبار عنه , و يكشفون الاسباب التي حدت بهم لاعتناق الداهشية و المجاهرة بها .

                   " نحن نؤمن بالتقمص "

     و الداهشية فكرة روحية قبل كل شيئ , يؤمن الذين يدينون بها بالتقمص . يقول داهش : " التقمص " رحمة الهية , و لو لم يكن هناك تقمص لهلك الناس , و لما كانت قوة الهية . فالمرء لا يمكنه التغلب على كل الميول و النزاعات : المراة , المال , الكبرياء , الكذب الخ . . . فالتقمص يكون بنسبة اعمال الانسان , و الانسان يتقمص بنسبة اعماله . و الذين يولدون من اصحاب الامراض و العاهات يكونون قد اوصلوا انفسهم الى هذه الحالة في تقمصهم الجديد , بالنسبة الى اعمالهم الشريرة في تقمصهم السابق . ما ذنب الولد الاعمى مثلا ؟ هو لم يولد اعمى الا انه اوصل نفسه الى ان يكون اعمى بالنسبة لاعماله في دوره السابق .

     ـ الدكتور خبصا : كل شيء يعود الى تاثير الروح . حتى الامراض الجسدية سببها حالات نفسية , و حتى السرطان نفسه !

   ـ الدكتور ابو سليمان : البرهان على ذلك ان اشخاصا من بنية واحدة اشقاء مثلا يتعرض بعضهم لمرض دون سواهم , و سبب ذلك حالة نفسية لا جسدية . فالمريض مريض بنسبة اعماله .

   ـ الدكتور داهش : الانجيل نفسه يذكر شيئا عن التقمص ( انجيل متَّى ) . فعندما شفى المسيح الخاطئة , قال لها مغفورة لك خطاياك . اليس ذلك دليلا على ان خطاياها كانت سبب مرضها ؟

           " التنويم المغناطيسي اكذوبة عالمية "

   التنويم المغناطيسي في راي الدكتور داهش تدجيل و كذب . و لا احد في العالم يستطيع ان ياثر على غيره . و بين النائم و المنوم اتفاق مسبق على كلمات مطلح عليها للسؤال و الاجابة بواسطتها . كما ان الاتصال الفكري المسمى telepathie لا وجود له البتة . و لعل في راي الدكتور داهش هذا ما يدعو للاستغراب , لان الكثيرين يظنون ان الظاهرات الروحية التي يدعوها هو و اتباعه خوارق ليست في الواقع سوى نوع من التاثير على النظر يجعل المشاهد يتخيل حدوث هذه الظواهر .

   و لكي يثبت الدكتور ان ليس لاعماله علاقة بالتاثير المغناطيسي , قال لي : " ساجري امامك تجربة بسيطة " . فقام و جاء بورقة بيضاء , و اخرج من جيبه ورقة نقدية من فئة الخمس ليرات   { لبنانية } , و قص الورقة البيضاء قطعة على قياس الورقة النقدية , ثم طواها بعناية , و قال : " اكتب اسمك على ورقة ثانية و احرقها " ؛ فكتبت و حرقت الورقة في صحن للسجائر امامي , و يدي اليسرى ما تزال مطبقة على الورقة الاولى . ثم جاء بمجلة وضعها على يدي اليسرى لحظة , ثم قال : " انقل الورقة الى يدك اليمنى " , ففعلت ز ثم قال لي : " افتح يدك " ؛ ففعلت . و وجدت الورقة البيضاء قد تحولت الى ورقة من فئة الخمس ليرات   جديدة , مطوية بنفس الحجم و الشكل و عليها اسمي , نفس الاسم الذي كنت قد كتبته على الورقة المحروقة . و كانت الخمس ليرات   الاخرى التي اخرجها من جيبه لا تزال على الطاولة .

     لم افسر الحادثة باي تفسير , و لم اسع لفهم اسرار تحول الورقة البيضاء الى ورقة مالية . قال داهش : " احتفظ بها . فستتمكن بواسطتها من حضور جلسة روحية " . اخذت الخمس ليرات   المطوية , و لا تزال معي و اسمي عليها .

               لماذا قامت القيامة على داهش

     تاثير مغناطيسي , سحر , شعوذة , قوة روحية . . . لعل عدم فهم الناس لشخصية داهش الحقيقية هو الذي حمل السلطات على ملاحقته قضائيا و قانونيا في عهد الجمهورية الاولى . و لعل قصة هذه الملاحقة و الاشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظن به و يتهمونه " بخراب البلاد و الحاق الشر بها . " فماذا يقول هو عن هذه القصة :

   " انا لم اتجاوز مرة القوانين الموضوعة . و اسباب نقمة الشيخ بشارة الخوري عليّ , و من وراءه نقمة السلطة و بعض الناس , هو ان شقيقة زوجته و السيدة ماري حداد , اعتنقت الداهشية على اثر جلسة روحية كما اعتنقها زوجها و اولادها و صهرها . و حاول الشيخ بشارة الخوري و زوجته اقناع السيدة ماري حداد بالتخلي عن عقيدتها الجديد هذا , فكان جوابها لهم ان الدستور اللبناني يكفل حرية المعتقد , و ان لها بالتالي حرية اعتناق اي مذهب تريده .

     " و عندما وجد الشيخ بشارة الخوري ان جهود الاقناع لم تجد نفعا , عمد اول الامر الى محاولة استصدار قانون يحظر عقد الجلسات الروحية في لبنان , لكن المجلس النيابي رد مشروع القانون بعد مناقشة عنيفة . و صدرت في اليوم التالي في الصحف الموالية تقول ان داهش سيطر على النواب و ان وجوده خطر على البلاد لانه يتلاعب بالعقول .

     " و زارني بعد مدة اسكندر رياشي و منير تقي الدين ليسالاني عن رايي في ذلك , فقلت لهما : انا عرفت منذ مدة , و في جلسة روحية , ان مشروع قانون سيعد و يرسل الى المجلس النيابي و يرد . و هكذا لم تجد السلطات مخرج قانوني لملاحقتي , لانها لم تاخذ عليّ ايّ ماخذ لكنها ارسلت عصابة من القبضايات لاغتيالي . و لم يتم هذا الاغتيال لان مساعدة روحية قد حصلت , فاكتفوا باعتقالي . "

     و عن تلك الفترة كتب حليم دموس في جريدة " الجمهورية " السورية في 9 ايار 1948 , ما يلي :

     " انا الان تحت سماء دمشق الفيحاء . انا الان ساغادر الى احد الاقطار الغزيرة للالتجاء اليها و الدفاع عن القضية الداهشية و مؤسسها . . . بالامس اعتقلوا في بيروت فريقا من اخوتي الداهشيين و بينهم السيد جورج حداد عديل رئيس الجمهورية و صهره الاديب الحلبي المعروف السيد جوزيف حجار و الدكتور المشهور فريد ابو سليمان و لم يجدوا السيدة ماري حداد في منزل ‘ الرسالة ‘ , و هم جادون في طلبها و طلب سواها بحسب الاوامر المعطات لهم من جبل " الطور " . و هذه هي المرة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون اي مبرر . "

     و لما لم يتمكن الداهشيون من الرد على الاتهامات التيكانت توجه اليهم في الصحف لان الصحف لم تقبل بنشر الردود عمدوا الى نشر كتب سوداء عن الشيخ بشارة الخوري وعهده . و عام 1952 , نشرت السيدة ماري حداد مذكراتها في جريدة " النهضة " . و مما قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها : " ايها اللبنانيون , يجب عليكم مقاضات رئيس جمهوريتكم الخائن الذي سرق اموالكم , و اغتصب حقوقكم و اعتدى على قانونكم و بعثر اشلاء دستوركم . . . و لما كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم , الا و هي و هي موت ابنتنا ماجدة , الضحية التي سيدفع ثمنا لها دما بدم كي يذوق مقدار الالام و الاحزان العميقة التي غمر حياتنا حتى ساعة مماتنا . . . و لما سخر القانون لمنفعته و منفعة ذويه . . . "

                         ماجدا . . . لماذا انتحرت

     و القصة التي لغطة بها الناس يومذاك اكثر من سواها هي قصة ماجدة حداد , ابنة جورج حداد و ماري حداد , التي اعتنقت الداهشية ايضا , و التي قال الناس بعد موتها انها انتحرت بسبب داهش . تضايقت ماجدا جدا من محاولة الشيخ بشارة الخوري لمحاربتي . و عندما شاهدت ان والديها و صهرها قد ادخلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشية , قررت الانتقام من بشارة الخوري و اغتياله . يومذاك كنت مبعد في حلب , فارسل الي الدكتور خبصا رسالة يخبرني بعزم ماجدا هذا فارسلة لها رسلة اقول لها انها ان فعلت ذلك لن تكون داهشية و ابشرها ان الشيخ بشارة الخوري ستنكسر يده قريبا , و يخرج من الحكم بصورة مذلة . غير ان توتر اعصاب ماجدا الناتج عن رغبتها الشديدة في اغتيال الرئيس بشارة الخوري و بين منعي لها حملها الانتحار , بنفس المسدس التي كانت ستقتل به الشيخ بشارة . "

                         داهش اليوم

     كيف يعيش الدكتور داهش اليوم , ماذا يفعل , كيف يقضي اوقاته . " كما يفعل سائر الناس , " ؛ يقول لك ؛ " اقضي سائر وقتي في استقبال الاصدقاء و الداهشيين و المطالعة و التاليف و اخرج للقاء الاصدقاء و ارافق ابنة شقيقتي الى السينما احيانا كثيرة "

     و تبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبه . من صالون الى صالون , كقصور الف ليلة و ليلة , ثراء و تحف و ذوق رفيع في الديكور , يرشدك داهش الى مكتبه و الى الكتب الموزعة في مختلف انحاء البيت الفسيح : " عندي اربعون الف مجلد لكتب فرنسية و انجليزية و عربية , و ستماية نوع من المجلات و الجرائد العربية القديمة و الحديثة , المحلية و المهجرية , و مجموعات كاملة لاعدادها منذ تاريخ صدورها . كما اني متعاقد مع ثلاثمائة مكتبة اوروبية و اميركية لتزودني باحدث الكتب و اثمنها . . . . ثمن هذا الكتاب خمسة الاف ليرة " . يخرجه من الخزانة و يتفحصه امامك باعجاب و سرور . " هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو . و هذه الانسيكلوبيديا حصلت عليها بصعوبة بالغة ,بعد ان اعلنت في الصحف عن رغبتي في اقتنائها , لان المكاتب العامة لا تحتوي عليها . . . كل ما تطلبه من كتب و مجلات تحتوي مكتبتي " .

     و اذا ما سالت الدكتور داهش كيف يامن معيشته , اجابك : " من واردات الكتب التي الفتها . "

     و بابتسامة لطيفة يودعك الدكتور داهش كما استقبلك , و يعرب لك عن امنيته بالاجتماع بك ثانيةً و في جلسة روحية .

القسم الثاني:

                               الله

كلمة رقيقة , عذبة , شفافة , اثيرية , مقدسة !

كلمة تلفظها الشفاه برعشة و خشوع !

كلمة ترددها القلوب برهبة و خضوع !

كلمة ينشدها كل يائس و بائس .

كلمة تعرفها البرايا من قديم الزمان .

كلمة يعرفها الطفل في سنيه الاولى .

كلمة هي البلسم الشافي للقلوب المتعبة .

كلمة لا يجاريها الكوثر في عذوبته !

كلمة تحوي سر الحياة باكملها !

كلمة تعلو على اية كلمة معروفة و مجهولة !

كلمة قويمة , صارمة , بتّارة , عميقة .

كلمة اختارتها القوة الموجدة لتكون رمزا لها .

كلمة قاسية لكنها عطوفة !

كلمة رهيبة لكنها معسولة !

كلمة عميقة و عمقها لا حدود لها و لا نهاية !

كلمة سماوية , ليست ارضية .

كلمة قدسية , ازلية , سرمدية , ابدية !

كلمة تضم في ثناياها اسرار الابد و خفاياه !

كلمة جبارة تطغى على ما عداها .

كلمة منتقمة , لكنها عادلة تبعث الاطمئنان !

كلمة مبكية , مفرحة , مؤلمة , مؤملة !

كلمة موسيقية اللفظ , روحية المعنى .

كلمة هي البداية , و هي النهاية !

يا لها من كلمة غذبة خالدة !

كلمة تضم الجبال و البحار , السهول و الجبال ,

و الغابات و القفار , و النجود و الاغوار ,

و كل ما هو معروف و مجهول

من مرئيات هذه الحياة ,

و الحياة الخرى ! . . .

نعم , يا لها من كلمة عذبة خالدة :

الله ! . . .

                   ضراعة لخالق البرايا

تبارك اسمك يا الله !

السماء تحدث بعجائبك ,

و الكواكب تنبئ عن صنع يديك ,

و السدم تذيع اخبار معجزلتك ,

و المجرات تنشر اخبار خوارقك ,

و الجبال الشامخة المشمخرة تطاطئ رؤوسها ,

و تخر هولا امام موطئ قدميك !

و الاشجار السامقة ترتعد من عظمتك فتلتجئ لرحمتك الشاملة ,

و البحر الجبار الثائر المتلاطم الامواج يخشع امام جبروتك العاصف ,

و العاصفة تنكفئ و تستكين امام مهابتك الالهية ,

و الصواعق تسكت و تخرس فلا يسمع لها ركز او ايقاع ,

و الزلازل تنكمش على نفسها فلا يسمع لها همسة او نامة ,

و البروق المومضة يخبو بريقها و يافل نورها امام انوارك العجيبة ,

و الرعود القاصفة تذعر من بهائك   و جلالك فتلزم الصمت الابدي ,

و اسود الاجام , و نمور الاكام , يحل بها الوجل , لخسيتك السرمدية ,

و مخلوقات الارض طرا تحني هاماتها

و تعفرجباهها بتراب نعليك المقدسيين .

ان عظمتك ايها الموجد لاعجز من ان يصفها قلمي المسكين .

ان فلاسفة الارض و ادباءها و حكماءها و كتّابها و فصحاءها

لاعجز من ان يستطيعوا وصف عظيم جلالك

وروعة جمالك , ولأ لاء بهائك !

أي موجدي و موجد البرايا معروفها و مجهولها ,

انني أضرع اليك بخشوع كلي

لكي تقيلني من عثراتي الكثيرة ,

وتغفر لي حوبي , و تمحو ذنوبي .

فأنا مخلوق ضعيف , ولا رجاء لي الا بك ,

فرحمتك وحنانك يشملانني , ويشملان الخلائق طرًّا .

انّ آثامي متعددة , وارتكاباتي هائلة رهيبة ,

ولكنَ رحمتك عظيمة وعفوك شامل .

فاشملني برحمتك وعفوك الالهيين .

آه , ما اعظمك ايها المهيمن الجبار !

وما ارحمك واعدلك بنا ,

نحن ابناء هذه الغبراء المساكين !

                           استسلام

عبثا يحاول ملايين الفلاسفة معرفة الالوهية

فحوادث الدهور قد مرت و هي تواكبهم

و القبور فتحت افواهها و صمت من الانام مواكبهم

الكل فان , و ليس من خالد الا الله و السماء

و مقاصده الخفية في خلقنا خفية حتى على الانبياء

فلنخشى , و لننضرع , كي نرتع في جناته السرمدية .

                       صلاة الفجر

اتبعيني يا بنيتي , لنذهب الى بيت الله

نرفع له الصلوات الصادرة من قلوب افعمتها الاحزان

و تامرت عيها احداث الازمان .

هيا اسرعي يا بنية قبل ان ينبلج الفجر ,

و ترسل عذرى النور خيوطهن المتألقة ,

فتبدد هذه الضلمات المتكاثفة .

هيا , يا بنية .

أنصتي جيدا ...

ألا تسمعين خطوات النسوة وهن يسرن بسكون في الطريق

ذاهبات حيث ( بيت الله ) ,

ليقدمن له طلباتهن ,

ويستغفرن عما اتينه من ذنوب واسرار خفية

يكتمنها حتى عن انفسهن ؟

اسرعي , اسرعي , فان الدقائق تمر متتابعة ,

وتلحق بها الساعات متسابقة .

هيا قبل ان يولي الوقت , ويأتي الفوات .

هلمي لنضرع الى العلي ليباركنا .

اسرعي , اسرعي , ما بالك تتوانين ؟

اولا تعلمين انه لم يبق من الوقت سوى مدة قصيرة لا تفي بما ينبغي ؟

دعينا نجثو في المعبد باحترام ,

ونقدم الى الخالق , عز وجل ,

كل ما تجيش به دخائلنا من ميول ورغائب مكنونة مستورة .

في الصلاة عزاء , يا بنية .

انها فرصة لا تتاح كل حين ,

فاسرعي معي , هيا , هيا .

لنترك شرور هذا العالم و ما فيه عند تطلع قلوبنا الى السماوات .

لنتناس الهموم والاتراح و المنغصات و كل ما في هذه الحياة .

لننس ويلاتها و شرورها .

لننس آثامها وغرورها .

لنتناس كل شيء , يا بنيتي , ونتجه نحو القدير ,

فنشعر بالسلامة والسكينة تخيمان فوق رؤوسنا ,

و نستشف العذوبة الروحية ,

و تستكين قلوبنا المتألمة من هذه الحياة ,

فنسعد , وان كنا ما نزال بعد في الحياة .

انصتي جيدا ... انها اناشيد سماوية !

انهم يرفعون كلماتهم المصوغة في قالب شعري

يسبحون بها خالق السماوات وباسط الارض

كي يغفر لهم ما اتوه من اعمال يستحقون عليها الحساب .

انظري الى عيونهم كيف اقفلت ,

وتمعني في ملامح وجوههم , و في اسارير جباههم .

انها تدل على خشوع كلي امام الخالق العظيم .

فلنخشع , يا بنيتي ,

و لنضرع الى الله كي يزيل عنا هذه الاوزار المثقلة بها ذواتنا

من ساعة ولادتنا الى ساعتنا الحالية ,

وحتى يأتينا داعي الموت فنذهب الى حيث ينتظرنا العقاب .

اسجدي , اسجدي , ايتها الطاهرة ,

لأنك ما تزالين صغيرة السن , يا طفلتي العزيزة .

ليتني مثلك , يا فتية .

انك ما تزالين نقية .

فاحرصي على طهارتك كي تبقي كالحمامة الوديعة .

لا تدعي الشر يتغلب عليك , يا بنية .

لا , لا , و ابعدي الأفكار الرديئة اذا ما ساورتك.

ها هي خيوط الفجر قد ابتدأت ترسل اشعتها النورانية ,

فتبدد الظلمات المكتنفة الهيكل .

اكملي صلاتك , يا بنيتي ,

قبل ان يعم النور أرجاء هذا المكان المقدس .

انظريهم يغادرون اماكنهم مسرعين ,

بعد ان انهوا فروضهم الدينية .

ها قد احتل النور ارجاء المعمور ,

وها قد لبس المعبد حلة بهاء , وسطوع وصفاء .

فهيا بنا , يا بنية , نرجع الى منازلنا .

ويا لحياة الانسان !

انها احلام تمر بنا ونحن لا ندري !

انظري , الم نكن , قبل ان نجيء الى هذا المكان ,

نرى الظلام يعم الارجاء ؟

ولكن انظريه اين هو الان !

ها قد تبدد و كأنه ما كان !

و هكذا سيحل في المساء , كما اعتاد ,

وسيولي هذا النهار .

وهكذا حياتنا تنقضي .

فما اشبهها بتوالي الايام , وكرور الاعوام !

الرحلة الداهشية الخامسة

الرحلات الداهشيَّة

حول الكرة الأرضيّة

مقدمة

هذه هي رحلةُ الدكتور داهش الخامسة، في سلسلة "الرحلات الداهشية حول الكُرة الأرضية". وهي، الحقيقة، رحلاتٌ ثلاث، في مواقيتَ غير موصولة، من عام واحد. بلغتْ، في تعداد أيامها، شهرًا أو قُرابَه. وشملتْ، على قِصَر زمانها، عَدَدًا غيرَ قليل من الدُّول الآسيوية، والإفريقية، والأوروبية: الشرقية والغربية.

والدكتور داهش، في رحلاته العالمية، ينهجُ نهجًا خاصًّا،

فَيُلِمُّ بمناحٍ شتَّى من بلدِ الرحلة: الاجتماعي منها، والثقافي، والاقتصادي... وهو لا يخرجُ، في هذه الرحلة، عمَّا اختطه لنفسه من نهج. فإذا به يشخصُ إلى المتاحف – هواه الأوَّل – والأمكنةِ الأثرية، والأسواق، والمحالِّ التجاريَّة، وحدائِق الحيوان، والملاهي، والقصور، والجوامع، والكنائس، والقبور، والفنادق الكبرى... يكاد لا يَدَعُ دقيقةً، من رحلته، تذهب هَدْرًا.

ولعلَّ أولَ ما يتسمُ به نهجُ الدكتور داهش، في أَدب الرحلة الدقة: الدقة في توقيت الحركات والسكنات، وسردِ الماجريات – وقد تغلو، فتختلطُ الرحلةُ، عِندَه، أحيانًا، باليوميات؛ والدقةُ في قدر الأشياء وتعدادها؛ والدقة في وصفِ ما تقعُ عليه عيناغه من طبيعةٍ، وبَشَرٍ، وعمران... حتى لتحسب نفسك رفيقه في السفر، والتأمُّل.

وما تلبثُ أن تنفذَ من السرد الذي يقتضيه أدبُ الرحلة إلى صفحاتٍ أدبيةٍ رائعة.

ويتسمُ نهجُ الدكتور داهش، أيضًا، بالموازنة بين ما يشهده في بلد الرحلة وما عايَنهُ في بلدان أخرى. ويغلبُ أن تكون اقتصادية.

وقد يعدوها إلى موازنةٍ "حضارية"، إذا جاز التعبير. وربما قابل مظهرًا راقيًا، في حضارةِ دولةٍ، بمظهر شائن فيها، كأنْ يعجب، في هذه الرحلة، لدولةٍ مثل النمسا كَفَتِ الوافدين إليها مؤونة الخضوع للتفتيش، وسَمحتْ، في الوقت نفسه، بقيامِ ملاهٍ متبذِّلةٍ على أرضها.

     ولا تخلو الرحلةُ الداهشيةُ من حوادثَ طريفة تضفي عليها المتعة، والحيوية. منها، ههنا، ما وقع للمؤلف، في أثناء بحثه عن موقع "المتحف الوطني للفنون" في طهران، حتى ليسوغ إدراجُه في باب الأقصوصة؛ على أنه "أقصوصةٌ" تنطوي على غير دلالة!

     والرحلةُ الداهشية حافلةٌ بالنقد العابر، والغمز اللطيف، والسُّخرية المُحبَّبة... كأنه ينبِّه المؤلفُ، في خلال الرحلة، إلى نقصٍ في فندق حلَّ به، أو صَغَر حديقةِ الحيوان في طهران بالإضافة إلى عظمتها؛ أو يُحجِمَ عن إصدار الحكم على حشودٍ الناس في بعض شوارع القاهرة، مُعولاً على نباهة القارئ؛ أو يفتش في سجل متحفِ زمبكيان، في بوخارست، عن تقويم أو عبارة إعجابٍ باللغة العربية، فلا يجدُ غير سطر واحدٍ مُبهمِ التوقيع؛ أو يخلص من محاورة "المسيح منومٌ مغناطيسي" إلى القول: "نِعم العصر، ونِعمَ المدرسة، ونِعْمَ الأساتذة العباقرة. عافاهم الله... وليحيَ النظام"... ولك، أيها القارئ، أن تخرج من ذلك كله بما تراه من مَعانٍ وعِبَر...

