أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الصحافي رؤوف شحوري

صحافي لبناني محترف وكاتب سياسي منذ العام 1960 حرر في عدة صحف ومجلات لبنانية، منها "الجريدة" و"الأنوار" و"الحوادث"، ورأس تحرير مجلة "الصياد" أسهم في تأسيس جريدة "القبس" الكويتية، وكان مدير تحريرها. أجرى مقابلات وحوارات مع رؤساء دول وشخصيات أدبية وثقافية. يعمل الآن كاتبًا سياسيًا في "دار الصياد" بلبنان.

 

اللقاءُ الأخير مع الدكتور داهش:

خذوا اليوم طبعةً من الجريدة التي ستصدرُ بعد شهر!

شارعُ حسين بيهم في منطقة زقاق البلاط في بيروت لا يتعدى طوله بضعَ مئاتٍ من الأمتار. إنه ليس من الشوارع الرئيسية أو الواسعة، وتقومُ على ضفتيه أبنيةٌ سكنية من طابقين أو ثلاثة شيدت في مطلع القرن الماضي، بعضُها يعودُ عهدُه الى القرن التاسع عشر.

ومع ذلك، فقد كان شارعًا فريدًا ومميزًا بموقعه وسكانه. ولم يكن شكله الخارجي يوحي بأهمية الشخصيات التي تقطنه، والتي كان لها موقعها ومكانتها في السياسة والأدب والشعر والدبلوماسية والحياة العسكرية والفن والتاريخ... وكان أيضًا هو الشارع الذي احتضن ظاهرةً خارقةً شغلت الكبار والناس في لبنان والمنطقة، وترددت أصداؤها في معظم القارات طوال عقود، ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا كظاهرةٍ روحيةٍ خارقةٍ مستعصيةٍ على التفسير، هي موضوعُ حديثنا هذا كما سنرى بعد قليل... وهي الظاهرة الداهشية!

                                                *******

العلامة المميزة لشارع حسين بَيهُم هو جامعُ زقاق البلاط. عند مدخله نزولاً إلى اليسار كان يقوم قصر هنري فرعون بأسوارِ حديقته العالية وتماثيلها الثمينة وحراس القصر الكثر وكلاب الحديقة الضخمة التي كان يخيل إالى الناظر إليها أنها أحصنةٌ صغيرة! وغيرَ بعيدٍ عن قصر فرعون يقومُ السراي الحكومي (الحالي) قرب ما كان يعرف بـ"درج الأميركان" المؤدي إلى ساحة رياض الصلح الحالية.

صعودًا من الجامع في اتجاه "البطركية" كان يقيم اللواء جميل لحود (والد الرئيس العماد إميل لحود) الذي كان من الشخصيات التي ثار حولها الجدل، وعُرف بـ"الجنرال الأحمر"، لا لشيءٍ إلا لأنه كان صاحبَ نزعةٍ إنسانية وأخلاقية تتحسسُ بمشاعر المسحوقين وتدعو إلى إنصافهم.

          وغيرَ بعيدٍ صعودًا في منطقة "البطركية" كانت تعيش في بيت فقير ورطب فتاةٌ لم يسمعْ بها أحد، ولا ينتبه إلى وجودها أحد، سريانية وافدةٌ إلى لبنان تدعى نهاد حداد؛ وتشاءُ الأقدارُ والموهبة الخارقة أن تصبح "سفيرة لبنان إلى النجوم"، وأن تعم شهرتها أنحاء العالم تحت اسم: فيروز. وفي هذه المنطقة كانت تقوم عيادةُ الدكتور فريد أبو سليمان، الطبيب ذو النزعة الإنسانية الذي كان يعود الفقراء في بيوتهم وأكواخهم، ويعالجهم ويقدم لهم الدواء مجانًا؛ وهو الرجل الذي كان من أوائل الشهود على الظاهرة الداهشية الروحية الخارقة في شارع حسين بيهُم، وكان هو (عفوًا) جواز مروري للتعرف إلى تلك الظاهرة عن قرب....

