أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الأستاذ طوني شعشع

كاتبٌ لبنانيُّ الأصل مقيمٌ في الولايات المتحدة. نال شهادة الكفاءة في الفلسفة العامة من كلية التربية في الجامعة اللبنانية (1974). زاول التدريس الثانوي في زحلة عدة سنوات، ثم هاجر إلى نيويورك حيث عمل، وما يزال، محررا في الدار الداهشية للنشر. ترجم من الفرنسية "قصة تقمص" لزينا حداد، ومن الإنكليزية "لعازر وحبيبته" لجبران (نُشرتا في مجلة "صوت داهش). وله دراسات ومقالات وقصائد منشورةٌ في صُحُفٍ لبنانية ومهجرية، وديوانٌ شِعريٌّ مُعدٌّ للطبع.

 

لَمَحاتٌ من مفهوم التقمُّص في العقيدة الداهشيَّة

لا يعدو هذا المقال ما يُشيرُ إليه بعنوانُه. ذلك لأنَّ الخوض في النظرة الداهشية إلى التقمُّص وما يتصل به من مفاهيم أُخرى، فضلاً عن مُوازَنتها بما سبقَها من نظرات، يقتضي بحثًا مُسهبًا يضيقُ به الحيز المُتاح في كتاب تذكاريٍّ أسهمَ فيه رهطٌ كبيرة من الكتاب.

          والحق أن ما يحدوني إلى معالجة هذا الموضوع سببان: الأول أن التقمُّص هو من المفاهيم الرئيسة في العقيدة الداهشية، فلا يصعبُ على القارئ الاطلاعُ عليها من خلاله؛ والثاني أنَّ كثيرين يسألون: ما وجهُ الجِدَّة في النظرة الداهشية إليه؟ وعليه، فسأُحاول عرضَها في نطاق الوِسْع، مُشيرًا إلى بعض ملامح الجدة فيها، مُعوِّلاً على نصوصٍ بقلم مؤسس الداهشية، مجتنبًا الاجتهاد ما أمكن. وإذا أُلجئتُ إليه، رجَّحتُ ولم أقطعْ.

التقمُّص والغاية منه

لا يتردد الدكتور داهش في الجزم أنه يؤمن بالتقمُّص إيمانه بوجوده.1 فما سرُّ إيمانه المطلق به؟ وكيف كانت نظرتُه إليه؟

-----------------------------------------------------------

1 انظر الدكتور داهش: "قصص غريبة وأساطير عجيبة"، ج2 (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 12.

-----------------------------------------------------------

السائد في العقائد أو الفلسفات القديمة القائلة بالتقمُّص أن النفس الإنسانية تعودُ إلى الأرض في أدوارِ حياةٍ متعاقبة حتى تبلغ درجة التطهُّر، فتفارقها. ولكنها إذا اتفقت في عودة النفس إلى الأرض، فهي تختلفُ في مآلها بعد تطهرها. منها ما يقول بأنها ترجعُ إلى العالم الذي هبطت منه ("عالم المُثُل" الأفلاطوني، مثلاً)، ومنها ما يدعي أنها تبلغ حال "النيرفانا" (وفي تأويلها مذاهبُ شتى)، ومنها ما يدعي أنَّها تنتقلُ إلى الكواكب، منازلِ النفوس الخالدة...

          والحقَّ أن مؤسس الداهشية لا يخالفُ التصوُّرَ العامَّ للتقمُّص، فيوجزُه بالقول إنه "تكرارُ" مجيء الإنسان إلى الأرض "ليتطهر من أوشابه ويتخلص من أوزاره"1. ولكنه لا يقصرُه على الأرض؛ ففي اعتقاده أن النفس قد تتقمَّص في كواكب أُخرى وفقا لمُستواها الروحيّ. ولا ريبَ في أن حصر التقمص بالأرض يعودُ إلى التصور القديم للكون. فقد كان الشائع أنها مركزُ الكون، وأنها "عالمُ الكون والفساد" حيث الكائناتُ المادية في حين أن الكواكب هي من طبيعة "أثيرية" غير مادية.