                     ***

     على أن الرحلة الداهشية ليستْ نُقلةً في الجغرافيا، أو في بعض أنحاءِ التاريخ، فحسب؛ ولكنها، أيضًا، سَفَرٌ إلى عالمٍ أبعد وأعجبَ، إلى عالم تصطخبُ فيه شتى المشاعر والخواطر والمطامح... إلى عالم داهش، إلى أعماقِ نفسه. ولعلَّه، في النهاية، الرحلةُ الأجمل!

     رحلةٌ تكتشفُ فيها غضبته عند اهتضام حقِّه، وعنادَه في استرداده؛ وَمَبْلغَ تعشُّقِه، بل تقديسه الفنَّ الحقيقيَّ الراقي...وما تلبثُ أن تكتشفَ، أيضًا، أحزانه الغامرة، وغربته الروحية على الأرض الزاخرة بكل ألوان الشرور والشقاء، ورغبته في الانعتاق منها، وحنينه الصَّاهر إلى الموت... وربما ساحَ بك في عوالمَ فردوسيةٍ حافلةٍ بالمُتَع العّذاب.

     ولا بدَّ أن يستوقفك، في تلك "الرحلة" الغريبة، سُخْطُهُ المُجَلْجِل الهادر على التردّي الأخلاقيّ المُخيف، المُنْذر بحربٍ ذرِّيَّة لا تُبقي ولا تذَر. وكأنَّ الدكتور داهش ما قامَ برحلاته العالمية إلا ليكونَ شاهدًا لعصره... وشاهدًا عليه، أيضًا!

                                           طوني شعشع

                                     نيويورك، في 8/4/1988

السفرة الأولى

إلى إيران

11 آب 1971

التأهُّبُ للسفرِ إلى إيران

اليومَ هو الحادي عشر من آب عام 1971. لقد غادرتُ القاهرة، بعد ظهر السابع من أيار 1971، أي منذ ثلاثة أشهرٍ وأربعةِ أيام، فيكونُ قد مضى 97 يومًا على نهاية رحلتي السابقة.

     نهضتُ صباحَ اليوم من رُقادي. وللفّوْر بادرتُ إلى ترتيب حقائبي، وفحصتُ جوازَ سَفَري، وشاهدتُ التأشيرة التي أخذتُها يوم أمسِ من سفارة إيران، بعد صُعوباتٍ وعرقلات، وحدّْث عنها ولا حَرَج!

     وبدأ الإخوةُ والأخواتُ يتوافدونَ إلى منزلي لوداعي.

     وما وافَتِ الساعةُ الرابعة حتى كان يحيطُ بي 35 أخًا وأختًا، بينهم الأخ شفيق المقدم الذي وصلَ ليلةَ البارحة من (كانو) بأفريقيا.

     وفي الساعة الرابعة والثلث، توجهتُ بسيارة الأخ هادي إلى المطار، وتبعتنا ستُّ سياراتٍ تُقلُّ الإخوة والأخوات.

     وصلنا إلى المطار، بعد عشر دقائق، وإذا بعَدد آخر من الإخوة والأخوات في انتظاري. فحييتُ الجميع، ثم أخِذَتْ لنا صُوَرٌ سينمائية وفوتغرافية.

     ودَّعتُ الجميع فردًا فردًا، ثم ذهبتُ برفقة الأخوين سليم قمبرجي ونقولا ضاهر المسافرين معي إلى إيران، وهَبطْنا إلى الصالة، يُرافقنا كلٌّ من الأخت أوديت كارَّا والأخويْن غازي شاهين وإيليَّا حجَّار.

     في الساعةِ الخامسة والثلث، وكنا قد أنهينا معاملات التأشير على جوازاتِ سفرنا، استدعينا للصعود للصعود إلى الطائرة، وهي طائرةٌ إنكليزَّية نفَّاثة.

     فصعدْنا إليها. وفي تمام الساعة الخامسة والنصف، درَجَتْ بنا على أرض المطار، في سَيْرٍ مُعتدِل، ثم انطلقتْ بأقصى سُرعتها؛ وكان دّويُّها يُصدِّعُ الآذان.

     وبعد نصف دقيقةٍ من انطلاقها على أقصى مَداها، ارتفعت في الفضاء. وإذا بالمذياع يُعلنُ أنَّ الطائرة متوجهة إلى عبادان الإيرانية، وأنها ستبلُغُها بعد ساعتين، وستسِيرُ بسُرعة 880 كيلومترًا في الساعة، كما أنَّها ستُحلِّقُ على ارتفاع 37 ألف قدم.

     وانطلقَ هذا الماردُ الجبَّار يَنهبُ الفضاءَ بسُرعةٍ مُخيفة

نظرتُ إلى أسفَل، فإذا بي أُشاهِدُ البحرُ بزُرقته الفيروزية.

     وبعد دقائق، كنا نطيرُ فوق اليابسة؛ وكانت تضاريسُ الصخور تبدو جليَّةً لنظري. واستمرتِ الطائرةُ في الارتفاع، حتى كنتُ أرى المباني وكأنها لُعَبُ أطفالٍ، من هذا العلو الشاهق!

     يا لله! في أيِّ عصرٍ نحنُ اليوم! إنه عَصرُ الذرَّة! عصرُ العِلْم! عصرُ انطلاق المارد من قُمقُمه الذي كان سجينًا فيه طوال قُرُون!

     في الساعة السابعة إلا رُبعًا، كان الظلامُ قد خيَّمَ على الأرجاء، والتهب الأُفُقُ بلونٍ جَمْريٍّ عجيب، عَلاهُ مُباشرةً لونٌ بُرتقاليٌّ ذو بريقٍ جذَّاب. وكشفتْ أنوارُهُ المتلألئة لونَ السماءِ الزرقاء، فضلاً عن ألوانٍ قُزحيةٍ رائعة؛ فغذا بهذه الألوان تبدُو في الظلام المخيِّم كأنها فردوسٌ عجيبٌ بأنواره السحرية الغريبة!

     وقُدِّمَ لنا العشاءُ طعامًا دَسِمًا. وكَسَرتُ بصلةً سعوديةً حملُتها معي لهذه المناسبة، فكانت لذيذة المذاق، رائعةَ الطعم، وقد استمتعنا بها، أنا والأخوان سليم ونقولا.

في عَبَادَان

في تمام الساعة السابعة والنصف، حطت بنا الطائرةُ في عَبادان. وقبل أن نهبطَ، بدتْ لنا المدينةُ من عَلُ، وهي مفروشةُ ببساطٍ عظيم الاتساع من "البرلَنْتِ" المُشِعِّ بأنوارِهِ المُذهلة؛ إذْ كانت عشراتُ الآلاف من المصابيح الكهربائية تملأ سَهلاً يرتدُّ عنه النظر، وهي تتلألأُ بأنوارها العجيبة.

وفورَ هُبوطنا من الطائرة، ذهبنا إلى قاعة الجُمرك؛ ففُحِصتُ حقائُبنا بسُرعة، وأُشِّرَ على جوازاتنا؛ وقد استغرقَ ذلك نصفَ ساعة.

بعدئذٍ، أوصلنا تكسي إلى "عبادان أُوتل"، بعشر دقائق. والفندقُ فَخم، رَدَهاتُهُ فسيحة، وغُرفُهُ مُريحة؛ ولكن أسرتهُ ضيقةٌ ومُتعبة حينَ النوم؛ وهذا نقصٌ يجبُ أن تتلافاهُ إدارةُ الفندق.

كانت الساعةُ تشير إلى الثامنة والنصف، حينما ارتديتُ (بيجامتي) استعدادًا للنوم؛ وبتوقيت بيروت تكونُ الساعةُ العاشرةَ ليلاً.

     وقد نَزلَ الأخوان سليم ونقولا في غرفةٍ واحدة، بينما استقلَّيْتُ أنا بغُرفةٍ أخرى. وما لبثتُ أن أويتُ إلى فراشي، طلبًا للنوم، بعد أتعاب النهار الآفل.

12 آب 1971

إلى الأهوازِ أو الجحيم المُتلظية

بعد أن دوَّنتُ حوادثَ الأمس، صباحَ هذا اليوم، وافاني الأخوان سليمٍ ونقولا. فهبطنا إلى قاعة الطعام، وتناولنا الفطور؛ ثم استقلينا تكسيًا إلى المدينة، وكانت الساعةُ التاسعة صباحًا.

     وعند وصولنا إلى السوق الرئيسيّ في عبادان، انتقلنا أنا والأخ نقولا ضاهر بتكسي آخر إلى موقفٍ مختصٍّ بنقل المسافرين إلى مدينة الأهواز.

     وانطلقت بنا السيارةُ تَنهبُ الأرضَ نهْبًا، بعدما تقاضى منَّا سائقُها 10 تومان عن كلِّ شخص، أيْ ما يُعادِلُ أربَعَ ليراتٍ لبنانيَّة ورُبعَ الليرة تقريبًا.

     كان الحرُّ مُميتًا، والهواءُ يَلفَحُ وجهنا كأنَّهُ قطعةٌ من السَّعير المُلتَهِب؛ فأسرعتُ بإغلاق زُجاج النافذة، وأنا أستعيذُ بالله العلي.

     وطالت المسافةُ في مَتَاهة هذه الصحراءِ الممتدَّة، واشتدَّ أُوارُ الحرارة الرهيبة، وكأننا في جوفِ أتُّونٍ متَّقدٍ بالنيران المتأججة.

     والأنكى أنَّكَ لا تَرى طوال ساعتين كاملتين أي نزلٍ أو مقهى تستطيعُ أن تلجا إليه، لتُبرِّدَ جوفَكَ بزُجاجةِ مُرَطبات، تخفيفًا لِمَا أصابكَ من عَنتٍ وإرهاقٍ هائلين.

     وصلنا إلى الأهواز بعد سير ساعتين كاملتين، وكانت الساعةُ قد بلغت الحادية عشرة والنصف، والشمسُ بأشدِّ توهُّجها، وأَرْهبِ تأَجُّججها، فهي تسلقُ المارة بحرارةها غير المحتملة.

     وقد جُلْنا في شوارع هذه المدينة، والتعبُ قد أخذَ منا، ونالنا بما يريد. وقد شربتُ زُجاجتي كوكا كولا مثلجتين.

     والأهوازُ بُنيتْ متاجرُها تحت قناطر، كي يستطيع السائرُ الاحتماءَ بواسطتها من حرِّ الهجير المُرعب.

     وعندما نالنا التعبُ، دَخلنا إلى مطعم، لا لنتناول الطعام

-     فالحرُّ الشديدُ يمنعُ الشهية – بل لطلب المُرطبات.

وقد طلبنا من النادِل بطيخًا أصفر؛ فأجابنا أن ليس في المطعم منه. فكلَّفناهُ أن يبتاعَ لنا بطيخةً صفراء؛ ففعل، وقطعها، ووضعها في صحيفةٍ أمامنا، دونَ أن يَضَعَ معها بعض قِطعٍ من الثلج ليُبردها.

     تناولناها، فإذا هي بلا حلاوة، فمنظرُها الخارجيُّ الجذاب غيرُ مخبرِها الداخليّ.

                    

               

إلى عَبَادان

ويا للرِّحلةِ الجَهَنمية!

توجَّهنا بسيارةٍ إلى عبادان، في الساعةِ الواحدة والنصف بعد الظهر. فانطلقتْ بنا بأقصى سُرعتها، وكانت الحرارةُ قد بلغَتْ أقصاها.

وضَعتُ يدي على المقعد الأماميّ، وسحبتُها بسُرعةٍ فائقة، إذْ إنَّني شعرتُ وكأنني قد أمسكتُ بجمرةٍ من النار المُتَّقِد، وذلك لتأثير الشمس في المقعد المغلف بالنابلون. وكان الهواءُ الجهنميُّ يُلفحُ وجهي، فأستعيذُ بالله من حرارتهِ الشيطانية.

وأَيمُ الحقّ، لقد ضاقت أنفاسي، وشعرتُ بخفقانٍ شديدٍ في قلبي. أُريدُ قطرةً من الماء المثلج، لأدفعَ بعضَ ما بي. ساعةٌ كاملةٌ مضتْ، والضيقُ آخذٌ بخناقي.

وفجأةً شاهدنا جمهرةً من السيارات؛ فأوقفَ السائقُ سيارتَهُ، وإذا بكاراجٍ وقد تجمهرَ فيه الناس، وكلهم قد ضاقْت أنفاسُهم لشدَّة الحرارة، فدخلوا إليه. ولحُسن الحظّ، كانَ فيه وعاءٌ كبيرٌ مملوءٌ بالثلج، وتسبحُ فيه زُجاجاتٌ من الكوكاكولا؛ فاختطفتُ زُجاجتين. وشربتهما بشهوةٍ قوية؛ وكذلك فعل الأخ نقولا.

ثمَّ أخذتُ قطعةً كبيرةً من الثلج بيدي، وعُدنا إلى السيارة التي انطلقتْ على مداها تُريدُ الوصولَ إلى عبادان.

كنتُ أُمرِّرُ قطعةَ الثلج على وجهي وعنقي ورأسي وزندي، طوال ربعِ ساعة، ذابَتْ بعدها، ولم يبق لها أيُّ أثَر. وقد نفعتني.

 

ضجعة الموت 1

 

تأليف

الدكتور داهش بك

جيوشٌ جرَّارة لاعداد لها تُدين له بما يريد... وكلمة قانون نافذ، ولو أنَّ فيها الموت الزؤام – غزا بلدانًا عديدة، ودكَ مدنًا كثيرة، وأسر ملوكها وأقيالها... وفتح البلاد – ودانت العباد... وفي النهاية سجد أمام المرأة الضعيفة: اذن فالمجد لا شك، منقوشٌ على جبينها أحرف من نورٍ ونار!

                                            المؤلف

أنا ظلٌ سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشى... والموت يقظة فتانة يحنُّ إليها كل من صفتْ نفسه، وسمتْ روحه، ويخافها من كثفتْ أفكاره وكثرتْ أوزاره... وبعد موتي سيقرأ هذا الكتاب أشخاص يأتون بعدي من ذلك العالم السحري الذي سأنطلق إليه "المؤلف"

رسوم الكتاب وخطوط

كلمة تقدير

يطالع القارئ في هذا الكتاب، نماذج متعددة من رسوم فنية مُمتعة من بينها خمسة وخمسون رسمًا رسمها الفنان الإيطالي (موريللي) وابتدع فكرها مؤلف الكتاب، مطابقة الأقسام "ضجعة الموت" وأناشدها!

    أما هذا الخط الرائع الجميل الذي يبدو للقارئ بين ثنايا هذا الكتاب في شتى صوره وألوانه، وفي مختلف روائعه وابدائعه، فحسب القارئ أن يعلم أن من قلم الخطاط الشهير الأستاذ محمد حسنى الخطاط الذي لا يكاد يخلو من مخطوطاته الفنية كتاب أو صحيفة مصرية أو شرقية.

والمؤلف يقدر في هذين الفنانين روح الدقَّة والنظام وسلامة الفطرة، وسعة الخيال!

أيتها الفتاة التي وهبتُك قلبي، وسلَّمتك زمام روحي، اعلمي انه ليس في وسعِكِ أن تدعيني أحلّق في سماء المجد والعلا – لا ! لا ليس ذلك في وسعِك... إذن لا بد لي من البحث عن شيء يسمو عنك بمراحل، وبه أُحلّق للعلاء كي ألتقى بما تحن اليه جوارجي، وما أطمح إليه، من حين وُجدت على هذه الفانية، حتى الآن!!

                                       المؤلف

توطئةُ الكتاب

لا يعرف لذّة الحياة من لم يسحق الألم العميق المُشبع...

ولا يعرف أسرار الوجود من لم تتكأكأ عليه حادثات الزمن فتصهره بنيرانها المُحرقة المُذيبة، فيتَّضح بعد ذاك في بوتقة الحياة من اختبارات الزمن القاسي، ولا يعرف معنى السعادة من لم ينزف دموعه الهاطلة الصادرة من قلبٍ كليمٍ ذاوٍ من شقاءِ الأيام الطويلة وحادثاتها التي تألبت عليه!...

وسعيد من صافاه الدهر بعد تحالفه عليه، إذ عند ذاك فقط.

يشعر بلذّة الحياة... ويتذُّوق حلوها السائغ بعد مرارتها المُميتة...

وعندما لا يبقى للنفس طاقة على احتمال أوجاع الأيام، وويلاتها المُتزايدة، وبعدما تبلغ الروح الترياق، تطلب بعد ذلك، الموت، وتستطيب لقاءه دون أي وجل... وبرغبةٍ صادقةٍ جامحةٍ لا يعترضها أي مُعترض1، ولا يقف أمامها حائل، فتصقل الأيام بعد ذلك العذاب المُحصن، ذلك المتألم... وتعلَّمه أسرار الحياة، وغايتها الخفية المجهولة...

ولو بكى أي من بني البشر كما بكيت... وبلا ما بلوت، وقاسى مثل ما قاسيت لغفر له الله أكبر الخطايا... نعم، أن الله ليغفر له أي أمرٍ لو تألم تلك الآلام التي تألمتها نفسى المُنسحقه، التي لم تعرف من السعادة غير اسمها!...

في ظلام الليل الحالك، كنت أنتحب ولا أحد يعلم بي... أرقب من وراء ستار حادثات الزمن علَّها تُنيلني ما أطمح إليه، ولكن دون جدوى. إذ شاءت الأقدار لي ذلك، ولا مرد لحكم القدر القاسي الذي لا تلين لـه قناة... وكانت تلك الحكمة المُعزية التي نطق بها الشاعر الفرنسي الشهير، (الفرد دة موسيه) ترو عن نفسي بعض الشيء، إذ قال: لا يحسب المرء في عداد الأحياء الا إذا تألم... وبدون ألم فهو ميت!

ولكن يا شاعري الفرد، أن الحقيقة الواقعة، الماديَّة، الملموسة، مُؤلمة للنفس والروح أن طالت، وليتها لا تطول...

إن جسمي أضعف من أن يحتمل صدمات الحياة العنيفة التي هدمت كياني، وكادت تقضي عليَّ...

قال لي أحد أصدقائي المُخلصين: إنك حادُّ المزاج لدرجة متناهية، ولم أرَ من يفوقك في عصبيتك وحدة أخلاقك، وكان قوله هذا إلى حد ما جرحت أحساس أحد الأشخاص بقارص كلام وجّهة إليه...

وهذه حقيقة اعترف بها، فأنا كما قال صديقي! ولكني أدافع عن نفسي بقولي: إن كل نفس دقيقة الحساسية، تسرع بالتفوه بالفاظ تمسُّ بها المحادث قبل أن يمسُّها، وهذه ظاهرة يعرفها كل من له المام بعلم النفس وقد حكم عليَّ القدر الساخر بآلام نفسية شديدة الوطأة على نفسي فحطَّمها ورزحت تحت أثقالها التي لا طاقة لي بها، لقسوتها المُتناهية عليَّ...

بالآلام نفسي، أكتب الآن، هذه السطور.

وبتأثري البالغ، أخطُّ ما أخطّه...

وبحزني الشديد المُتزايد، أشرح ما أريد شرحه...

وبدموع عينيَّ الفياضتين أغمس ريشتي هذه،

وبخفقات قلبي الهائم، أعبّر عما يجيش في نفسي من آلام وآمال...

هذا ما يشعر به احساسي، وهذا ما أستطيع أن أقوم به، وليس من يكتب للهو، كمن يكتب للحقيقة، مصورًا لأمة وما تكنهُ نفس من الرغائب والميول...

إن قلبي يخفق بالحب للجمال، ومن أدرك سر الجمال، فإنه قد خطأ خطوات واسعة في فهم أسرار الأزل والخلود...

ومن كان بعيدًا عن حب الجمال، فإنه لا يفقه معنى الحياة. ولا النهاية المجهولة فالحب يفتح مصراع ما أُغلق فهمه على بني البشر – نعم، هو الحب لا غير!

أما الرؤيا الغريبة هذه التي كتبتها، فلم تكن الا صورة لحالات وتغيرات طرأت عليَّ، تبعًا لحوادث معينة، من مُفرحة ومُحزنة، ومُؤلمة ومُغضبة، ومُكتئبة – ومُبكية، وهادئة وسعيدة، وغيرها من شتى الميول البشرية التي تحدث مع العموم، وفي كل آن!

لقد كتبتها وأنا تحت سلطان قوّة قادرة قاهرة، غير منظورة، إو كانت توحى إليَّ ما أسطره، فأصوّر ما يكمن في أعماق أعماق نفسي من آلام مرزحة مُضنية، وأفراح مُبهجة سارة، وشكوى قاسية مريرة، وأتراح مكئبة مُبكية، وغيرها...

فجاءت بعد ذلك مسكوبة في قالب طبيعي، لأزخرف به. ولا تكلف فيه! وأيم الحق، لم أمسك قلمي لا دفعة لسيدي كي تخطَّ ما تخطُّ دون فكر وتروٍ ولكني شعرت بنداءٍ خفيّ، يدعوني لخوض هذا العباب، فأصخت لذلك الهمس الخفيّ، وشعرت بدافع قهري غريب غير منظور، يحرك يدي للكتابة، فاندفعت الأفكار الى مُخيلتي، مؤلفة كلماتٍ مرتبة، سطرتها يد الألهام، فجاءت مُتابعة، مُتناسقة، مُتكاملة، ذات معانٍ سامية، ترمز إليها، وتخيلات واسعة، تسبح الأرواح فيها فتسرُّ...

إن لمس تلك الأنامل السحرية التي شعرت بها عندما كتبت هذه السطوُر، لا تزال تؤثر في نفسي، وتثير استغرابي، فتخفق روحي في داخلي مُضطربة مُهتاجة!...

أوّاه، يا عرائس الخيال الغير منظورة! ليتني أعيش معكنَّ، فأتذوق السعادة حتى الثمالة، ولكن أنّى لي ذلك، وأنا لا أزال أرزح تحت أثقال جسمي المادي...

إن تلك الفتاة التي أوحت إليَّ أن أكتب هذه الرؤيا، لهي أجمل في نظري من حوار الجنان، وربات الحسن والدلال، وابتسامتها أجمل من ابتسامة الملائكة...

وعيناها تفوقان جمالاً، عيني المهى،

وصوتها الموسيقيّ أطرب إلى أذني من خرير الأنهر الكوثرية...

أُغمض عينيَّ فأراها ماثلة أمامي، وهي تنظر إليَّ بعينين ناعستين، مُكحولتين، ذابلتين، مُنشدة أيّاي نشيد (الحبُ والهوى) لابن نشيد الشباب المُضطرم المُستعر، وأبقى هكذا، مُتخيلاً طيفها القريب أمامي بعين الخيال، والبعيد لدى الحقيقة الواقعة، إلى أن أراها وقد احتاطتها حوارى الغاب وعرائس المروج، واذ بها تفوقهن حسنًا وجمالاً...

