أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الدكتور علي منير حرب

كاتب وباحث في شؤون التربية والتعليم والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والمرأة والطفل. حائز الإجازة التعليمية في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية (1971) ودبلوم الدراسات العُليا (1972) وشهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (1986). مارس التعليم والإدارة المدرسية. علَّم في جامعتي كونكورديا ومونتريال في كندا. له عدَّة كتابات وأبحاث وبرامج تلفزيونية وإذاعية توجيهية وتعليمية. يعمل حاليًّا على إنجاز سلسلةٍ تربويةٍ لتعليم اللغة العربية إلى غير الناطقين بها.

 

هطل الروح في قحط النُفوس

في الذكرى المئوية الأولى لولادة الدكتور داهش

يقفُ العالمُ هذه الأيام على بُعد مئة عام من ولادة رجلٍ أقل ما يُقال عنه إنه أثار جدلاً عريضًا، واختلفت في فك أسرارِ شخصيته آراءُ العلماء والفلاسفة والمُفكرين، وأحدثَ هزةً عنيفةً في مألوفِ الحياة، وأعاد عقاربَ الزمن إلى ما قبل آلاف السنين، وفضحَ زيفَ السؤال الرَّاسخ في ضمير الكائن الإنسانيِّ منذُ بدء الخليقة: هل يبحثُ الإنسانُ صادقًا عن الحقيقة؟ أم إنَّه يعمدُ دائمًا إلى خطفها وتغييبها، وقد تجلَّت مرات في نفسه وفِطرته، وأمامَ عقله وناظريه، ليجعلها علَّةً من علَلِ صراعه المستمرِّ مع الوجود؟

          هل كُنَّا بحاجةٍ إلى رُبع قرنٍ آخرَ، على الأقلِّ منذ رَحيلِ الدكتور داهش، من جاهليةٍ مُتوارثةٍ مُتجددة، تأسست على الشهوات والأحقاد والضغائن والأطماع، وتغذى فيها الأخُ على لحم "أخيه حيا"، حتى نعيّ أنَّ الحقيقةَ المُغيبة مسجونةٌ تحت جُلودنا وداخلَ قشرة أجسامنا، قابعةٌ مقموعةٌ "داخل القفص" ووراءَ القناع الجسديِّ الذي نرتديه ليعطينا شكلنا الآدمي المادي، فنبحر صباحَ مساء في فضاءٍ من الضلالةِ والخداع، ونسافر معه إلى عوالمَ ريائيةٍ من صُنع فوكايا (فرانسيس) وهنتغنتون (صموئيل) وأمثالهما، ونظريات عالم جديد تحكمُه شبكة معقدة تنسجُ خيطوها حولَ رقاب الخلق وتجرهم نحو وجود وهمي يلفظ قذراته الأرضية في حق الله والأنبياء، وجرائمه في حق الإنسانية والأبرياء، ليثبت مرةً بعد مرةٍ ألواهية مخلوقٍ قاصرٍ وضعيفٍ ما يزال يُخفي حقيقته وراءَ حُجب الأضلاع ليُتابع معركته الخاسرة التي بدأها منذُ أيام آدم؟

          ليس من شأن هذه البحث البسيط أن يسجل أو يؤرِّخ أو يتتبع حياة الدكتور داهش والأعمال الخارقة التي تهيأت له. فقد امتلأت بها صفحاتُ الكتب ووسائلُ الإعلام ومراكزُ الأبحاث والدراسات، وشهدتها عيانًا نُخبةٌ واسعةٌ من مُختلف الفئات الاجتماعية المشهود لها بالثقافة العالية وعلمها وموضوعيتها وفكرها ومنطقها في لبنان والعالم العربي وما وراءَ البحار.

          الغايةُ من هذه الصفحات مُحاولةٌ متواضعةٌ للإمساكِ بـ"المفتاح العام" الذي يمكّن من الدخول إلى عالم الدكتور داهش، فيربطُ بين طبيعته الإنسانية وقدراته ومهاراته الخارقة، ونتاجه الفكري والأدبي، وصولاً إلى حقيقة رسالته ودعوته، في مُحاولةٍ لقراءة هذه الظاهرات وإخضاعها لدراسةٍ مقارنةٍ وتحليلٍ غير اعتياديٍّ وُصولاً لفهمها ووضعها في إطار المنطق الإنساني.

          كنا كمؤمنين، ونحنُ نعبرُ النصف الثاني من القرنِ الماضي، قد أُشبعنا تعاليمَ ودروسا وقراءات في عقائدنا وعلومنا الروحية والفلسفية والنفسية والطبيعية، وفي شتى مجالات فنوننا وآدابنا، حتى خُيل لنا أن ما عرفته البشريةُ في مجال الخلق والأديان والفلسفةِ والماورائيات والمعجزات التي أيَّد بها الله تعالى المصطفين من أصحاب الرسالات السماوية قد اكتمل عقدُهُ، واختتمت فصوله، وانتهت أحداثه. فالزمنُ ارتوى بما مَنَّ عليه الخالقُ العظيمُ من ديَمِ الإيمان والتقوى التي أنعشت روحه الظمأى إلى معرفته، وأترعت وجدانه الالحائر في عُبوديته، وطهرت نفسه القلقةَ من آثامِ الشك في وجهِ اليقين الناصع كوجهِه جلَّ وعلا. وتحوَّل الإنسانُ ليضربَ في دُنياه ويسخرَ عقله وعلمَه ومعارفه في البحث عن فُتوحاتٍ وإبداعاتٍ جديدةٍ في دنيا العلوم والتقنيات: (اليوم أكملتُ لكم دينكَم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكُمُ الإسلام ديناً) (المائدة: 3).

          بيد أن مُسلسل الخطايا التاريخي المتكرر منذُ المعصية الأولى، وما تَلأاها من محُاولات الردة عن الإيمان والرُشد، والغرق في لُجة الغي والشركِ والظلم، عبرَ الأحقابِ المتالية، لم ينتهِي فصولاً، وأن المعركة الأبدية التي أعلنها إبليسُ الشر على المخلوق الذي أبى أن يسجدَ له لن تتوقف حتى قيام الساعة، آخذةً مع كُلِّ عصر لونًا جديدًا ونمطًا مختلفا من أشكالِ الصراع والحروب. وكان لا بد من "باعث عزاء" بين فترةٍ وأخرى، يهزُّ في الإنسان أسَّ الكيان، ويُقلِّمُ "الأغصان المُتيبسة" في داخله، ويعيدُ مدَّة بنُسغٍ حي يجدد فيه إنسانيته ويعيدُ إليهن بوصلة الاتجاه التي فقدها نحو السماء.