          أما اليوم، وقد استوت الأجرام كلُّها في المادية حتى بات الكلامُ على حضاراتٍ كونية أمرًا ممكنًا، فقد بات في ميسور واحدِنا أن يتمثل الاعتقاد القائل بتقمص النفس في كواكب أخرى. وللدكتور داهش نصوص كثيرة تؤكد ذلك، أكتفي بواحدٍ منها: "ولا شك أننا سنزورُ عوالمَ القمر وبقية الكواكب لنعرف كل شيء، ونمرَّ بالتجارب المختلفة في كل عالم وكوكب، حتى يأذن الله بأن ندخلَ إلى فردوسه الإلهي، فنمجده ونُسبحَ باسمه القدُّوس..."2

          يتضح من هذا النص عدة أمور. منها أن التقمُّص ممكنٌ في عوالمَ وكواكب مختلفة، لا على الأرض وحدها. ومنها أن لكل عالم وكوكب تجاربه – وليس شرطًا أن تكون متماثلة – وأَنَّ مَن ينتصر عليها يأذن له الله بالدخول إلى "فردوسِه الإلهي"؛ وإلا كُتب عليه أن يعاودَ تقمصاته. فإذا صح هذا، لزمَ أن السقوط ممكنٌ حتى في العوالمِ والكواكب

------------------------------------------------------------

1 المصدر السابق، ص 7.

2 الدكتور داهش: "خيال مجنح أو حياة الأحياء في القمر" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 47. لا بد من التنويه هنا بأنَّ بعض المذاهب "الروحانية" لا تنفي التقمُّص في الكواكب.

أنظر، مثلاً: (Allan Kardec: Le livr des Esprits (Edition de l’Union Spirite Belge 1954).

----------------------------------------------------------

الراقية. ويبدو من النص أن التقمصات تكفُّ أو تنقطع بعد ولوج "الفردوس الإلهي". وللقارئ أن يسأل: ما هو هذا "الفردوس"؟

          الأغلب أنه تمثيلٌ حسيٌّ للعالم الروحي؛ وهو عالمٌ بريءٌ من المادة. ذلك أن الروح، في التعاليم الداهشية، لا تلازم الأجسام أو المادة، بل إن لها عالمها المفارق. هي أشبهُ بالنفس الكلية عند أفلوطين، منها تنبثقُ النفوس الجزئية – أو ما تدعوه الداهشية "السيالات"1 - وإليها تعود. وعليه، فإنَّ التقمُّص لا ينسحبُ على عالَم الروح، لأنه، كما سبق القول، عالمٌ مفارقٌ، خالٍ من كل آثرٍ مادي. ولكن هل نخلصُ من ذلك إلى أنَّ الغاية الأخيرة من التقمصات هي ولوجُ العالم الروحي؟

          لا، بل الغاية في رأي الدكتور داهش، أبعدُ من ذلك؛ الغايةُ هي"الاندماج في القوة الموجدة". لنسمعه يقول: "حياة المرء لا تنتهي بالموت... فإذا كانت أعمالُه صالحةً وكان سلوكُه في عالم المادة خيرًا، انطلقت روحُه2 إلى عالمٍ مادِّيٍ آخر... وهكذا يتدرج من عالمٍ إلى عالَم... حتى يندمجَ بالقوة المُوجدة، فتكتمل سعادتُه المُبتغاة"3. ولربما خُيِّل إلى بعضهم أن هذا "الاندماج" هو ما يُعرَف عند البوذيين بحال "النيرفانا". والحق أنه يصعبُ جدًا القطعُ بالأمر، وإن ترجح القولُ بأنها (أي النيرفانا) تُفيدُ "الدخول" إلى العالم الروحي، لا "الاندماج" بالقوة المُوجدة؛ ذلك بأنها ثمرةُ "الاستنارة" أو "المعرفة"، والانعتاقِ من رِبقة الأدوار التقمصية.4 أمَّا "الاندماج بالقوّة الموجدة" فهو

------------------------------------------------------------

1 هي ما ينبثقُ من عالم الروح، مفردُها السيال؛ وهو وحدة مستقلة مدركةٌ مريدة مسؤولة. وتحل السيالات في الكائنات كافة على تفاوُتٍ في العدد والنوع. قد يحلُّ في الإنسان، مثلاً، عدة سيالات، وقد تُفارقُه في مواقيت مختلفةٍ من عمره. ويكون الموتُ عندما يغادرُه آخرُ سيال منها.