فيرقصن أمامي جذلات، مراحات، فرحات، ضاحكات، هازجات، ويغنّين لي أغاني ما سمعت بها أذن سوى آذان الآلهة العظام...

وفي تلك اللحظة فقط، أسبح مع فتيات الآلهة إلى ما وراء الهيولى، فترى روحي كل شيء، وتعرف أسرار الأزل والنهاية، ومعنى الحب والبغض، والموت والحياة، وما هو الخلود، فترتعشنَّ نفسي أجلالاً وهيبة، من رهبة الأبد الخفيّ، وأطلب منهن اعادتي، فيحملنني مُجتمعات حتى يوصلنني إلى الأرض التي كنت عليها...

ولا يلبسنَّ طويلاً حتى يودعننى بعدما تطبع كل منهنَّ قبلة على شفتي، ويرحلٌّن الى ما وراء الغيوم المتلبدة، فاحترق بنيران حبَّهنَّ المُذيب، وافتح عينيَّ فإذا بي وحيد فريد، ولا مؤنس لي غير الوحشة القاتلة، فأطلب من الله أن ينهي حياتي المؤلمة هذه، ويجمعني بمن تملك هواها فؤادي، وطغى حبها عليَّ، فاغرقني ولا منقذ لي سواها!...

نعم، ليست هذه الرؤيا التخيليَّة التي كتبتها، الاّ من موحيات خيالي...

إنها تغاريد البلابل، وهديل الحمائم، ونواح اليمائم،

إنها أغاني الصباح البهيّ، وأناشيد المساء اللازوردي،

إنها حياة الطبيعة في يومٍ ربيعٍ زاهٍ، فتموج بالزنابق والرياحين،

إنها الندى المُتساقط على النراجس المنتشرة في المروج،

إنها النسيم المداعب شعور الصبايا الخفرات،

إنها أغنية العاشق المعشوقة الحسناء،

إنها دروس الليالي والزمن،

إنها وليدة الدهور والأجيال،

إنها نشيد لا تملُّه الأسماع،

إنها لحن الطبيعة وسرُّها الخفيّ،

إنها قيثارةٌ لا يعزف عليها سوى العشاق،

إنها سرّ لا يعرفه إلاّ القليلون!

إنها ذكرى لي يعد اجتيازي سن الشباب،

إنها عزائي بعد أن يكلّل هامتي المشيب،

إنها نفثات شاب حزين،

إنها تُظهر خفايا نفسي وكوامِنها،

إنها تصوّر الآلام التي قاسيتها بسببها، ولا أزال،

إنها تصوّر ابتساماتي ودموعي، وأحزاني وسروري،

إنها كحوارى الجنان التي لم تقع عليها سوى أعين الآلهة!

إنها جنةُ آمالي التي أرتفع بين أزهارها التي لا يصيبها الذبول...

إنها تصوِّر فيَّ شتى العواطف والميول!

إنها من وحي فتاتي (ديانا) المعبودة مُنافسة (أفروديت) ربَّة الجمال

إنها كتاب "ضجعة الموت" أو "بين أحضان الأبدية!!....

                               الدكتوب داهش.

الآلهات الست

الإلهات الست

الشاب

ربة الحب

لقد انقضى ذلك العهدُ، عهد الشباب ورغباته.

ربة الحُبّ! لقد اندثرتْ مُيوُلُه، وَاحَرّ قلبَاه، واضمحلت آمالُه.

فالعذارى الفاتناتُ، مَا عُدن ليستطعن أن يؤثرن على نفسي المحطمة، وقيانُ الفراديس لو احتطن بي وعانقتني أبد الدهر،

لما اهتزَّ لهن وترٌ واحد من فؤادي.

وعرائسُ الأنهار، ما عدن اليوم يفتنني، مثلما اعتدن مني في السابق.

وفتيات الرؤى والخيال مَا عدن ليسحرنني، وما عدن ليبهرنني.

وحواري الجنان ما عادت أناشيدُهن السماوية لتحلَّق بي في الطباق الشفافة.

وبتُ أرى جميع أطايبِ هذه الحياة الخادعة،

كأحلامٍ وأوهام، تتلوها عِبَرٌ وغيرُ جِسَام.

ولذا فقد ماتت رغائبي العذبَة ولن تستطيعي إعادة الحياة إليها.

ربّة الحُبِّ لا تحاولي المُحال عبثًا.

دعيني أعانقُ أطيافَ الأحلام، واشباحَ الظّلام.

برَبكِ يا عروسَ الحُبِّ والهَوى والهيَام.

ربة الحب

والشمس أيضًا تأفلُ أيها الشابُّ، ولكن إلى حين، كي تعود فتغمر البطاح بنورها الذهبي الوضّاح. والبدْرُ الساري في قبة الفضاء تحجبهُ الغيوم.

ولكن سرعان ما تبدّدها الرياح فيعود إليه ازدهاؤه وصَفاؤه.

والكواكبُ النيرة، يخبو تألقها حينًا، لتعودَ أشدَّ توهجًا وسطوعًا.

والزهرةُ العبقةُ الناعمة البراعم.

تموتُ لتعودَ وتحيا ثانية فتُعطِر الجوَّ المحيط بها.

والكناريُّ الغريد تعروهُ الكآبةُ فيصمُتُ عن صدْحهِ العذبِ حينًا،

ولكنّه يعودُ فيملأ الغياض بترانيم الحُبِ،

شاديًا عند بزوغ ذكاء بأنغامٍ ساحرة،

معوَّضًا عن صمتهِ، بترانيم سماوية، لا تملها الآذان.

والنسيم الشفافُ يخضع لهذا القانون أيضًا،

ولكنُه يعود كسابق عهده مُنعشًا بليْلاً.

والسُهول والجبالُ والبحارُ والأنهارُ والأطيارُ والأزهارُ،

جميع هذه خاضعة لهذا النظام.

فابتهجْ أيها الشاب لأن شمسكَ قد اذنتْ بالشروق بعد ذياك المغيب.

الشاب

ربة الحب   ياما أحيلى ما فُهمت به ويَامَا أعذبَه.

          أما أنا الذي حطت عليَّ الآلام الجسامُ

فقد غرُبت شمسي، وما عادت بعداليوم لتنير.

وموسيقى الأيام الغابرة، ابتدأت تتلاشى شيئَا فشيئًا، وبعد قليل ستصمُتُ حتى النهاية.

لأنّ القيثارة السحريّة التي طالما حبتني بأنغامِها السماويَّة حطمها مرورُ الأيام، وكرورُ الأعوام
وقد اختبرتُ الحياة، وتذوقتُ مرارتها العلقمية بكؤوسٍ طافحة من سَائلها الجهنّمي الكريه المذاق.

والخيانة البشرية نالني منها أشدّ أنواع البلاء، وأعمقُ النوائبِ والأرزاء.

وأينما اتجهتُ. والى أية ناحيةٍ انتحيتُ، كنتُ اصطدمُ بأمورٍ لا تُحصى من المكر والرياء، فمثلتْ نفسي ولكن مّا شاهدتهُ من شرور، وتحطَّم قلبي مما لمسَهُ من فجور.

وقد تأكّد لي أن هذه الدنيا، ليست سوى مَهزلة المَهَازل وأُضحوكة العَوالم الأخرى.

لهذا عافتْ نفسي الأرضً وقاطِنيها، علها تحظى بعد موتها بباريها.

ربةُ الحب

وكم من الأعوام اجتازت بكَ حتى دعتك تبلو مَا بلوْت.

وكم من أبناء بجدتكَ ارتبطتَ معهمْ بأواصِرِ الرغباتِ

حتى نالكَ على يديهم ما بهِ تفوَّهت.

وكم هي المناظِر المفعمة بالألم التي شاهدتَها حتى أصبحتَ تَعافُ مرئيّاتِ هذه الحياة.

وكم هي الميول التي اعتلجَتْ في ثنايا نفسِكَ الفتية حتى أصبحتَ تحمل أثقالَ الجبالِ وما فيها.

وكم هي الأحلام التي سَاوَرتْك في ظلمات الليالي فأسَرتكَ بعذبِ أمانيها.

وكم من الحُبِّ الهنيئ المنشود الذي مرَّ بك

دون أن تستطيع الدنوَّ من حظيرته المترعة بالسعادة.

وكم من الآمال الهانئة التي ما استطعتَ لها تحقيقًا،

رغم اندفاعِكَ لتحقيقها الصعب المنال.

رويَدكَ يا فتى الأحزان.

واعلمْ بأنني سأدعُكَ تحيا بعد اليوم حياةً لا صلة لها بالماضي.

ايها الشابُ ابتهج فإنني سأجعل أيامكَ المقبلةَ سلسلة أفراحٍ متواصلة

وسأكلل ثغرك الحبيبَ، بابتسامةِ فرحٍ وأمان، وهدوءٍ واطمئنان.

الشاب

ربةَ الحُب والطير الذبيح يرقصُ أيضًا وهو يجودُ بالروّح ولكن ألمًا لا طربًا.

والأشجار تشدو عندما تثور ثائرةُ الريح، ولكنه شدوُ الوالهات.

والبلبل السجينُ يترنّم بالأناشيد التي طالما تغنّي بها في زمان الحرية.

والأزهارُ رغم انفصالها عن سُوقها المغروسة في الأرض يبقى لها ضوعُها وأريجُها.

والشمسُ أيضًا ترسلُ أنوارها في فصل الشتاء البارد الكئيب.

والصيفُ لهُ روعتهُ ولهُ بهجتهُ.

ولكن شتان بين روعتِهِ، ورقة الربيع ونشوته.

والأحلامُ الممتعة لها رُواؤها وبهاؤها.

ولكن يا ما أقسى الخيبة المرّة عند اليقظة.

ربة الحُب لن تستطيعي يومًا أن تزيلي عن نفسي

تلك الغيومَ التي تملأ صفحتها،

ولن أشعرَ بعبيرك الشذية الذي تتمناه الآلهة في عليائها,

ولن أتوقَ إلى أيّ أمر تحويهِ هذه الحياة المتباينة النزعات،

ولن أتمنى بعد اليوم أية ناحية تمليها علىَّ عديدُ الرغبات.

نعم فقد مضى ما مضى وذلك العهد القديم قد انهارَ وانقضى.

كيف سقطت سقطة الموت المدمرة

يدي المزلزلة

كيف سقطتُ سقطة الموت المدمِّرة

 

سترافقني حتى أزورَ أرماسي

                 

الآلامُ سرتْ من أسفل قدميّ حتى قمّة رأسي

وامتزجت بدمي، وحطّ كلكلُها عليّ فكتم أنفاسي

أنهكني، روّعني، مزَّق وقطع أمراسي

زارني عضوًا فعضوًا، فزلزل كياني وهدَّم أساسي

فصحتُ من الآلام المُرعبة، وليس من يؤاسي

لله! يا ألم الهول! كم تُراك عليّ قاسي

أفقدتني لذة الحياة، وجرّدتَ إحساسي

أنا لا أستطيع حراكًا لأرتدي لباسي

عفتُ الطعام والشراب فحطَّمتُ كاسي

لله، ما أرهبَ ما حفَّ بي من أفظع المآسي

الداهشيون أين هم ليلمسوا آلامي، أين أُناسي؟

أنا – ولو شُفيتُ – فآلامي الهائلة لستُ بناسي

وسترافقني ذاكراها الفظيعة ولو ثويتُ في الأرماس

                                     الولايات المتحدة الأميركية

                                الساعة 9 ونصف من صباح 25/4/1976

يدي المزلزلة

كيف سقطت سقطة الموت المدمرة

فرحتُ أجري

في الساعة الرابعة كتبتُ القطعة التالية

أصف بها وقعتي المشؤومة بتاريخ 16/4/1976

وبعدَ أن فكرتُ بأمري            أحببتُ تقصير عمري

                فرحتُ أجري

وطرتُ فكأني فتيّ                مع أن عمري عتيّ

                وبالي خليّ

وإذا بي كالصخر أهوي           والموتُ مقبلٌ نحوي

                قائلاً للبيد دعنا نطوي

وانبثق في فمي دمُ               وحولَ عيني كَدَمُ

                وبشفتي جرحٌ يسمُ

وذَقْني بالأرض ارتطمتْ          فصحتُ لقد تحطَّمتْ

                لله! أعضائي قد تهشَّمَتْ

ويدي من قوَّة الصدمة سُحِقَتْ    وروحي لعِظم آلامي زُهِقَتْ

                وحالتي شفَّتْ ورُقَّتْ

وساقي تمزقت عضلاتها         فاشتدتْ آلامها وتفككت صلاتها

                وإذا بموسيقى الآلام تعزف أناتها

وظهري لمعَتْ بروقه             فإذا هو يُعلنُ أوجاعه ببوقه

                     والعودة إلى العافية تشوقه

تفكَّكت ذرّاتُ جسمي             وعُجنَ لحمي بعظمي

                     ترى ألمْ يكنْ من يعظني؟

وحُمِلْتُ إلى المستشفى           لعلَّ وعسى أن أُشفى

                     فرشفتُ الدواء رشفة إثر رشفة

وبغرفةِ المرضى وضعوني        ولغرفة الكهرباء أدخلوني

                     وفيها ثمانية صوّروني(1)

وقلبي خططوه                   وفمي رطبوه

                     كأني حملٌ قد طَهَوه

وأسناني اصطكتْ وعلا صريرُها   كأنها مريضة تحتضر على سريرها

                     أو مُقنبلات تفجر عويلها

وحُمِلْتُ لمنزل العزيزة فوته       أطلبُ من ربي غوثه

                     وأصوات خفية تردِّد: اليوم يوم موته

وليلة ليلاء قضيتُها              بأنينها وموتها

                     ولست أدري كيف طويتها

ويدي تورمتْ فأصبحتْ مُخيفة    بعد وقعتي الرهيبة العنيفة

                     فحمدتُ ربي إذ بقيت حيًّا ولم أستحِل لجيفة

واليوم مضى على الحادث أيام عشرة فقد تغيرتْ معالمي وتشققت البشرة

                      فمتى يا خالقي أشفى إذ هذه هي البشرى

                                     الولايات المتحدة الأميركية

                                     الساعة 4 بعد الظهر تاريخ 25/4/1976

يدي المزلزلة

كيف سقطت سقطة الموت المدمرة

وَغَرَّدَ طائِر الجنة يُبشرُني

هذا هو اليوم الثاني عشر لسقطة الموت التي انقذني الله منها ووقاني.

وكان نهوضي يصحبه ألمٌ كبير، فساقي ألمها هائل، ويدي أوجاعها رهيبة، وورمها عوضًا من أن يخف ازداد منظره هولاً. وقد أوحى لي الألم بكتابة هذه القطعة.

     وإذا التمعت بروقُ آلامي،

وازدادت أوجاعي، وعظمتْ أشجاني،

وإذا قضيتُ الليل ساهرًا أجترُ أحزاني،

رفعتُ صلاتي الحارة لخالقي وأنا ساجدٌ في مكاني،

شاكيًا إليه، مَن أذلَّني ومن ابتلاني،

ضارعًا لسدَّته أن يعصفَ بمن شجاني،

ومن لبَّدَ سمائي بالغيوم وأزال اطمئناني،

وإذا بطائر الجنَّة الغرّيد يبشرني بحنانِ

بأنّ يدي قد أصبحتٍ قويةً كايماني،

فدُهشتُ للمُعجزة وتوطَّد إيماني،

وفرَّتْ الآلام مذعورةً مُطلقةَ العنانِ،

فسجدتُ خاشعًا مُتبتلاً شاكرًا خالقَ الأكوانِ.

                                           الولايات المتحدة الأميركي       

                           الساعة 8 ونصف من صباح 27/4/1976

وتضعُ على رَمسي باقاتٍ منَ الزهر

والآن ليسَ لي سوى الصَّبر

على شيء حلاوتُه أمرُّ من الصبر

رفعتُ شكواي لربي من ظلم الدهر

أذاقني أشد البلوى، فبتُّ رهين القهر

تُرى هل ستوردني يدي مواردَ القبر

فتزورني فوته وتضع على رمسي باقاتٍ من الزهر

والشتاءُ يبكيني ثم يصبُّ ماءَهُ في النهر

واهًا على حياة قضيتها شقيًّا في طريقٍ سهولها وعثاء كالوعر

عشرون يومًا مضتْ وآلامها في دمي تسري

أصبحتُ رهينَ فراشي مُعذبًا فيه، فيا لأسري

أئنُّ فيه مُتوجعًا مُلتاعًا، والآلام كبدي تفري

لذا أضرع لخالقي أن يرحمني فيضع حدًّا لعمري.

                                           الولايات المتحدة الأميركية

                                     الساعة 10 ونصف من ليل 3/5/1976

خيال مجنح

كتاب

خيال مُجنَّح أو حياة في القمر

وكتاب

وشوارب مستطيلة ولحى وبيلة

كتاب

خيال مُجنَّح أو حياة الأحياء في القمر

كانت الساعة السادسة والنصف مساءً، والتاريخ 11/1/1978، وكنا ثلاثة رجال وامرأة.

     وقالت السيدة: "ليتنا نصعدُ إلى القمر ونقطُنه".

     فقال أحد الرجال: الحياةُ في القمر تختلفُ عن الحياة على الأرض. ولكن ستبنى مركبةٌ قمرية تستوعب ثلاثة ملايين مُسافر، والرحلةُ الى القمر ذهابًا وإيابًا كلفتها 1000 دولار. وأحياءُ القمر يختلفون عن سكان كوكب الارض، إذ إن طول الرجل القمري 100 متر، وبعضهم 200 متر. والرجل فيه كعصًا، وصدره لا يتعدى ثلاثة سنتيمرات، وكذلك النساء. وعيون أحياء القمر مشقوقةٌ طولاً، وكذلك أفواهُهم فهي تُفتحُ بالطول وليس بالعرض كأبناء الكُرة الأرضية والعصفور القمري حجمه حجمُ الحوت الضخم، أي بطول 30 مترًا وعرض 10 أمتار، وهو يتخذ كمركبة يسافر أبناء القمر بواسطته إلى الكواكب. فسرعته 300 الف كيلومتر في الساعة, ويسع ظهره 2000 راكب، وفيه نتوءاتٌ ليجلس المسافر براحةٍ، فلا خوف من سقوطه، إذ إنه يدخل في فوهةٍ لا يظهر منها إلا رأسه. وقد خلق الله هذه الطيور على صورةٍ تسمح بأن تحمل على ظهورها الخلائق براحةٍ تامة، ودون خوف السقوط إطلاقاً.

     والعصفورُ القمريّ أذكى من أبناء الأرض بمراحل. فهول لا يسمح باعتلاء ظهره إلا بعدما يدفع المسافر ثمن التذكرة، فيضع العصفورُ المبلغ في فتحةٍ بصدره. فإذا كان المبلغُ ذهبًا، فيضعهُ في الفتحة اليُمنى؛ وإذا كان ماسًا، ففي الفتحة اليسرى، فالذهب والماس موفوران في القمر للغاية.

     وسكان القمر توجدُ لكل منهم عين في جبينه، وهي تُفتحُ كذلك بالطول، وليس بالعرض.

     وتوجَد أيضًا طوائف عديدة: فالسريان عددهم 12 ميلونًا، ولغتهم السرياني. والمسلمون عددهم 20 مليونًا. كما توجدُ أديان عديدةٌ أخرى كديانة التولباقيين والبروشانيين والسوساكروسببين والمؤسابلوقريين، وهي ديانات أسسها أنبياءٌ هبطوا من الكواكب الموغلة في الفضاء، فاعتنقها قبائل أهل القمر وبنو معابدهم يقيمون فيها الصلوات التابعة لتلك الكواكب.

     فالتولباقيّة تحملُ ابنتها بين يديها وتُضحّي بها لإلهها تولْباق. والإسلامُ عُرف في القمر بعدما وصل إليه عددٌ كبير ممَّن توفاهم الله على الأرض وكانوا قد أوصلوا سيالاتهم إلى القمر، فوجدوا فيه ونشروا الإسلام. وكذلك السريان، فإنهم نشروا ديانة السيد المسيح في أرجاء القمر.

     وطعامُ أهل القمر من أثمار الأشجار، إذ توجَدُ في القمر منطقةٌ مُلتهبة أشجارُها ناريَّة، والطعامُ فيها ساخنٌ للغاية، فكأنه قد أُخرج فورًا من القدور التي أنضجت طعامها النارُ المتأججة.

     كما أن هناك أشجارًا في منطقةٍ ثلوجُها أبدية، وأثمارُها باردةٌ تصلحُ لفصل الصيف الشديد الحرارة.

     ونساءُ القمر يرتدين أوراق شجرةِ الخنفدريس المخملية. فكل ورقةٍ منها تلبس ست فتيات لعظم كبرها. وهي متينةٌ جدًا، ومن الممكن ثنيها وتفصيلُها فورًا دون الحاجة إلى خياطتها، إذ إنّها عندما تُطوى على الصورة التي ترغبُ فيها الفتاة تلتصقُ فورًا، ولا يمكن بعد ذلك فصلُها لشدةِ تماسُكها. وهكذا تستطيع الفتاةُ أو الرجلُ أن يفصلا أيةَ بذلةٍ بالمقاس الذي يرغبانه.

     وهذه الأشجارُ يملكُها الأغنياء، فهم يعتنون بتربيتها، ويسوِّرون أماكَن زراعتها باسلاك تنسجُها حيواناتٌ كالرُّتيلاء؛ والرتيلاءُ بحجم فيل ضخم. وهكذا تُسَوَّر أمكنةُ هذه الأشجار، فلا يستطيع أحدٌ اقتحامَها، وكلُّ ورقةٍ منها تُباع بالمقايَضة.

     والدجاج في كوكب القمر بحجم ثلاثة فِيَلَة. وذبحُ الدجاجة تتولاه آلةٌ كالجيلوتين، ولكنها ضخمةٌ للغاية، إذْ ينزل سيفٌ رهيفٌ مديد الطول فيقطع رأسها بلحظة. ويُباع لحمُ الدجاجة بالمقايضة أيضًا، وهي تكفي 3000 نسمة، وعظامها يُبنى بها منزلٌ ضخم لا تؤثرُ فيه العواصف، ولا الحرارةُ أو البرودة.

     أمَّا تجاويفُ العظام فتُستعمل كمواسيرَ لمرور الماء إلى داخل المنزل. ولتخزين النبيذ المأخوذ من ثمرة الجوبارجوبيا، وهو يفضلُ نبيذ الأرض بمراحل.\

ومتعاطيه يشعرُ بغبطة وسعادة تحتويانه. وثمنُ الزجاجة منه ستُّ قِطَع من الماس، ومقاسُ كل ماسة ستةُ قراريط، إذْ في القمر جبلٌ هائل من الماس. فالجبال في الأرض حجارةٌ وتراب، والجبلُ القمريُّ ماسيٌّ يملكه الامبراطور خورشاندميون التاسع حاليًا، وهو إرثٌ عن أجداده وآبائه. والامبراطور يُوزعُ الماس على سكان القمر لقاء أشغالهم التي يُكلفهم بها كمشاريع عامَّةٍ تُفيدهم واصلاح الطرقات وتشييد المنازل الخ...