مُعجزاتٌ ومواهبُ وقُدُرات

ثلاثةٌ أنواعٍ من الأعمالِ تندرجُ تحت تسمياتِ الأعمال غير الطبيعيةِ وغير المألوفة، أو ضمن مفهوم المعجزات والعجائب التي عرفها الإنسانُ حتى زمن الدكتور داهش:

          الأول: يتمثل في المعجزات الإلهية العظيمة التي أيَّدَ الله سُبحانه وتعالى بها الأنبياءَ والمُرسلينَ والمُصطفين من عباده من أجلِ نشرِ كلمتهِ والدعوةِ لعبادته إلهًا واحدًا لا شريكَ له في هذا الكون.

          تجلَّت هذه المعجزات أعمالاً خرقَتِ المُتعارفَ عليه في الأزمنة التي بُعثوا فيها. ولا أحدَ يجهلُ ما وردَ في الكُتبِ السَّماوية من قَصص الخلق والأنبياء، وما جرى من أحداثٍ وخوارقَ منذُ هبوطِ سيدنا آدم على هذه الأرض، مُرورًا بكُلِّ أصحاب الرسالات والدعواتِ وختامًا بالنبي محمد، عليهم جميعًا أفضل الصلاة. وجاء تأييدُ الله عز وجل لهؤلاء المصطفين بأنواع وأشكالٍ مختلفة، كلٌّ حسبَ ظروفِ بيئته وثقافة مُجتمعه وإدراكِه. فكما أوحى ببناءِ الفُلكِ (السفينة المعجزة) لِنوحٍ يَعبرُ بها الطوفان، وأفارَ التنُّور في وجوهِ الكافرين، وأخرج الناقةَ من الصَّخر أمام قومِ صالح وضربهم بالصيحة العظيمة، وأحالَ نارَ الملكِ النّمرود بَردًا وسلامًا على إبراهيمَ، ونفخَ في فَرجِ مريمَ من روحِه، فكان السيِّدُ المسيحُ، صاحِب المُعجزاتِ الكبيرةِ في إحياءِ عازَرَ، وشِفاء الأبرصِ والأبكمِ والكسيح – المسيحُ الذي أعادَ الله بعثه بعدما توفَّاه ورَفعه إلى السَّماء – وأيَّد محمَّدًا بـ "جُنُودٍ لَم ترَوها"، ونصَرَه على القومِ الظالمين، وخصَّه وميَّزه بمُعجزةِ القُرآنِ الكريم وهو الأُمِّيُّ اليتيم.

          الثاني: اكتِسابُ بعضِ النَّاسِ مهاراتٍ بفعلِ الدراسةِ أو الممارسة والتدريب، جعلتُهم قادرين على أداء بعضِ أعمالٍ غيرِ مألوفةٍ أمام جمهورةٍ من المشاهدين، تحُوزُ دهشتَهمُ وإعجابَهُم، كأعمالٍ تُعزى إلى السحر وخفةِ اليد، أو السيطرةِ والتنويمِ المِغناطيسي، والتأثيرِ والخداعِ والشعوذةِ وغيرها. وقد راجت تلك على مختلف عُصورِ العالم، ولكن ضمن حيزٍ زمنيٍّ مُحدَّد وبنمطٍ خاصَ، وتنتهي بعد أدائها دون أن تترُك أيَّ أثرٍ ما.

          الثالث: ادَّعاءُ نَفرٍ بقُدرتِهم على قراءةِ المستقبل ومعرفة أسراره وخفاياهُ، والتنبُّؤ بالأحداثِ التي تحملها الأيام القادمة، سواءٌ كانت سياسيّةً أو طبيعية أو غيرها. ومع شيوع مثل هذه المزاعم وتأثيرها في الرأي العام منذُ فجر التاريخ، وتفسيرها بأنها جزءٌ من علوم الفلك والأبراج، فإنها بقيت دون مستوى التصديق ولم تحُز ثقة الناس، لأنها اتصفت بالتنجيم، أي الاستدلال بوسائل فلكية على الأحداث الأرضية، أو بالبراعة في قراءة بعض الأحداث السابقة والجارية وتحليلها واستخلاص التوقعات والافتراضات التي يمكن أن تنشأ عنها في المستقبل. لذا سادَ القولُ المألوف: "كذب المنجمون ولو صدقُوا".

          النوع الأول من الأعمال العصية على قُدرات الناس عامةً يكون بفعل عاملٍ خارجي لا إراديٍّ، وهو من الله سُبحانه وتعالى، ولا يستطيعُ فاعِلوها تأديتها متى يشاؤون، لأنها تُوكلُ لهم، وليست مُلكَهم أو غبَّ طلبِهم. كانت الغايةُ منها خِدمةَ كلمةِ الله وطاعتَه وعبادتَه ونشرَ رسالتِه، وتأييدَ المُصطفين في ردِّ اتهامات التكذيب والجُنونِ المُوجَّهة إليهم، ونُصرتَهم على المُشركينَ والكافرين. هذه المعجزات، مع ما تنطوي عليه من قدراتٍ لا تدركُها العقول، لن ينسبها المؤيدون بها لأنفسهم، ولم يدعوا الإتيان بها إلا بأمرٍ من العليَّ القدير.

          النوعانِ الآخران مُكتسبانِ بالتعلُّم والتدريبِ والخبرةِ والمُمارسة. ساهمَ تطوُّر العلوم النفسية والتقنية برواج بعضها من أجلِ الكسب الماديَّ. قد يكونُ هذا الأمر مشروعًا في بعض نواحيه، طالما أنَّه لا يدَّعي قدراتٍ فائقة ولا يَرمي إلى إيقاعِ الأذيَّة بالناسِ والإضرار بحياتهم ومصالحهم. وهما لا يختلفان في مُجمَلهِما عن أصحابِ المواهب الفنية أو الأدبية أو الغنائية التي منَّ الله بها على بعض خَلقِه، وطوروها بالعلمِ والتدريب، وأصبحَت مصدرَ معاشِهم في الحياة.

