أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

الأديبة دعد طويل قنواتي

شاعرة ومترجمة سورية. تحمل إجازة في اللغة الإنكليزية وآدابها من جامعة دمشق. زاولت التدريس الجامعي في "جامعة البعث" بحمص. عضو في اتحاد الكتاب العرب. ألقت عدة محاضرات وشاركت في ندوات ومهرجانات كثيرة في عدد من البلدان. من مؤلفاتها الشعرية "حزمة ضوء" (1986)، و"حصاد الأسئلة" (2007). ومن ترجماتها عن الإنكليزية "الملحمة الشرقية" للدكتور وليد سلامة (2008).

 

حول الشعر الداهشي

من الصعب أن نلِجَ عالمَ الكلمة الداهشية ونغادرَه وقد عُجنا كما كنا قبل مواجهة ذلك الخضم من الأفكار والأبعاد والآفاق، وما يقودُ إليه ذلك من ردود أفعالٍ وانطباعاتٍ وتساؤلاتٍ لا تجدُ دائمًا أجوبةً عنها، ولا انسجامًا تامًا فيما بينها في كثير من الأحيان. أو قد تهدأُ النفسُ وتستكين إلى ما توصلت إليه فإاذا بها وكأنها ضمن مياهٍ صافية، هادئة كما ماءُ بحيرة، تنظرُ من خلاله إلى تلك العوالم الممتدة أمامها، وتراها كما هي، لم يعترها أو يشوهها انكسار، ولم تتلاعب بصورتها موجاتٌ متلاطمة، ثم تنتبهُ فجأةً إلى أن تقاسيم روحها قد اتخذت، برغم كل هذه السكينة، ملامح التفكير والحيرة والانذهال، وأن نوعًا من العجب قد تملك هذه النفس، فكأن كل معارفها كانت معلوماتٍ أولية يجدرُ بها، بعد هذا الاطلاع، أن يعادَ النظرُ فيها مجددًا، وترتعش النفس أمام هذه المسؤولية التي أُلقيت على عاتقها.

          وقد تنشدُّ النفسُ إلى هذا المطلب الجديد، ويستولي عليها التوقُ إلى استكمال معارفها، فتودُّ أن تبدأ رحلةَ النهلِ التي تشتاقُها، وتتركَ ما أُوكل إليها من مُهمةِ دراسةِ ما تمكنت من الحصول عليه من مؤلفاتٍ ونصوص، لولا وعيٌ يُهيب بها إلى أن تُتمَّ ما التزمتْ به، فإذا بها تتبنى، على بعضِ ألَمٍ، نوعَ النشاط الذهني الذي تحتاجُه الدراسة، وتُرجُئ مُهمة استكمال النهل والتحليق، وفي يقينها أن بانتظارها سماواتٍ وجنائن من مُتع يبثُّ انتظارُها في عُمق هذه النفس رضًى وارتياحًا يمدانها بالصبر على حدَّة التوقت ولذعة النهم.

          نحن، إذاً، أمام عملية محاولةِ احتواءٍ لهذا العالم نقتربُ فيه من ملامحه، فنفصلُ بين ما هو شعرٌ وما هو نثرٌ، وبين ما ندعوه "شكلاً، وما ندعوه "محتوى، ثم نتلمس الطريقَ إلى سمات هذا العالم وأبعاده، على ما فيه من تنوعٍ وغنًى.

          ولا بدَّ، في البدء، من الإشارة إلى أن كل ما هو بين يديَّ من نتاج القريحة الداهشية ينتمي إلى جنس الشعر، منظومًا أو منثورًا، ضمن أُطُرٍ من لغةٍ وصُورٍ وموسيقى، تنسكبُ ابتهالاتٍ ووجدانياتٍ وتأملاتٍ متنوعةً في أمور الحياة والمرأة والمجتمع والدنيا والآخرة، وكثيرٍ سوى هذا، مما نحاول، من خلاله، أن نستشف صورة الشاعر أُفقًا ومزاجًا وتجربة.

          وإذا ابتدئُ باللغة، وهي مادةُ الأدب الأولى، لا بد أن نذكرَ وجودَ عددٍ من القصائد المكتوبة بالعامية، وهي قليلةُ العدد. أما ما تبقى فأكثره من الشعر المنثور، ويشكل حوالى ثلثي الإنتاج، والباقي من الشعر المنظوم. وينقسمُ الشعر المنثور إلى قسمين، في أحدهما ينتهي كلُّ بيت، أو ربما كلُّ سطرٍ، بكلمةٍ أو بمقطع أخير من كلمةٍ تتماثلُ وزنًا وقافيةً مع كلماتِ نهاية الأبيات الباقية، أو قد يبقى هذا الشعرُ المنثور حرًّا لا يُقيده وزنٌ ولا قافية.