     وعندما يموت رجلٌ أو امرأةٌ يبتدئُ جسدُه يتقلَّصُ شيئًا فشيئًا، فيعرف بأنه سيُغادر القَمر. ويستمر التقلُّص شهرًا كاملاً يُصبحُ في نهايته بحجم السيجارة، ثم يختفي.

     فيعرفُ أهلهُ بأَنَّه قد انتقلَ إلى كوكب السوفيا، وهو كوكبٌ يمكث فيه المنتقلُ إليه ردحًا من الزمن، ثمَّ تصعد روحُه إلى درجةٍ سامية أو تهبطُ إلى درك سفلي بنسبة سلوكه وما قام به من خير أو شرّ في عالم القمر.

     وإذا كان شريرًا فيتجسدُ بدرك الأبالسة كطفل. فيتلقاه إبليسُ الرجيم بين يديه، يرافقه حارسُ الدرك السفلي اللعين وهو يتوكأُّ على سيفه ذي الراس الشيطاني.

     والحبُّ في القمر غيره على الأرض. فعندما يُعزم الشاب بفتاةٍ قمرية يصفعها على وجهها بجُمع كفه.

     فإذا برزت على راسها شجرةٌ صغيرة من الورد القمريّ، فهي إذًا زوجتُه. وإذا انتصب عوضًا عن الشجرة أُفعوانٌ فاحمُ السواد مختفيًا بين القرن المنتصبة على راسها، ووثبَ على الشابّ، فإنّ هذه الفتاة لن تكون من نصيبه. وإذْ ذاك تبرز من كعب قديمه عجلتان بيضاويتان، فيفر الشابُّ، ولا تكون سرعتُه أقل من 2000 كيلومتر في الساعة. فإذا استطاع الثعبانُ اللحاق به ولدغه، فهذا يعني أنه لو اقترن الشابُّ بالفتاة التي برز الأفعوان من رأسها، لكان سيقتلُها أو سيُكدرُ عيشها ويُسممُ حياتها بكل تأكيد. ولذلك يلحقُ به ليلدغه ويسمم حياته ويُميته. وإذا لم يستطع اللحاق به، فهذا يعني أنه كان سيرهقها بأعماله ويُكدرِّرُ حياتها فقط دون أن تلاقي حتفها على يديه. ولذلك لم يستطع الثعبانُ الفتكَ به، وهذا بنسبة استحقاقه طبعًا.

     والأنثى تلدُ طفلها أو طفلتها من فمها، ويكون الطفلُ سنتيمترًا واحدًا طولاً، ولكنه سرعان ما ينمو ويشتد عودُه. ففي خلال شهر يُصبحُ طولُه لا أقل من مئة متر. وفي خلال عام يتزوجُ ويستقلُّ بحياته عن عائلته.

     والحديثُ بين سكان القمر يخرجُ من الآذان. فعندما يتحدثون، يُقفلون فمهم، وإذا بالكلام يخرجُ من آذانهم. فإذا كان حديث سلام ووئام، فمن الأُذن اليمنى. وإذا كان حديث شرٍّ وخصام، فمن الأّذن اليُسرى. وكلما اشتدَّ الكلامُ الهجائي، احمرَّت الأُّذن حتى تغدو وكأنَّها الجَمْر.

     ومُعتقداتُ أهل القمر عجيبةٌ غريبة. فهم يعتقدون أنَّ الأشباحَ والشياطينَ القاطنينَ بكوكب بوسفوريون يتجسَّدون في الليالي العاصفة, ويختطفون بعض الفتيات حيث ينقلونهنَّ إلى كوكبهم العامر بالخيالات والرؤى العجيبة.

     وعند وصولهَّن تجتمع الأشباح، ويهبط التوابع، ويتزاحم المردة، ويتضافر معشر الجنِّ،

وتتكاتف الهياكل العظمية، وتزحف أرتال الغيلان، وينتشر الشياطين، وتظهر الأبالسة، وتبرز العفاريت الحمراء الأجساد، ويتقدَّم الجميع كاهنُ مدينة الظلام(1)، ويُعقد زواج كل فتاة بهيكلٍ عظمي أو شبحٍ أو شيطانٍ أو عفريت الخ... الخ...

     وتُقرع طبولُ الفرح، فيغمر صوتُ دويِّها الهائل الأدوية، وتردّدُه السهول والجبال، ويخترق بحيرات الهول وبحار الجزع المزلزل.

     وإِذ ذاك تبصمُ كلٌّ منهنَّ اسمها بخاتمٍ من نار على جبينها، وبجانبه اسم قرينها، ويُسدل الستار.

     وعندما يشتدُّ أنينُ الهواءِ الشتوي، وتهتاجُ الرياحُ العنيفة، وتعوي ضواري أوديةِ القمر، وتتساقط الأمطار الغزيرة، وتهيمنُ ذئابُ صحارى البَدْر في فَلَوات لا نهائية، إذْ ذاك يظهرُ نوتارايام المرعبُ الهابطُ من كوكب سوفاماليا ليُلقي الرعبَ في كوكب القمر الغارق بادلهمام هذه الليلةِ العاصفة والمطيرة. فالمنازلُ تكون كلُّها، في هذه الليلةِ المُخيفة، مُحكَمةَ الإغلاق، موصدةَ النوافذ، والأقفالُ القمريَّة محكَمةَ الإقفال بالأغلال.

     ويَصْحَبُ مجيئَه زلازلُ مدمِّرة، وعواصفُ ثائرة، وبروقٌ خاطفة، وصواعقُ منقضَة، وأهوالٌ مُحيقة، فتترنَّح الجبال، وتميدُ الأَودية، فتفُّر الضواري لاجئةً إلى شقوقِ صخور الجبال المُشمخرة. ويزحفُ ليلٌ ثقيلٌ، أهواله مُبيدة، وتنتشرُ الأشباحُ وهي مذعورة مبهورة من هولِ هبوط نوتارايام المقض للمضاجع.

     ويدوي صوتُ هذا الهُولةِ المُرعب، فترتجُّ الجبالُ من دويِّ صوته الرهي، وتتهاوى الصخورُ فيُصمُّ انهيارها الآذان، ويبطشُ نوتارايام بكلِّ ما يعترضُ طريقه من إنسان وحيوان وجماد. وفجأةً تظهر أشعةٌ باهرةٌ تنير دياجير القمر، إذ يهبط من الكوكب مادابلايان الإلهُ شوفاياطي(1) ليُنقذَ أبناءَ القمر من هَوْل نوتارايام. وسرعانَ ما يبسط الهُولةُ جناحيه الغُدافيين، ويفرُّ مذعورًا عائدًا إلى كوكبه القادم منه، لائذًا به من بطش الإله شوفاياطي القدير. وفورَ مشاهدةِ سُكّان القمر للنور يغمرُ كوكبهم، يتأكَّدُ لهم هبوطُ الإله المُنقِذ فتخرجُ الفتياتُ بالدفوف ويتسقبلنه بالعزف والإنشاد، وتخرجُ القبائلُ لُتحييه وتسجد لعظمته الإلهية، وتُقام الصلواتُ في المعابد شُكرًا على هبوطه إلى قَمَرهم، وإنقاذهم.

       والشلالات في عالم القمر أمرها غريبٌ للغاية. فالغيوم التي تسبحُ في فضاء القمر تتكاثفُ في كُتلةٍ واحدة، وتصبح ممتدّةً لآلاف من الكيلومترات، وسماكتها آلافَ الأميال وإذْ ذاك تتحوَّل إلى شلاَّل يصبّ مياهَه فوق الأدوية. فيُسمَع لدويّها صوتٌ جبّار تهرب من هَوْلِه الوحوشُ الضاريةُ، لائذةً بالفرار مختبئةً بأعمق الأَوجار.

     وهذه المياهُ المتساقطةُ بجبروت تؤلِّف بُحيراتٍ لا نهائيَّة بامتدادها. وإذْ ذاك يهرع البطُّ والإوزُّ واللقالقُ إلى هذه البُحيْرة الرائعةِ المياه، واللقلقُ ارتفاعُه مئتا متر، وهو يقفُ على رجْل واحدة فيظنها الرائي أنّها جذعُ شجرةٍ ممتدةٍ نحو العلاء. والطيورُ التي تحومُ فوق البحيرة تُغطي السماءَ وتحجبُ نورَ الشمس لعِظَم ضخامتها الجبروتية.

     والأنهارُ الطبيعية في القمر هي ثابتة في الفضاء الرؤوس، وتتوازنُ ولا تتساقط نحو الأرض بالنسبة لجاذبية القمر التي تمنعُ تساقطها، فهي باقيةٌ أبدًا في الفضاء.

قيثارة الآلهة الجزء الثاني

إزدراء

يا عالم الأكاذيب... ويا موطن عُشاق اللؤم الزور

أيُها الكونُ المملوء بأعداء اللباب أحباب القشور

أيُها المحيط الزاخر بأنفاس سُكان القبور

أيها الخضمُّ المُتلاطمُ بأمواجِ الفسقُ الفجور

أيُها الطاغية ذو السيف الرهيب المُحطِّم للسرور

أنا هُو من يزدريك حتى يوم النشور!...

                 من كتاب بُروق ورُعود للمؤلف

الدكتور داهش مؤلف الكتاب

التائهه في بيداء الحياة

وفي بيداء الحياة القاحلة،

وأنا مُستغرقٌ في السُبات،

وحيدًا دون أنيس يُذهب عني وحشتي القاتلة...

تمثلتُكِ أمام عينيَّ المقرحتين بالبكاء... أيْ ديانا!...

كما سبق ورأيتكِ عندما كنتُ أسعد بلقياك!...

تخيلتُكِ تنظرين إليَّ من عليائكِ

التي أصبحتِ بها تنعَمين،

مزيلةً عنّي آلامي

بابتسامةٍ عذبة انفرجت عنها شفتاكِ المقدَّستان!

وقد احتاط الملائكةُ الأطهار بكِ!...

فكنتِ أَبهاهُمْ منظرًا، وأودعهُم مخبرًا!...

وسُرعانَ ما بدَّدتِ الحقيقة تخيلاتي هذه!

وأيضًا!

إخالُ نفسي سامعًا صوتكِ الذي طالما أسمعتِنيه!...

فتسكر روحي وأهيمُ في تصوراتٍ سماوية...

لا قوة لمخلوقٍ على إيقاظي منها

سوى زوال شبحكِ من أمام مخيلتي!...

أَوَّاه! يا معبودةَ الروح!...

لقد تذكَّرتُ أيضًا...

عندما أَقسمتِ عليَّ أن لا أغادر (القاهرة)!

فأنسيتني نفسي!

وما عُدْتُ لأعي ما أقومُ بهِ...

فاحتويتُ جثمانك بذراعَيّ!

ولم أرفعهُما عنكِ...

لساعاتٍ طويلة... لا أدري تعدادَها!

أوَتدري الأرواحُ القُدسية آلاف السنين...

التي تمرُّ بها وهي في حضرة الإله الموجد؟

لا وربّي!...

إنها لا تدريها...

وأنا في تلك اللحظة كذلك!!...

هيرا ولاندر

قبل مضيّ قرونٍ آبدة،

وُجدَ معبدٌ للإلهة (أفروديت) إلهةِ الحب والجمال،

أقيم خصيصًا لها!...

وكان فخم البنيان رائعهُ!

قام وراء الآكام

وفي بطون الأودية المُوغلةِ في البعد!

وكان يحوي بين جدرانهِ فتيات صغيرات السن!

نذرن أنفسهنَّ لأفروديت!

فصرنَ يعرفنَ باسم (الأخوات)!

وكان مِن بينهنَّ راهبة فتيَّة، صغيرة السن!

تُدعى (هيرا)!

كانت (هيرا) أجملَهنّ وجهًا،

وأحسنهنَّ قوامًا، وأفتنهنَّ عيونًا،

وأرشقهنَّ حركةً، وأعذبهنَّ نَغْمةً،

وأعزفهنَّ على الكمان!

كانت كالبدر المُشرق

في ليلةِ ربيع مُقمرة، هادئة، عليلة النسيم!

كان جمالها مُعجزةً إلهيَّة

لا يُستطاع لهُ وصفٌ ولا تعريف!

كانت إلهةً مجسَّمة نزلت الأرض مُتنكرة...

مُتخذةً جسم فتاة لغاية مجهولة ترمي إليها!...

إنَّ جمالها يعجزُ عن وصفه فنَّانو الإغريق

المكينون في تعريف الجمال

لكثرة التماثيل التي صنعوها...

فخلِّدت أسماؤُهم بَعْدَ أن طواهم العدم!...

***

ذاع اسم (هيرا) وشاع في طول البلاد وعَرضها!

ولم تبقَ أذنٌ بشرية

دون أن يطرقها اسمُ هذه الغادة...

فتغنى بها الشعراء الخياليون!

وهرعت من كل قطرٍ وحدب جماعاتٌ من الفنانين

ليصنعوا لها التماثيل التي تُلقي بالروعة للناظر إليها...

فأخفقوا في ذلك!

ولم ينجحوا بتمثيل ذلك الجمال الحي للجسم

بقطعةٍ رخامية، ميتة، لا روح فيها ولا حراك!...

حتى... ومخيّلات الشعراء!

رغمًا عن سموِّ تعابيرهم في الألفاظ والمعاني،

فإنهم شعروا بقصورهم في ما قالوه من الأبيات

بوصف حسنها السماويّ العجيب

المُحتلّ جسمَها اللدْن اللطيف!

***

وآلاف مِن العشاق العظماء المُستميتين والفاتحين للبلاد جعلوا هذا المعبد القائمَ في صميم الصحراء

محطّ رحالهم!...

وكم منهم من سقط صريع مصارعةٍ أو مبارزة...

من أجل هذه الغادة الساحرة!...

ممَّا دعا الكهنة إلى الاستنجاد

بقوى الحكومة التي ينتمون إليها!

... كانوا يقتتلون بجنون وقسوة لا نظير لهما...

بعد رؤية ما تحويه (هيرا)

من الحسن اللابشري.

إنها رسولةٌ سماوية،

بل إلهةٌ إغريقية،

أتت متنكرة إلى أرضنا هذه... لتُريَ البشر

نوعَ الجمال السماوي، ومقدار جبروته وعظمته!

وكم من النفوس ذهبت ضحيَّةً

على مذبحِ حبُّها المُحرق المُذيب...

كلُّ ذلك...

في سبيل نظرةٍ واحدة

من عينيها السماويتين الهادئتين!...

***

... وسقطت هيرا فجأةً

في حب شاب يدعى (لاندر)

يكاد يُضاهيها جمالاً!...

فقد جاء هذا الشابّ

من أقاصي الأرض وأطرافها البعيدة...

بعدما سمع بجمالها!...

مُجتازًا تلك الفيافي والقفار،

وقاطعًا تلك المهاوي والأخطار،

حتى وصل إلى المكان الذي تقيمُ فيه...

وإذا بها تقعُ في حبائل حُبّه!

ويسبحُ بدورهِ في فيضٍ من نُورها السماويّ!...

وإذ بكيوييدَ يصوِّبُ سهمهُ الذي لا يخيب...

على قلبيهما فيربطهما برباطٍ متين ليس لعُراهُ انفصام،

على مدارِ الأيام والأعوام!....

كان (لاندر) في كل ليلةٍ تجنُ بها الظلمة...

يقتحمُ مياه النهر

الذي يفصل ما بين المكان الذي اتخذهُ مقرًا

والمعبد الذي تٌقيمُ بين جدرانه (هيرا)!...

ويجتمعُ بها... طوال الليل، حتى ينبلج الفجر!...

فيرجعُ سابحًا إلى مكان سُكناه،

مُنتظرًا بفروغ صبر... مجيء الليل، ليُعيد الكرة،

ويجتمع بمن وهبها قلبه، ووهبته فؤادَها!...

***

ولكن القدر الساخر من بني البشر

كان ينظر لهذا الحب المكين،

ويبسمُ ابتسامتهُ القاسية المُرعبة!...

فقد ستر في جوفِهِ أمرًا سيُماط عنهُ اللثام قريبًا!

فتهتزُّ الأفئدة منهُ رعبًا وهولاً...

إنهُ أقسم أن يَدَعَ التفرقة تتمّ عمَّا قليل!

ولا وصال... بعد ذلك مُطلقًا!...

ففي ليلةٍ ذات مساءٍ مُظلمٍ قاتم،

خرجت (هيرا) من معبدها السجينة فيه!

ميمّمة – كالعادة – شطر الشاطئ

الذي اعتاد حبيبها أن يأتي منه!

وجلست في نفس البقعة التي اعتادتْ أن تجلسَ فيها:

بين النباتات والحشائش الطويلة،

مُنتظرةً بفروغ صبرٍ مجيئَهُ!...

ومضتِ الساعات تباعًا، دون أن يأتي.

وما اعتادت منهُ ذلك!...

فيا للمصيبة الدَّاهمة!...

إذ ما معنى ذلك، يا تُرى؟!...

في تلك الليلة الليلاء المُرعبة...

والسكينةِ القاتلة المخيّمة

التي لم يكن يبدّدها،

سوى صوتِ زمجرةِ (النهر) الصاخبة،

وشدةِ العواصف ذات الرعود القواصِف...

جلست (هيرا...) معتمدةً ذقنها بيدها...

غائصةً في لجةٍ من الأفكار القاتلة، العميقة...

أفكار حصول مكروه لمن تعبدُ وتُحب!!...

كانتِ الأمواجُ تعلو كالجبال الشامخة!

والرياح شديدة عنيفة، والبَردُ قارسٌ غيرُ مُحتمل!...

***

رَبَّاه!

ليتهُ لا يأتي في هذه الليلة العاصفة!...

هذا ما كان يجول في خاطِر هيرا!

وتردّدهُ شفتاها!...

ولكن!...

ولكن ما كلُّ رغبةٍ تُستجاب!...

فقد شاء لهما القدر الساخِر... غيرَ ذلك!

وإرادةُ القدّر

فوق إرادةَ البشر!...

مرَّت الساعات تباعاً،

حتى تصرَّمتْ آخرُ ساعةٍ من ساعات الليل.

وَدَوْرُ الساعة الأولى

من ساعاتِ النهار المضيء الكاشف

قد حان!

وإذا بالأمواج...

تحملُ جثَّة حبيبها

الذي لم يستطعْ أَن يتغلَّبَ،

على قوَّة الأمواجِ المرتفعة الغَضوبة

في ليلةٍ هوجاء الرياح... كتلكَ الليلة!

لَم تصرخْ، ولم تستغثْ!...

إذْ إنَّ حُزْنَها... أكبرُ من ذلك!...

والدمع قد نَضَبَ مَعينُهُ... فلا يفيض!

وسُمِّر نظرُها بالجثة المُلقاةِ أمامَ قدميها!

وحلَّت بها جنةٌ.. فجعلت تقهقهُ بصوتٍ مرتفع...

وهي لا تدري ما تفعل!

***

مسكينةٌ (هيرا) وتعسة!
فقد اعتزلت العالم بعد تلك الساعة!

وانزوتْ عن رفيقاتها اللواتي يتعبَّدنَ للآلهة هناك،

وما عادت الابتسامة لتزورها!...

ولم تعُدَ رفيقاتها بعد تلكَ الساعة،

ليسمَعْنَ منها شدوا أو لحنا كالسَّابق!

ذّوَتْ تلك الميول والعواطف

التي كانت تزخُر في أعماق أعماقِها...

قبل ذلك اليومِ المشؤوم!!...

***

وتدورُ بنا الأيَّام دورتَها،

وإذا بجمالِ (هيرا) ذاوٍ ذابل!

وإذا بها قد هرمتْ، وتحطمت!...

فأصبحت العين تنفرُ من رؤيتها،

بعد ذلك الجمال الذي كان مجسَّمًا

في شخصِها الملائكي الذي كانت تُضربُ به الأمثال!

ولم يَمضِ على كل ذلك عامٌ واحد!

***

في مثل نفس ذلك اليوم

الذي سجله الدهر بين طياته،

استيقظت (الأخواتُ الرَّاهبات)

على صوت حشرجةٍ ضعيفة،

وغمغمةٍ خافتةِ النبرات...

فهمنَ منها: إسم (لاندر) فقط!..

ولَمْ تفتحْ شفتيها بعد ذلك!

وستبقيان مغلقتين... إلى يوم الحساب!...

***

لقد رقدت رقدتها الهادئة الأخيرة!

ورسمُ حبيبها (لاندر) لم يفارق مخيلتها!...

واسمُهُ

لم يفارق شفتيها!

إذ كان آخر ما نطقت به!...

مسكينةٌ أنتِ يا (هيرا) وحزينة!...

ففي ذمَّةِ الله وملائكتهِ الأطهار

ما فعلهُ الحزنُ المريرُ بكِ،

وما قامت به الأقدار،

تنفيذًا لغايةٍ لا تُدركينها،

ولا نحنُ نعرفها!...

أُرقدي رقدتك الأخيرة، يا أختاه!

وحلقي في أجواز الفضاء،

عسى روحك تلتقي بمن تحبين وتهوين.

وفي ذمة الأبد

رقدتُك هذه

يا أيتها (الأختُ) الطاهرة!

ويا ذات البهاء والنقاء!....

الوَدَاع يا هيرا!...

قيثارة الآلهة الجزء الأول

اهداء الكتاب

إلى الروح التي ما زالت ترفرف حائمةً فوق رأسي.

إلى التي علمتني معنى الحب السامي الملائكي بطهارتها.

إلى التي تتساوى بنقائها مع الملائكة الأطهار.

إلى حوريّة الغاب المتوّجة باكليل من الغار.

إلى التي لا أطمع يومًا بعد الآن في رؤيتها.

إلى التي علّمتني بجمالها السماوي عبادة الجمال.

إلى التي حببتني بالحياة، بعد كرهي الشديد لها.

إلى التي فتحت مكنونات قلبي واسراره الخفية.

إلى التي تبعث في ميت الآمال وتذكيها، ولا آمال.

إلى التي أحبّتها روحي منذ القدم، وإلى الأزل.

إلى من ارتشفتُ من رحيقها الخمري المُسكر حتى ارتويتُ.

إلى التي لو تجسمت لي (أفروديت) – إلهة الجمال – لتسليني عنها لما سلوتُها...

إلى الروح التي تعانقت معها روحي منذ الأزل.

إلى الفتاة الفتَّانة التي وهبتُها قلبي وروحي.

إلى معبودتي لا بل إلهتي (ديانا) الرائعة الجمال.

أُقدّم هذا الكتاب.

                                         الدكتور داهش

مقدمة الكتاب

هذا الكتاب ألفته منذ ستة وأربعين عامًا انطوت أيامها، واندثرت آثارها، وتبدَّدت رياحُها.

وكنت يومذاك بعنفوان الفتوة ونضارة الصبا.

ويومذاك أحجمتُ عن نشر هذا الكتاب، إذ أردتُ أن أخرجه بصورةٍ أنيقة للغاية، كما صمَّمت على تزيينه برسومٍ فنية رائعة.

ورحتُ أبحث عن فنان متمكَّن من فنه في البلاد العربية، ففشلتُ بمسعاي إذ لم أجد أيّ فنان بإمكانه إخراج الرسوم الفنية المطلوبة. فأرجأت طبعه إذ لم أحبّ أن أطبعه طبعةً عاديةً كالكتب التجارية المُتداولة.