طاقات خلاقةٌ متنوِّعةٌ غيرُ اعتيادية

وُلِدَ الدكتور داهش في القُدسِ الشريف، ونشأ يتيمًا فقيرًا. لم يتسنَّ له التعليم إلا لأشهرٍ معدوداتٍ في ميتم في بلدةِ غزير اللبنانية. ومع الأمية والبؤس، فقد تمكن داهش أن يتتلمذَ على ذاته ويثقف نفسه ويطورَ مدارِكَه، بالإكبابِ على مُطالعةِ شتى مصادرِ المعرفةِ الدينية والزمنية، وأن يؤلفَ ما يَقرُبُ من مئة وخمسين كتابًا، تنوَّعت ما بين التأمُّلات الفلسفية والروحية، والقصة والرواية والشعر. كما قام بعددٍ كبيرٍ من الرحلات قادته إلى أقاصي الشرقِ والغربِ…

          عُرِفَ عن الدكتور داهش، بشهادةِ كبار المفكرين والمحامين والقضاةِ والأطباء والأدباء والصحفيين وغيرهم من أبناء الطبقة المثقفة، أنَّه أتى أمامُهم وبحضورهم، وفي خلالِ جلساتٍ روحيةٍ جرت على الملإ وتحت الأضواء، في منزله كما في منازلَ أُخرى، بأعمالٍ خارقةٍ عجيبةٍ، تفوقُ قُدراتِ الناسِ وتتجاوزُها بما لا يقاسُ من الطاقات، وتستعصي على التفسير العقلي والعلميّ. كما رُوي عنه تميُّزُه بخاصِّيةٍ مُذهِلة، وهي تمكُّنه من التماهي والتماثُلِ الكاملِ مع شخصياتٍ متعددةٍ لتُصبحَ صورًا منسوخةً عنه يستحيلُ التفريقُ بينها وبين هيئته وملامحه وسيماءاته، تتحرَّكُ وتنتقلُ معه، وتجوبُ المدنَ والقاراتِ وتتجسَّدُ أمام الناسِ في وقتٍ واحد.

          من بين الأعمالِ الخارقةِ والعجيبةِ التي تُنسَبُ إلى الدكتور داهش، أختارُ هنا، على سبيل المِثال، بعض النماذج التي تنتمي إلى عدةِ أنواع، دون التعرُّض للكثير ممَّا تناقلته الأخبار، كي لا يجنحَ بحثُنا إلى اتجاهاتٍ ليست من مقصَدِنا:

*أُصيبَ الطفلُ سليم العشِّي (قبل أن يتخذَ اسمَه الروحي "داهش) بمرضٍ أدخلَه في غيبوبةٍ حيَّرتِ الأطبَّاء. ولمَّا عجزَ طبيبٌ أميركيّ، أحضره والدُه الذي كان يعملُ آنذاك في المطبعة الأميركية في بيروت، عن علاج الطفلِ وهمَّ بالانصراف، فإذا بسليمٍ يستيقظُ سليمًا مُعافىً، ويُخاطِبُ الطبيبَ بلغةٍ إنكليزية، ويُملي عليه اسمَ الدواءِ الذي كان يجبُ أن يقرِّرَه لعِلاجه.

*تمكَّن من السير على سطحِ الماءِ في بِرَكِ النبيِّ سليمانَ قُرب بيتَ لحم، كأنه يمشي على اليابسة.

* في إحدى جلساته الروحيَّة، حوَّل رسمَ عُصفورٍ إلى طائرٍ حيٍّ، وبِقيَّ العصفور في قفصٍ لمدَّة عامين عند إحداهُنَّ. وأمام مُحامٍ وصحافيٍّ، حوَّل قطعة ورقٍ إلى ورقةٍ نقديةٍ صُرِفَت في السوق. وأمام رئيس المجلس النيابي وعددٍ من النواب والسياسيين آنذاك، استحضر قطعًا نقديَّةً ذهبية، بقيت في حوزةِ الرئيس، وباعها لاحقًا إلى أحدِ الصرافيين.

* في دعوةِ عشاءٍ عامَّةٍ، حول السائِلَ من صُنبورِ ماءٍ أمام المدعوين، ومن ضمنهم أحدُ الوزراء اللبنانيين، إل خمرٍ ملأ منها الحاضرونَ كُؤوسهم وشربوها.

* قدَّم له أحدُ المحامين لائحةً تتضمَّن اثنين وسبعين سؤالاً تتعلق بشؤون خاصةٍ وعامةٍ،

وطلبَ منه الإجابةَ عنها. وسُرعانَ ما عقد الدكتور داهش جلسةً روحيَّة تمكَّن فيها من تقديم اللائحة نفسها إلى المحامي فيها الإجاباتُ الصحيحةُ التي أذهلته.

* بعد أن جرَّدتِ السلطاتُ اللبنانيَّةُ الدكتور داهش من جسيته، وأثناءَ نفيه خارج البلاد، أُدينَ في أذربيجان بعقوبةِ الموتِ رميًا بالرصاص. وفي تموز 1947، نُفِّذَ فيه الحُكم، ونشرَتِ الصُّحفُ صورَ إعدامِه. وما إن وصلً الخبرُ الفجيعةُ بيروتَ حتى خيَّم حزنٌ عميق ولا سيما على مُريدي داهش وعارفيه. والحقيقة أن الدكتور داهش كان على قيد الحياة في لبنان يتابعُ معركته مع الأجهزة المسؤولة لاسترداد جنسيته.

* تمكَّن من شِفاءِ فتاةٍ أتَت من القُدسِ بصُحبةِ شقيقتها في 14 شباط 1944، اصيبت بالبَرَصِ. كما شفى طفلاً عمرُه ستُّ سنواتٍ من شللٍ أُصيب به بِسببِ مرضِ التهابِ السحايا عام 1964.

* تنبأ الدكتور داهش بوقُوعِ الحربِ الأهلية في لبنان وتعرُّض البلادِ إلى دمارِ وويلاتٍ بقطعةٍ كتبها عام 1948، بعنوان: "الويل للمجرمين من يوم الانتقام المروِّع"؛ وقد نُشِرَت تلك النبوءة في بعض الصُحُف. وحدَّد فيها بشكلٍ صريحٍ أنَّ عام 1975 سيكون عامَ الحربِ الأهلية التي "لا تُبقي ولا تَذر".

* في أواخِرِ الستينياتِ من القرن الماضي، وفي خلالِ زيارةِ مجموعةِ طلابِ إحدى المدارسِ الثانوية منزلَ الدكتور داهش، استقبلهم بثلاثِ شخصياتٍ. كانت الأولى للدكتور داهش عند مُلاقاتهم مُرحبًا بهم، وسُرعان ما تلاشت، لتحلَّ مكانها شخصيَّةٌ ثانيةٌ للدكتور داهش رافقتهم إلى بهوِ المنزل لتغيبَ بَدورِها، وتأتي مكانها ثالثةٌ تجلِسُ خلفَ مكتبٍ أنيقٍ، راحت تشرَحُ للطلبةِ الزائرينَ أسُسَ الداهشيَّةِ ومبادئَها ودورَ الإنسانِ في الكون والحياة.

مفتاحُ الأقفال الغامضة

يقولُ الدكتور داهش في كتابه "كلمات": "أشعرُ بأني أحوي في أعماقي قوىً روحيَّة خفيةَّة هائلةً تودُّ الانطلاق لتقوم بعمل خطيرٍ عظيم".