                                      **********

ابتعدنا قليلاً عن شارع حسين بيهم.... عند منتصف الشارع تقريبًا نزولاً إلى اليسار مدخلٌ يقودُ إلى دار سيدة المجتمع المخضرمة بين عهدي الانتداب والاستقلال مُود فرج الله التي كان يلتقي في صالونها كبارُ الشخصيات السياسية اللبنانية والفرنسية والأجنبية، وكانت تُطبخُ في صالونها أحيانًا الحكوماتُ والطبخاتُ السياسية.

          في الجهة المقابلة، في الطابق الأرضي، كان يقيمُ الشاعر صلاح لبكي الذي ارتبط اسمُه برابطة "أهل القلم"، وزوجته السيدة عايدة ووحيدُهما نعّوم. وفي مواقع أخرى من الشاعر كان يقيم فؤاد عمُّون، الأمين العام لوزارة الخارجية في حينه، والمؤرخ نقولا زيادة. وكانت عائلاتٌ من البرجوازية الإسلامية والمسيحية مبثوثة هنا وهناك على جانبي الشارع، ومنها عائلاتُ نمور وبراج وسنو والمركيز موسى دوفريج وىل ديبولا وآل زيادة وغيرُهم. وكانت هناك أيضًا القشلةُ العسكرية لجنود الانتداب الفرنسي، ومعظمهم من السنغال، وقد تحولت في ما بعد إلى جامعةٍ أرمنية.

                                                          ***********

في آخر الشارع حسين بيهم، إلى اليمين، كان موقع هذه الظاهرة الخارقة التي تردَّدت أصداؤها في لبنان والعالم العربي والخارج، وأثارت جدلًا واسعًا في حينه، في أجهزة الإعلام والصحافة، وتزامنت مع صراعات حادة، كان أحدُ أطرافها رئيس الجمهورية الأول في عهد الاستقلال الشيخ بشارة الخوري، والرجل الذي أثار عاصفة بما عرف الناس فيه من قوى روحية خارقة. وكان هذا الرجل هو سليم العشي الذي كان معروفًا باسم الدكتور داهش. وكان داهش يقيم في شقة من الطابق الأول في البناية الأخيرة في شارع حسين بيهم. وكان الرئيس بشاره الخوري يقيم على بعد عشرات الأمتار من المكان، في قصر الرئاسة الأولى في محلة القنطاري!

                                                *********

في ستينات القرن الماضي، كانت شهرةُ الدكتور داهش قد بلغت ذروتها. وكانت الناس تتداول قصص الخوارق والظواهر الخارقة للطبيعة التي تنسبُ إليه؛ وكانت تحدث مع شخصيات مشهودٍ لها بالعلم والمكانة والأتزان، وليس من النوع الذي يسهل خداعه أو التلاعب به. بمعنى آخر، لم تكن الصفوةُ التي آمنت بقدرات الدكتور داهش الروحية من البسطاء أو السذج الذين يسهلُ التلاعب بعقولهم وعواطفهم.

          وكان الدكتور فريد أبو سليمان يشرفُ على علاج والدتي. ونظرًا لتقدمها في السن، طلب مني عدم اصطحابها إلى العيادة، وقال إنه سيزورها في البيت. وكان الدكتور أبو سليمان يكثرُ من تفقدها في البيت للاطمئنان إلى صحتها. وعلمتُ في ما بعد أن السبب في ذلك هو أنه كان يزورُ الوالدة في بيتنا في كل مرة يتوجه فيها لزيارة الدكتور داهش الذي لا يبعدُ عن بيتنا سوى بضع عشرات من الأمتار.