وفي مطلع عام 1936 طبعتُ كتابي "ضجعة الموت" بمطبعة شنلِّر الألمانية بالقدس وكانت حينذاك أهمّ مطبعة في الشرق.

وكنتُ قد عثرتُ على فنانٍ إيطالي اسمه (موريللي) بالقاهرة فكلفته أن يرسم لي رسوم كتابي "ضجعة الموت". والحقيقة أنني لم أعجب بمقدرة هذا الفنان، وكنت أود أن أعثر على فنان يفوقه بالإبداع.

وقد خرج كتابي "الضجعة" بحلة أنيقة قشيبة مدهشة. والحق الذي يجب أن يقال أنه بعد مرور أربعة وأربعين عامًا على طبعي لهذا الكتاب لم يطبع كتاب آخر سواه، يكون بمستواه الفني، بين مئات الآلاف من الكتب التي طبعت بجميع البلاد العربية.

إذ طبع بألوانٍ أربعة طباعة أنيقة للغاية؛ وقد خطه الخطاط المشهور نجيب الهواويني، والخطاط محمد حسني.

والورق صقيل، ومن النوع الممتاز للغاية، وتجليده فني، وأناقته مثلى.

ذكرت هذا لأبين السبب الذي منعني من طبع كتابي "قيثارة الآلهة"، إذ أردتُ أن يخرج بصورةٍ تتفوق على كتابي "الضجعة".

ومكث الكتاب في درجة طوال هذه الأعوام الستة وأربعين. وأخيرًا نفضتُ عنه غبار الأيام، ودفعته للمطبعة بعد رقاده الطويل.

ويجد القارئ قطعًا عاطفية مختلفة كتبتُها وأنا في طور المراهقة التي انطوى عهدُها وانكفأت دفتها.

وكتابي "قيثارة الآلهة" يبرز الآن إلى الميدان ليُوقّع ألحانه على قيثارة الحبّ مستعبد الرجل والمرأة مذ خلفت حواء وآدم، وحتى نهاية أيام كرتنا الأرضية.

فالحبُ هو غايةُ الرجل وأمنيّة المرأة، فلولاه لتوقفت نسمة في دنيانا، ولأصبحت قفرًا يبابًا وبلقعًا خرابًا...

وليتَ الأمر كان هكذا...

إذًا لما كان شقاء وبلاء، وكربٌ وعناء.

ولكن رغمًا عن الأهوال التي تحيق بالرجل والمرأة نتيجة الاتصال الجنسي، فانهما يستميتان في سبيل جنى تلك اللذة العابرة، رغمًا عن تأكدهما ممّا سيلاقيانه من أهوالٍ ومنغصاتٍ متسلسلة لا نهاية لها.

وقد سبقهما لذلك أبوانا الأولان آدم وحواء، فضَّلا هذه اللّذة على الجنَّة التي طُردا منها بعد إقدامهما على أكل الثمرة المحرَّمة.

وبعد، لقد دفعتني فتُوتي، يومذاك، أن أخوض ميدان العاطفة، فدوَّنتُ توقي بكلماتٍ وجدانيّة يراها القارئ مسجَّلة في هذا الكتاب الذي أسميتهُ:

"قيثارة الآلهة"

بيروت، الساعة الثامنة من صباح 29/4/1980 الدكتور داهش

عام 1933

حياتنا الترفيهية

عندما قذف بي العدم إلى عالم الوجود، كنتُ ذرةً في عالم الهناء والخلود.

في تلك الدقيقة، كتب عليَّ الشقاء والعناء في خضمّ هذه الحياة.

بين الآلام المُمضَّة ترعرت، وفي أحضان الشقاء والكرب العميق كانت نشأتي، إلى أن أكملتُ العاشرة.

فمنذ ذلك التاريخ، أبتدأت المعرفة الدنيويّة تنطبع في أماقي، واتخذتُ عادات البشر لي قانونًا، أسير على ما يسيرون عليه. ونُقِشَ أيضًا في نفسي الحزنُ والفرح، وكلُّ العوامل البشريَّة الأخرى التي لم أكن مقيَّدًا بها قبل مجيئي إلى أرض الفساد. وحتى أكملتُ العشرين بقيتُ في كدٍّ وجدٍّ وشرور وآثام لا عدَّ لها.

وكانت كلُّ هذه الشرور خاضعةً بأكملها للقانون الأرضي الذي يسيرُ عليه الجسد الذي هو غلافٌ للروح.

كنتُ قبل مجيئي إلى الأرض لا أعرفُ عنها شيئًا البتَّة، لأن كل ما قمتُ به كان من مطالب الجسد المادّيّ لا الروح العلويّ. إذًا لم قضت الإرادة بمجيء الصلاح الطاهر ودمجه في الطلاح الفاسد؟

فكرتُ كثيرًا دون أن يفتح عليَّ بفهم ذلك، فتركُتُه إلى أن تأتي ساعة معرفتي.

عشراتُ السنين تصرمت، وإذا بظهري قد تقوَّس من مرور السنين التي حملتُها مُرغمًا.

فيا لها من أعوامٍ تأتي مسرعةً كالبرق الخاطف. إذ ذاك اعتمدتُ رأسي بيدي، ورحتُ أهيم في بوادي التخيُّلات، علَّني أفوز بحلٍّ مقبول.

ولكنني وأأسفاه ! عدت دون نتيجةٍ منطقية. إنَّ الحياة يا أخي ليست سوى وهمٍ باطل وظلٍّ زائل. فالأنهار الجارية وهي تصطخب، والبحار الثائرة وهي تزمجر، وكل ما في الكون من صاخب وصامت، سيعتريه الذبول فالأفول. فإذا ما ولت بعد ذلك صلةُ الحياة، وغمرت الكائنات شوكةُ الموت المُسيطر، من تلك النقطة فقط تبتدئ حقيقة معرفة الكائنات والحياة التي كنا نحياها سابقًا، فنعلم مبلغ الخطأ الذي كان جسدنا المادي يحاول إقناعنا به كحقيقة واقعة، لأنه منها وهي منه؛ وهو عندما يتلاشى نبتدئ نرى بعين الحقيقة كل أخطائنا الماضية، فنأسف لجهلنا الصارخ، ولكن لا نفع في الندم.

هنا: ننتشي برحيق الغبطة الخالدة الأزلية، وننعم في الطهر والنقاء الناصعين، وننشد أهازيج النصر مع الملائكة الأطهار لانتصارنا على المادة ورذائلها الخسيسة. هناك، حيث لا مكر ولا حسد، ولا كبرياء ولا دناءة، ولا سفالةً ولا جريمة، ولا بغض ولا نقيصة، بل حب شامل، وسرور كامل، إذ يظللنا العلي القدير، ويرعانا بحنانه اللانهائي. ولكن، متى يأتي ذلك اليوم السعيد؟ وهل يجوز لنا الاندماج مع الملائكة الأطهار، قبل أن نكون قد كفرنا عن أعمالنا الشريرة تكفيرًا ينيلنا ما نصبو إليه؟

كلا، بل يجب علينا التكفير أولاً، وعندها نستحق أن ننعم بالسعادة الخالدة.

ومن أعالي السماوات، تتراءى لنا من خلال الأزمان السحيقة صورُ أعمالنا الماضية كغمامةٍ سوداء مُرعبة، تذكرنا بما كنا نقوم به عندما كانت المادةُ هي العامل المُتسلَّط على عقولنا ونفوسنا. فلنضرع إلى الله تعالى أن يرشدنا إلى الطريق القويم، كي نقوى على محاربة الأدران والشرور، فنقرب وقت خلودنا، حيثُ السعادة مع الأتقياء الأنقياء، وإلا فالويلُ ثم الويل لنا إن بقينا بعيدين عن جادًّة الصواب والحقّ واليقين.

                           عام 1933                 داهش.

أسرار الآلهة الجزء الثاني

أسرار الآلهة

 

                         أملاك أم شيطان

وغادة اقتطفت من الجنة رُمانتين خبأتهما في صدرها الناهد

وعندما زارت الروض سرقت من الوردة الجورية احمرارها

ومن الزنبقة شدة نصوعها وبياضها وازدهارها

ومن الغصن الأملود جمال قده

ومن الياسمين عبقهُ وملاسة خدّه

فأقسمتُ أن أطوي حياتي وأنا عن سواها زاهد

                                     الدكتور داهش

                                     من كتاب "بروق ورعود"

 

حياتي البائسة

أنى لي أن اصف حياتي البائسة!

إني أشبهها بزورقٍ، صغير، جميل،

يتهادى على صفحة البحر السحيق الغور، البعيد القرار!

***

وفجأة يتكاثف الضباب، وتعصف الرياح،

ويشمل الكون الظلام،

فيضطرب البحر، وتصطخب الأمواج، وتتدافع كالأطواد، وتتلاعب بالزورق المسكين، بغير ما رفق أو لين،

مسيرةً إياهُ غلى غير هدى يرتجيه، أو سلام يبتغيه!

***

فتارةً تراهُ فوق متن موجةٍ مشمخرة هادرة، مزمجرة ثائرة،

وطورًا يهبط معها اللجج متقلبًا خائضًا، فلا تتبينه العين، ومن ثم يطفو... ليعود فيغوص في خضم الأغوار السحيفة!

***

وإذا ما دنت ساعة المنية الرهيبة،

لا تلبث مداعبةُ الأمواج ايّاهُ طويلاً،

حتى تلفظه بعنفٍ وقسوة إلى أحد الصخور الصماء العاتية،

فيتحطم من هول الارتطام شر تحطيم!

ومن ثم يفغر البحر الثائر المهتاج فاهُ

ويبتلعه في طياته الآبدة حيث الجحيم!

***

فما أشبه حياتي بذلك الزورق الصغير المسكين،

الذي حكم عليه القضاء،

بالشقاء، والتلاشي، والفناء!...

                                           القدس، 25 نيسان 1933

الأمل يحدوني للحياة

-1-

غيومُ السماء المتلبدة لا تبقى طويلاً على صفحتها،

بل تبدِّدها ريح الجنوب بعد هبوبها،

فتتلاشى... وكأنها لم تكن!

وتعود السماءُ لزرقتها،

بعد صفائها وتبديد الرياح للغيوم الجائبة في طباق الفضاء،

فتبرز الغزالةُ منيرة جنبات الكون الوسيع،

فتبتهج الأطيار، وتنتقل على أغصان البان،

مرددة أنغامًا لا تملها الأسماع لعذوبتها،

ويمتلئ المارة بالنشاط،

فينشد كل ما يطيب له من الأنغام والألحان...

فابتهجي، يانفسي المنسحقة،

ولا تياسي!

-2-

ها إنني أسير في صحراء مترامية الأطراف محرقة الرمال!

وأنا حافي القدمين،

وليس ما أستر به رأسي من هجير الشمس المحرقة!

وها أنَّ الرمال متكاثفة في طريقي، ولا دليل يهديني!

وها قد ولَّى النهار بالذهاب،

وتوكّأ الليل على عصاهُ مصمّمًا على الإياب!

وها إنَّ أعاصير الطبيعة ابتدأت بالانطلاق،

فهبَّت الرياح تسفي الرمال على وجهي فتؤلمهُ المَ السياط!

وابتدأت أشباحُ الليل حارسةُ الصحراء تخيفني بظهورها،

وتُرعبني بحركاتها الغريبة!

ولكني سيولِّي الليل عما قريب،

وستشرق الغزالة،

كعادتها منذ ملايين السنين!

وعند ذاك فقط سأهدى السبيل!

فابتهجي يا نفسي! ولا تقنطي!

ولا تستسلمي إلى الحزن العميق!

-3-

ولَّى فصلُ الصيف، وتبعهُ الخريف،

وحلَّ الشتاءً القارسُ القاسي،

ولا ما أستْر بهِ جسدي من لباس!

وها اني أهيمُ في الطرقات، ولا من يهمه أمري!

فوالهف نفسي على ما وصلت إليه حالتي من بؤس!

ويا لهولِ تلك الرياح التي تعصف، والرعود التي تقصف!

والبروقِ التي تومض، والأمطار التي تتساقط!

إذ ليس ليس من ملجإٍ أستكين إليه!

ها قد زلت بي قدمي

إلى حفرةٍ ملأى بالمياه الراكدة،

والأوحالُ حولي متراكمة...

ولكن! لن تطول الأيام حتى تصحو السماء،

ولا تعود فتغيم!

وتحنو عليَّ الطبيعة بعد قسوتها،

فتغمرني بحنانها، ومحبتها!

إذن، ابتهجي يا نفسي!

ولا تكتئبي!

ولا تأملي بغير الله!

-4-

ليتني أنام، فلا استيقظ!

فأريح نفسي المثقلة بآلامها...

وليتَ الصباح لا يأتي لعدة سنين!

وليت الأماني التي انشدُها تسمعها الآلهة وتجيبها!

إذ عند ذاك فقط... يهدأ قلبي المهتاج!

ويشرق محياي بنورٍ، سطوعه دائمٌ لا يزول!

وينفرج ثغري عن ابتسامةٍ لا تفارقه!

ولكن آلامي فوق ما أستطيع احتماله...

ومرارة الموت أهونُ علي!َ تجرعها!

وليتها لا تعود!

وليتني أستطيع نسيانها، فلا أذكرها...

ولكن إلهامًا خفيًا ينبئني بأن هذه الآلام ستزول!

وسيعفو أثرها، بعد حين لن يطول!...

إذن، تعزي يا نفسي لهذه البشرى!

وابتهجي!

وإياكِ أن تبتئسي!

وثقي بصدق هذا الإلهام!

                -5-

حياتي؟!

سلسلة آلام...

مرتبطة... متكاتفة!

وأشباحُ الأحزان محيطة بي!

وبؤس الحياة؟!

أثقلُ من أن أتحملهُ!

وتذكارُ الأيام السعيدة...

يقضُّ مضجعي!

ولكنّ الأمل

هو خيرُ هادٍ لي في وحدتي!

وخير مؤنسٍ لي في وحشتي!

-6-

وعندما تضيق بي الدنيا على رحبها!

وأشعر بأصابع الحدثان تمتد إليّ لتريحني!

وتثقل عيناي وتقفلان!

ولا تعود أذناي تسمعان!

عندها يتجسم لي الأمل بشكلٍ جميل بهي!!

ويضع البلسم على جراح قلبي المتكاثرة!

وفي تلك اللحظة فقط،

أشعر بالهدوء والاطمئنان!

فابتهجي يا نفسي المنسحقة!

ولا تيأسي!

فالدهور الطويلة قد مضت وتوارت...

وإن قدرت لك السعادة بعد حين... فستأتي!

فبالله يا إكسير الآلهة الساحر!

متى تؤمّلني، وتبهجني بتقريب مدة أوبتي

إلى التي اصطفتها لي الآلهة؟!

ومتى أستطيع لقياها،

لأعزف لها أناشيد هواي،

وأغاريدَ لوعتي وجواي؟!

أوّاه! يا ترياق الآلهة الغير المنظور،

الذي لا تتذوقك غير أرواحنا الظامئة اليك في كل آن!

بشرني أيها الأمل! بشرني!

أَوّاه! ايها السيال المستور!

أيُّها الكامن في كل من بني البشر!

ويا حاملَ آلامهم، وأتعابهم!

يا ابن السماء! ويا رسول الله!

ولولاك!... لما كانت الحياة إلا ظلامًا دامسًا!

ولولاك!.. لما دارتِ الأرضُ!... ولتلاشت!

ولولاكَ!... لاستعرت نيرانُ الجحيم في كلِّ مكان!

أنتَ الينبوع الحيّ!... فأحيني!

إمتزج بي!... وواسِني!...

كي أستطيع أن أتناساها!

حتى تأزفَ ساعةُ لقائي بها!

وإلا.... يُقضى عليَّ!...

أنتَ! أيها الأمل!

احرسني...

                                     القدس، في شهر نيسان 1933

 

قيثارة أورفيوس

               روحٌ تُذيبها الآلام

سأحمل القيثارَ ... وأعزف عليه قصائد آلامي وأنّات أنغامي

وسأوقّع قصة صباي وصبابتي التي بعثرت ألحانها أيدي الدّهور

وستردّد الغابات صدى ترجيع نغماتي فتحسّ بها القلوب والصّدور

وسأبقى... حتّى يشملُ الظّلام الكون وتنير النّجوم قبّة الفضاء

وستحوم حولي طيور الليل ، وتصغي لأناشيدي ملائكة السّماء

وإذ ذاك ... تنوح عليّ عناصر الأرض حُزنا على آمالي وآلامي

                                                                                           داهش

                                                                          ( من كتاب بروق وروعود )

مقدمة

بقلم المحامي فارس زعتر

بين يديك قيثارة شعر ، بل دنُ خمرْ ! لكنّ كرمته لم تنبت في تربة الأرض ، وإن لوّحتها شمس الحياة وأنضجتها ، وقطفتها أيدي التجاريب والمآسي وعصّرتها ، ثم كالدماء من الجراح استقطرتها ! وهو دنٌ سكبت فيه ستّ عشرة كأسا اختلفت عصاراتها ، وتعددت مذاقاتها ، ولكن تأثيرها في النفس واحد : نشوة تهدهدك ، وجناح يشيل بك من أرض البشاعة الى فراديس الجمال.

ولا يأخذنّك العجب إذا رافقك ، في رحلتك عبر خمائل الكتاب ، لحنٌ حييٌ شجيّ ، لا يبارحه الحزن حتى في مواسم الأفراح ! ذلك بأنّ صاحب هذا السِفر فَتَحَ الله في نفسه بصيرةً روحيةً عجيبة لا يخفى عليها شيء ، ولا يخدعها شيء ؛ فكل ما في الحياة ، وما في الطبيعة ، يبصره على حقيقته ، بدون بهارج ولا زبارج ؛ ولأنّه يبصره عارياً ، فهو يراه قبيحاً ، وحقيراً ، وتافهاً .

موقفه هذا لازمه في فصول حياته جميعها : في ربيعه وصيفه ، كما في خريفه وشتائه ؛ إذ إنّ كلّ كائن ينجذب ويرتاح الى شبهه ؛ ومؤسِّس الداهشية ليس له من شبهٍ في هذه الأرض ، فمعدنه ليس من التراب الملوث ، وموطنه ليس في العالم الموبوء؛ ولذا يمضُه الشعور بالغربة العظمى ، وبآلام سجنه الترابيّ ، ويلهبه حنين حادٌ للعودة الى عالمه الروحي الخالد .

يعاني من المرأة، لأنه يمحضها عطفه وحبّه ، فلا تبادله إلا الخيانة والجفاء ، ويقاسي من الأصدقاء، لأنّه إختبرهم فوجدهم غير أوفياء . يتألم من رجال الدنيا ، لأنه لا يراهم متعلقين إلا بكل قيمة دنيا ، ويتألم من رجال الدين ، لأنه يجدهم مُرائين مُماذقين ؛ يتألم من أحكام القدر يخطف من بين يديه أحبّاءه ؛ ويتألم من أحكام البشر ، يضطهده طُغاتهم ويسومونه أدهى أصناف العذاب ؛ يُكابد آلاماً نفسيةً وأوجاعاً جسدية ، فيصعِد ، تارةً ، الآهات والزفرات الى مُبدع الكائنات حتى يعجِّل بفكِ إساره من القفص الصّلصالي :

" أختاه !

إني طالبٌ الموتَ ، يا أختاه ، عساه يرأف بي ثم يرقُ لحالي " .

ويفجِر ، طوراً ، صواعق غضبه العلويّ على رؤوس الأشرار والفجّار :

" سأعود إليكم ، يا أرانب السوء ، وسنلتقي قريباً بالديار وسأنكِل بكم ، سأقتلكم ، سأجدع أنوفكم ، ثم أعود فألقيكم بالقار " .

والشعر الذي سيتنزّل عليك وأنت ترود رياض هذا الكتاب هو شعرٌ صادق أصيل ، منظوماً كان أم منثوراً . ذلك بأنَ روح الشعر لا يصفو إلا متى تحولت رؤية الشاعر فيه الى رؤيا ، وحسُه الى حدس وقَّاد ، ودماؤه الى مداد .

ورؤيا الدكتور داهش هي رؤيا حقيقية يتكشف فيها جوهر الأشياء ، وجوهر الحياة ، وجوهر الانسان لتتَحد اتحاداً كيانياً . فالواقع والخيال ، عنده ، واحد ؛ والرمز والحقيقة واحد . فاذا كنت لا تعرف كنهه وقوام عقيدته ، فإنك لن تفهمه حقّ الفهم ، ولن تتمكن من تذوق كوثره والتمتع بجوهره ، وستلتبس السُّبل عليك ، فتضيع في متاهة . ولكن ما إن تدركه على وجهه الصحيح ، حتى تفتح لك أبواب هيكله، فتدخله خاشع القلب ، مدهوش اللبّ ، لِما يمطرك به من عجائب الجمال ، وكنوز الحكمة ، تلك التي ليس بوسع امرىء ، في هذا العصر ، أن يسقط الحجاب عنها إلا داهش الناس وحده ، لأنّ القدرة التي تخرق القوانين الطبيعية على يديه هي نفسها التي تملي بدائعها عليه . فما يقيّدك لا يقيّده ، وما يخضعك لا يخضعه، إذ إنه بنعمة القوة العلوية التي تحييه ، يحطم قيود المكان والزمان ، ويتهادى فوق هامات الأزمان . ولذا لا ترع إذا سمعته يتكلم بسلطة لا يملك بشريٌّ أن يتكلم بها ، لأنّ السلطان الذي زوّدته به القوة الإلهيَّة المُوجدة والعقل الكونيّ المُدبر هو سلطان أزليٌ أبديّ تعنو له الرؤوس ، وتخشع النفوس .

وحيثما التفتّ في مسارح الكتاب ومطارحه ، ستلقى بين صاحبه ومظاهر الطبيعة وعناصرها مشاركةً وجدانيةً صادقةً قائمةً على الإيمان الحقّ بالجوهر الخالد الذي يحيي بالسيّالات الروحية النزّاعة المُدركة جميع الأشياء " جماداتٍ " سمَيتها أم       " أحياء " .

فقارئ أدبه عليه أن يزنه بميزانٍ جديد ، ويلجه بنفسيةٍ جديدةٍ تختلف عمّا يقتضيه أدب الشعراء الآخرين ، مهما كانت قوّة التشخيص والإحياء عندهم عظيمة . فهؤلاء يكون إيمانهم بما يقولونه أو يصفونه سحابة لحظات ، في حين أنّ إيمانه هو بما يقول ويصف ثابتٌ دائمٌ ممتزجٌ بالحياة . معه تتمّ العودة الى حرارة الايمان الميثولوجي أوان كان يحيي شعراء الاغريق وسائر الشعوب القديمة ؛ مع فارق أنّ أولئك كانوا يؤمنون بما فرضته عليهم عاداتهم وأديانهم ، ومؤسس الداهشية يؤمن بما يراه هو من حقائق حيةٍ في الطبيعة ، لأنّ الحُجُب تتساقط أمام عينيه ، والحواجز تنهار عند قدميه .