2 الروح هنا تعني النفس، لا الجوهر المفارق. والدكتور داهش يستخدمها أحيانًا بمعنى النفس على نحو ما هو شائعٌ عند الناس. ولا يصعبُ التمييزُ بين المعنيين من خلال سياق الكلام.

3 الدكتور داهش: "نهر الدموع" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 9 – 10.

4 للدكتور داهش مقالةٌ قد تؤيد ما نذهب إليه، عنوانها "واندمجا بالنيرفانا"، وفيها يتحدث عن حبيبين "يحلقان في فراديس إلهية عُلوية لا تمتُّ بصلةٍ لعالم المادة بشيء". ثم يختم بقوله: "لقد بلغا النيرفانا، وهذه غايتهما القصوى!..." ("آمالنا أوهام" في سلسلة "فراديس الإلهات يُرصعها اللينوفار المقدس"، دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980، ص 56 – 57). وَلنفطن هنا إلى استخدامه عبارة "فراديس إلهية" ووصفِه إيَّاها بأنها عُلوية" مفارقة للمادة. ألا يوافق ذلك كلامه على العالم الروحي؟
------------------------------------------------

بلوغ درجة الكمال التام. يقول الدكتور داهش على لسان يسوع الناصري مخاطبًا تلميذه بطرس: "لا، بل سترتقي من كوكبٍ إلى آخر حتى تبلغَ درجةَ الكمال التام".1 ألا يتردد في هذا القول صدى كلام السيد المسيح في الإنجيل: "كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل." (متى 48:5) ولما كان تحقيقُ الكمال في خلال حياة واحدة أمرً مستحيلاً، فقد لزم الإيمانُ بأدوار حياةٍ متعددة.2

          وفي النظرة الداهشية إلى التقمص أن الأجساد تختلف طبيعتها باختلاف العوالم أو الكواكب. فإذا كان العالم أرقى من الأرض، كان الجسد ألطف وأشف. ولكنه ما دام "جسدًا"، فهو لا يخلو من أثرٍ ماديٍّ لا يندثرُ تمامًا إلا في عالَم الروح. يقول الدكتور داهش: "وستُهرَع فتياتُ الكوكب البهي ليُرحِّبن بقدومي بعدما خلعتُ عني جسدي المادي الفاني، وتسربلتُ بجسدٍ روحي بهي"3

          وقد تستوقفُ القارئ عبارةُ "بجسدٍ روحي" لِما تنطوي عليه من تناقضٍ لا سبيل إلى رفعه إلا بتحميل "الجسد" مدلولاً غير بشريٍّ، وحمل "الروحي" على معنى الشفوف أو اللطافة.

          ويبدو أن "للجسد الروحي"، في القاموس الداهشي، مرادفات أخرى، منها "الرداء الروحي"4 و"البُردة الروحية"5 و"الثوب الروحاني"6. والراجح أن جميع هذه الأردية عرضة للتلاشي.

----------------------------------------------------------

1الدكتور دانش: "مذكرات يسوع الناصري" (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1991)، ص 39.

2 Annie Besant. The Necessity for Reincarnatikon. The theosophical Publishing House Adyar 1984, p. 18.

3 الدكتور داهش: "أناشيد عابد" في سلسلة "حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 94.

4 الدكتور داهش: "التائه في بيداء الحياة" في سلسلة "حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 30.

5 الدكتور داهش: "عاشق الغيد الصيد" في سلسلة "فراديس الإلهات يُرصعها اللينوفار المقدس" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 28.

6 الدكتور داهش: "نهر الملذات" في سلسلة "حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 61.

-----------------------------------------------------------

التقمص والعدالة الإلهية

سبقَ أن طرحتُ، في مستهل المقال، السؤال الآتي: ما سرُّ إيمان الدكتور داهش المطلق بالتقمص؟ والجواب أن سِرَّه إيمانه المطلق بحقيقتين: العدالة الإلهية والحرية الإنسانية، وبأنهما لا تستقيمان إلاَّ به. لا سبيل، في اعتقاده، إلى نفي صفة الظلم عن الله إلا إذا آمن واحدُنا بأن ما يُصيبه وقفٌ على إرادته. لنسمعُه يقول: "أليس من الظلم العظيم أن يولد طفلً ضريرًا أو كسيحًا أو مصابًا بأية عاهة؟ فما ذهبُه ليولدَ بهذه العاهات الرهيبة إذا لم يرتكبْ وزرًا؟ وهل يقبل الله بظلمٍ عظيمٍ كهذا؟"1 وعليه، فما أصاب الطفل إنما هو حصيلةُ ما أقدم عليه في دورٍ سابق. وهو مُخيرٌ في ما يقدم عليه، والاَّ انتفى العدلُ الإلهي.