          ثار فضولي الصحافيُّ، وكنتُ أطرحُ سيلاً من الأسئلة على الدكتور أبو سليمان في كل مروٍ يزورنا في البيت عن الدكتور داهش في ضوء ما كان ينشر عنه في الصحافة أو تتداوله الألسن. لم يتضايق الدكتور أبو سليمان من فضولي وكثرة أسئلتي، ولكنه قال لي ذات يوم: "لماذا لا تذهب وترى بنفسك؟" قلتُ: "اذهبُ إلى أين؟" قال: "لمقابلةِ الدكتور داهش!" قلتُ وقد صعقتني المفاجأة: "ولكن هل هذا ممكن؟" قال: "بالتأكيد!" وهكذا كان. وقد سجلت وقائع هذه المقابلة ونشرتها في جريدة "الجريدة" التي كنت أعمل فيها. وفي اليوم التالي تلقيتُ قصفًا من الأسئلة والاستفسارات من كل من أعرفه في العائلة وزملاء المهنة، ومن أسرتي "الجريدة" و"الأوريان" L’orient حيث كنتُ أعمل في أيام ناشرهما الراحل جورج نقاش، ومن رجال السياسة وغيرهم.

كنا ثلاثة نتحمل مسؤولية تحرير جريدة "الجريدة": الراحل رياض حنين الذي كان مسؤولاً عن القسم الثقافيِّ فيها، وعادل مالك وأنا؛ وكنا نتقاسم الجانب السياسي والإشراف على إقفال الجريدة حتى صدورها يوميًا. ولدى اجتماعنا اليومي، طرح علي الزميلان رياض حنين (رحمه الله) وعادل مالك (متعه الله بالصحة والعافية) كثيرًا من الأسئلة حول لقائي مع الدكتور داهش. وتصرفت معهما كما تصرف معي الدكتور أبو سليمان، فقلت لكل منهما: "لماذا لا تذهبُ وترى بنفسك؟!" وطرحا عليَّ السؤال نفسه الذي سبق أن طرحته على الدكتور فريد وهو: "هل هذا ممكن؟" قلتُ: "أحاول..".

                                                *****

عندما توجهنا نحن الثلاثة، رياض حنين وعادل مالك وأنا، لزيارة الدكتور داهش في منزله، استقبلنا بكل ما عُرِف عنه عن دماثةٍ وحسن استقبال. وكان كعادته يرد على الأسئلة التي طرحها الزميلان بصوته الهادئ والخافت إلى حد ما. ولم يتجرأ أي من الزميلين على أن يطلب إلى الدكتور داهش أن يعرض أمامهما شيئًا من الخوارق التي عُرف بها، وربما كان في ظن كل منهما أن الخوارق تحدثُ "غب الطلب!" وكأن الدكتور داهش أدرك ما يجول في خاطر كل منهما، فنظر إلينا مليًّا وقال بنبرة هادئةٍ وعادية: "أنتم تعملون في جريدة "الجريدة"، أليس كذلك؟" قلنا: "نعم". "قال": "ما هو عنوان "الجريدة" الرئيسي بتاريخ كذا...؟"

          تبادلنا النظرات حائرين... لم يكن التاريخ الذي ذكره الدكتور داهش يُشيرُ إلى اليوم السابق أو الذي سبقه او قبل ثلاثة أيام أو قبل أسبوع أو شهر... بل كان يسأل عن عنوان عدد "الجريدة" الذي سيصدرُ بعد شهرٍ واحدٍ تقريبًا من تاريخ يوم زيارتنا له!

          وقال أحدُنا: "ولكنك تسأل عن عنوانِ عدد لم يصدر بعد وهو لا يزالُ في ضمير الغيب!"

          لم يكن الدكتور داهش يُحبُّ لغة التحدي أو وضع الشروط المسبقة. ولذلك قال بنبرةٍ هادئةٍ وعاديةٍ ما معناه: "إذا وافقتم، يمكن تحديدُ موعد جلسةٍ روحيةٍ، وبقدرة الله والنبي الحبيب الهادي يمكن أن تحصلوا على نسخةٍ مطبوعةٍ من عدد "الجريدة" الذي سيصدرُ في اي تاريخ مستقبلي تحدِّدونه... أي بعد أيام من موعد الجلسة الروحية أو بعد أسابيع أو أشهر أو سنة!".

          صفعتنا المفاجأة... ولكن الدكتور داهش أضاف: "هذا الأمر يتطلب منكم تلاوة صلاةِ (الصلاة الداهشية) لمدة شهر كامل يوميًا ودون انقطاع. وهذا ضروري لتوافر أجواء الجلسة الروحية. وإذا عدتم ولم تفعلوا ذلك، فإنني سأعرف، وسيكون متعذرًا عقد الجلسة الروحية!"