مع الدكتور داهش نعود الى النبع الأول الذي انبجَسَتْ منه الآداب العالمية العريقة ، ولكن بصورةٍ أصفى وأنقى وأقرب الى قلبِ الحقيقة ؛ معه نعود الى الينبوع الحيّ الذي إذا أتيح له أن يتفجّر في العالم ، ويستقي منه الأدباء والمنشئون ثم ينسجوا على منواله ، لانبثقت نهضةٌ أدبيةٌ عالميةٌ جديدة تُعيد النَّضارة الى ما شاخ من دوحة الأدب ، وتبعث الحيويّة الطبيعية في أغصانها الفكريّة والخيالية والعاطفية . معه يعود إلى عفوية الصدق صولجانه ، والى جمال البساطة سلطانه ، وكلُ زيفٍ وكذبٍ أقاموه في عالمِ الأدب ، تسقط دولته ويولي زمانه .

ختاماً ، أسائل نفسي : ترى ، والأسطورة حقيقة لعب بها الخيال ، ألا يكون بين مؤسِّس الداهشية وأورفيوس أكثر من صلة ؟ فرّبُ القيثارة العجيبة كان أعظم شاعر أسطوري في اليونان؛ بأنغام قيثارته كان يخضع الضواري ، ويوقف الأنهار عن الجريان ؛ والصخور كانت ، إذا هدهدتها ألحانه تتحرَّك وتتبعه ، والعواصف تستكن ، وأثباج الأمواج تطمئن ، والتنين يغزو النعاس منه الأجفان ! وداهش مدّه الله بقوى روحيَّة تصنع الخوارق والمُعجزات ، وزوّده بقلمٍ مُلهمٍ ، إن تنزّلت السيَّالات العلويّة عليه انقادت له وحوش ميولنا وأذعنت ضواري شهواتنا ، وتحرَّكت صخور قلوبنا ، وعند عرشه النورانيّ توقفت أنهار رغباتنا عن السّريان !

                                        الولايات المتحدة الأمريكية في 18 – 7 – 1983

                                                                                                         فارس زعتر

                           الظبية النّافرة

( ظبيةٌ ) بين الظّباءْ              
حسنها في القلب يسري          
سلبت قلبي ولبّي                  
أقبلت تشكو سهاداً                
وتقول : " العطف إنّي            
غير قُربٍ منك يُطفي            
فحنتْ نفسي عليها                
ومضى الوقت علينا              
وقطعنا ، بعد هذا ، ( العهد )    
واستقلّتْ بحبيبٍ                  
وتشاكتْ... وتساقتْ              
إن يكن هذا... فإني              
إذ تعــالت وتناستْ              
فدعيني في شقــاء               واذكري (سوسو) ليالـي        
كم ذهبنا في الصحـتارى        
لا تظني ، يا فتاتـــي ،          
إذ غداً أحتثُّ رحْلـــي          
إنّها تذكر عهــدي              
هي بدرٌ يتهـادى                
هي شمسٌ تتسامـى !            
ذات صدر مرمـريّ            
ذات قدّ سَمْهـتريٍّ                
أخت (روحي) ، سوف أبقـى  
أيْ وربي !.. سوف أبقى                  
  صوّرتْ كيف تشاءْ !
سريان الكهرباءْ !
ودعتني في بلاءْ !
بحنينٍ وبكاءْ !
لم أطقْ نار الجفاءْ !
ما بقلبي من ظماءْ " !
وأجابتها الدعاءْ !
بسرورٍ وهناءْ !
_ فانجاب الغطاءْ !
في صباحٍ ومساءْ !
معه كاساتِ الصفاءْ !
عن هواها في غناءْ !
( عهد ) حبي والولاءْ !
وعذابٍ وبلاءْ !
ما رآها ، الدهر ، راءْ!
تحت أجواز الفضاءْ !
أنّ لي من ذا عناءْ !
(لحبيبٍ ) ذي وفاءْ !
كلَ صبحٍ ومساءْ !
بدلالٍ في السماءْ !
نورها عمَّ الفضاءْ !
ذي نصوعٍ ونقاءْ !
يتثنى في بهاءْ !
لك خير الأوفياءْ !
ما حـوى ( الجسم ) دمـــــــــــاءْ!          



                                                                 القاهرة ، 3 حزيران 1931

                                 يا قلب

ويْكَ يا قلبُ !... تناجي الأمَلا  
ويْكَ!... يكفيك فؤادي ألماً      
أنت نهبُ الدهر... يُبكيكَ إذا    
فارقب الموتَ بثغرٍ باسمٍ        
أنت قــد تلقى هنـــــــاءً ... بعــــد أنْ    
  مُستهاماً بحبيبٍ رَحَلا !
لا تؤمَّلْ بزمانٍ غَفَلا !
ضحك الثّغر لشيءٍ جَذَلا!
ودع الدنيا ... وحيّ الأجَلا !
تنفُـضَ الدنيــــــا وتُرْدي الأمَــــــلا !

                                                                             القدس ، 1933

                           أضحوكة الحياة

ما الحياة غير وهمٍ      
فالدراري سوف تخبو  
وذكاء سوف تفنى        
والليالي ستولّي          
وقصور عامرات        
وشعوب الأرض طرّاً  
وملوك الأرض جمعاً    
ويجول الخوف في      
كل ما فيها قريباً        
يــــــا لـــــه من يـــــــــوم رعــــــبٍ      
  باطلٍ سوف يزول !
بعد وقت لا يطول !
بعد ذياك الشمول !
عندما يأتي الأفول !
سوف تغدو كالطلول !
دوَلٌ سوف تدول !
حكمهم سوف يحول !
هذي البرايا ويصول !
سوف يعروه الذبول !
إنّـــــــــــه يـــــــــوم مهــــــــــول !

الرحلة الداهشية الثامنة عشرة

الدكتور داهش

                       الرحلاتُ الداهشيَّة

                       حولَ الكُرَةِ الأرضيَّة

                    

                      الرحلةُ الثامنةَ عشرة

                   عامَيْ 1980- 1981

                     فرنْسَا (باريسْ، ليمُوج)

                       النمسَا (فيينَّا)

                      

                         الدارُ الدَّاهشيَّةُ للنَّشر

                        نيوُيُورك، 1994

                       أحلامٌ خيَاليَّةٌ

أَتوقُ للإِنطلاقِ نحوَ النُّجومِ النَّيرةِ بعرضِ الفضَاءْ

وأَوَدُّ أَنْ أَتجوَّلَ بينَ الرُّجومِ المهيبَةِ بعُمقِ السَّماءْ

ويُطرِبُني أَنْ أُحلِّقَ بأُقيانوسَاتِ المَتاهاتِ مُندَمجاً بالهوَاءْ

أَرُودُ سَبْسَبَ الأَبَدِ تُحيطُ بي الأَنواءُ وتَبهَرُني الأَضواءْ

ثمَّ أَلِجُ فِردَوسَ النَّعيمِ الخلاَّبِ بمَا يَحتَويهِ منْ سَنَاءْ

وأَقطُنُ فيهِ سعيداً مُتَنَعِّماً بمباهِجِهِ برِفْقةِ غادةٍ غيْدَاءْ

                                     الدَّكتور داهِشْ

                                 من كتاب"المهنَّدُ الباتر"

                                        مقدِّمَة

عرفتُ الدكتور داهش منذُ أَكثرَ منْ رُبعِ قرن. عايشتُهُ سنينَ طويلة، ورافقتُهُ في رحلاتٍ كثيرةٍ حولَ العالم، ومنْهَا هذهِ الرحلةُ إِلى فرنْسَا في أَواخرَ عام 1981 وأَوائلَ عام 1982. وإِنَّهُ لَمِنْ أَمتَعِ أَوقاتي حينَ أَكتبُ عنه، وعنْ ذكرياتي في صُحبتِهِ، وعمَّا خلَّفهُ في نفسي منْ جميلِ الأَثَر.

والسببُ إِيماني بمبادئِهِ الروحيَّة الساميَة، وإِعجابي العميقٌ بمثاليَّته، وامتناني لهُ بهدايتِهِ إِيَّاي إِلى طريقِ الحقِّ والفضيلةِ.

الرجلُ ظاهرةٌ فريدةٌ في كلِّ ما اتَّصفَ بهِ منْ مواهبَ فائقة، وما أُثِرَ عنهُ منْ أعمالٍ خارقة. وما أَنَا إلاَّ واحدٌ منْ شهودِهَا الكثيرين. ولئِنْ يكنْ تاريخُهُ حافلاً بالتجارُبِ المريرةِ والمعارِكِ القلميَّة، فهو حافلٌ أَيضاً بإِنجازاتٍ جبَّارةٍ سواءٌ منْهَا ما قامَ بهِ في ميدانِ الثقافةِ أَو الفنِّ: تُراثٌ أَدبيٌّ فكريٌّ يُربي على مئةٍ وخمسينَ مؤلَّفاً، ومُتحفٌ فنِّيٌّ ندرَ أَنْ أَسَّسَ نظيرَهُ فردٌ واحدٌ، ومكتبةٌ خاصَّةٌ تحوي عشراتِ الآلافِ منَ الكُتُب.

على أَنَّ الحدثَ الأَهمَّ في حياةِ الدكتورِ داهش إِعلانُهُ في لبنان، في الثالثِ والعشرينَ منْ آذار عامَ 1942، رسالةً روحيَّةً إِنسانيَّةَ النزعة، غرضُهَا صلاحُ الفردِ وإِصلاحُ المجتمع. بيدَ أَنَّ عهداً غاشماً في لبنانَ آنذاكَ حاربَهَا، وجرَّدَ مؤسِّسَها منْ جنسيَّتِهِ اللبنانيَّة، وجعلَهُ شريداً بلا منزلٍ، ولا وطن. ولكنْ ما أَشدَّ يومَ المظلومِ على الظالم! فما كانَ منَ المُضطَهَد إلاَّ أَنْ شنَّ على مُضطَهِديه حرباً ضروساً، لا بالسيفِ والسلاح، بل بالقلمِ والقرطاس. نعم، بالكلمةِ الجبَّارةِ المُزلزلةِ التي دكَّتْ عرشَ الباطل، فانتصرَ الحقُّ، واستردَّ المؤلِّفُ الحرِّيَّة،" هبةَ الخالقِ للخلائِق."

وأَنَا أَقولُ، بأَسفٍ شديد، إنَّ ما حصلَ- وما قدْ يَحصل- في لُبنان منْ نكباتٍ وفواجعَ قلَّ أَنْ شهدَ تاريخُ الإِنسانيَّة نظيرَهَا إِنْ هو إلاَّ نتيجةٌ لازمةٌ للجريمةِ النَّكراءَ التي ارتُكِبَتْ بحقِّ الدكتورِ داهِش عهدَذاك، وسكوتِ جميعِ اللبنانيِّين، على مُختلفِ فئاتِهِم، عنْهَا؛ حتَّى إِنَّهُ لمْ يوجدْ رجلٌ واحدٌ، في الأَقلِّ، ليُدافعَ، ولو بكلمةٍ، عنْ المظلومِ البريء. ومَنْ يُطالعُ تفاصيلَ تلكَ الجريمةِ التي تمَّتْ بتخطيطٍ منْ رأسِ الدولة، وبمعرفةِ الوزراءِ والنوَّابِ والصِّحافيِّين ورجالِ الفكرِ، ويقرأُ ما كتبَهُ الدكتورُ داهش آنذاك عنْ مصيرِ الشعبِ الذي يُمالئُ حكَّامَه الظالمين، لنْ يعجبَ لِرأَيي هذا.

وقدْ يُؤْخذُ عليَّ أَنَّني سهوتُ عنْ الأَسبابِ الحقيقيَّةِ للحربِ اللبنانيَّة، سواءٌ منْهَا الأسبابُ السياسيَّةُ والاقتصاديَّةُ والإِجتماعيَّة... وقدْ أَفاضَتْ الدراساتُ السياسيَّةُ والمقالاتُ الصحافيَّةُ في الكلامِ عليْهَا.

والحقُّ أَنَّ المؤرِّخين والمُحلِّلين السياسيِّين يَدرجون، في العادةِ، على تعليلِ الوقائع التاريخيَّة بالأَسبابِ الإِجتماعيَّة "البارزة"، ولا يقفونَ عندَ ما يحسبونَهُ عارضاً أَو فرديًّا.

ولكنْ، مَنْ يدري؟ فقدْ يكونُ الحدثُ "العارضُ" أَحياناً هو السببُ "الحقيقيَّ"، ولا تكون الأَسبابُ "البارزةُ" الأُخرى سوى ذرائعَ له! تُرى أَليسَ اضطهادُ أُورشليم للسيِّد المسيح ورفضُهَا لدعوتِهِ السامية السببَ "الحقيقيّ" لخرابِهَا على يدِ القائدِ الرومانيِّ تيتوس عام 70م؟

يقيناً أَنَّهُ لو عقلَ اللبنانيُّون، وأَصغَوا إِلى تعاليمِ مؤسِّس الداهشيَّة، وعملوا بهَا، لَمَا صارَ وطنُهُم إِلى ما صارَ إِليه، ولانقلبَ حقًّا إِلى "بلدِ الإِشعاعِ والنور"، كمَا يدَّعون.

                                 ***

مَنْ يرُافقُ الدكتورَ داهش في رحلاتِهِ لا بدَّ لهُ منْ أَنْ يُلاحظَ أَنَّ أَوقاتَه مبرمجة، لا تنقضي دقيقةٌ واحدةٌ إلاَّ وهو منهمكٌ في عملٍ ما، كزيارةِ المتاحفِ، أَوْ المتاجر، أَوْ الغاليريهات، أَو المكتباتِ، أَو المعالِمَ العمرانيَّة، أَو أَسواق الخُضَر والفواكه... وإِذا عزَّ عليهِ ذلكَ، عمدَ إِلى مطالعةِ الجرائدِ والمجلاَّتِ العربيَّة والتعليقِ عليْهَا، أَوْ إِلى مطالعةِ كتابٍ تاريخيٍّ أَوْ أَدبيٍّ أَوْ سواه، أَو إِلى تدوينِ يوميَّاتِه، أَو تأليفِ قِطَعٍ أَدبيَّة. فكأَنَّ لسانَ حاله البيتُ الشِّعريُّ المأْثور:

إِذاَ مرَّ بي يومٌ ولمْ أَصْطنِعْ يداً             ولمْ أَستفِدْ عِلماً فما ذاكَ منْ عُمري

والجديرُ ذكرُهُ أَنَّ المؤلِّفَ مُغرمٌ بإِقتناءِ الكُتُبِ النفيسةِ، ولا سيَّمَا كتبِ الرحلاتِ القديمة، وإِنْ غلاَ ثمنُهَا. أَمَّا شغَفُهُ بالفنُونِ الجميلةِ، ولا سيَّمَا بفَنَّي الرَّسمِ والنَّحت، فحدِّثْ عنْهُ ولا حرَج. فهو ولِهٌ بهَا منذُ صِغَرِه، وله فيهَا خبرةٌ ومعرفةٌ تامَّتان. يحبُّ الفنَّ الكلاسيكيَّ، وبخاصَّةٍ الموضوعاتِ الميثولوجيَّة فيه. وهو يؤثِرُ اللوحاتِ التي تعودُ إِلى القرنِ التاسعَ عشر. ولا تسلْ عنْ نُفُورهِ منْ فنِّ السريالزم. فهو يخرجُ، في هذهِ الرحلةِ، منْ مُتحفٍ للفنِّ الحديثِ والعجَبُ آخِذٌ منهُ "كلَّ مأخذٍ في هذا العصرِ الذي أَصبحَتْ المقاييسُ فيهِ منكَّسةً رأساً على عقب." ثمَّ يُعقِّبُ بالقولِ على مُنتجاتِ الفنِّ الحديث:" منَ المؤسِفِ أَنْ تسمحَ الحكوماتُ بعرضِهَا، وهي أَتفَهُ منَ التفاهةِ، ولا معنى لهَا إِطلاقاً."

وأَذكرُ جيِّداً أَنَّني كنتُ أُرافقُهُ إِلى أُوتِل درووHotel Drouot حيثُ تُعرَضُ وتُباعُ اللوحاتُ الفنِّيَّةُ وغيرُهَا بالمزَادِ العلنيِّ، وذلكَ مرَّتَين في اليومِ نفسِه. قبلَ الظُهرِ لاختيارِ اللوحاتِ التي أُعجِبَ بهَا، وبعدَ الظُهرِ لابتياعِ ما يتيسَّرُ منْهَا. وقدْ كانَ يوزِّعُ مُرافقيه على الغُرَفِ حيثُ القِطَعُ الفنِّيَّة التي يرغبُ في ابتياعِهَا. وقدْ طلبَ إِليَّ، ذاتَ يومٍ، أَنْ أَبتاعَ لهُ لوحةً فنِّيَّةً رائعة، موضوعُهَا دينيٌّ، تمثِّلُ قايين بعدَ أَنْ قتلَ أَخاهُ هابيل. ولمَّا شاهدَني أَحملُهَا إِليهِ في الفُندقِ- وكانَ قدْ لازمهُ بعدَ ظُهرِ ذلكَ اليوم – سُرَّ كثيراً.

                               ***

لا يخلو أَدبُ الرحلةِ عندَ الدكتور داهش منْ ملامحَ سيرةٍ ذاتيَّةٍ يكتشفُ فيهَا القارئُ جانباً منْ شخصيَّةِ المؤلِّف وآرائِهِ وعلاقاتِهِ بالآخرين. فقدْ يقسو على بعضِ رُفقاءِ رحلتِهِ لِما يصدرُ عنْهُم منْ أَخطاءٍ مُتعَمِّدة، إِذْ إنَّ "أَصحابَ العقائد الصدقُ رائدُهُم، والإِخلاصُ نديمُهُم." وقدْ يغلو في قسوتِهِ. ولكنَّهُ سرعانَ ما يرحمُ ويعفو، ويمنحُ رفيقَه فرصةً جديدةً علَّهُ يعتبرُ ويرعوي.

وتتجلَّى في هذهِ الرحلةِ محبَّتُهُ الكبيرة ووفاؤُهُ العظيم للإِخوةِ الداهشيِّين. فإِذا وقعَ لأَحدِهم مكروهٌ، ظلَّ نهارَهُ وليلَه على قلقٍ واضطراب، لا يغفو له جفن، ولا يتوانى عنْ الإِتِّصالِ هُنا وهُناكَ حتَّى يطمئنَّ قلبُه. وعندمَا ينالُهُ منَ البشَرِ ضَرٌّ، تُراودُه في الحالِ ذكرى رفيقِ حياتِه وجهاده، المرحومُ الدكتور جورج خبصا، فيُشيدُ بصدقِهِ وإِخلاصِه، ويستمطرُ عليهِ شآبيبَ الرحمة.

أَمَّا موقفُهُ منْ هذا العصرِ وما صارَ إِليهِ منْ إِباحيَّةٍ وغشٍّ وطمعٍ وتفاقُمِ إِلحادِ واستهانةٍ بالقيَمِ الروحيَّة، فلا أَدَلَّ عليهِ منْ هذهِ العناوين والعباراتِ المُقتَبسةِ منْ هذهِ الرحلة:" طبيبٌ خانَ ضميرَه"، "كافرةٌ ومُلحِدة"، "دعارةٌ نتنةٌ وإِنحطاطٌ مُبتذَل"، "إِذا لمْ تكُنْ ذئباً أَكلَتْكَ الذئاب"، "إِنَّ تجَّارَ اللوحاتِ الزيتيَّة لا يُؤمَنُ جانبُهُم."

ولعلَّ خيرَ ما يعبِّرُ عنْ موقفِ المؤلِّف بهذا الصدد، في هذهِ الرحلةِ، قولُهُ في كلمةٍ دوَّنَها في استقبالِ عام 1982:" إنَّ مفاسدَ الحياةِ الماديَّة دهمَتْ بشرورِهَا مرافقَ الحياةِ كافَّة، فانكفأَتْ الفضيلةُ مهيضةَ الجناح، تئنُّ منْ جراحِهَا البليغةِ وليسَ منْ مُنجد... إنَّ العودةَ إِلى الدين هو طريقُُ الخلاصِ للجميع. ففيهِ يجدُ الإِنسانُ راحتَه وأَمنَه، وفيهِ يجدُ قلبَهُ وقدْ اطمأَنَّ، وروحَه وقدْ استقرَّت."

                         ***

وهكذا جمعَتْ كتبُ "الرحلات الداهشيَّة" أَبرزَ القضايا التي تهمُّ المتأَدِّب، وجالتْ بينَ التاريخ والجغرافيَا والأَدب والفنِّ والإِجتماعِ وغيرِهَا. واعتمدَ المؤلِّفُ التفصيلَ الدقيقَ، ولمْ يكتفِ بالعَرْضِ السريع، على خلافِ ما تتَّصِفُ بهِ كتبُ الرحلات غالباً. كلُّ ذلكَ بأُسلوبٍ واضحٍ يتَّصفُ بالجَمالِ الأَدبيِّ.

فأَدبُ الرحلةِ عندَهُ اعتمدَ الاختبارَ بالمُشاهدةِ والملاحظةِ الشخصيَّة. وقدْ امتازَ هو فيهِ ببصيرةِ الناقد، وموضوعيَّة العالم، وبُعْدِ نظرِ الحكيم. فهو، منْ هذا القبيل، رائدٌ منْ رُوَّادِ أَدبِ الرحلةِ.

وليسَ يفوتُنَا أَنَّ أَدبَ الرحلة اليوم غيرُهُ في الماضي البعيد؛ ذلكَ أَنَّه كادَ يكونُ مقصوراً، في الماضي، على الوصفِ الخارجيِّ، إِذا جازَ التعبير.

ولا غرابةَ في ذلكَ. فقدْ كانَ الرحَّالةُ القُدماءُ يرودونَ بلاداً جديدةً قلَّمَا قرأُوا عنْهَا أَو سمعوا بهَا. زِدْ إِلى ذلكَ أَنَّهُم كانوا يُدوِّنون مشاهداتِهِم لقُرَّاءٍ لمْ يكنْ منَ السَّهلِ عليْهِم آنذاكَ ارتيادُ تلكَ البلاد. أمَّا اليوم، وقدْ اختُصِرَتْ المسافاتُ وتوافرَتْ المنشوراتُ السياحيَّةُ عنْ البُلدانِ ومعالمِهَا الحضاريَّة والاجتماعيَّة وباتَ في طاقةِ كثيرين ارتيادُهَا، فلمْ يعُدْ الرحَّالةُ مقصوراً هدفُهُم على "الوصف الخارجيِّ" فحسب، بلْ تعدَّوهُ إِلى تصويرِ انطباعاتِهِم عمَّا يُشاهدون، وتسجيل مواقفهم منْه. ولا ريبَ في أَنَّ الدكتور داهش قدْ برعَ في ذلك، وأَبدع.

وعلى الجُملة، فقدْ صدقَ على المؤلِّف قولُ القائل:" إِنَّهُ قسَّمَ عمرَهُ على قطعِ الأَقطار، ووزَّعَ أَيَّامه بينَ تقاذُفِ الأَسفار، واستخراجِ كلِّ دقيقٍ منْ معدنِهِ، وإِثارةِ كلِّ نفيسٍ منْ مكمنِه." فكتبُ رحلاتِه مشتملةٌ على جوامعَ يَحسنُ بالقارئ معرفتُهَا، ولا يُعذَرُ في التغافلِ عنْهَا.

