أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

مقتطفات وأفكار

 

كلُّ رسالة إصلاحيّة فكريّة في العالم هي لقاحٌ جديد . وهذا اللقاح لا يأتي إلاّ عند حاجة الإنسانيّة إليه .

وأيقنْ بأنني ما حملتُ لواء الدفاع عنكَ ومعك ، بل عن الحقيقة ومعها. والحقيقة مقدَّسةٌ عندي وعند كلّ أخٍ داهشيّ .

فقد بثَّ فينا مُؤَسِّس الداهشيّة روح التفاني في سبيل الحقيقة المنبوذة والتائهة في صحراء هذا العالم .

وإذا كان بعضُ الناس يعدّون حقائقنا أوهاماً أو فروضاً فاسدة ، فما ذلك إلاّ لضعف تخيّلهم وتَصوُّرهم ، وضيق عَطَنهم وتفكيرهم . ولذلك فهم يجدون المعقول غير معقول ، والمعلوم كأنه مجهول !

ولكنَّ حريّة الأقلام – واأسفاه – يُفسح لها المجال العريض الطويل للتبخير والتبجيل في هذا الوطن المسكين – الذليل .

هذه الكنوز الداهشيّة الرائعة التي تدلُّ على عبقريّة داهش في عالَم التأليف العجيب الخصيب فحسب ، بل بظاهراته الروحيّة ومُعجزاته الخارقة التي كانت سبباً رئيسيّاً لالتفاف عدد كبير حوله واعتناق مذهبه الإصلاحي العظيم والإيمان برسالته الجديدة ، رغم المقاومات الشديدة والاضطهادات العديدة .

 

أنا أُريد من كلِّ من يبحث عن حقيقة الداهشيّة من مُغتربٍ أو مُقيمٍ أن يتفهّمها أوّلاً ... وألاّ يكون مَثَلُه كمثَل من يجهل لغةً من اللغات ، ثمّ يُناقش في أدب أُدبائها وشعر شُعرائها ...

لكلّ إنسان الحقّ بحريَّة الكلام والقلم . ولكنْ على من يتكلّم أن يُفكّر كثيراً ويدرس كثيراً قبل تكلّمه ، وإلاّ خانه المنطق ، وأعوزته الحجّة ، وابتعد رأيه عن مواطن الصواب ، وحاد سهمه عن الهدف .

وإذا كان الناس لم يتفهّموا أهدافه العلويّة الإنسانيّة ، فالذنبُ ذنبهُم لا ذنبه . وما يزرعه الإنسان فإيّاه يحصد .

 

14- أهمُّ الأهداف الداهشيَّة

أهدافُ الداهشيّة عديدة .

وفي مقدّمتها إصلاح الفرد أولاً من شوائبه النفسيّة والماديّة ، وبعدئذ يُصار إلى أصلاح المجموع الحائر ، وتقريبه من ربّه وبني جنسه والإنسانيّة ، واحترام جميع الأديان السماويّة والكُتُب المُنزلَة ، وسائر الأنبياء والمُرسَلين ، والسير على طريق النور والحقّ واليقين .

ومتى آمن الإنسان إيماناً حقيقيّاً بخلود الروح بعد فناء هيكله الجسديّ وانحلال عناصره وذرّاته ، عَرِفَ للحال أنّ هناك دار نعيم ، ودار جحيم ، وآمنَ بالوجود والخلود ، والثواب والعقاب ، وبحياةٍ جديدةٍ ثانية ، بعد مرحلة هذه الحياة القصيرة الفانية .

فهل البشريّة ، اليوم ، سائرةً تماماً على هذه التعاليم السماويّة التي جاءَ لأجلها موسى والمسيح ومحمَّد وسائر الهُداة والمُصلحين الذين مرّوا على أرضنا منذ ألوف السنين ؟

إنّ الداهشيّة تُعلّمنا أنّ البشريّة قد فَسُدَتْ وضلَّتْ واعتلَّتْ . ولذلك قام الدكتور داهش وانتقد المجتمع بصراحته المعهودة ، بلا خوف ولا وَجَل ، وبالسلطة الروحيّة الجبّارة المُعطاة له منذ الأَزَل .

والداهشيّة تُحاول في دعوتها الجديدة محاولة عنيفة وَعِرةَ المسالك ، كثيرة المخاطر والمهالك . فإذا فشِلَتْ رسالتها فالذنبُ ذنبُ أبناء الأرض المساكين الذي يصمّون آذانهم عن سماع وحي السماء وصوت السماء .