                                                ******

تسلمنا من الدكتور داهش نص "الصلاة الداهشية". قرأناها لاحقًا بتمعن. لم تكن فيها ألغازٌ أو رموزٌ غامضة. كانت مناجاة روحية تنبضُ بالإيمان والأديان السماوية. وتشاورنا نحن الثلاثة لاحقًا. التحدي الذي عرضه الدكتور داهش كان كبيرًا جدًا؛ إذ كيف يعقل أن يسلمنا نسخة مطبوعة وكاملة من الجريدة التي ستصدر بعد أسبوع أو شهر أو سنة؟ وراح كلٌّ منا يفسر على طريقته طلبه إلينا تلاوةَ "الصلاة الداهشية" لمدة شهر. وبصراحةٍ، فقد خانتنا شجاعة الالتزام بهذا المطلب، وفاتتنا فرصةٌ لا تعوض. ولم تكن "الجلسة الروحية" مُتاحةً إذا التزم أحدنا فقط بتلاوة الصلاة لمدة شهر؛ كان ينبغي أن نلتزم نحن الثلاثة بهذا الأمر.

                                                          *******

تساءل كثيرون: هل كان الدكتور داهش "ساحرًا ومن السحرة المعروفين عالميًا مثل هوديني وديفيد كوبرفيلد وغيرهما؟ وكان جوابي على كل من طرح عليَّ هذا السؤال: لم يترك هوديني وكوبرفيلد وغيرهما إرثًا روحيًا وثقافيًا يستمر بعدهما. والدكتور داهش ترك مثل هذا الإرث، ولا يزال له كثيرون من المؤمنين بقدراته الروحية حتى بعد رحيله بحسدِه عن هذا العالم....

                                                ***********

كنتُ قد سجلت لقائي الأول مع الدكتور داهش في تقرير نشرتثه في جريدة "الجريدة" بتاريخ 19 كانون الأول (ديسمبر) 1965 (العدد 4000) تحت عنوان "وراء أبواب داهش!" وهنا نصُّ ما نشرته في حينه:

شارع حسين بيهُم، زقاق البلاط

بابٌ من الحديد الأحمر اللون في جدار قديم لبناء قديم. من الصعب أن تتنبه إلى وجود هذا الباب المطل مباشرةً على رصيف الشارع الضيق، الآهل بحركة المرور والسير.

يخيل إليك لأول وَهلة أنه باب مهجور لم يستعمل منذ الحرب العالمية الأخيرة، وأنه لا يمكن أن يخفي وراءه أي سرٍّ أو أيةَ حياة.... لكن هذا الباب بالذات، إذا كنت على موعد، يُخفي وراءه... الدكتور داهش!

          نقرعُ الجرس.

          فوق رأسك مباشرة على علو 8- 9 أمتار، تُفتح نافذة. رأس يطل من فوق يحدق بك من هذا العلو. يتأكد من هويتك بسؤال استفسار وبصوت عال. ويوجد حبل يشد قفل الباب القديم التصميم.

          تدخل وتغلق الباب الحديدي. مجموعة من الصناديق الخشبية تحضنها فسحة الدرج الداخلي الذي يؤدي إلى الطابق الثاني. رائحة عطرة تتسرب إلى خياشيمك، وتساعد على نقلك إلى الجو الجديد.

          أنت الآن في عالم الدكتور داهش الذي يقودك إليه غالبًا الدكتور الداهشيّ فريد أبو سليمان!

غرفة الأستقبال التقليدية وصفها صحافيون سبق أن زاروا المكان وتحدثوا عن النمر والدب المصبرَّين على الجدار، واللوحات العالمية والسجاد الفاخر. يمكن إضافة "ملاحظة كهربائية": التمديدات واصلة إلى "طاولة النص" وآنية الزهور قرب مقاعد الزوَّار...

          يستقبلك الدكتور فريد أبو سليمان مثلاً. يتجاذب معك الحديث. يضعك بالاختصار "في الجو".