          والحقَّ أن مؤلفات الدكتور داهش حافلة بالإشارات إلى الحرية الإنسانية، سواء في بعدها الميتافيزيقي أو الاجتماعي. ولا يتسع المقام للخوض فيها. بحسبي هنا الاستشهاد بقوله: "الإنسان مسؤول عن أعماله... المرء يصنع الخير أو الشر لنفسه، وليس الشر أو الخير بتبعاته، بل هو مسبب اتصالهما به أو انفصالهما عنه بالنسبة لأعماله"2

          ولما كان الإنسانُ حرًّا في أعماله، فقد لزمَ أنَّه يستحق كل ما يصيبه من جرائها؛

أقول: من جرائها، لأنه إذا صح أن مفهوم الاستحقاق هو، في العقيدة الداهشية، من لوازم قولها بالتقمص، فإن قصره عليه غفولٌ عن اندراجه تحت مفهومٍ أعمَّ هو النظامُ الروحي. ولما كان من المتعذر الوقوفُ على هذا النظام وما ينطوي عليه من وشائج متشابكةٍ، معقدة قديمة، لا بين البشر فحسب، بل بين الكائنات جمعاء، فقد وجب أن يُقارَب مفهوم الاستحقاق في شيءٍ كثيرٍ من الحذر.

          وممَّا يتصفُ به مفهومُ التقمص في العقيدة الداهشية ارتباطُه، لا بالعدالة الإلهية فحسب، بل بالرحمة الإلهية أيضًا يقول الدكتور داهش: "التقميص هو رحمةٌ من الباري عزَّ وجل..."3 ذلك بأنه لما كان من المتعذر على الإنسان التطهر فعلاً في خلال حياةٍ واحدة، فقد أتاحت له الرحمةُ الإلهية فرصةً ثانية، بل فُرصَاً قد تبلغُ ستة آلاف عدًا. ولعل

-----------------------------------------------

1"قصص غريبة وأساطير عجيبة"، ج 2، ص 8.

2 المصدر نفسه، ص 120 – 121.

3 المصدر نفسه، ص 10.

‑-----------------------------------------------------------------

وفي ربط التقمص بالرحمة الإلهية توفيقًا بين نظرية "الكرما" Karm" في المعتقدات الهندية وفكرة العناية

التقمُّص ناموسٌ شامل

ليس التقمُّص، في العقيدة الداهشية، وقفًا على الإنسان فحسب، بل هو يشملُ الكائنات كافةً. وإذا صحَّ أن للإنسان عالمه، وأن لسائر الحيوان عوالمه – وقسْ على ذلك النبات والجماد – فلا يبعدُ أن يحصل التقمُّص في العالَم الواحد، أو بين العوالم المختلفة. فقد تنتقل النفسُ إلى إنسان، أو إلى حيوان أو نباتٍ أو جماد؛ وهذا ما يُعرَف، في بعض المذاهب الإسلامية، بالنسخ والمسخ والفسخ والرسخ.1

ولا يخرجُ عن ناموس التقمص، في رأي الدكتور داهش، ما يطرأ على النبات من تحولات في خلال الفصول. فهو يقول: "أليس هذا تقمصًا؟ أوليست عودةُ الأثمار أو النباتات أو الأزهار هي العودة، ثانيةً إلى عالم الوجود؟"2 وقد يحمل على محمل التقمص، أيضًا، ما يلحق بالجماد من تحول. يقول الدكتور داهش على لسان "الدينار" الذهبي بعد أن صِيغَ خاتمًا: "هذا ما يُطلق عليه البشرُ اسم (الموت). فعندما يقفُ قلبهم عن ضرباته، ويُلقونهم في أجداثهم، تستحيل صورتهم المادية إلى شكل آخر".3 وعندما يُصاغ الخاتمُ دينارً فرنسيًا يقول (أي "الدينار"): "وهكذا بُعثتُ مرةً ثانية، ولكنني تقمصتُ في هذه المرة الجنسية الفرنسية".