                                              نقولا ضاهر

                                       نيويورك، 10 أَيَّار 1992

                         28 تشرينَ الأَوَّل 1981

                               التأَهُّبُ للسَّفَر

غادرتُ فراشي في الساعةِ السابعةِ صباحاً، وابتدأتُ فوراً بترتيبِ حقائبي تمهيداً لسفري. وبتمامِ الساعةِ العاشرةِ قبلَ الظُهرِ أَنجزتُ ترتيبَ ثلاثَ حقائب، ثمَّ حقيبةٍ يدويَّة أُخرى.

في العاشرةِ والنُصفِ استقلَّيتُ السيَّارةَ، وبصُحبتي الأَخ سَعْد شكُّور، رفيقُ رحلتي. وسعْد قدِمَ خصِّيصاً منْ مدينةِ جدَّة في السعوديَّة لكيْ يُرافقَني في هذهِ الرحلة؛ وقدْ وصلَ إِلى مطارِ كِنِدي في نيويورك في الساعةِ السابعةِ منْ صباحِ 22/10/1981، أَيْ منذُ أُسبوع.

                             أُوروبَّا فكينيَا

إِنطلقَتْ بنَا السيَّارةُ قاصدةً نيويورك، فبلغنَاهَا في الساعةِ الحاديةَ عشرةَ والنُصف، وأَصعدْنَا حقائبَنَا إِلى شقَّة ماريو شقيقَ سَعْد؛ وماريو طالبٌ في إِحدى جامعاتِ نيويورك.

وإِذْ كانتْ معدتي خاويةً، تناولتُ الغَداءَ، ثمَّ اتَّصلتُ بالصديقِ رياض، وطلبتُ إِليهِ أَنْ يذهبَ إِلى شركةِ طيرانٍ لأَخذِ تذاكرِ الرحلة، بالدرجةِ الأُولى.

ورحلتي نظَّمتُهَا على الصورةِ التالية: منْ نيويورك إِلى باريس بطائرةِ الكونْكورد، ثمَّ إِلى روما، ففلورنْسَا، ففينيسيَا، فلندنْ، ثمَّ إِلى نيروبي في كينيَا. ومنْ كينيا سنذهبُ برحلةِ "سَفاري" لمُشاهدةِ الحيواناتِ الضارية في مواطنِهَا الأَصليَّة. ثمَّ نُغادرُ كينيَا لنعدَ إِلى باريس فنيويورك بطائرةِ الكونْكورد.

في الساعةِ الخامسةِ بعدَ الظُهرِ تسلَّمتُ بريدَ بيروت: رزمةً ضخمةً بداخلِهَا 24 جريدةً و8 مجلاَّتٍ وكتاب.

                           تذاكرُ الرحلةِ ثمنُهَا 8000 دولار

في السادسةِ وصلَ سَعْد بعدَ ذهابِهِ إِلى متجرٍ ابتاعَ منْهُ عشرينَ شريطاً (كاسِّيت) لآلةِ الفِديو، ثمنُهَا 200 دولار. وسنلتقطُ بهذهِ الآلةِ مناظرَ الوحوشِ ومشاهدَ غاباتِ كينيا وأَسواقِهَا ومعالمِهَا.

في الساعةِ السابعةِ وصلَ رياض وهو يحملُ تذاكرَ الرحلة؛ وثمنُ تذاكرِ رحلتي 4000 دولار، ومثلُ ذلكَ ثمنُ تذاكرِ الأَخ سَعْد.

وفي الساعةِ الثانيةِ بعدَ مُنتصفِ الليل أَويتُ إِلى فراشي لأَنام.

                             29تشرين الأَوَّل 1981

                         مخابرةٌ هاتفيَّةٌ تشاءَمتُ بهَا

في الساعةِ السابعةِ إلاَّ عشرينَ دقيقة اتَّصلَ بي هاتفيًّا إِيليَّا حجَّار منْ بيروت، وأَعلمَني أَمراً يختصُّ بشخصٍ سبقَ أَنْ أَفهمتُ إِيليَّا بأَنَّني لا أُريدُ أَنْ أُخبَرَ عنْهُ أَيَّ أَمرٍ سواءٌ أَكانَ الخبرُ حسناً أَمْ سيِّئاً. ففي كلِّ مرَّةٍ يردُ ذكرُ هذا الشخص، تقعُ نكبةٌ ليستْ بالحُسبان. وهذهِ حقيقةٌ واقعيَّةٌ لا شكَّ فيهَا إِطلاقاً.

وقدْ يعجبُ القارئُ، ويستبدُّ بهِ الاستغرابُ منْ قولي هذا ومنْ تأكيدي التامّ. ولكنِّي أَردُّ عليهِ قائلاً: سواءٌ أَآمنتَ بمَا ذكرتُهث أَمْ لمْ تؤمنْ، فهذا شأنُكَ الخاصّ؛ أَمَّا أَنَا فإِنِّي مؤمنٌ الإِيمانَ كلَّه بأَنَّني كلَّمَا أُبلَغُ أَيَّ أَمرٍ عنْ هذا الشخص، فالنكبةُ تحلُّ في اليومِ نفسِه، وتُحدِثُ أَثرَهَا السيِّئَ للغاية.

لهذا تطيَّرتُ منْ مخابرةِ إِيليَّا، ولمتُهُ قائلاً له: أَلمْ أُخذِّركَ، يا إِيليَّا، أَنْ لا تذكرَ لي أَيَّ أَمرٍ يختصُّ بهذا الشخص؟ والآن أَيقظتَني لتُحدِّثَني بأَمرٍ يخصُّهُ! فإِنَّكَ ستُسبِّبُ لي نكبةً بمخابرتِكَ هذهِ.

                       أَلغيتُ سفرَ اليوم لتشاؤمي

وطلبتُ إِلى الأَخْ سَعْد أَنْ يتَّصلَ بالأَخ سركيس المُقيمَ في باريس، ويطلبَ إِليهِ أَنْ يُلغيَ حجزَ الفُندق؛ إِذْ سبقَ لي أَنْ طلبتُ إِلى سركيس أَنْ يحجزَ لنَا غُرفةً في فُندقِ بِدْفورد. فاتَّصلَ سَعْدٌ بسركيس، وأَلغى الحجز؛ وذلكَ لتشاؤُمي منَ المُخابرةِ الهاتفيَّة.

وكُنَّا قدْ قرَّرْنَا أَنْ نُسافرَ، بعدَ ظُهرِ اليوم، بالكونْكورد إِلى باريس، فاتَّصلْنَا بشركةِ الطيران، وأَبلَغْْنَاهَا عزمَنَا على إِلغاءِ السَّفر اليوم.

                       قدومُ رياض وابنتِه لوريس

في الساعةِ الثانيةَ عشرةَ والنُصف وصلَ رياضُ برفقةِ ابنتِهِ لوريس، وأَعلمَني أَنَّ السمسارةَ العقاريَّةَ تنتظرُ ذهابنَا لمُشاهدةِ منزلٍ معروضٍ للبيع، في لونغ آيلاند، إِذْ أَبلغتُهَا، منذُ أُسبوع، رغبَتي في ابتياعِ منزل. وعندَ الساعةِ الواحدةِ إِلاَّ ربعاً جلستُ في سيَّارةِ رياض وبرفقَتي سَعْد وهادي حجَّار الذي زارَني، صباحَ اليوم؛ وانطلقَتْ بنَا السيَّارةُ إِلى مكتبِ السمسارةِ العقاريَّة، فوصلْنَا إِلى مكتبِهَا في الساعةِ الثانيةِ إلاَّ رُبعاً.

                             منزلٌ ثمنُهُ 950 أَلفَ دولار

اصطحَبَتْنَا السمسارةُ إِلى منزلٍ ثمنُهُ 950 أَلفَ دولار، فتجوَّلْنَا في غُرفِهِ، وشاهدْنَا طابقَيه العُلويَّ والأَرضيَّ. لكنِّي لمْ أُعجَبْ بهندستِهِ. وهذا المنزلُ معهُ ثمانيةُ فدادين منَ الأَرض، وثمنُهُ فادحٌ.

غادرْنَا المنزلَ في الساعةِ الثانيةَ والدقيقةَ العاشرة، وانطلقَ بنَا رياضُ إِلى بيتِهِ في لونغْ آيلاند، فبلغْنَاهُ في الساعةِ الثالثةِ إلاَّ رُبعاً.

فورَ وصولِنَا، تناولْنَا الغَداء، وما إِنْ فرغْنَا منْهُ حتَّى وصلَتْ فوته وكريمتُهَا، فسُرِرْتُ بلقائهِمَا. وقدْ وصَلتَا في الساعةِ الرابعةِ إلاَّ ثلثاً.

                         إِلى شركةِ الطَّيَران

في الساعةِ الخامسةِ والدقيقةِ الخامسةِ انطلقَ رياض بنَا إِلى شركةِ الطيران، إِذْ إِنَّني اعتزمتُ أَنْ أَزورَ بلادَ الهند أَيضاً. إِضافةً لسفَري إِلى أُوروبَّا وكينيَا. والبلادُ التي سأَزورُهَا هي :بومباي، تاج محلّ بآجرا، كلكتَّا، أودابور، كتمندو.

وصلْنَا إِلى شركةِ الطيرانِ في الساعةِ الخامسةِ والنصف، وغادرَ رياض السيَّارةَ ليتَّفقَ معْ المسؤولِ فيهَا. وفجأَةً وصلَ شرطيُّ السَّيْر، وطلبَ إِليْنَا عدمَ الوقوفِ. فغادرَ سَعْد السيَّارةَ بعدَ أَنْ أَوصيتُهُ بأَنْ يقفَ على الرصيفِ لينتظرَ عودةَ رياض، وأَفهمتُهُ بأَنَّنَا سنقومُ بجولةٍ حولَ المكانِ لنعودَ إِليهِ ثانيةً.

                      20 جولة مُنْهِكة

قادَ هادي السيَّارةَ، وقامَ بجولةٍ طويلة، حتَّى وصلْنَا ثانيةً إِلى المكانِ الذي غادرَ فيهِ سَعْد السيَّارة؛ ولكنَّنَا لمْ نجدْ سَعْداً في هذا المكان. فدهشتُ لعدمِ وجودِه، مع أَنَّني أَوصيتُهُ بالمكوثِ فيهِ لانتظارِ عودة رياض.

واستمرَّ هادي في جولاتِهِ الطويلة مراراً وتكراراً. وفي كلِّ دورة، كنتُ أُعلِّلُ نفسي بمُشاهدةِ سَعْد أَوْ رياض. ولكنْ عبثاً كانَ تعلُّلي. فلا سَعْد ظهرَ ولا رياض أَقبل. وهكذا استمرَّتْ جولاتُ هادي المُمِلَّة.

فضاقَ صدري، واستبدَّ بي الغيظُ الشديدُ، وكانَ استيائي بالغاً أَشدَّه. فمنذُ الليلةِ البارحة، طلبتُ إِلى رياض أَنْ يذهبَ، صباحَ اليوم، إِلى شركةِ الطَيرانِ، ويُنهي الحجزَ إِلى الهند تحسُّباً للطوارئ. لكنَّه لمْ يذهبْ، فهو المُسبِّبُ لِمَا حدثَ لنَا منْ المعاكساتِ المُنَغِّصة.

كمَا كانَ استيائي كبيراً منْ سَعْد، لعدمِ انتظارِهِ في المكانِ الذي أَوصيتُهُ بأَنْ يقفَ فيه. ويبدو أَنَّهُ ذهبَ إلى مقرِّ الشركةِ ليجتمعَ برياض؛ وهذا ما أَثَارَ حفيظَتي، وزادَ ثورةَ أَعصابي.

وعددتُ الجولاتِ التي قامَ بهَا هادي، فإِذاهَا 20 دورةً استغرقَتْ ساعةً كاملةً. إِذْ ذاكَ طلبتُ إِلى هادي أَنْ يقفَ لأَنزلَ وأَستأجرَ تَكْسِيًّا يوصلُني إِلى الشقَّة. فقالَ لي هادي:" سأَتَّصلُ هاتفيًّا برياض لأُعلمَهُ أَنْ يُغادرَ مكتبَ الطيران".

                         قدومُ رياض بعدَ خرابِ البصرة

وأَوقفَ هادي السيَّارة، واتَّصلَ هاتفيًّا برياض، وأَعلمَهُ باستيائي الشديد. فهرولَ رياض قادماً برفقةِ سَعْد. وإِذا بي أَنفجرُ غاضباً. عاتبتُ سَعْداً لعدمِ انتظارِهِ إِيَّانَا حيثُ أَوصيتُهُ بالإِنتظار، كمَا لمتُ رياضاً لأَنَّهُ لمْ يذهبْ، صباحَ اليوم، إِلى شركةِ الطَيران، ليُنهيَ الحَجْزَ حسبمَا طلبتُ إِليه.

                         حُزني الهائل سبَّبَ أَلمَ رجلي الفادح

عُدْنَا إِلى الشقَّةِ، فإِذا بي أَشعرُ بأَلمٍ هائلٍ في أَسفلِ رجلي اليُسرى. لقدْ حلَّتْ عليَّ مصيبةٌ كُبرى: فشدَّةُ حزني وانفجارُ مراجلِ غضبي سبَّبَا لي هذا الأَلمَ المفاجئَ في رجلي التي منَ العسيرِ عليَّ أَنْ أَسيرَ عليهَا، بعدمَا أُصبتُ بهَا إِصابةً قاتلة.

وتذكَّرتُ مخابرةَ إِيليَّا وشؤمَ الشخصِ الذي حدَّثني عنْهُ، مع أَنَّهُ يعرفُ تمامَ المعرفةِ بأَنَّني لا أَرغبُ سماعَ أَيِّ شيءٍ عنهُ خوفاً منْ حدوثِ ما لا تُحمَدُ عُقْباه. وها قدْ وقعَ المحذورُ، ولا فائدةَ منْ التمنِّي المستحيل.

                         قطيعةٌ أَبديَّةٌ

وأَبلغتُ رياضاً أَنَّني لنْ أُكلِّفَهُ بأَيِّ شيءٍ بعدَ اليوم إِطلاقاً، فقدْ وصلتُ معهُ إِلى الطريقِ المسدود، وهو السببُ لهذهِ النتيحةِ المؤسفة. فلوْ ذهبَ صباحاً إِلى شركةِ الطيران، لمَا وصلْنَا إِلى هذهِ النهايةِ التعيسة.

وقلتُ لرياض إِنَّني بحاجةٍ إِلى النوم، ودخلتُ إِلى غُرفتي، وثورةُ أَعصابي مخيفةٌ، وأَغلقتُ البابَ ورائي.

الرحلة الرابعة

الدكتور دَاهِشْ

                                   الرحلاتُ الداهشيَّةُ

                                   حولَ الكُرَةِ الأرضيَّةِ

                                     الرحْلةُ الرابعَةُ

                                       عام 1971

                                 اليونَانْ- ليبيَا- مصْر

            

                       دارُ النَّارِ والنُّورِ للطباعةِ والنشرِ والتوزيع

                                     بيروت 1983

                                     زَوْرَقُ الأَمل

أيَّهَا الملاَّح،

دعنِي أَستقِلُّ زوْرَقكَ الذهَبيّ،

وأُبحرُ بهِ في متَاهَةِ الأُوقيانُوس الّلانهَاني،

ضارباً في فلَوَاتِهِ الفَيروزيَّةِ الرائعةِ الجَمَال،

صاعداً فوقَ أَمواجِهِ الهَادرَةِ المهيبَة،

هابطاً إلى أَعماقِهِ السَّحيقَةِ الأَغْوار،

تائهاً في أَبعادِهِ المجهُولةِ المعَالِم،

قصيّاً عن عوَالمِ الإِثمِ، ومُدُنِ الرذيلة،

وأَمكُثُ في رحْلَتي العجيبةِ أَعواماً فأَعواماً،

باحثاً عنْ (مدينةِ الأَحلام) حيثُ لا يُوجدُ أَنام.

آه؛ ما أَجملَ عالمَ الحُبِّ الحقيقيّ، ومَا أَبْهَاه!

وما أَقبحَ الأَكاذيبِ بمَا حواه!

                                                                             دَاهِشْ

                                                           منْ كتابِ"كلمات"

                                         مقَدِّمة

                                                                   بقلمِ المُحامي خَليل زَعتر

رحلةُ الدكتور داهشْ إلى اليونان فليبيَا فمصْر هي الرحلةُ الرابعةُ في سلسلةِ "الرحلاتِ الداهشيَّةِ حولَ الكُرةِ الأرضيَّةِ" التي تَنشُرُهَا، تِباعاً، "دارُ النَّارِ والنُّورِ"، بِحُلَّةٍ أَنيقةٍ فخْمةٍ، وإِخراجٍ رفيعِ المستوى، وطِباعَةٍ مُتقَنةٍ، مزيَّنةٍ بصُورٍ فوتوغرافيَّةٍ ورُسُومٍ فنيَّةٍ لمَا زارَهُ المؤَلِّفُ من أماكنَ في رِحلتِهِ التي استمرَّتْ خمسةً وسَبعينَ يوماً: يومان منْهَا في اليونانِ، وسَبعةُ أيَّامٍ في ليبْيَا، وستَّةٌ وستُّونَ يوماً في مصر.

ولعلَّ أبرزَ ما يَطبعُ أدبَ الرحلةِ عندَ الدكتور داهش الدقَّةُ في وصفِهِ لتحرُّكاتِهِ وسَكَناتِهِ. فالمؤلِّفُ، منذُ وصولِهِ إلى المطارِ، لا، بلْ منذُ مغادرتِهِ منزلَهُ حتَّى عَوْدتِهِ، ثانيةً، إليه يصفُ مشاهدتِه، ويُدوِّنُ إنطباعاتِه، ويُطلعُنَا على مقابلاتِهِ وأعمالِهِ، ويُدهشُنَا بدقَّةِ ملاحظَتِه، وسَعَةِ إطِّلاعِه. وقد خُيِّلَ إليَّ في أثناءِ قراءَتي لمخطُوطَةِ هذهِ الرحلة، أنَّني كنتُ رفيقَ الدكتور داهشْ في سَفرِه: صعدتُ معهُ إلى الطائرةِ، ورافقتُهُ في التاكسي، وساكنتُهُ في الفُندقِ، وصحِبتُهُ في تَجوالِه، وشاركتُهُ في آرائِهِ وأَفكارِهِ وتصرُّفاتِه. ولفَتَتْ نظَري طريقةُ معيشَتِهِ في بَسَاطتِهَا وقَسَاوتِهَا، واستَرعَتْ إنتباهي نوعيَّةُ إهتمامَاتِهِ وخبرَتِهِ العميقةِ في النفسِ البشريَّة، وأَذهَلَتْني ظاهراتُهُ الروحيَّة، وخشعتُ معْهُ أمامَ الأمكنةِ الأَثريَّةِ بجلالِهَا وروعَتِهَا وما ترمزُ إليهِ من حضارةِ الشُعوبِ ورُقيِّهَا، وصمَتُّ، متأَمِّلاً، معهُ، عظمةَ الفنِّ في المتاحفِ وما تَحويهِ من لوحاتٍ فنيَّةٍ ومنحوتاتٍ رائعةٍ، وكُنُوزٍ نادرةٍ، مستفيداً من تقييمهِ لهَا؛ ولا عَجَبَ! فكمَا إنَّ الدكتورَ داهشْ يَهوى السفرَ والتِرحالَ، فإنَّهُ، منذُ نُعومَةِ أَظفَارِهِ مولعٌ بالفنِّ، جامعٌ لتُحفهِ وكُنُوزِهِ، حتَّى إستطاعَ، في خلالِ نصفِ قرنٍ، وبجهدٍ شخصيٍّ تعجزُ عنهُ مؤَسَّساتٌ كبيرةٌ، أَنْ يقتَني عدداً وافراً من اللوحاتِ الفنيَّةِ والتُحفِ النفيسةِ لأَشهَرِ الفنَّانينَ العالميِّين؛ ولا شكَّ بأَنَّهَا ستكُونُ، في المستَقْبلِ القريبِ، نَواةَ المُتحفِ الداهشيّ.

ولا بدَّ لِمَنْ يُطالعُ هذه الرحلةَ منْ أنْ يُدركَ أنَّ حُبَّ المؤلِّفِ للسَفرِ وحُبَّهُ للمطالعةِ متلازمان؛ فالكتابُ رفيقُهُ الدائمُ، بلْ خدينُهُ وسميرُهُ، في حَلِّهِ وتَرحالِه؛ وقلَّمَا يمضي يومٌ لا يُنهيه بقراءَةِ كتابٍ أو صحيفةٍ؛ حتَّى أنَّهُ يُثبتُ، أحياناً، فقراتٍ من الكُتُبِ التي يُطالعُهَا في رحلتِهِ، كالفصلِ الذي أَثبَتَهُ عن الرحَّالةِ العظيمِ ماجلاَّن وكيفيَّةِ موتِهِ، وكذلكَ فقراتٍ عن موتِ الإسكندرِ الكبير. فالقراءةُ طعامُ المؤلِّف المفضَّلِ؛ فهو يقولُ :" الكتبُ هي طَعَامي المفضَّلُ، ونَهَمي لإلتهامِ مُتَنوِّعاتهَا لا يُشبعُ فُضُولي مطلقاً مهمَا طالعتُ منْهَا، فأنَا أقرأُهَا وأَتذوَّقُ حلاوتَهَا، وأَنتشي بمَا تَحويهِ من كُنُوزِ المعرفةِ التي أَودُّ فضَّ مغاليقِهَا، وإستيعابَ أَسرارِهَا المكنونةِ دوماً وأَبداً"؛ بل هي كالدِماءِ تَسري في عروقِهِ :"حُبِّي، بلْ شَغَفي الشديدُ لمطالعةِ مختلفِ أَنواعِ الكُتبِ... يسري مع الدماءِ في عروقي"(1)( من كتابِ"كلمات الدكتور داهش" في طبعتِهِ الثانية 1983، صفحة 82) . ومَنْ تسنَّى له معرفةُ الدكتور داهش وزيارتُهُ يعرفُ أنَّه يملكُ مكتبةً خاصَّةً تضمُّ زهاءَ مئتَيْ أَلفَ مجلَّد، في مختلفِ فُروعِ المعرفَةِ وشتَّى مواضيعِهَا.

ومَا يُضفي على رحلةِ الدكتور داهشْ طابعاً موضُوعيّاً علميّاً إعتمادُ المؤلِّفِ التصويرَ الفوتوغرافيّ والسينمائيّ للأَمكنةِ التي زارَهَا، فتَقْترنُ الكلمةُ المكتوبةُ عندهُ ببرهانٍ حسِّيٍّ تصويريّ، ممَّا يُشكِّلُ تُراثاً حيّاً للأَجيالِ الآتيةِ، يَستندُ إليه الباحثونَ في دراساتِهِم أَحوالَ تلكَ الشُعُوبِ وعاداتِهَا وتقاليدَهَا؛ وتُصبحُ هذهِ الأفلامُ مع مُرورِ الوقتِ دليلاً حاسماً على دقَّةِ ما وردَ في هذهِ الرحلةِ.