ويقول في مجلة "بروق ورعود" إن هناك عوالمَ فوقنا وعولامَ تحتنا. نحنُ لم نأتِ من العدَم، ولَسنا ذاهبينَ إلى العدم. نحن ككُلِّ الموجودات طاقةٌ لا تزولُ بل تتحول من حالةٍ إلى حالة. ويؤكد في موضع آخر أن كل ما قام به وما صدر عنه لم يكن من عنده، إنما حصل عن طريق قوىً روحيةٍ علوية سامية: "دُون إرادةٍ مني، بل بإذنٍ من الله".

         يقولُ الدكتور الأديبُ غازي براكس، أحدُ أبرزِ تلامذةِ الدكتور داهش والمؤمنينَ بدعوَته، والمُشرفُ على رئاسةِ تحريرِ مجلة "صوت داهش" في هذا الصَّدد" "منذُ أكثر من ستين سنة، أكَّد مؤسسُ الداهشية أن كيان الإنسان النفسيَّ الأساسيَّ الذي يبثُّ الحياةَ فيه لحظةَ يُولد، ثم يكوِّنُ السِّماتِ الأبرزَ في شخصيته، يتأتى بفضلِ سيَّال رئيس... هذا السيَّالُ الرئيسُ قد يكون عاديًّا في مُستواه الرُّوحيِّ... وقد يكونُ، أحيانًا قليلةً، مُميزًا بمستواه الرُّوحيِّ، فتبرزُ موهبةٌ متلقيَّةٌ، فيبدو كأنما هو طفرةٌ غيرُ طبيعيةٍ تكثرُ وتتناقضُ في أسبابها التأويلاتُ الاعتباطية".

          يؤكد الداهشيون أن هذه القوى الروحية ليست وقفًا على بني الإنسان، إنما هي شاملة عامَّةٌ لكل مظاهر الكونِ وعناصرِه، أحيائها وجمادها، معلومِها ومجهولها. قد تختلفُ في المظهر والفعالية، لكنها واحدةٌ في الجوهر والطبيعة. فهي التي تُعطي للإنسان شخصيته وتميُّزه، كما تعطي للحيوانات والأشجار والزهورِ والجماد ما يشكِّلُ طبيعتها وصفاتها.

          ويردِّدُ أتباعُه بإجماعٍ أنه مؤيدٌ بروحٍ مقدسةٍ يستمدُّ منها القوة على صُنع المعجزات، ويُضيفُ موسى المعلوف (أحدُ الباحثين عن الحقيقةِ وقد وجدَ ضالَّتَه مع داهش) أنَّ الدكتور داهش هو: "واحدٌ من أولئك الذين مُنحوا قوَّةً روحيَّةً خارقةً لإثباتِ وجودِ الرُّوحِ من خلالِ صُنعِ الخوارق". كما يصفُه أحدُ المؤمنين به، السيِّد حسن بلطجي، بأنَّه كان: "من طينةٍ بشريةٍ مُختلفةٍ".

          أمَّا عن شخصياته الأخرى التي تتكون من سيالاتٍ روحية هي أيضًا، فقد وُصفت بأنها لا تخضعُ لنوامسيِ الأرضِ وقوانينها؛ فهي تخترقُ الجدران، وتنتقلُ كلمعِ البرق من مكانٍ إلى آخر، وتسيطرُ على الجاذبية وترتفعُ في الهواء وتمشي على الماء. وتتجسدُ أحيانًا على الأرض لأداءِ مهماتٍ تساعدُ على نشرِ العقيدة.

          ماذا يعني كل هذا الكلامِ وهذه الأوصافِ والتأكيداتِ التي تتعلقُ بشخصية الدكتور داهش وكيانه؟

          يعني أولاً أن الدكتور داهش قد اختُصَّ بقوى خفية غير منظورةٍ، تلازمُه في حياته، وهي في حالة نشاطٍ دائم، تتحفزُ باستمرارٍ للانطلاق به نحو حالاتٍ وعوالمَ غريبةٍ، وتمدُّه بإمكاناتٍ غيرِ طبيعية، يستطيعُ من خلالها وبها، وبإذنٍ من مانِحها، تحقيقَ مُعجزاتٍ وعجائب، والقيامَ بما يفوقُ القُدُراتِ البشرية المعروفة؛ وأنَّ هذه القُوى رُوحيَّةٌ عُلويَّةٌ مُنبثقةٌ من شلالِ السيالات التي تحكمُ الكونَ وتتحكمُ بالكائنات جميعًا، في ماضي الخلقِ وحاضِرِه ومُستقبلِه، وهي تسكُنه وتسيلُ به كما يسكنُ الدمُ الشرايينَ ويجولُ بها في دوراتٍ متلاحقةٍ تضُجُّ الحياةَ وتبعثُ الوجود.

          ويعني ثانيًا أن مسألةَ الرُّوح، و"سُكناها" في أجسامٍ بشريَّةٍ أو غير بشريةٍ، كانت ولا تزالُ مدارَ جدَلٍ طويلٍ، وعُرضةً للكثيرِ من الأقاويلِ والتفسيرات المتناقضة، كما كانت موضُوعًا دسمًا لدى كثيرين من المفكرين والفلسفة، شرقًا وغربًا، الذين بنوا عليه العديد من النظريات والفرضيات والنتائج، لأنه يدخُلُ عميقًا في مسائِل الإيمان والأديانِ وأسرارِ الوجودِ والخَلق. فالرُّوحُ الإلهيَّةُ وأرواحُ الملائكة والأرواحُ العُلوَّيةُ الأُخرى تُحدِّدُ النطاق الأهم في مفهوم الدين، كما تُشكلُ الشاهد الأكثر إقناعًا لدى المؤمنين من خلال حدوث المعجز أو الإعجاز بها.

          دعُونا نقرأ ما كتبَ المفكر أديب صعب، الذي اشتهر بدراسةِ موضوع الفكرِ الديني وفلسفة الدين ووحدة الأديان منذُ أواخرِ القرن الماضي، في كتابةِ "وحدةٌ في التنوُّع" الصادر في طبعته الأولى عام 2003 عن دار النهار للنشر في لبنان: "كثيرونُ من الناس في كُلِّ الأديان، وحتى خارج النطاق الديني التقليديِّ، يُصدقون حُصولَ أحداثٍ خارقةٍ قد يستتبعُ الإيمانُ بها مزيدًا من الخوارق... تشتركُ كلها في كونها تخرقُ المألوف أو المعتاد. من هُنا درجتِ العجيبةُ في أذهان الناسِ على أنها خرقٌ للقانون الطبيعي. وهذا هو تحديد العجيبة المقبولُ على أسوع نطاق.

          إن الاستغناء عن المعجز هو الاستغناء عن الدين والإيمان الديني. فالإيمان إما أن يكون إيمانًا بمعجزٍ، والدين، إما أن يدورَ على مُعجزٍ، وإلا لا يكون ثمة دينٌ ولا إيمانٌ على الإطلاق... المُعجزُ يجعلُ الدين دينًا أو يعطيه صفته الأساسية. نطاقُ الدين هو نطاقُ الإعجاز".