          على أن الداهشية لا تذهب مذهبَ العقائد الدينية أو الفلسفية القائلة بأن انتقال النفس من إنسان إلى حيوان عقابٌ لها، وأن المسوخية طورُ تكفير أو تطهُّرِ فحسب. كل دورٍ تقمصي، في أي عالم من العوالم، هو، في رأيها، طورُ اختبار أو امتحان تكون فيه النفسُ عُرضةً للترقي أو التسفل.

--------------------------------------------------------

1 من الآيات القرآنية التي يحتجون بها على الرسخ (انتقال النفس إلى جماد): (قل: كونوا حجارةً أم حديدًا) 0الإسراء: 50).

2"قصص غريبة وأساطير عجيبة"، ج 2، ص 10.

3الدكتور داهش: "مذكرهات دينار" (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1986)، ص 242.

4 المرجع السابق، ص 267.

--------------------------------------------------------

يلزمُ من هذا الاعتقاد عدةُ أمورٍ خطيرة تجدرُ الإشارةُ إليها؛ منها، أولاً، أن الكائنات جميعًا تتمتع بملكات إدراك خاصة، وأنها مخيرة في ما تقدم عليه، وأنها، من ثمة، مسؤولة. والدكتور داهش يؤكد ذلك تأكيدًا مطلقا واضحًا، فيقول: "نحن الداهشيين نؤمن إيمانًا راسخًا بأن الحيوانات مسؤولة عن أعمالها... وكذلك الجماد والأشجار والنباتات، كل منها مسؤول بالنسبة لعالمه كمسؤوليتنا بالنسبة لعالمنا"1. ومما يؤكده أيضًا أن من قوى الإدراك عند الحيوان ما يسمحُ له بمعرفة تقمصاته السابقة، الأمر الذي حُرِمَه الإنسان: "ونظرية التقمص تؤكد أن المرء، عندما يتقمصُ كحيوانٍ أو طيرٍ أو سواه يُعطى سيال معرفة الماضي، فيعرف أنه كان بتقمصه السابق رجلاً أو امرأة، ولماذا تقمص الآن بالصورة الحيوانية"2.

ومنها، ثانيًا، أن عالم الإنسان هو واحدٌ من تلك العوالم، وليس أرقاها جبرا. ومن ثم، فليس انتقال النفس من إنسان إلى حيوان، مثلاً، عقابًا بالضرورة. قد يعاقب الإنسان بعودته إلى الأرض إنسانًا، لا حيوانًا. "فلا شك في أن المجازى يخلقُ إنسانًا لا كلبًا"3 وعليه، فليس الارتقاء إلى ما فوق الأرض يستوجب المرور بدرجة الناسوت. يخاطبُ الدكتور داهش وردةً جورية قائلاً: "سريعًا ما يطالُك الموت، يا مليكة الرياحين، وإذ ذاك تحزن المروج... وتتجسدين في عالم آخر وردةً سماوية..."4

          ومنها، ثالثاً أن لكل عالمٍ من عوالم الحيوان والنبات والجماد معنى وجوده؛ فلا يكتسبهُ من سواه، ولا سيما من عالم الإنسان. والراجحُ أن الاختلاف بين عالم وآخر اختلاف بالطبيعة، لا بالدرجة. فلا يقال، مثلاً، إن الوعي في عوالم الحيوان "أقل" مما هو

-----------------------------------------------------

1"قصص غريبة..." ج2، ص 263. ينفي "الموحدون" (الدروز) حلول النفس الإنسانية في الحيوان، لأنها جوهرٌ عاقل، وكيف للعاقل، في رأيهم، أن يحل في غير العاقل! ولا تذهبُ الداهشية هذا المذهب، لأن الكائنات جميعًا، في رأيها، داركةٌ مسؤولة.

2 المرجع السابق، ص 39. ربما خالج الإنسان "شعورٌ" صادر بسبق المعرفة، لكنه لا يستطيع التحقق منه يقينًا.

3 الدكتور داهش: "قصص غريبة وأساطير عجيبة، ج 1 (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 132.