          وفي كلا النوعين، المنثور والمنظوم، نجدُ لغةَ الشاعر قويةً، وقاموسة غنيًا، ونُفاجأُ، في أحيانٍ كثيرة، بانتقال لغة الشاعر من العصري الشائع إلى النادر الاستعمال، كما في "مُماذق" و"حندسٍ" و"جوب" و"عِهنٍ" و"أحْوى" و"أشقم"، ومعظمُه مما لا نُصادفه في لغة المعاصرين له. وقد نتساءلُ، في البدء، هل هذا نتيجةُ رغبةً في إظهار تضلعُ الشاعر باللغة، ثم نتوصل إلى قناعةٍ مفادُها أن سعة اطلاع الشاعر وغزارة مطالعته جعلتاه على أُلفةٍ مع اللغة، قديمها وحديثها، الأمر الذي أدى إلى كسر حاجزِ الغُربة بينه وبين بعض المُفردات، ومن ثم إلى وُقوعِ هوًى بينه وبينها، مما هو معروفٌ وشائعٌ لدى الأدباء والشعراء.

          ولعلَّ أكثرَ خصائص اللغة الداهشية تفرُّدًا جرأةُ الشاعر على سَكِّ المفردات الجديدة واشتقاق الأفعال من الأسماء، كما في "تخنجر" و"تعبقر" و"مُقنبلة" و"مُؤبلسة"؛ وفي هذا إسباغُ حيويةٍ وحركةٍ على المُفردة، وريادةٌ في هذا الجانب الذي بات ميزةً م ميزات لغة الشعر المعاصر.

          وفي كل الأحوال، تبقى اللغة الداهشية عاليةً، رفيعةً ودقيقة، يتوهج قاموسُها بغنى يَمدُّ المفردات بجزالةٍ تزولُ معها صبغةُ التكلفُ أو المعاناة التي نتوقعُها من إيراد حَشدٍ من المفردات المتماثلة وزنًا وقافيةً في نهايات القصائد الطويلة، كما في قصيدة "نشيدُ الجُحود"1 أو قصيدة "تراب"2 حيث نجدُ ستةً وسبعين بيتًا تنتهي بالوزن ذاته وبالقافية ذاتها، مع نُدرةٍ في تكرار المفردات. إن هذا الغنى في القاموس الداهشي يثيرُ العجب، ويُشكل سِمةً مميزةً نتوجَّهُ إليها بالإعجاب في مواجهةِ فقرِ قاموس الشعر المعاصر.

          ويعتمد الأسلوبُ الداهشي على الصورة في نقل المشاعر، فيُوكلُ إلى عناصر الطبيعة مهمة خلق الأجواء الملائمة. وهكذا نجدُ فيضًا من الأشجار والوديان والبطاح والورود والأعشاب والبرق والرعد والمطر وفصول السنة وكل ما يُمكن أن يمتد بين المجرات والأرض يتدفق بغزراة، فكأن للشاعر نوعين من مفردات: واحدًا من لغةٍ وواحدًا من صورَ، يتدافعان ويتسابقان لينقلا ما في نفس الشاعر إلى إطار العبارة المحملة باللون والموسيقى والحركة، كما بالمعنى والإيحاء. وغالباً ما تمتزجُ الصورَ البصرية بالصوت والحركة كما في قصيدة "أنا الجدول الرقراق".

"أرى ألطفَ الأطيار تشدوني...

على رؤوس الأشجار تمرحُ بطربٍ وتدعوني من أعاليها...

ويردُ، ليرتويَ من كوثري السلسبيل، ظبيٌّ شَرود...

أما النسيم فيدغدغُ صفحتي ويُلاعبُني".3

          وإن أشراك أكثر من حاسةٍ في صورةٍ واحدة يزيد من حيوية هذه الصورة ومن تأثيرها في نفس المتلقي. وتُضيفُ نزعةُ "الأنسنة" الغالبةُ في الشعر الداهشي من قوة تأثيرِ هذه الصور، حيث تدبُّ الحياةُ في مكونات الصورة واهبةً إياها بذلك أُلفةً وأنسًا.

          وتعتبرُ الصورةُ من أهمِّ مكونات الشعر في مفهوم الشعر الحديث والمعاصر.

وهي سِمةٌ أساسية أيضًا في الشعر الرومانسي الذي يحفلُ بالمشاهد الطبيعية مستحيلاً بذلك إلى سلسلة من اللوحات. أما الشعرث الحديث فيلجأ إلى الصورة وسيلةً لمخاطبة

----------------------------------------------------

1 الدكتور داهش: "قيثارة أورفيوس" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 69.

2 المصدر نفسه، ص 144.

3 الدكتور داهش: "أوهام سرابية وتخيلات ترابية" (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1991)، ص 33.