يُتابعُ صعب قائلاً: "الخبرة الدينية كلها خبرةُ مُعجزة: "إنها اختبارُ الإعجاز في العالم. وإذا كان الإنسانُ يختبرُ الأشياء حوله بحواسِّه المختلفة، فما هي الحاسَّةُ التي تحصل بها الخبرةُ الدينية؟

          أنت تلمسُ باليدِ وترى بالعين وتسمعُ بالأذنِ وتشمُّ بالأنفِ وتذوقُ باللسان. لكن ليس من حاسةٍ كهذه الحواسِّ – يقولُ بعضُ المفكرين الذين يدَّعون الاحتكام إلى العِلم – يختبرُ بها الإنسانُ حُضورَ الله في الكَون. الجوابُ هنا أن العِلمَ لا يُقدِّمُ ولا يؤخِّرُ في هذا النطاق. المهمُّ النظرةُ إلى العالم: أهوَ كونٌ موجَد وكفى، أم مخلوقٌ من خالِق؟ الجوابُ الدينيُّ هو الثاني – العالمُ مخلوق. هكذا إذ تلمسُ وترى وتسمعُ وتشمُّ وتذوق، فإنما تختبرُ بحواسِّكَ هذه جميعًا صورةَ الخالِق في المخلُوق، فتقولُ مع الكتاب: "ذُوقوا وانظروا ما أطيبَ الربَّ." إذ ذاك يتجلى لك العالمُ كلُه أيقونةً تنضحُ زيتُا بلا انقطاع. لكن كيف يستطيعُ أن يرى الزيتَ مَن لا يرى الأيقونة؟"( ص: 71-74).

          بناءً على ما تقدم، لا يستغربُ الباحثُ قولَ الدكتور براكس في وصفِ تشخصياتِ السيالِ الروحيِّ المتفوق والفعالِ وتمظهرها أمام الخلقِ بأنه "طَفرةٌ غيرُ طبيعيةٍ وتتناقضُ في أسبابها التأويلاتُ الاعتباطية". فكلُّ ما يتجاوزُ القُدُراتِ الإنسانية على استقبالِ المظاهرِ والأحداثِ والوقائع وإخضاعها إلى المعايير المتاحةِ عقلاً وإحساسًا يمكنُ أن يكونَ مدعاةً للاستهجانِ والاستغراب. كما لا نعجبُ حين نقرأُ ما وردَ في مُذكراتِ جبرا إبراهيم جبرا "البئرُ الأولى" عن الدكتور داهش إذ يقول: "سُرعان ما تحوَّلَ هذا الشابُّ، الذي علَّم نفسَه بنفسِه، إلى أسطورةٍ بما يقومُ به من خوارق ]....[

وذلك بعد رحيله إلى القدس، ثم إلى بيروت، حيثُ دعا نفسه "داهش بِك"، ثم الدكتور داهش، وأسس طريقةً عُرِفت بالداهشيَّة". وما يهمُّنا في هذا الحديث العبارةُ التي لجأ إليها الأديبُ جبرا ليصفَ الدكتور داهش وأعمالَه: "الأسطورةُ"، مُختتمًا قولَه بأنه "أسَّس طريقةً" (على سبيل التشبيه بما يُعرفُ عن أصحاب الطُرِق الروحية، كالصوفية وغيرها).

أستدركُ هنا لأقول إن موضوعَ الروح يرتبط أساسًا بموضوع الخَلقِ ويدخلُ في صميم كينونةِ الجنسِ البشري خصوصًا، ويحملُ في تكوينه روحَ الخالقِ العظيم: (فإذا سوَّيتُه ونفَختُ فيه من رُوحي) (سورة الحجز: 29)، وفي ذُريته من بعِده فنفخ الرُّوحَ في الجنين، ثُمَّ في الخلقِ المعجزِ للسيد المسيح: (فأرسلنا إليها رُوحنا فتمثل لها بشرًا سويًّا* قالَت إني أعُودُ بالرَّحمنِ مِنكَ إن كُنتَ تَقيًّا* قال إنما أنا رسُولُ ربِّكِ لأَهَبَ لكِ غُلامًا زكيًا* قالَت أّنَّى يكُونُ لي غُلامٌ ولم يَمْسِني بَشَرٌ ولم أَكُ بغيًّا) (سورة مريم: 17 – 20). ثم في سورة (الأنبيا: 91)، حيثُ يقولُ تعالى في كتابه العزيز: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من رُوحنا وجعلناها وابنها آيةً للعالمين). فالروحُ الصادرةُ من الله تعالى أو من ملائكته بإذنه، إنما هي نُسغُ الحياةِ الجاري فينا منذُ لحظة الخلقِ الأولى، وهي الحقيقةُ السابقةُ كلَّ الحقائق الكامنة في أسرارِ الإيمانِ والوجود.

          فالروحُ إذًا ليست مفهومًا طارئًا على الإنسانية، وليست ظاهرةً جديدةً عليها، وليست أمرًا مستحدثًا في عصرٍ ما. إنها جزءٌ من سر!ِ الخلقِ الإلهي، مزروعةٌ فينا وفي مَن حَولنا، مغروسةٌ في صُلبِ كينونتنا تُلازمنا وتُرافقنا وتحركنا وتُوحي إلينا وتحدِّدُ مدى قُدُراتنا ومساحتها وسقفها. فلماذا نعجبُ من تجلياتها في شخصٍ ما! أو في ظاهرةٍ طبيعيةٍ ما! أو مما يحدثُ من عجائبَ أو معجزاتٍ أو خورق! فإذا أدركنا هذه الحقيقةَ الإيمانية الساطعة، نستطيعُ معها أن نفهمَ ونفسِّر ونستوعبَ كلَّ ما يخرجُ عن نطاقِ تجربتنا الحسية، لأنه آتٍ من شيءٍ مركبٍ فينا أساسًا، ومتوافقٌ مع قولِه تعالى: (قال كذلك قال رَبُّك هُو علَيَّ هيِّنٌ وقد خلقتُكَ من قبلُ ولَم تَكُ شيئًا)(سورة مريم: 9). وفي قوله تعالى أيضًا، في السورةِ نفسها، آية 21: (قال كذلك قال ربُّك هُو عليَّ هينٌ ولنجعله آيةً للناس ورحمةً منَّا وكان أمرًا مقضيًا). ويقعُ ضِمنَ التسليم بسلطان الله تعالى وإرادتهِ: (ينزلُ الملائكة بالرُّوحِ من أمرِه على مَن يَشاءُ من عباده) (سورة النحل: 2)، وقوله أيضًا في السورة نفسها، آية 40: (إنما قولُنا لشيءٍ إذا أردناه أن نقُولَ لَه كُن فيكون).