4 الدكتور داهش: "أناشيد عاشق" في سلسلة "حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 12 – 22.
--------------------------------------------

عليه في عالم الإنسان، بل هو "مغايرٌ" له. ولعل من أكثر الأساليب المنهجية خطًا اقتباس المعايير من عالم الإنسان، وتطبيقها على سائر العوالم من أجل فهمها.

إيضاحات داهشية

لئن وقفَ الدكتور داهش على شرح نظرته إلى التقمص بضع مقالات، فإن الاكتفاء بها يفوتُ على الباحث إيضاحاتٍ كثيرةً بثها في ثنايا مؤلفاته، ولا سيما في "قصص غريبة وأساطير عجيبة" بأجزائه الأربعة.

من تلك الإيضاحات أن العلاقات القائمة بين البشر بعضهم ببعض، أو بينهم وبين سائر المخلوقات على الأرض، لا تندثر. ورُبَّ علاقةٍ "حصلت اتفاقاً" تدومُ "أدوارًا وأجيالاً..."1

ومنها أن العواطف أو الرغبات لا تندثرُ، هي أيضًا؛ فقد تتعدى الدورَ الواحد إلى أدوارٍ آتية. خوفُ القط، مثلاً ظل يلازمُه في تقمصه الجديد،2 والرغبة في الانتقام رافقَت السيَّال الذي تقمَّص لوحًا خشبيًا3. أما الحبُّ فقد تظلُّ شُعلتُه مضطرمةً في النفس حياةً تلو حياة4.

ومن الإيضاحات الداهشية أن من الآلام والآثار البدنية ما ينتقل من دورٍ إلى دور؛ وقِسْ على ذلك المواهبَ الفنية. الألمُ الناشئُ من اختراق الشوكة بطنَ الضفدعة لازمَها في تقمصها الجديد؛ والخلاسية وأبناؤها تقمصوا قططًا سوداء؛6 والحائكة الدقيقة في عملها الفني "كانت في عصورٍ سحيقةٍ بارعةً في العمل اليدوي"7 ويبدو أن من أسماء

----------------------------------------------------

1" قصص غريبة..." ج2، ص 121.

2 الدكتور داهش: "قصص غريبة وأساطير عجيبة"، ج 4 (دار النار والنور للطباعة والنشر، بيروت 1983)، ص 68.

3 "قصص غريبة..." ج 2، ص 205.

4 كتاب "قصص غريبة واساطير عجيبة" حافلٌ بقصص تدور على الحب والتقمص.

5 أنظر قصة "زولا السوداء" في "قصص غريبة..." ج2، ص 117.

6 انظر قصة "زولا السوداء" في "قصص غريبة..." ج 2، ص 117.

7 الدكتور داهش: "جبل المسرات" في سلسلة "فراديس الإلهات يُرصِّعُها اللينوفار المقدس" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 157.

-----------------------------------------------------

العلم ما له مدلول تقمصي.1 ولكن هل ينسحبُ ذلك على جميع الأسماء العلمية؟ ليس في مؤلفات الدكتور داهش ما يؤكد الأمر تأكيدًا مطلقًا. والجدير ذكره هنا أنه لا يجوز الاعتماد على الأمثلة السابقة لاستخراج أحكامٍ عامة أو اتخاذ موقفٍ إطلاقي.

خاتمة

تلك كانت لمحات خاطفة من مفهوم التقمص في العقيدة الداهشية أردتُها إسهامًا متواضعًا في المئوية الأولى لمولد مؤسسها. وليس يفوتني أن جوانب كثيرة منه ما برحت تحتاجُ جلاء، ومنها مفهوم الاستحقاق. ثم إنني أغفلتُ عمدًا موضوع السيالات، على صلته الوثيقة بالتقمص، لأن الايجاز في الكلام عليه يثير أسئلةً كثيرة تستوجبُ بحثًا مستقلاً ليس ههنا مكانه. حسبي ما توخينهُ من المقال، وما في حسباني أنني وفيتُ به.

-----------------------------------------------------

1 تُراجع، على سبيل المثال، قصة "هدهد وهدى" ("قصص غريبة..." ج1، ص 46)، وقصة "رباب ترقص على أنغام الرباب "المصدر نفسه، ص 48).

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.