-------------------------------------------------------------

النفس والحواس تجنبًا لطريقة التقرير المباشر، وتوخيًا لخلق مناخ من الأيحاءات ينقلُ حالة الشاعر الوجدانية إلى المتلقي بافضل مما تنقله الكلمات المجردة. ومن هنا نستطيعُ أن ننسب الشعر الداهشي إلى المدرسة الرومانسية من حيث كثافةُ وجود صُور الطبيعة فيه، ولكننا حين نتوغل في قراءة هذا الشعر نجدُ كثيرًا كثيرًا من القصائد التي تتناول الإنسان والمجتمع بشكلٍ عامٍّ، والتي تحوكُ نسيجها بخيوط حياة الكائن البشري بدلاً من الطبيعة، فيكون في وسعنا هنا أن ننسبَ هذا الشعر إلى المدرسة الكلاسيكية، أو الكلاسيكية الحديثة، كما في شعر Pope مثلاُ، حيث الإنسانُ محورُ الشعر، همومًا وقضايا. وهنا نستطيعُ أن نُضيفَ إلى رومانسية الشعر الداهشي صفة التأمل في الحياة والانشغال بالإنسان، فإذا به روماسيٌّ وكلاسيكيٌّ في آنٍ.

          ولكن هل ف وسعنا أن نأسر الشعر الداهشي داخل إطار مدرسةٍ أو اثنتين، والمدرسةُ أفقٌ محدودُ الأطراف، ينتهي دورُه بعدما سعى إلى تدارك نقائص مرحلةٍ سابقة وإلى تأسيس مرحلةٍ جديدة، بينما عالمُ الشعر الداهشي مستمرٌّ ودائمُ التدفق، لا يحدُّ ما يتناولُه زمانٌ ولا مكان، ولا يرتبطُ بأي شرطٍ سوى حقيقة تفاعُل النفس الإنسانية مع عوامل الكون الواسع؟

          إن العالم الداهشي بالغُ التنوع، فيه الطبيعةُ والإنسان، والموسيقى والفنون، والأسطاير والمجرات، والحاضرُ والماضي والمستقبل، والفردُ والمجتمع، والأحداثُ العامة والشخصية، والدنيا والآخرة. فهو إذًا عالمٌ واسع، غيرُ ضيق ولا محدود، يشتملُ على مفردات الكون بجميع مكوناته وتحولاته. وإن هذا ليخولنا أن ندعو هذا الشعر بالشعر الحي، حسبَ تعبير الناقد الأميركي روبرت بلاي في كتابه "الشعر الأميركي"1، حيث يطلق على الشعر المقتصر على الإنسان، دون سائر الكائنات اللاإنسانية في الخليقة، اسم "الشعر الميت"؛ وهو شعرٌ يُضطرُّ إلى اعتماد الإثارة أو التطرُّف بُغية تحقيق التأثير المنشود. ذلك أن الإنسان، في عُرفِ بلاي، أحدُ مكوِّنات الخليقة، يموت الشعر إذا ما انحصر في إطاره دون أن يُشركَ معه سائرَ الخليقة في عملية التأثُّر والتأثير التي لا بدَّ أن تجري بين مفردات الوجود المشترك.

          ولا بدَّ هنا من الإشارة إلى نضارةِ الشعر الداهشي، حيث لكل بيتٍ تفرُّدُه، ولكل

---------------------------------------------

1 Robert bly. Amercian Poetry (Harper & Row Publishers, New York 1990), pp. 23 – 34..

---------------------------------------------

عُنصر من عناصر الطبيعة أو الوجود، مهما تكرر ذكره، تصرفه الخاص الجديد. فلا يمكنُ لنا، في هذه الحال، أن نتجاوزَ بيتًا ما بحُجة أنه يشملُ على المفردات نفسها أو يدورُ حول الموضوع ذاته، سواءٌ كان هذا صبوةً روحيةً، أو نفثةً وحدانية، أو نقدًا اجتماعيًا. وإن هذا يذكر بأدب جبران خليل جبران حيث لا تخلو عبارةٌ من دفقةٍ مُلهمة، وحيث لا وجودَ لَما ندعوه "باهتًا" أو "حائلاً" أو "خافتًا" أو "ناصلاً"، لا يثبتُ في ذاكرة ولا يفعل في مخيلة. ولا بد أن معيارَ "النضارة" هذا من جملة ما حدا شاعرَنا على انتقادِ أدب ميخائيل نعيمة في قصيدة "من فمه أدينُه"،1 وعلى وَصفه، أدبًا وشخصًا، بالسخيفِ التافه.

          ولقد انعكس هذا الفيضُ من التصورات والرؤى والشُّحنات الوجدانية على موسيقى الشعر الداهشي، فانسابت رقراقةً عذبةً، لا سيما في شعره الموزون ذي البحور المجزوءة، حيث الإيقاع، حارًّا كان أو هادئًا، يمضي بسلاسةٍ تعكسُ سلاسةَ النفس التي أثمرته، مثلما في "أيّها العصفور عُدْت":2

          أيُّها العصفورُ عُـــــــدْتَ                         بعد تَعدادِ السنينْ

          كيف أنت؟ أين كُنتَ                        يـــــــــا سميرَ التائهينْ

أو في "لستُ أدري ما يكون":3

          لست أدري ما يكونْ                         في ضجيج أو سكونْ

          أسكبُ الدمعَ الهَتونْ                         فادْنُ منِّي يــــــــــــا مَنونْ

                             وأرِحني من عذابي

                             بعدما ولَّى شبابي

                             أنت روحٌ لا تُحابي

          وفي هذه الأخيرة تنويعٌ في نظام القافية ممَّا شاعَ في الشعر والمهجري، ثم في الشعر العربي الحديث بعد تأثره بالشعرين المهجريِّ والأجنبي.