وأخيراً قدْ تجدُ في كُتبِ الرحلاتِ التي وضَعَهَا الأُدباءُ الآخرونَ وَصْفاً دقيقاً لعاداتِ الشُعُوب، والأماكنِ الأَثريَّةِ والمتاحفِ وحدائقِ الحيواناتِ والأَسواقِ التجاريَّةِ، والعُماراتِ السكنيَّةِ والملاهي والأَنديةِ والفنادقِ والمطاعِم، وبإختصارٍ لكلِّ ما تقعُ عليهِ عينُ الكاتبِ؛ ولكنَّكَ، بالتأكيدِ، لنْ تجدَ رحَّالةً- ولا يُمكنُكَ أنْ تجدَ رحَّالةً- يقومُ بأعمالٍ تخْرقُ نواميسَ الطبيعةِ كالدكتور داهش. وغايتُهُ من هذهِ الأَعمالِ أَو الظاهراتِ الروحيَّةِ هيَ إثباتُ وجُودِ الله وقُدرتِهِ ووجودِ عوالمَ روحيَّةٍ تسمو بدرجاتٍ عن عالمِنَا المادّي. فقدْ جرَتْ على يديْهِ أثنَاءَ وُجودِهِ في ليبْيَا ومصْر ظاهراتٌ روحيَّةٌ إثباتاً وتدليلاً على وُجُودِ الروح أَمامَ أَشخاصٍ عديدينَ ذوي ثقافةٍ عاليةٍ، ومراكزَ إجتماعيَّةٍ راقيةٍ، وقدْ شاهدوا عظَمةَ الرُّوحِ تتجلَّى على يدَي الدكتور داهشْ وتجترحُ الخوارقَ والمُعْجِزاتِ في عصرٍ غارقٍ في مادِّياتِهِ.

وهكذا يخرجُ القارئُ اللبيبُ من المُتعةِ والفائدةِ إلى شيءٍ يفوقُهُمَا سموًّا، ويبدأُ رحلةً في ذاتِهِ لإكتشافِ مجاهلِهَا، وإستقراءِ ميولِهَا، والبحثِ عنْ مصيره، والسؤالِ عن معنى وجودِه...

وعلى الجُملةِ، فإنَّ هذهِ الرحلةَ دليلٌ حيٌّ يَرجعُ إليهِ كلُّ إنسانٍ يعشقُ السَّفرَ، ويُحبُّ الإطِّلاعَ على المعالمِ الحضاريَّةِ للشعُوبِ التي قصدَهَا المؤَلِّفُ في رحلتِهِ؛ وهذهِ الرحلةُ هي، أيضاً، سِفرٌ حيٌّ لعالِمِ الإجتماعِ، بمَا تضمَّنتهُ من ملامحَ عنْ عاداتِ الشعوبِ وحياتِهَا وطُرُقِ معاشِهَا؛ ومرجعٌ لا غنًى عنهُ للمؤّرِّخِ المدقِّق، ولرجلِ الإقتصادِ إذْ يجدُ فيهَا فائدةً عندَ دراستِهِ تقلُّباتِ الأَسعارِ وتطوُّرَهَا وإرتفاعَهَا المّذهل في سنواتٍ معدودةٍ. والرحلةُ فوقَ كلِّ هذا وذاك، غذاءٌ للروحِ بمَا حوَتْهُ منْ دعوَةٍ صريحةٍ مدعومةً بالبراهينِ الحسِّيَّةِ الملموسةِ إلى الإيمان بعالمِ الروحِ والرجوعِ إلى جوهرِ الأديانِ السماويَّةِ المُنزَلةِ.

وفي نهايةِ المطافِ ركبتُ معهُ الطائرةَ في إيابِهِ إلى لُبنان مختصراً خمسةً وسبعينَ يوماً من التَجوالِ والسَّفرِ والمتعةِ والفائدةِ بساعاتٍ معدُودةٍ غبرَ صفحاتِ هذهِ الرحلةِ المُشَوِّقة.

                                                                             خليل زعتَر

                                                                   بيروت في 20نيسان 1983

                                        21شباط 1971

                                  التأهُّبُ للسَّفرِ إلى أثينَا

نحنُ اليومَ في 21 شباط عام 1971، وقدْ مضى على وجودي في بيروتَ خمسةَ عشرَ يوماً منذُ قَدِمتُ من روما في 7شباط 1971.

نهضتُ من فراشي في الساعةِ الخامسةِ، ورتَّبتُ حقائبي لأنَّني مُزمعٌ السفرَ، اليومَ، إلى أثينَا (اليونان) مع الأَخْ سليم قمبرجي.

وما وافتْ الساعةُ الثامنةُ حتَّى ابتدأَ الإخوةُ والأَخواتُ بالمجيء إلى منزلي بقصدِ تَوْديعي.

وفي تمامِ الساعةِ الثانيةَ عشرةَ والنصفِ، استقلَّيْنَا السيَّاراتِ ووجهتُنَا مطارُ بيروت، فبلَغناهُ في الواحدةِ إلاَّ رُبعاً بعدَ الظُهر، وكُنَّا عشرَ سيَّاراتٍ استقلَّهَا خمسونَ أخاً وأُختاً من الداهشيِّين. ووجدتُ في المطارِ رتلاً من الإخوةِ ينتظرونَ قُدُمي، فشكرتُهُم على عواطِفِهِم. وبعدَ أنْ أُخِذَتْ لنَا بضعةُ مشَاهدٍ سينمائيَّةٍ ودَّعتُهُم فرْداً فرْداً، ودخلْنَا إلى صالونِ المطارِ؛ وإذا بالميكروفون يُذيعُ وجوبَ توجُّهِنَا إلى الطائرةِ؛ ففعلْنَا، ودخلنَاهَا.

                                   الطائرةُ تُحلِّقُ بنَا

واشتعلَتْ مُحرِّكاتُ الطائرةِ، ثمَّ دَرَجَتْ بِنَا؛ وكانتْ الساعةُ الثانيةَ إلاَّ 12 دقيقة؛ واستمرَّتْ تسيرُ خمسَ دقائقَ كاملة، ثمَّ أطلَقَتْ لنفْسِهَا العنانَ بأقصى ما لديْهَا من قوَّةٍ؛ وبعدَ نصفِ دقيقة، كنتُ أنظرُ في خلالِهَا لساعتي اليدويَّة، ارتفعَتْ في الفضاء، وراحتْ تشقُّهُ بجَبَروت؛ وكانتْ الساعةُ، إذْ ذاكَ، الثانيةَ إلاَّ سبعَ دقائق تماماً. وأعلنَ الميكروفون أنَّ الطائرةَ ستُحلِّقُ على إرتفاعِ 31 ألفَ قدم، وستَصلُ إلى أثينَا في ساعتين.

نظرتُ من نافذةِ الطائرةِ، فإذا بالغيومِ تملأُ صفحةَ السماءِ، والرياحُ تدفعُ السُحُبَ الكثيفةَ بعكسِ سيرِ الطائرة. وكانتْ الرؤيةُ غيرَ جيِّدةٍ. وفي الساعةِ الثانيةِ و6 دقائق، أصبحتْ الطائرةُ كريشةٍ في مهبِّ الرياحِ العنيفةِ، تتلاعبُ بهَا مثلمَا يتلاعبُ الصِّبيةُ بالأُكَر. وفي تمامِ الساعةِ 3 إلاَّ ثلثاً، انقشعتْ الرؤيةُ نوعاً، وأُذيعَ أنَّ الطائرةَ تهبطُ من إرتفاعِهَا الشاهق رويْداً رويْداً، لأنَّهَا ستصلُ إلى مطارِ أثينَا.

وما لبثتُ أنْ شاهدتُ أبنيةَ الضواحي في أثينَا؛ وكانِ لسانُ البحرِ ممتداً، ومياهُهُ الزرقاءُ كأنَّهَا الفيروز. وحلَّقَتْ الطائرةُ فوقَه؛ وكانتْ الأبْنيةُ تحتَنَا؛ نشاهدُهَا، ونشاهدُ السيَّاراتِ وهي تسيرُ في الطرقاتِ الملتويةِ التواءَ الأَفاعي. وكانتْ الغيومُ تضربُ سرادِقَهَا فوقَ المدينةِ، والأمطارُ تتساقطُ... إنَّه فصلُ الشتاء.

وفي تمامِ الساعةِ 4 إلاَّ رُبعاً، هبطتْ بنَا الطائرةُ، فخرجْنَا منْهَا، والأمطارُ تغمرُنَا، وشعرْنَا بلذعةِ بردِ شباطَ الحزين.

                             إلى دائرةِ الجوازاتِ والجمارِك

كنتُ أوَّلَ من هبطَ من الطائرةِ، والأخ سليم بعدِي. كذلكَ كُنَّا أوَّلَ منْ وصلَ إلى دائرةِ الجوازاتِ؛ فأشَّرَ موظَّفُ الأمنِ على جوازيْنَا، ثمَّ انتقلْنَا إلى موظَّفِ الجُمركِ الذي طلبَ مِنَّا أنْ نفتحَ له حقائبَنَا، ففعلْنَا؛ وكذلكَ طلبَ من جميع رُكَّابِ الطائرةِ.

وقدْ لفتَ نظري فخامةُ البناءِ وإتِّساعُه، والنورُ الذي كانَ يغمرُه، والنظافةُ التي كانتْ تعمُّه؛ فهو كالحمامةِ المستحمَّةِ في ينبوعٍ من الماءِ الزلال.

                                   إلى فُندقِ آستور

استقلَّيْنَا تكْسيّاً أوصلَنَا إلى المدينة، ونزلْنَا في فُندقِ آستور؛ والمدينةُ تبعدُ عن المطارِ رُبعَ ساعة، تقاضى السائقُ 100 دراخما؛ والدراخما تُساوي 10 غروش لُبنانيّة أيْ يكونُ المبلغُ الذي تقاضاهُ عشرَ ليراتٍ. وقدْ أُعطينَا في الفُندقِ غرفةً في الطابقِ الرابع رقمهَا 413. وبعدَ أنْ وضعْنَا حقائبَنَا فيهَا، أَحبَبْنَا أنْ نقومَ بجولةٍ في المدينةِ لنتفحَّصَ معالمَهَا.

                                       في أسواقِ آثينَا

كانتْ الساعةُ الخامسةَ مساءً، عندمَا رُحنَا نتجوَّلُ في أسواقِ آثينَا، ونضربُ شوارعَهَا بأقدامِنَا، جائبينَ أزقَّتَهَا، متفحِّصينَ متاجرَهَا المغلقةَ الأبوابِ، لأنَّ اليومَ هو الأحد، وفيه تُغلِقُ آثينَا متاجرَهَا. وكانتْ الأمطارُ تتساقطُ منهمرةً، فابتَلَلْنَا، لكنَّنَا، رُغماً عنْ هذا، أَكمَلْنَا تَجوالَنَا في شوارِعِهَا قاصدين رؤيَتَها تحتَ وابلِ الأَمطارِ وهزيمِ الرياح.

كُنَّا نقفُ وراءَ زُجاجِ الواجهاتِ، ونُشاهدُ ما عُرِضَ فيهَا منْ بضائع. وقدْ لاحظتُ أنَّ الأثمانَ مرتفعةٌ للغاية؛ إذْ شاهدتُ محفظةً رجَّاليّةً صُنْعَ إيطاليا مطعّمةً بزخرفةٍ ذهبيَّةٍ، وقدْ سُعِّرَتْ بـ50 ليرة لبنانيَّة أَي 500 دراخما، ومحفظةً نسائيَّةً تُزخرفُهَا حجارةٌ رائعةٌ. وهي من صُنعِ أَلمانيَا، وقدْ سُعِّرتْ بـ250 ليرة لبنانيّة.

أَمَّا المعطفُ الرجَّالي فأثمانُهُ كانتْ تتراوحُ بين الـ250ليرة و750 ليرة لبنانيَّة؛ وهذا ثمنٌ فادحٌ، استغربتُ منه. وقلْ كذلكَ عن سائرِ البضائع. وغداً عندمَا تفتحُ المتاجرُ أبوابَهَا، سأرى بقيَّةَ البضائع وأثمانَهَا؛ إذْ لا بدَّ أنْ تكونَ السِّلَعُ التي تُصنَعُ في آثينا رخيصةً، وهذا ما سأعرفُهُ غداً. أمَّا البضائعُ الأجنبيَّةُ فأثمانُهَا فادحةٌ، وأظنُّ أنَّ السُّلطةَ تتقاضى رُسُوماً جمركيّةً مرتفعةً عليهَا.

                                   في أحدِ مطاعمِ آثينَا

بعدمَا قطعْنَا شوطاً كبيراً من سيرِنَا في شوارعِ آثينَا، وكانتْ الأمطارُ ما تزالُ تُطارِدُنَا، دخلْنَا إلى مطعمٍ مُتواضعٍ، وتناولْنَا فيه العشاءَ. أحببْنَا أنْ نجرِّبَ أَطعمةَ آثينَا، فطلبْنَا (نيفه) أي رأسَ خروف- وهذهِ أكلةٌ أشتُهِرَتْ بهَا آثينَا- فأمسكَ الطاهي الرأسَ، وشطرَه بساطورِهِ إلى نصفين، وقدَّمَ لكلٍّ منَّا شطراً. ولمْ نرَ في هذا الرأس إلاَّ اللسانَ والنخاعَ وما تبقَّى فلا شيء. وقدْ تقاضى ثمناً لطعامِنَا عشرَ ليراتٍ لبنانيّة أيْ 100 دراخما.

                                         إلى الفُندق

كانتْ الساعةُ تُشيرُ إلى السابعةِ والنصفِ، عندمَا استقلَّيْنَا تكسيّاً عُدنَا بهِ إلى الفُندق؛ وكانتْ ثيابُنَا مبتلّةً من الأمطارِ التي تساقطَتْ علينَا طوالَ تجوالِنَا في المدينة؛ فخلعْنَاهَا. وفركتُ رأسي بكولونيَا لأمنعَ الرشحَ عنِّي، ثمَّ جلستُ في فراشي، وطالعتُ بكتابِ (أصدقائي الوحوش)، تأليف بوريس أدر، وترجمةُ فؤاد كامل. والمؤلِّفُ يروي عنْ نفسِهِ كيفَ أصبحَ مُروّضاً للوحوشِ المفترسةِ في السيرك.

                                مخابرةٌ تلفونيَّةٌ إلى بيروت

في الساعةِ الثامنةِ مساءً، طلبتُ من إدارةِ الفُندقِ أنْ تصِلَني ببيروت؛ فقالَ لي الموظَّفُ:" المخابرةُ تتأخَّرُ لمُدَّةِ ساعتين أو أكثر"، فأجبتُهُ: لا مانع، سجِّل لي هذه المخابرةَ.

ولدهشتي قُرِعَ جرسُ التلفون، بعدَ دقيقتين قرعاً متواصلاً؛ فرفعتُه. وإذا بالمخابرةِ قدْ أتتنِي، فدهشتُ، إذْ أَعلَمَني الموظَّفُ أنَّ المخابرةَ تستغرقُ ساعتين لتُعطى لي، وإذا بِهَا تأتيني بعدَ دقيقتين. فتكلَّمتُ معْ (أُختٍ عزيزةٍ)، وأعلمتُهَا أنَّ الأمطارَ تعمُّ آثينَا، وأنَّنَا وصلْنَا إلى آثينَا، بعدَ ساعتين منذُ ودَّعنَاهَا بمطارِ بيروت؛ وقدْ اتَّفقْنَا أنْ تطلبَني غداً في الساعةِ التاسعةِ ليلاً.

                                    كنتُ تعِبًا فنمتُ

شعرتُ برغبةٍ للنومِ، لأنَّ السيرَ الطويلَ تحتَ الأَمطارِ أتعَبَني. وإذْ ذاكَ ألقيتُ الكتابَ من يدي، ثمَّ أطفأتُ الأنوارَ الكهربائيَّةَ، وما لبثتُ أنْ أسلمتُ نفسي لسُلطانِ النومِ الذي يُهيمنُ على جميعِ مخلوقاتِ كُرَتِنَا الأرضيَّةِ.

                                  22شباط 1971

نهضتُ من النومِ في فُندقِ أَستور بآثينَا؛ وكانتْ الساعةُ قدْ بلَغَتْ السابعةَ. فجلستُ، ودوَّنتُ حوادثَ الأمسِ وما تمَّ فيه، منذُ ذهابِنَا إلى مطارِ بيروت، حتَّى وصولِنَا إلى آثينَا، وسَيْرَنَا تحتَ الأمطارِ في شوارِعِهَا، لمُشاهدةِ حوانيِتِهَا المُغلقة.

وما وافَتْ الساعةُ الثامنةَ والنصف، حتَّى ارتديتُ ثيابي، وذهبتُ برفقةِ الأخ سليم إلى أحدِ المطاعم، فتناوَلْنَا فيهِ وجبةَ الصباحِ بيضاً مقليّاً مع صحنِ سلاطة. ولمْ يكنْ في المطعمِ سوى امرأةٍ تتناولُ قهوةَ الصباح، وكانتْ تُخالسُنَا النظراتِ إذْ عرَفَتْ أنَّنَا غُربَاء.

                                 إلى المُتحفِ المُغلَقِ

ثمَّ استقلَّيْنَا سيّارةً ذهبْنَا بهَا إلى المُتحفِ، إذْ قيلَ لنَا إنَّ فيه لوحاتٍ زيتيّةٍ، فضلاً عن الأثريَّاتِ التي يضمُّهَا.

وعندمَا بلغناه، قيلَ لنَا إنَّ المُتحفَ مُغلقُ الأبوابِ يومَ الإثنين. فاستقلّيْنَا سيّارةً توجَّهنَا بهَا إلى المدينةِ لنجوبَ متاجرَهَا وشوارعَهَا، وطلبْنَا من سائقِهَا أنْ يتوجَّهَ بنَا إلى سوقِ اللحُوم.

                                   إلى سوقِ اللحومِ

وصلْنَا إلى السوقِ الذي تُباعُ فيهِ اللحومُ بمختلفِ أنواعِهَا، وهو سوقٌ مسقوفٌ تُضيئُهُ الأنوارُ الكهربائيَّةُ. وهذا السوقُ مديدٌ إذْ يبلُغُ طولُهُ حوالي 300مترٍ، وتقومُ الحوانيتُ على جانبيه، وقدْ اكتظَّتْ باللحومِ المعلَّقة.

فأَنتَ ترى القراقيرَ الصغيرةَ، وقدْ تدلَّتْ برؤوسِهَا الصغيرة، والخنازيرَ المسمَّنَة وقدْ شُطِرَتْ إلى نصفين، ثمَّ لحمَ الخرافِ، والبقرِ، والعجولِ المسمَّنة، والماعز الخ الخ...

وهذا السوقُ غايةٌ في النظافةِ؛ إذْ لمْ يقَعْ بصري على أيَّةِ ذبابةٍ تُهوِّمُ على هذهِ الأطنانِ المُكدَّسةِ من اللحوم، بمَا فيهَا منَ الفِشَش، والمعاليق، والقلوب، والمقادم، الخ...

فالنظافةُ سائدةٌ بأتمِّ معانيهَا، وأبعدِ مراميهَا.

                                       في سوقِ الأَسماكِ

ودخلْنَا إلى سوقِ الأسماكِ، فإذا بهِ مكتظٌّ بشتَّى أنواعِ الأَسماكِ كبيرِهَا وصغيرِهَا. فأنتَ ترى سمكَ سُلطانِ إبراهيم بلونِهِ الأحمر وهو مكدَّسٌ بعضهُ فوقَ بعض، ثمَّ السمكَ البوري، فاللقّس، وسواهَا...

ولفَتَتْ نظري أكوامٌ هائلةٌ من الإخطبوط الهلاميّ اللزِج؛ وكانَ الناسُ يتسابقون لشرائِهِ. كما وُضِعَتْ أكوامٌ من القريدس، وسلاطعين البحر، ومن ذواتِ الأصداف، ثمَّ التوتياء، وغيرِهَا وغيرها...

                                إلى سوقِ الفواكهِ والخضَارِ

وخرجْنَا من سوقِ الأَسماكِ، لندخلَ إلى سوقِ الفواكهِ والخضَارِ. وأَوَّلُ ما لفَتَ نظري التُفَّاحُ الأحمرُ الشهيّ، وهو كبيرُ الحجمِ، ثمَّ الإجاصُ السائغُ المذاق، وسعرُهُ في آثينَا رخيص، والبندورةُ (الطماطم)، فمنْهَا الصغيرُ، ومنْهَا ما هو ضخمٌ بحجمِ طماطمِ لبنان، والباذنجانُ والبازلاَّءُ، والفولُ الأخضرُ. ولفتَ نظري، بصورةٍ خاصَّةٍ، الخيارُ، وهو مستطيلٌ، فالحبَّةُ منه قدْ تبلغُ حوالي الـ40 سنتمتراً طولاً، وطعمُهَا جيِّدٌ، وثمنُهَا يتراوحُ بينَ الـ4 دراخما والـ5 والـ6والـ7 دراخما؛ والدراخما تُساوي عشرةَ غروشٍ لبنانيّةٍ. أمَّا الموزُ فحجمُه صغيرٌ وعاديّ. لكنَّ بصلَهم صغيرُ الحجمِ، وطعمُهُ غيرُ حرِّيف، ولونُهُ أحمر.

                                وتِهْنَا في شوارعِ آثينَا

خرجْنَا من سوقِ الفواكِه، وسرْنَا نذرعُ الشوارعَ على غيرِ هُدى، وندخلُ إلى متجرٍ لنعودَ فنخرجَ منه، لندخلَ إلى آخر، ونساومُ بالبضائع، ونقلِّبَ السِّلَع، ودأَبْنَا على هذا العملِ في عشراتِ العشراتِ من المتاجر. وقدْ ابتعْنَا الكثيرَ من السِّلعِ التي اختصَّتْ اليونانُ بصنعِهَا، كاللُعَبِ الثمينة، ذاتِ الأَثوابِ المزركشةِ بالخرزِ الملوَّن، والبرقِ اللامع، والثيابِ الملوَّنة؛ وأسعارُ هذه اللُعَب التي تزينُ المنازلَ مرتفعةُ الأثمان؛ ولا عجَب، إذْ إنَّ الزركشةَ التي صُنِعتْ بهّا هذه اللُعَبُ مُتعبَةٌ، وتحتاجُ إلى وقتٍ، واليدُ العاملةُ غاليةٌ.

وكذلكَ ابتعتُ صُحُوناً اختصَّتْ اليونانُ بصُنْعِهَا، وهي من المعدنِ الأصفر، وبوسطِ الصحن رسمٌ يونانيّ قديمٌ يمثِّلُ أبطالَ الأساطير، كفطرقل، وعُوليس، وهكتور، وآخيل، أيْ أبطالَ الإلياذة التي أتحفَ بهَا العالمَ الشاعرُ العظيم هوميروس.

كمَا ابتعتُ لوحةً تُمثِّلُ مقتلَ هكتور وقاتلَهُ آخيل وقدْ شدَّ قتيلَهُ إلى عرَبَتِهِ وسارَ بهَا، وجسدُ هكتور ورأسُهُ يرتطمان بالأرض؛ وهي لوحةٌ جميلةٌ رُسِمَتْ على قطعةٍ كبيرةٍ من الخشبِ.

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.