تُريد الداهشيّة المساواة الشاملة ، والأخوّة الكاملة ، والأحكام العادلة، أي أن يُصهرَ العالَم كلّه في بوتقة واحدة من (حقّ وواجب)، حقّ الحياة وواجب العمل ، كأسرة واحدة يحبُّ بعضُها بعضاً ، وشعارهم (أبوهم آدم والأُمُّ حوّاء)، ولواؤهم الإخاء ، ومعبَدُهم السماء . أمّا الأرضُ الفانية فمُلكُ الجميع على السواء . وإلاّ فعلى البشر أن يكونوا دوماً على حَذَر ، وفي خوفٍ ورعبٍ وخطر . كما قال أحد الشعراء الأقدمين :

إجعلِ الناسَ كشخص واحــد           أو فكُنْ من كلِّ شخص حَذِراً

 

15- مُهمَّةُ الدُّوَلِ الكبرى

هذا الحلمُ الذهبيّ بامكان الدول الكبرى تحقيقهُ حالاً لو كان العدلُ رائدها ، والإخاءُ قائدها .

فمتى تفاهمت هذه الدُّوَلُ أوَّلاً ، وعاملت جميع الطبقات معاملةً واحدة حقَّ لنا أن نقول إنَّ المسيحيّة سائرة بحسب تعاليم مسيحها ، والموسويّة بحسب تعاليم كليمها ، والمحمّديّة بحسب تعاليم نبيّها الرسول العربيّ . وهكذا قُلْ عن بقيّة الأديان السماويّة وتعاليم هُداتها وأنبيائها ومُرسَليها .

ومتى أصبحت (الجامعة الأميركيّة )، مثلاً ، تحترم جميع الأديان على السواء ، وتقرأ من آيات القرآن في كنائسها كما تقرأ من آيات الإنجيل ومن مزامير داود وحكمة سليمان ، وكما تقرأ من كتاب (النبيّ) لجبران ، ومن أقوال بوذا ، وبرهما ، وكنفوشيوس ، ولاوتسو ، وسقراط ، وفيثاغورس ، وأفلاطون ، وسواهم ... فعندئذ يصبح الناس عالماً واحداً ، وروحاً واحداً ، وشعباً واحداً لوطن واحد .... هو هذه الكرة الأرضيّة التي نمشي على سطحها مدّة وجيزة من الزمن .

 

16- عُمر الأرض والمدنيَّة

أعلن بعضُ العلماءِ المحقّقين أنّ عمر الأرض أكثر من 76 مليون سنة، وأنَّ البشر كانوا على الأرض قبل مجيء آدم . ولديهم أدلّة علميّة . ولدينا أدلّة روحيّة على صحَّة ذلك .

ومن الأرواح التي خاطَبَتْنا وأكَّدت لنا ذلك روح النابغة جبران وسواها. وكلّها أكَّدَتْ لنا قربَ الساعة ووشك قيام الدينونة ، وأنّ الألف عام في نظر الله دقيقة .

ويزعم بعضُ الناس – هداهُم الله – أنّهم سائرون على سُنَّة النشوء والارتقاء ، في حين أنّ الأرواح تُنذرنا بقرب الفناء ، معلنةً أنّ كلَّ آتٍ قريب ، وفي حين أنّ السمكة الكبرى لا تزال منذ الأزل تسطو على السمكة الصغرى وتبتلعها .

وهكذا الدول الكبرى تهضمُ حقوق الدول الصغرى بلا خجل ولا وجل .

سُنَّة الله في خَلْقه ولن تجد لسُنَّه الله تبديلاً .

وبالأمس ، قرأتُ حديثاً طريفاً عن أوراق الميثاق الأتلنتيكي ، وبنوده الأربعة من حيث حريّة الفكر والمُعتقد وإزالة الخوف والفقر . فقد جاءَ أنَّ هذه الأوراق غرقت فجأةً في لُجَجِ بحر الظُّلُمات ... وقد أضحكتني هذه النكتة حين قرأتها . وشرُّ البليّة ما يُضحك .

وقرأتُ ، أيضاً ، أن بعض الموظّفين الأميركان ورؤساء بعض المعاهد استقالوا محتجّين لتحيُّز أميركا وسواها ضدّ العرب مساعدةً لليهود ... فأين هو هذا النشوء وذلك الارتقاء ؟ وهل هو تقدُّمٌ إلى الأمام أم هو رجوعٌ إلى الوراء؟... كما قال أحد الشعراء ، وهو العلاّمة اليازجي صاحبُ "الضياء":

تعجَّبَ قومٌ من تأخُّر حالنـا !         ولا عَجَبٌ من حالنا إن تأخّرا

فمُذْ أصبَحت أذنابُنا أرؤساً لنا ،     غدونا بحكم الطبع نمشي إلى الورا

 

هذه حالة أبناء الأرض السائرين إلى الفناء .

ولن يأخذوا معهم إلى آخرتهم ولا قطرة ماء .