          ولا بد هنا من الإشارة إلى المقطوعات الغزلية القصيرة، النثرية منها والمنظومة، وهي التي تبدو كسحائبِ صيفٍ بيضٍ عبرتْ مدفوعةً برياحٍ قصيرةِ الأمَد، فكأنها دخيلةٌ.

-----------------------------------------------

1 الدكتور داهش: "مفاتن الشعر المنثور" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 137.

2 "مفاتن الشعر المنثور"، ص 45.

3 المصدر نفسه، ص 31.

-------------------------------------------------------------

على الشعر الداهشي، في تكرارها لمُفرداتٍ وعبارات وصُور ليس فيها النفس الداهشي الذي تحدثنا عنه، ولا الشحنة الوجدانية العميقة، مثل "شفتين معسولتين" أو "صدرُ كاعب" أو "صدرٌ ناهضٌ استلب لُبي وأفقدني رُشدي" أو "فمٌ خمريٌّ صارخٌ بجماله ورُوائه" أو "كاعبٌ سحرتني بحسنها" أو "رمانتين شهيتين"... وهذه كلها مأخوذةٌ من عدة قصائد امتدت على صفحات "مفاتن الشعر المنثور".

          إن هذه المقطوعات المتمحورة حول صور معينة وتعتمدُ مفرداتٍ متكررة لا تمثلُ عُمقَ مفهوم الحب في النفس الداهشية. وقد تكونُ صوتًا عابرًا وسطحيًا في مجرى حياة كاتبها. وقد يكون في قصرها ما يناسبُ سطحية هذه المشاعر ومرورها العابر في نفسه.

          أما القصائد العاطفية الطويلة فهي شأنٌ آخر، يتناسبُ غناها اللغوي والفني مع عمقها الوجداني والورحي. وقد يكون في تناول قصيدة "سأكتبُ اسمك"1 تمهيدٌ حسَنٌ للانتقال إلى الجانب الآخر من الشعر الداهشيِّ، وهو جانبُ المحتوى وما يضمُّه من أبوابٍ وموضوعات، وما يرشحُ منه من مواقفَ وآراء.

          تتألف هذه القصيدة من أربعة عشر مقطعًا من الشعر المنثور المتحرر من النهايات المقفاة الموزونة، ومن شرط التساوي في عددِ أبيات المقاطع. وقد أهدى الشاعر هذه القصيدة إلى "فوته"، وهي شخصيةٌ واقعيةٌ كما يبدو من بعض القصائد الأخرى.

          وفي هذه القصيدة يعلنُ الشاعرُ عن عزمِه كتابةَ اسم المحبوبة على عددٍ من مُفردات الوجود والطبيعة كالمجرَّات والفضاء والأشجار والورود والصخور والبحار. ثمَّ يُعرِّجُ، من عالم الحيوان على الفراش والوعول والظِّباء، ومن عالم الجماد على الأبواب والنوافذ والأسرة ومن عالم الفنون على القيثارة. ثم ينتقل إلى عالَم الإنسان والمجتمع متمثلاً بالمعارك. ويلتفت، بعد ذلك، إلى قلبه المولَّه فيحنو عليه ويَشملُه بنعمة كتابة الاسم الحبيب.

          وتتجلى فنيةُ هذه القصيدة وجزالةُ مفردات الشاعر باستعمال عدة أفعالٍ غير "أكتب" ليسجل واقعةَ حضور اسمها في الموجودات، فنرى هنا "أَنقُشُ" و"أُزخرِف" و"أرسم" و"أُدوِّن" و"أُزين" و"أحفر" و"أُدبج" و"أُعلِّق"؛ كلُّ فعلٍ حسب طبيعة ما سينزل عليه الاسمُ المبارك. وتتجلى رهافةُ الشاعر حين يتجنب كتابة اسم المحبوبة على

-----------------------------------------------------

1 "مفاتن الشعر المنثور"، ص 98.

-----------------------------------------------------------

أية آلةٍ من آلات الحرب كيلا يُدنس هذا الاسم، فيتركَ لاسمها الإلهي أن يمثل في مجال رؤية المتحاربين حتى إذا ما رأوه، صمتَ أزيزُ الرشاشات وخرسَ دويٌّ القنابل...

          ولا يعمد الشاعر هنا إلى التعبير عن الحب عن طريق الإعلان المباشر، بل يتركُ لنا أن نستنج بأنفسنا عمق مفعول الحب في النفس البشرية.