          في الموعد المحدد تمامًا، بالساعة والدقيقة، يدخل عليك الدكتور داهش...

          أين الأُبهة؟ أين العظمة؟ أين السحر؟ أين القوة الخارقة؟ أين الطلة التي تعقد اللسان وتأسر النظرات؟ لا شيء!

          الدكتور داهش ليس أكثر من إنسان عادي المظهر تمامًا. تميل قامته إلى القصر والبدانة. لكن لا تفوتك حيوية ظاهرة في حركات يديه ومشيته.

          يستقبلك بحديث عادي. يستمع إليك أولاً. يعطيك أفضلية الكلام. يقطع عبارة كان باشر النطق بها ليتيح لك استهلال جملةٍ بدأت حروف الكلمة الأولى منها تتجمع على شفتيك بتردُّد!

          يجعلك تتقدمه في ممر طويل إلى الصالون الآخر الأشد اتساعًا، حيث وزعت المقاعد والرياش بشكلٍ ينمُّ عن الذوق والدقة.

          هذا الصالون الشديد الاتساع، ذو الجدران العالية، يكاد يكون في مجمله تحفةً متكاملة: لوحات زيتية رسمها رسامون عالميون تغطي الجدران. سجادٌ نادر. تحف من العاج والأبنوس وخشب الأرز. تماثيل صغيرةٌ ومتوسطة من الرخام والخشب والموزابيك والبورسلين من صنع مشاهير المثالين في إيطاليا وفرنسا. مجموعة من الفراشات الملونة النادرة التي تأسر القلوب.

          قال لي الدكتور أبو سليمان إنني محظوظ. لماذا؟ لأن الدكتور داهش أنهى للتو جلسة روحية، ولا يزال "في الجو الروحي". لذلك توقع لي أن تحدث ظاهرات بقدرة روحية خارقة...

          ناولني الدكتور داهش مجموعة من الأوراق الزرقاء المصنوعة من الورق المقوي؛ قرابة 15 – 20 ورقة كتب على كل واحدة منها اسم طير أو حيوان: هدهد، حصان، غزال إلخ...

قال: اضمرْ على واحدة.

نظرتُ وضمرتُ (على ورقة الحصان)

- اخلط.

- خلطتُ.

- الآن، ابحث عن الورقة التي ضمرت عليها.

- غريب. إنني لا أجد الورقة التي ضمرتُ عليها.

نعم، لم تكن الورقة هناك! أي اختفت من بين المجموعة. كنتُ على وشكِ إعادة مجموعة الأوراق الزرقاء إليه حين لاحظتُ أمامي على الكنبة مفتاحًا قديم الصنع كالذي يُستخدم في إقفال أبواب الأبنية القديمة.

أمرني:

-خُذِ المفتاح.

أخذتُه.

- إذهبْ إلى تلك الغرفة. إفتح تجد ورقة الحصان التي ضمرت عليها: إنها على "التربيزة"!

وهكذا كان!

عاد صوته يردد بتواضع:

- إفحصِ الأبواب والنوافذ... أتلاحظ أنها مقفلة من الداخل؟!

ونظرتُ، وفحصتُ فإذا هي فعلاً مقفلة من الداخل.

عدنا إلى الصالون الأوسع:

تناول الدكتور داهش ورقة بيضاء، وطلب مني ليرة لبنانية وضعها على الورقة البيضاء ورسم حدودها، وأعاد الليرة لي. قطع من الورقة قطعةً بحجم الليرة. كتبتُ اسم عليها وطواها. قال: ضعها في يدك وأقفل يدك عليها، ففعلتُ.

          تناول ورقةً أخرى صفراء اللون رسم عليها الرمز الداهشي وكتب عليها: "بحق الله والنبي الحبيب الهادي أن تتحول هذه الورقة إلى ليرة لبنانية". ثم حرق الورقة الصفراء. قال: إفتح يدك إصبعًا إصبعًا... ففعلتُ. كانت هناك ليرة لبنانية عليها اسمي كما هو على الورقة البيضاء التي اختفت من يدي بقدرة قادر. ولاحظتُ أن رقمها كان مختلفًا عن رقم الليرة التي أخذها مني.