          إذا كانت الروح مفتاحًا يمكننا من فتح الأقفالِ المستعصية في شخصية الدكتور داهش، وإذا كانت الروح، لا بماهيتها التي هي المعجزُ الإلهيُّ الأكبرُ: (ويسألونك عنِ الروح قُلِ من أمرِ رَبِّي وما أُوتيتُم من العِلمِ إلا قليلاً) (الإسراء: 85)، بل في تجلياتها في الخَلقِ والرُسُلِ والأنبياء، هي مولدةُ الطاقةِ الحياتية في الكائنات، فالسؤالُ الذي يجبُ أن يطرحَ في هذا المجال ليس التحقُّق ممَّا فعلَ الدكتور داهش، ومتى كيف وأين، وغيرها من أسئلةٍ تبقى سطحيةً وظاهريةً مع ما تضفيه على شخصيته من شُهرةٍ وبُروزٍ وتألُق، لأن ذلك يُعتبرُ بمثابةِ إصدار حُكم مُسبقٍ بتركِ الرجُلِ أسيرَ الإطار الأرضيِّ التقليديَّ النفعيِّ والآنيِّ، وتحويل صنائعه إلى مشهديةٍ مسرحيةٍ تستقطبُ المشاهدين لرؤيتها والمتع بفنونها الخارق، وبالتالي تسجنُ مبدعها في خانة اللاعبين والسحرة والماهرين الذين يُقدمون مهاراتٍ ذاتية وشخصيةً صادرةً عن عوالمهم وعلومهم وقُدُراتهم المحدودةِ والضيقة التي تُدهِشُ وترفِّهُ، كغايةٍ بحدِّ ذاتها، ولأهدافٍ شخصيةٍ أو فنية أو مادية، لكنها أبدًا لن تترك منهاجًا فكريًا وعقيديًا، ولا رسالةً خُلُقية أو اجتماعية، ولا مذهبًا فلسفيًا إصلاحيًا، وأتباعًا وجمهورًا وتراثًا، كما هي حالُ الدكتور داهش، ولم تكوِّن لمثلِ هؤلاءِ مضبطة تحقيقٍ وسجن وإضطهاد ومُلاحقةٍ ونفي.

          لذا فالسلوكُ العلميُّ والموضوعيُّ الواجبُ اعتمادُه في مسألةِ الداهشية يكونُ في اعادةِ تصويب مسار النقاش وتصحيح الوجهةِ التي سُحبَ إليها قصدًا أو عفوًا، وعمَدَ الكثيرون، حتى من بعض مؤيديه، الذين أذهلتهم التجربة الإعجازيةُ الداهشية، ووقعوا تحت تأثير غرابتها، إلى التوقف عند حدود الفعل الحدثِ والاستغراق في وصفه وبيان عظمته وقوته وفرادته، دون التفكُّر في مصادر هذه الأفعال ومنابعها ومآلها وأهدافها، الأمرُ الذي ساهمَ في الإساءة إلى الرجل من ناحية، وتحويلِ مسارِ البحثِ إلى وجهةٍ أخرى، وتضليل السعي نحو جوهرها وحقيقتها ومفاعيلها.

          السؤال الصحيح يجب أن يتوسل الإجابة عن الأهداف والغايات والعلل التي تتوخاها الداهشية، والدوافع التي من أجلها سُخرت هذه القوى وهذه الظاهرات. بمعنى آخر، هل جاءت أقوالُ الدكتور داهش وأفعالُه التي ينسبُها إلى قوةٍ روحية عُلويةٍ مُقدسةٍ على مُستوى هذه العلوية والقُدسية والسموِّ؟ هل هي من نسيج صفاء هذه الرُّوح وبهائها وطهارتها؟ وهل جاءت من وحيها خالصةً صادقةً لوجهِ الله، أم لغير ذلك ودونه؟ هنا، في رأيي، يكمُنُ سرُّ الحُكم لهذا الرجلِ أو عليه.
          للإجابة عن هذا السؤال، أبدأُ من بعض المزايا الشخصية والفكرية والخلال الخلقية والاجتماعية التي كان يتمتع بها الدكتور داهش، والتي شاعَت من خلال معارفه وأتباعِه، وما نُشرَ عنه في المؤلفات والصُّحُفِ والمجلاّت. فقد كان الدكتور داهش يؤمنُ، كما صرَّح دائمًا، إيمانًا مُطلقًا بالرُّوحِ، ووجودها وديمومتها ودورها الأساس المؤثر في الحياة، كما جاءَ في سياق هذا البحث.

          وكان يؤمنُ بالأديانِ جميعها وبكلِّ الأنبياء والكُتبِ والرُّسلِ والمصلحين والهداةِ والفلاسفة في العالم أجمع، ويقدرهم ويجعلهم ويحترمُ الرسالات التي كلفوا بها، لأنها أساساً تشكلُ التواصل الروحي الذي يعتبرُ العنوان الأكبر في موضوع إيمانه.

          بناءً على ما جاء به من أدلةٍ وشواهدَ وآياتٍ وأقوال، كان الدكتور داهش على معرفةٍ عميقةٍ ودرايةٍ واسعةٍ بكل الأديانِ السماوية وغير السماوية، ومنها استمدَّ مرجعية دعوته ورؤيته ونظرياته. وكان على إطلاعٍ وافرٍ بمضمون الفلسفاتِ الدينية وأبعادها وتفاسيرها وفقهها، الأمر الذي مكَّنه من بناءِ منهاج دعوته ومحتوى رسالته بالارتكاز على أسُسِ هذه الأديان، ولا سيما في أبعادها الروحية الإيمانية، وفي توجهاتها الخلقية والإنسانية. لكن إيمانه هذا لم يكن إيمانًا تقليديًا موروثًا، ولم يقتصر على مظهر الدينِ وطقوسه ومُمارساته، إنما كان نابعًا من قناعةٍ راسخةٍ وتسليم تامٍّ بأن الإيمانَ فطرةٌ إنسانية لا يمكنُ للفردِ أن يتخلَّى عنها، وبأنه بنيةٌ روحيةٌ متكاملةٌ تعوِّلُ على الجوهر في الأديانِ أو كما يقولُ أديب صعب: "على الدين في الأديان".