          ففي المقطع الأول، وبعد كتابة الاسم المحبوب على شاطئ البحر، ستأتي الأمواجُ المتشابكة المتلاحقة لتقبله بشغفٍ ووله؛ فالحبُّ إذاً يُروضُ العنف في النفس، فتتحولُ الأمواج إلى تقبيل الشاطئ بدل أن ترتطم مُفتتة صخوره إلى حصًى، ومن ثم إلى رمال. وسيكون لاسمها إذا ما دُوِّن على أغصان الشجر أن تزداد روعةُ تغريد الطيور التي تحط عليها؛ وإذا ما رُسم على أجنحة الفرلاش أن تزداد ألوانها بهاءً وزُهًا؛ وإذا ما حُفِر في الصخر أن تلينَ الصخور، وتدبَّ فيها الروح، فتخشعَ أمام مجد الخالق؛ وإذا ما رُسِم في الفضاء، أن يُدبَّ فيه الكرمُ فيسخو مطرًا، فيعمَّ الخير وتطمئنَّ أنفُسُ الفقراء. أما إذ    ازُخرفتْ به قرونُ الوعول، فسيملأُها الزهوُ والشُموخ. وسيكون لاسمها يدُ النعمة على النفس البشرية، فإذا ما دُبِّج على أبواب ونوافذ وأسرة الحزانى والأيامى، فستتحول أحزانُهم إلى أفراح، وسينتقلون من وهدة الأسى إلى فرَحِ تمجيد الله، خالقِ البرية والكائنات. وسيكون لاسمها قدرةُ أن يحلَّ السلامُ بين المتحاربين. أما وقد جاء دورُ الشاعر نفسه، فسيكتبُ الاسمَ الإلهيَّ في أعماق قلبه بعد أن هداه إلى شاطئ الطمأنينة، وعلى فؤاده المتيم، في ساعته الأخيرة، حتى يرافقه في رحلة السعادة إلى العالم الآخر.

          ليس هنالك من قصيدةٍ استطاعت أن تُصور كرمَ الحب وفعلهُ السحري كما فعلت هذه القصيدة حين أشركتْ عناصر الكون، من أعلاها إلى أدناها، ومن أقواها إلى أضعفها، ومن جمادها إلى كائناتها الحية في التأثر بنعمة الحب. فجعلت الحب بهذا عرسًا كونيًا، كما هو بالفعل، يجودُ على الأنفس فتسمو إلى أقصى ما يمكن لها أن تسمو، وتسخو أكثر ما في وسعها أن تسخو، وتتوهج فتُسبغ، لا على المتحابين فقط، بل على الكون كلِّه جمالاً لم يكن له من قبل مُلامسته هذه العاطفة.

          ولقد أعطى الشاعرُ هذه القصيدة ما تستحقُّه من أُبهة، فلم يغادر صورةً قبل أن يستكمل بناءها، ولم يسمح لمفرداتٍ أن تتكرر، وانسحبَ ليتركَ لتجليات الحب أن تحتل الساحة. فإذا ما جاء دورُه في تلقي نعمةِ الحب ترك لفؤاده أن يستقبل، وألغى لفظةَ "أنا" من كل القصيدة لأنه لا وجود "للأنا" حيث يكون الحبُّ الحقيقيُّ.

          وقد يمرُّ ببالٍ أن هذه القصيدة تخاطبُ إحدى القيم العُليا التي دأب الشاعرُ على أنسنتها، كالحق والخير والجمال. غير أن لكل أثرٍ أدبي كيانًا مستقلاً يخوله أن يكتسبَ المعنى الذي يُوحي به من دون الرجوع إلى حياةِ مُبدعةِ أو واقعِه. وهكذا يمكننا هنا القولُ إن هذه القصيدة تُمثِّل رأي الشاعر في مفهوم "الحب" الذي صوره قُدرةً تفجر كل ينابيع الجود والخير والرقة والفرح في النفس البشرية، ومفتاحًا للشفاء والتعزية والسلام، رافعًا الحب إلى مستوى النعمة والعناية الإلهية.

          وهنا ليس في وسعنا إلا أن ندهش مما تحملُه قصائدُ أخرى من مواقفَ سلبيةٍ من المرأة. ففي قصيدة "والشرُّ كامنٌ بفتنة الحسان"1 يقول: "أحمد الله على أني بعيدٌ عن أشراكهنّ. وفي قصيدة "حتى الأبد":2

اسمعـــــــوا مني وصايـــــــــا ناصح                 أنبذوا النسوة نبـــــذ العِلَلِ

واحقروهن فمـــــــــــــا من مــــرأةٍ                 صدقت في قولها مع رجل

حشوهنَّ الفِسقُ والمكرُ ولا                 همـــــــَّ يحدوهنَّ غيرُ السفَلِ

          وقد يبدو هذا متناقضًا مع الصورة السابقة التي قدمها عن المرأة. وهنا يتداركُ الشاعرُ هذا، فيُعلن استثناءَه شريحةً معينة من النساء من حُكمه القاسي:

          لستُ أستثني سوى تلك التي                خُلِقتْ أُنثى الهوى والأمَلِ

          إذاً هنالك ثنائيةُ الوجود، تتجلى في وجود نقيضين من كل شيء: نورٌ وظلام، خيرٌ وشرٌّ، ملائكيٌّ وشيطانيٌّ، ولكل تجربةٍ صوتُها الشعريٌّ الخاصُّ الذي ينقلُها.