          حدَّق الدكتور داهش قليلاً في عينيَّ بنظراتٍ خُيِّل إليَّ أنها نظراتٌ ناعمة، وقال:

- دون عندك رقم الليرة ورقم "السِري"Série.

وطلب مني أن أعطيه أعدادًا كيفما أشاء تشبه أرقام العملة المسلسلة وأرقام "السري". وعندما انتهيت من إملاء الأرقام عليه، وكان يكتبها على أوراق صغيرة منفصلة، طوى هذه الأوراق وخلطها، وطلب مني انتقاء واحدة منها.

          فتحتُها وقرأت الرقم. وفتحت الليرة التي كنت أضغط عليها كلَّ الوقت بإصبعي ضمن كفي، فإذا بها تحمل الرقم نفسه!.... وهي غير الأرقام التي كانت أساسًا على الليرة عند تحويلها... وكان اسمي لا يزال مكتوبًا عليها. وهي الآن بحوزتي، وبإمكان أي كان الإطلاع عليها.

          الدكتور أبو سليمان قال لي تعليقًا على هذه "الظاهرة الروحية":

-حظك يفلق الصخر! هذه الظاهرة لم تؤت لسواك...

لكن عرفتُ فيما بعد أن "الطاهرة" حدثت لعدة أشخاص، بينهم موظفة ممشوقة في وزارة البريد! لكنها لم تحدُث أمام أي صحفيٍّ آخر.

كانت مقدمة لا بد منها للتساؤل:

مَن هو الدكتور داهش؟

"أنبيٌّ" كما يقول الداهشيون، أم منوم مغناطيسي داهية كما يقول الخصوم، أم رجلٌ يتمتع بمزايا خارقة وذكاء نادر؟...

          ولاحظنا أخيرًا أمرَين:

          أولاً: أن الداهشيين شنوا حملةً على المشعوذين وفضحوا فيها ألعاب الشعوذة التي لم تكن معروفة عند الناس.

          ثانيًا: أن الداهشية تحاول استرداد المواقع التي خسرتها خلال حربها الطويلة ومحنتها في عهد الرئيس الراحل بشاره الخوري.

أهو نبيٌّ أم منوِّمٌ مغناطيسيّ؟

كثيرون طرحوا السؤال على أنفسهم وأجابوا عليه بطرقٍ مختلفة: قسمٌ صدق، وقسم أنكر، وقسمٌ ذهب إلى الدكتور داهش "ليضع إصبعه" على طريقه توما!

          كنتُ من هذه الفئة الأخيرة، خاصة بعد أن انقطع عن مقابلة الناس مدة عشرين يومًا لأنه، كما قيل، كان مصابًا بحمى غريبة أتت فجأة وذهبت فجأة!

          ومهما يكن من أمر الدكتور داهش، فليس بوسع مَن يقابله إلا أن يخرج بنتيجة واحدة هي أن هذا الإنسان ظاهرةٌ غريبة في مجتمعنا. يقوم بأعمالٍ لا تقع ضمن نطاق التفسير العادي والمنطقي لنواميس الحياة. وليس أمرًا سهلاً أن تضع بنفسك ورقةً بيضاء مطوية وتقفل يدك عليها، ثم تفتحها من جديد دون أن يلمسك أحد أو تنتقل من مكانك أو يتغير أي شيء في وضعك، لتجد بدلاً منها ليرة لبنانية عليها اسمك الذي كُتِبَ على الورقة. ثم تقفل يدك من جديد عليها وتفتحها لتجد أن أرقامها المسلسلة تغيرت، فتذهب إلى الصراف فيؤكد لك أنها ليرة لبنانية لا شك فيها، قابلة للتداول!

          ونتيجة لهذه الظاهرة الروحية الخارقة آمنت فئة من الناس، بينها أشخاص مرموقون من أطباء ومهندسين ومحامين وشعراء، بهذا الرجل، وبالأعمال الخارقة التي تصدرُ عنه، وأطلقت على نفسها صفةً مستمدَّة من أسمه المستعار: (الداهشية)...

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.