وقد تذكّرت الآن حديثاً شريفاً للرسول العربيّ إذْ قال لمن حوله من آل قريش :

"مثلُ الدنيا والآخرة مَثَل رَجُلٍ وضَعَ إصبعه في البحر : فما علقَ باصبعه فهو الدنيا ، وما بقي فهو الآخرة ".

فيا ليت الناس ، يا أخي توفيق ، يتَّعظون ثم يعظون ...

أفلم تقلْ أنتَ في قصيدتك "شباب القلب" عند مخاطبتك لميّ :

حُلُـمٌ عيشـي وغيـرُ                 الحلـمِ وهـمٌ فاطمئنّـي ؟!

فإذا كنتَ تعتقد أنَّ هذه الحياة حلم ، وأنّه لا بُدَّ من حياةٍ روحيّةٍ آتية، فهل تغضب إذا جاءك مُصلح وفتحَ أمامك نوافذ السماء ، وأبواب الرجاء والسعادة والهناء ؟!...

 

ولهذه الخطّة التي اتّبعها الدكتور داهش في كتابه هذا أسبابٌ حكيمة لا بأس من بيان بعضها هنا إتماماً للبحث :

أوّلاً – إنَّ البشريّة – ويا للأسف – غائصة في الشرور والجرائم كما بيّنا وبيّنتم . والفضيلة يكاد لا يُرى لها ظلّ إلاّ في بعض الأفراد النادرين ، لأنّ البشريّة رغم رقيّها الماديّ لم تستطع حتى هذه الساعة أن تتغلّب على أطماعها وتبني نظاماً عادلاً يُوحّد الحقوق والواجبات لجميع أفراد البشر . بل نرى الناس كلّهم يتناحرون ويتحاربون للاستئثار بهذه الأرض مُضحّين في هذا السبيل بكلِّ شرفٍ ونبالة . وهذا أمر يتجلّى بوضوح لكلّ من يطّلع على الصحف ويسمع الإذاعات ، فلا تُخفى عليه حقائق التنازع الدولي ، والتنازع الفردي ، في كلِّ مكانٍ وزمان .

إذن فالصورة الأولى التي تتجلّى من هذه البشريّة هي صورة التشاؤم لا التفاؤل ، خصوصاً وقد أصبحنا نلمس نهاية هذه الأرض بواسطة الآلات الجهنميّة الحديثة التي تستعمل جميعها للهدم والتدمير ، أكثر بكثير ممّا تستعمل للبناء والتعمير .

ثانياً – إنَّ مُؤَسِّس الداهشيَّة يعرف ، مثلكَ ومثلي ، أنّ في هذه الدنيا أفراداً (إنسانيين) يعملون للصلاح والخير العامّ :

فهو لا يجهل ، مثلاً ، سيرة بعض الأطبّاء النبلاء الذين يُعرِّضون أنفسهم وحياتهم للأخطار ، ولاكتشاف الطُرق الصالحة لمعالجة الأمراض المستعصية خدمةً لبني الإنسان ولو اقتضى الأمر بذل حياتهم في هذا السبيل . وهذه فضيلة .

ومُؤَسِّس الداهشيّة يعرف أكثر مني ومنكَ سيرة الأحرار الثائرين على النُظُم العوجاء والمظالم الهوجاء ، والأحكام العرجاء ، وسيرة أولئك المنافحين في سبيل الحريّة المفقودة والعدالة الموؤودة ، غير هيّابين ولا وجلين ممّا يلاقونه من اضطهادٍ وتشريدٍ وموت . وهذه فضيلة .

ومُؤَسِّس الداهشيّة يعرف كلّ المعرفة سيرة الفنّانين والأدباء والصحافيين الأحرار الذين يُناضلون في كلّ بلد في سبيل المُثُل العليا والقيم الروحيَّة ، وهم لا يتوخَّون من وراء جهادهم المتواصل إِلاَّ رفع مستوى البشر بفنّهم العالي وأدبهم الغالي . وهذه أيضاً فضيلة .

وهو يعرف أيضاً من يُضحّون في سبيل تخفيف آلام الإنسانيّة وعذاباتها من زهّادٍ ونُسّاك ، وراهباتٍ ونساءٍ مترمّلات ، وأوانسٍ عوانسٍ متطوّعات ، ورجالٍ غيارى مُندفعين اندفاعاً جنونيّاً في خدمة المشاريع الإنسانيّة والعقائد الدينيّة . وهذه أيضاً فضيلة .

 

أنّ الأُمَم والشعوب كالأشجار التي تنمو وتُزهر وتعقد وتُثمر ، ثمَّ تجفُّ فروعها وجذوعها إذا لم يتعهّدها البستانيّ الماهر بالتهذيب والتشذيب .