          وكما التقينا موقفَ الشاعر من المرأة والحبِّ، نستطيعُ أن نتابعَ بحثنا عن مواقفه من عددٍ من الأمور الأخرى. فالمدينةُ تبدو في الشعر الداهشي رمزَ الفساد والشرّ. ففي قصيدة "كلُّ ذئب لأخيه حفرةً قد حَفَر" يقول: 3

          "آه، ليتني أعيشُ بقيَّةَ عمري في القفر،

----------------------------------------------

1 "مفاتن الشعر المنثور"، ص 85.

2 "قيثارة أورفيوس"، ص 29.

3" مفاتن الشعر المنثور"، ص 84.

--------------------------------------------

فمن سكن المدن وانغمس في رذائلها فلنفسه قد حقر.

ففي العواصم تجد كل ذئبٍ لأخيه حفرةً سحيقةً قد حفر".

إن هذه الإدانة التي تتردد في الشعر الداهشي لم تأتِ عن عبَث. فالتكالبُ على المال والملذات الجسدية والنفاقُ والسخافة قد اجتمعتْ على تجريد الفرد من التزاماته الروحية والأخلاقية؛ فالمجتمع بمجله منغمسٌ في الدنايا. وفي قصيدة "طلبُ الانعتاق"1 يُعبر الشاعرُ عن ملله من هذا الواقع:

ملَلتُ خداعًا وغشًا ورِجسا

مللتُ بُغـــــاءً وفُحشًا ورِكْسا

وفي قصيدة "اشمئزاز"2 يرددُ المقولة ذاتها:

          كل ما في الأرضِ رجِسٌ وخيانهْ

          وازورارٌ ورِيـــــــــاءٌ وفُسوقٌ ومَهانهْ

والشاعر يَخصُّ رجالَ الدين بنقدٍ ألذع وأقسى لما بين ما يمثلونه من قيم ومثل وما هو عليه واقعهم الأخلاقي من تباينٍ جسيمٍ يشينهم أكثر مما يشينُ الفرد العادي. ففي قصيدة "كاهن مارقٌ زَنتْ عينُه"3 يقول: "أعلاكم رتبةً هو أشدُّكم دعارةً، وغائصٌ في مستنقعات عُهره مع أنذاله". ويسترسل الشاعرُ في وصف واقع رجال الدين في قصائد متعددة تدلُّ عناوينها على محتواها.

          ولا عجَبَ بعد هذا السبر لغور البشر وطبيعةِ المجتمع أن يفقد الأمل، ولا يرى في الواقع البشري غيرَ العدَم والعبثية. ففي قصيدة "عدم"، يرى أن "دنيانا تعافُها الأفاعي! كل ما فيها سخم". وفي "أُضحوكة الحياة" لا يجدُ في الحياة "غيرَ وهم باطل سوف يزول".

          إن هذه النظرة العدمية التي ترى في كل شيء، بما في ذلك الطبيعةُ والمجرات، "باطل الأباطيل، لا جديد تحت الشمس"، تتردَّدُ في كثيرس من القصائد. والشاعر هنا لا يرى السعادة الحقيقية إلا في الموت، لا كنهاية في حدِّ ذاته، بل كطريقٍ يقودُ إلى العوالم العُليا حيث الحبُّ والطهرُ والجَمالُ والعدالة.

-----------------------------------------

1 المصدر نفسه، ص 161.

2 المصدر نفسه، ص 157.

3 المصدر نفسه، ص 171.

4 الدكتور داهش: "نبال ونصال" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1971)، ص 35.

5 قيثارة أورفيوس"، ص 35.

----------------------------------------------

أن شهوةَ الموت تتملك نفس الشاعر توقًا إلى الالتحاق بعالم الأعالي حيث "لا حزن مرير أو شقاء، ولا نشيج أو بكاء"."1 إن السعادة، في العالم الداهشي، "ليست في المال، إنما هي في راحة البال،"2 و"الجحيم هو عذابُ النفس والفكر،3 هنالك حيث أشباحُ القلق تُطل عليه من كُواها المدلهمة. وقد يتخلصُ الآثمُ من هذه الجحيم إذا تاب توبةً صادقة، حتى لينال الشيطانُ نفسه، في الرؤية الداهشية، مغفرة الله حينما يعترف بذنوبه. ففي قصيدة "حلمٌ شيطانيّ"4 يعترفُ الشيطانُ بمعاصيه، فإذا به يسمعُ صوتَ الله العميق يقول له: "لقد غُفرت ذنوبُك وعُفيّ عنك". وتنسحبُ عدالة الله هذه على البشر بشقيها: القصاص والجزاء. ففي قصيدة "العدالة الإلهية"5 فمُسخَ كلبًا هزيلاً تعيسًا شريدا