          أضِف إلى ذلك أن الدكتور داهش عُرِفَ بين أهلِه وأصدقائِه ومعارِفهِ بأنه كان صادقًا عفيفًا متواضعًا، ومحبًّا مُتسامحًا مع الجميع، وكريمًا، وعلى ثقةٍ كبيرةٍ بنفسه وعلمه وقدراته. لذا، تعددت الألقابُ التي أُطلقت عليه، سواءٌ من أتباعه أو من سواهم الذين شاهدوا أعمالَه الخارقة، والتي تشيرُ بوضوح إلى خصائصه الروحية وإمكاناته العالية وخصالِه الخلقية الرفيعة. فقد عرفوه بأنه "نسرُ السماوات"، و"نبيُّ القرنِ العشرين"، و"النبيُّ الأديب". ووصفه الصحافي كميل قبيسي في جريدةِ "الشرق الأوسط" (عدد آب/ أغسطس 2001) بأنه مؤسسُ أكبر حركةٍ روحانيةٍ في الشرق. وأطلق معتنقو دعوته على أنفسهم لقب "المؤمنون"، حتى أن الشاعر حليم دموُّس، مؤرخ الرسالة الداهشية، عُرف بحسان، تيمُّنًا بحسانِ بن ثابت، شاعر الرسول العربي.
          نصلُ الآن إلى حقيقة الدعوة التي أبقاها الدكتور داهش في نطاق ضيق بادئ الأمر، بين صفوةٍ من مُريديهِ المواظبين على حضور جلساته الروحية في منزله، ثم أعلنها على الملإ بعد أن أيقن أنه استحوذ على ثقة حشدٍ كبيرٍ من العامة.

          لن أخوضَ عميقًا في تفاصيل الدعوة الداهشية ومقوماتها ومبادئها، ذلك أمرٌ يستوجبُ بحثًا خاصًا، ولكن لا ضيرَ في إلقاء بعض الضوء على معالمِ الإجابة عن السؤال المطروح.

          من أهمِّ الأسس والأركان التي ارتكزت عليها الرسالةُ الداهشيةُ مسألةُ العودة إلى الجذورِ والأصول من أجل اكتشاف الجوهر النقي في الإنسان والطبيعة والمخلوقات جميعًا، والذي غيِّب وطُمِس تحت تراكُم الفساد والطمع والغرائز الدنيوية التي تحكمت بالإنسان وحولته إلى آلةٍ من لحمٍ ودمٍ خاويةٍ من الروح المنزهةِ التي نفخها الله بها ليكون خليفته على هذه الأرض، فعاث فيها فساداً بدلاً من أن ينشر فيها الخير والصلاح، وأثار فيها الحروبَ والقتل والدمار عوضًا عن نشر السلام والطمأنينةِ والاستقرار، وسيَّد عليها الظُّلم والقهر والاستبداد مكان المحبة والعدل والتسامح. فامتلأ العالمُ جورًا وظلمًا وحقدًا وكراهيةً، وأشرفَ على السقوط في هاويةٍ سحيقةٍ من الشرور والآثام. وبذلك، فقد الإنسانُ روحَ إنسانيته ومبرر بقائه واستمراره. وقد لخص ذلك الدكتور براكس: " كلُّ وجودٍ حياتي له مبررٌ لبقائه كامنٌ في طاقته الجوهرية، فإذا فنيت هذه الطاقةُ الداخلية التي بها قوامُ وجود الشيء، في الشيءُ حتمًا. ووجودُ الإنسان الحياتيُّ، كنوعٍ من الكائنات، رهنٌ بوجودِ الطاقة الإنسانية فيه".

          لذلك انطلقت الدعوةُ الداهشية على خطين متوازيين، الأول ذو منحًى إيماني دجيني خالصٍ، والثاني ذو توجُّهٍ إصلاحي لمفهوم الدين من ناحية، ولإعادة تكوين مجتمعٍ صالحٍ من ناحيةٍ أخرى.

          تناولَ الجانبُ الدينيُّ في دعوةِ الدكتور داهش "إيقاظَ الرُّوح في النفوس"، بعد تسلط النزعة المادية عليها، لتعود إلى أصالتها في الإيمان بالله الواحد وعدم الشركِ به، والطاعةِ له، والإيمان بملائكته وكُتبه ور"ُسله واليوم الآخر، والتمسُّك بأهداب الدين وتطبيق تعاليمه الصحيحة من مصادرها الأصلية النقية، والتمثلِ بالأنبياء والمرسلين في ممارسة العبادات، وعدم الأخذ بادعادءات الملحدين والكافرين، للعودة إلى وثنية جديدة، وصُنعِ أربابٍ على قياس مصالح المستبدين والأقوياء والظالمين.

في الجانب الإصلاحي الديني، تتلخصُ الدعوةُ الداهشيَّةُ بضرورةِ تنقية الأديانِ من الشوائبِ التي اعترتها وأفرغتها من جوهرها وغناها، وأخضعَتها لمصالحَ دنيويةٍ مختِلفة، فتحولت بذلك إلى مجموعةٍ من الطقوس والممارساتِ والاحتفالات، ومناسبة للاستعراض والتباهي، على حساب العقيدة نفسها، ثم بالعمل على مُصالحةِ الأديانِ والمذاهب ("وحدة الأديان") التي بتخاصُمِها واستعداءِ واحدِها على الآخر، ومحاولاتِ احتكارِ الله ووعودِه كوَّنت فِرقًا مُتناحِرة شوَّهت معنى الرسالات، وجرَّت على العالم حروبًا طاحنةً مدمِّرة. فالأديانُ كلها واحدةٍ، وإن اختلفت في بعضِ مظاهرها وأشكالها تبعًا لتغيُّر الأزمنة والناسِ عندَ نُزولِ كلِّ رسالةٍ سماوَّية. وقد أبدعَ الشاعرُ حليم دمُّوس في وَصف ذلك، حين قال:

فيـــــــــا رَبُّ قــــــــــد تاهَت بليلٍ مراكبٌ        وهـــــــــــــــــــــــــــا هي لــــــــــــــم تغرق ولَـــــــــــــــــــــــــم تتوحــــــــــــــــــــــــــدِ

فهل تلتقي في شاطىء الحُب والهُدى        سفائنُ مُوسى والمسيحِ وأحمَدِ!

ومن قصيدةٍ ثانية له:

فأنت أخي ما دامَتِ الأرضُ أمَّنا                      وأنت أخي بالرُّوح قبل التجسُّدِ

لعمرُكَ ما الأديانُ إلا نوافِـــــــــــــــــــذٌ                       ترى الله منهــــا مُقلةُ المتعبــــــــــــــــــــد

أما في الجانب الخلقي والاجتماعي، فتركزت الدعوةُ الداهشية على محاربةِ الجهل قبل كل شيءٍ لكونه آفةً تهدِّد الأفرادَ والمجتمعات، ومصدرً للشرورِ التي تجتاح العالم. وتوجهت إلى التزام المثل العالية والقيم السامية في المعاملات والعلاقات بين الناس وبين الدُّول، والحرص على الحرية التي بدونها لا حياة للشعوبِ ولا أملَ في التقدم، والتمسُّكِ والتعاونِ والبُعدِ عنِ الرذائلِ والفواحشِ والخطايا، ورفضِ العنفِ والدماءِ والأحقاد.