 

 

33- حاشية لا بدَّ منها هنا

هل (المعاهد الأميركية) التي جرى الجَدَلُ عليها في (العصبة) بين الطبيب فضلو حيدر والشاعر القرويّ تسير في بلادها وخارج بلادها على تعاليم السيّد المسيح ؟

وهل حكومتها تُعامل سكّانها البيض والسود على السواء من حيث الهناءة والرفاهية والحقوق والواجبات ؟

وهل تعتقد أنهم عدلوا أو سيعدلون في قضيّة فلسطين ؟

أما قال السيّد المسيح :" كلُّكم إخوة"؟

أما قال القرآن الكريم :" إنما المؤمنون إخوة "؟

أما قال النبيّ محمّد :" الإنسان أخو الإنسان أحبَّ أم كره "؟

فأين الإِخاء ، وأين الوفاء ، وأين الهناء ، وهذه الدول القويّة تتحفّز وتستعدّ لحروب ضروس طاحنة أين منها حروب 1860 و1870و1914و1939 وغيرها من الحروب الهائلة التي دوّنها التاريخ في صفحة الأدهار وكتبها بأحرفٍ من نار ؟

 

. وما أدراك ما هي حروب القرن العشرين ؟

فكم من ملايين ذهبت وتذهب إثر الملايين ... أهذه هي نتيجة الحضارة ومظاهر المدنية والتمدين التي يتباهى بها أبناء الأرض المساكين ؟

فأيّ منتوج حربيّ أو اكتشاف علميّ حوَّلوه لمنفعة البشريَّة ، وراحة الإنسانيّة ؟

ولو أنَّ الدول من كبيرة وصغيرة وحَّدَتْ كلمتها وحوّلت جهودها وجنودها عشر سنوات لاستثمار ثُمْن آخر من الكُرَة الأرضية لسعدَت البشرية... وتمتَّعت بسعادة أرضيَّة سماويَّة .

فهلاّ فعلوا وارتاحوا وتعاونوا وأراحوا ؟

وهناك ثروة الأعماق والأغوار ... إذْ بامكانهم أن يحوّلوا غوّاصاتهم واختراعاتهم الحديثة إلى استخراج كنوز البحار ، ومناجم الجبال والقفاز ، والغابات والأنهار ، فتزداد الثروة والسعادة في سائر الأقطار والأمصار .

هذا إذا كانوا إخوةً لا أعداء ، فيقتسمون تلك الثروات الطائلة والخيرات الهائلة على السواء .

ولكن أين أين الإِخاء ، وأين الحُبُّ والوفاء ، ليعيشوا براحةٍ ورخاء ؟

إنَّهم يحاولون الاتصال بالمرّيخ والقمر ومخاطبة سكَّانها وزيارة تلك الكواكب والأقمار ، في هذا الفلك الدوّار ....

فأنا – والحديث بيننا – أصبحتُ أخاف على سُكّان المرّيخ والقمر ، إذا وصل إليهم البشر ...

أفلا توافقُني على ذلك ؟

 

35- لندرسْ نوابغَنا قبل الحكم عليهم

لقد طال نَفَس ُحديثي معك يا أخي فعذراً .

ولكنْ أحببتُ أنْ أُريكَ الحقيقة سافرة من جميع وجوهها وأطرافها حتى إذا أحببنا أن نحكم على شخصيّة لامعة نادرة وجب علينا باسم العلم والحقيقة أن ندرسها عن كَثَب إذا كانت تُجالسنا وتُحادثنا ، أو ندرسها على نور البحث أو بشهادة من جالسوها وحادثوها ، وراقبوا حركاتها وسكناتها ، وتكشَّفَتْ لهم أسرارها الخفيّة ... ومُعجزاتها الروحيَّة .

والفرق بين جاهل حقيقة شخصيَّة وعارفها كالفرق الذي تراه بين رجل من سكّان الأسكيمو يجهل مثلاً نابغتنا جبران خليل جبران ، والشاعرة الأميركيّة (بربارة يانغ) التي عرفت جبران في نيويورك مدّةً طويلة ، ثم زارت متحفه في بشرّي عام 1939 ، وأخذت تروي لنا معلوماتها عن جبران ، وكيف كان يُملي عليها بعض كتبه النفيسة وآثاره الخالدة .

فهل بامكانك أن تكتشف حقيقة جبران ، وعبقريّة جبران ، وروحانيّة جبران من القادم من الأسكيمو أم من هذه الشاعرة الأميركية التي رافقته وجالسته ، وهي تعرفه في البيت والمُحْتَرف والسيّارة والباخرة والطائرة ، وتتذكّره في صحّته ومرضه، وفي سروره وكآبته ، ودمعته وابتسامته ، وفي شرحها لبعض صوره وروائعه ،

 

حليم دمُّوس

من كتاب أقوال الأدباء في كتاب " مذكِّرات دينار "

 

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.