                             عُواؤه دوَّى في الآفاق ونباحُه أزعج الخلائق

لو كان مستقميًا لَما انقلب كلبًا طريدا                                                                                            ولَكان يرفلُ بفُتُوةٍ نضارتها رائعة وجمالها فائقْ

إنّ كل ما سبق محاولةٌ للوصول إلى رؤية الدكتور داهش إلى بعض القضايا كالسعادة والشقاء والتوبة والمغفرة والحب والمرأة والمجتمع. وفي هذا صعوبةٌ بالغة لكون الشخصية التي يتناولها هذا المسعى غنية إلى حد قدرتها على ملء أكثر من نفسٍ واحدة بالنوازع والميول والصبوات. ولكن الفضول المعرفي يستهينُ بصعوبة التقصي، ويتحرك لمعرفة الأكثر، ويتساءل: كيف، يا تُرى، قدم الدكتور داهش نفسه إلى العالم؟

          يُقرُّ الدكتور داهش بتقلبات نفسه في "نفسي العجيبة"،6 فيقول:

                   حالاتُ نفسي تحوي                          عناصرًا من جنونِ

                   والحـــــقُ لا عيبَ فيه                          وذاك حــــقُّ اليقين

-----------------------------

1" مفاتن الشعر المنثور"، ص 88.

2 المصدر نفسه، ص 111.

3 المصدر نفسه، ص 86.

4 المصدر نفسه، ص 140

5 المصدر نفسه، ص 244.

6 "قيثارة أورفيوس"، ص 50.

------------------------------------------

إن مُراجعةَ شِعر الدكتور داهش تُظهر قدرته على كتابة ثلاثِ مقطوعاتٍ شعرية في مدة ثلاثين دقيقة. وكل من هذه المقطوعات تُظهر مِزاجًا مختلفًا عمَّا في الاثنتين. وهو لا يحاول أن يقدم نفسه كملاكٍ مترفع عن القلق أو الحزن أو النقمة أو الحيرة، بل يعترفُ باشتراكه، مع من يتناولهم بالدم في شعره، بترابية الطبيعة، فيقول في "تراب":1 "حقًا إننا من التراب، وسنعودُ إلى التراب." وهو يستعمل هنا ضميرَ المتكلم في صيغة الجمع ليؤكد مساواته بسائر البشر. ويستطردُ في القصيدة ذاتها، فيقول إننا "جميعنا أشرار... جميعنا نتمسكُ بالقشور التافهة دون اللباب". وهو يعترفُ أمام ربه في قصيدةِ "رفعتُ شكواي لخالقي"2 بأنه "خاطئٌ معترفاً بذنوبه،" كما يعلن إيمانه بالنصيب والاستحقاق في قصيدة "لكل منا نصيبه"3 فيقول: "ولذا، بتُّ أُؤمن بأن كلا منا يأتيه استحقاقُه ونصيبُه". ويتساءلُ الشاعر في "هل جُوزيتُ لزلاتي"4 هل ما حل بإحدى يديه من ضررٍ جسيمٍ نوعٌ من العقاب عن أخطائه.

          ويتواضع الدكتور داهش ويعترف، على الرغم من كل قدراته الخارقة، بعجزه عن إدراك أسرار الحياة والكون، فيقول في قصيدة "تراب":5 "حيرتني هذه الخليقة بالصامت منها وبالصخاب." ولا يترفع عن التصريح بانكساره أمام الألم، كما في قصيدة "من يدي اليمنى":6 "روضتني سقطة الهول فأصبحتُ وديعًا، فأين عُنفي؟" ويُعلنُ في "لستُ أدري"7 عن حيرته في شأن المعتقد الديني الذي سيركُنُ إليه:

"لست أدري

يا أُخيا، يا خليلي

هل أدينُ بمحمد أم بالجليلي

أم ببوذا أم بموسى الإسرائيلي؟!

--------------------------------------

1 المصدر نفسه، ص 127.

2 المصدر نفسه، ص 202.

3 المصدر نفسه، ص 210.

4 المصدر نفسه، ص 200.

5 المصدر نفسه، ص 127.

6 المصدر نفسه، ص 214.

7 "مفاتن الشعر المنثور "، ص 224.

-------------------------------------

أنبئيني، يا سماء، مَنْ يكون لي دليلي؟

                             لستُ أدري!"