فرادةٌ الإعجاز

ويمكنُ في إيجازٍ استخلاصُ الحقائق التالية:

أولاً: إنَّ أحدًا من المشككين في أعمالِ الدكتور داهش لم يُنكرِ وقوعَها وحدوَثَها ويكادُ الجميعُ من عامَّة الناسِ ومن مؤيديه ومناوئيه يُجمعونَ على وصفِ أعمالهِ بالخارقة.

ويبقى الخلافُ في كيفيَّة حدوثِ هذه الخوارِقِ وتفسيرِها ومصدرِها والغايةِ منها.

ثانيًا: إنَّ أغلب أعمالهِ الخلاقةِ تحوَّلت إلى تجسيدٍ ملموسٍ متداولٍ بين الناس، ويمكثُ معهم، ويستمر وجودُه بينهم إلى ما بعد انتهاء الجلسة الروحية التي أسفرت عن هذا الوجود.

ثالثاً: أسست هذه المعجزات ركيزة دعوته وإعلان رسالته الروحية.

رابعًا: لم يتخذ هذه "الخوارق" وسيلةً لعملٍ مأجورٍ وسبيلاً للكسب، ولم يبتغِ منها شُهرة أو ملكًا، ولم يستغلها لتحقيق مآربَ شخصية.

خامسًا: لم يذكر أحدٌ، حتى من أشد مناوئي دعوته وخصومه، أنه توسَّل قواه لإيقاع الشر أو الأذية بأحدٍ؛ بل على العكس من ذلك، فما أُشيع عن حادثةِ انتحار ماجدًا حداد المعروفة بـ"الشهيدة الأولى" في الدعوة الداهشية يُثبتُ جنوحَ الدكتور داهش للسِلم والتسامحِ ورفضِ العنف والحقد والانتقام. فقد تركت ماجدا حداد رسالةٌ ذكرت فيها أنها أقدمت على انتحار بسبب الاضطهاد الكبير الذي مُورِس على الدكتور داهش وأتباعه، ولأن الدكتور داهش وأتباعه، ولأن الدكتور داهش نفسه منعها من تنفيذ قرارها باغتيال رئيس الجمهورية، أنذاك، الذي كان وراء الحملة التي شُنَّت عليه وتجريده من جنسيته.

          سادسًا: استثمر قدراته لخدمةِ الفكرِ والأدبِ والفنِّ، فقد ترك ذُحرًا هائلاً من المؤلفات والمقتنياتِ الفنية والأثرية. وهذا ما لم يفعله أحدٌ من قبله.

          سابعًا: لم يكتفِ بواقعه المميز، بل صاغه ضمن منهاج حياةٍ وتفكيرٍ وفلسفة. وإن اختيارَ اسم روحيٍّ له بديلاً من اسمه الأصلي يندرجُ ضمن سياق هذا المنهاج.

ثامنًا: هو الأهمُّ من بين كل هذه الأسباب، توظيفُه كل هذه القوى والطاقاتِ من أجلِ إطلاقِ دعوتِه التوحيدية الروحانية الجديدة. ولا شكَّ أنه شاءها لخدمة الإنسانية واسقرارها وخيرها، ومن أجل إتمام المصالحة بين الأديان جميعها، وبين الإنسانِ وذاته، وبين الإنسان وربه، وبين الإنسان وعناصر الكون الأخرى.

          تاسعًا: حظي الدكتور داهش باهتمامٍ واسعٍ من كبارِ المفكرين والأدباء، في مختلف بلاد العالم العربي، الذين كتبوا عنه وسجلوا خوارقَه، ومنهم الشيخ عبد الله العلايلي في كتابه "كيف عرفتُ الدكتور داهش"، والدكتور محمَّد حسين هيكل مؤلفُ كتابِ "حياة محمد"، وزيرُ المعارف ورئيسُ مجلسِ الشيوخِ المصري آنذاك، والصحافي المصري لطفي رضوان، رئيسُ تحرير مجلة "المصور" في كتابة: "خوارقُ ومعجزاتُ الدكتور داهش"، والشاعرُ اللبنانيُّ حليم دموُّس في كتابه: "المعجزاتُ والخوارقُ الداهشيةُ المذهلة"، إضافةً إلى ما وردَ عن أخباره وأعمالهِ المدهشةِ في مذكراتِ اثنين من أدباءِ العالَم العربي ومفكريه، هما جبرا إبراهيم جبرا وهشام شرابي، فضلاً عن عشراتٍ أخرى من المؤلفات والمقالات واللقاءات والمقابلات التي شغلت الأوساط الثقافية والمؤسسات العلمية والصحافة اللبنانية والعربية والعالمية لسنواتٍ طويلة.

عاشرًا: نعرفُ من سِيرَ الأنبياءِ والمصلحين، عبر التاريخ، أنَّ من أسبِق أتباعهم والمؤمنينَ بدعواتهم ورسالاتهم أبناءَ الطبقة الفقيرة والمظلومة والمقهورة، المتطلعين إلى هادٍ ومنقذ. الأمرُ الجديدُ في دعوةِ الدكتور داهش أن أوائلَ المؤيدين لها والمضطهدين بسببها كانوا في أغلبهم الساحق من اهل النخبة الفكرية والثقافية والعلمية.

          وأخلُصُ من ذلك، تاركًا أمام القارئ سؤالاً واستلهامًا.

          أما السؤال، فهو هل يجدُ المؤمنون الصادقون اليوم علاجًا للقضاء على القحط الروحي الذي تعانيه الإنسانية، وللتخاصم العقائدي الذي تشهده الأيانُ والمذاهبُ والعوزِ الأخلاقي الذي يضربُ الأفرادَ والمجتمعات، أفضل من تلك الكلمةِ السواء التي أطلقها الدكتور داهش قبل ستين سنةً ونيف؟

          أمَّا الاستفهامُ فهو في تقدير الحُكمِ في ما إذا كان الدكتور داهش جديرًا بالمنحةِ التي وُهبت له، وما إذا كان وفيًا وعلى مستوى جسامةِ المهمة التي من أجلها حدثت تلك الأعمالُ الخارقة، وما إذا كانت عجائبُه قد انتهت بوفاته، أم أنها تحولت إلى صرخةٍ داويةٍ، لو تسنى لها أن تجد آذانًا قبل نصفِ قرن، لوفرت على الإنسانية جمعاءَ كثيرًا من مآسي جنون الصراع بين الحضارات والأديان، وهَوسِ نهايةِ التاريخ، وموجاتِ البرابرةِ الجدُد.

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.