          وهو لا يستنكفُ عن إبداء حزنه الشديد على رحيل أصدقائه وأحبابه، ولا يُصور نفسه قادرًا على احتواء كلِّ آلام الحياة ومآسيها. إن المرء ليحارُ في مدى تواضُع هذه النفس التي قُرَ لها أن تتمتع بقُدراتٍ وتقوم بإنجازاتٍ لم يسبق لها مثيل، وظلت مع هذا معترفةً بخضوعها للشرط الإنساني، ولما يمليه التراب من معاناةٍ وألمٍ ويأسٍ ونقمةٍ وغضبٍ وبلبلة، في الوقت نفسه الذي لا ينسى فيه الشق الآخر النوراني من نفسه، حين يسألها في "أُخاطب روحي":1

                   "مِن أيِّ عالم هبطت لعالَم دُنيانا

                   وما كنتِ تطئينهُ لو عرفِت دَنايانا

                   غادرتِ عالَم المُثُلِ بعد أن نعمتِ فيه اطمئنانا

                   وإذاكِ في عالَمٍ مخيفٍ يحمهُ الشرُّ شيطانا"

ومثلما أقر بشقه الترابي، يعلنُ بكل ثقةٍ في قصيدة "سأعود" أنه سيعود

                   "إلى هذا الوطن الأخاذ الذي منحته العناية للمتعبين...

                   هناك حيث لا يستطيع الفكرُ أن يبلغ إليه،

                   وإلى المكان الذي أعد الله فيه لأعزائه الأحباء

                   ما لا يخطر على فكرٍ وما لم يسطرْهُ قلَم..."

         

          إلى ذلك المكان الذي "جاء" منه، يُعلنُ يقينه من عودته. ولا بد لنا من وقفةٍ مع هذا الإعلان الذي يفسِّر شيئًا كثيرًا من الروح التي تُسيطر على الشعر الداهشيِّ، والتي تتبلورُ، في ابتهالاته الروحية وتوقِه الدائم إلى معانقة الحق والخير والجمال، على شكل حنينٍ واشتياقٍ أكثر مما تظهرُ على شكل تضوُّرٍ وتحرُّق. إن هذا النفس لا تتمزق شوقًا إلى ما تشك بوجوده أو تيأس من بلوغه. إنها تحنُّ وتشتاقُ إلى عالَمٍ عرفته وعاشتْ فيه، وعاينتْ مباهجه وأفراحَه، قبل أن تُفارقَهُ إلى عالم البشر المملوء بالشقاء. وإن هذا الحنين

----------------------------------------

"مفاتن الشعر المنثور"، ص 166.

"قيثارة أورفيوس"، ص 125.

------------------------------------------

والثقة التي ترافقه يضفيان على الصبوات الداهشية صفة الوداعة والسلام، ويبسطان على الكلمات أقواسً قُزح من فرحٍ وأمل.

          ثمة تغير في المزاج يحدث فور تذكُّر آفاق النعمة العليا المشتهاة، فتتروضُ النفس، وتنسى آلامها لتجثوَ في خشوعٍ وانصياع أمام مجد القدرة العليا.

          إن الأدب الداهشي ليس أدبًا بالمعنى الرائج. إنه سفرٌ شاقٌّ وشائقٌ بين عوالم متعددة فيها السلام والنعم حتى لتعجب كيف لم تُخلق أجنحة للورق، وفيه النارُ والشقاء حتى لتعجب كيف لم يحترق هذا الورق. وإن دخول العالم الداهشي من خلال مطالعة عدد من الكتب لا يبلغُ العشرة، وعددٍ أكبر من القصائد المتفرقة، لا يعدو عن كونه مُلامسة لجانب ضيقٍ من عالم بالغ السعة والعُمق والعلو. وإن في إطلاعي على ما أُتيح لي من آثارٍ بدايةٌ لسعي حثيثٍ إلى دخول أعمقَ في هذا العالم المترامي الأطراف، تتوقُ نفسي إليه بكل ما فيها من اندفاع وصبوٍ وتوقع للفرح. وإن مهابة كبيرةً تتملكُ النفس في وقفتها أمام هذا الفيض من الآمال والآلام، والصبوات والانكسارات، في خفقها الدائم صوبَ باري الوجود، وفي اضطرابها أمام عناء الحياة. وفي عناء تكبد صاحبها حقيقةَ اختلافه عن سائر البشر، اختلافا لا شبيه له، ينشدُ فيه إلى عالمين مختلفين، عاينت روحُه أنوارَ واحدٍ منها، وساكنَ جسدُه ترابَ ثانيها، ولم يفقد، في لجةِ هذا الخضم، صفاءَ تفكيره أو نقاءَ روحه، فبقي مُقرًا بتبعية التراب، ومُعلنًا، في الوقت نفسه، وبيقينٍ كامل، انتماءه إلى عالَمِ النور وثقته بعودته إليه.

                                                                   7/4/2009

مراجع:

  • ·Robert Bly. American Poetry. Haper& Row Poblishers, New York 1990.
  • ·الدكتور داهش: "نبال ونصال" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1971).
  • ·الدكتور داهش: "مفاتن الشعر المنثور" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984).
  • ·الدكتور داهش: "قيثارة أورفيوس" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984).
  • ·الدكتور داهش: "نشيد الأنشاد"، ط 1 (مطابع صادر ريحاني، بيروت 1943).
  • ·الدكتور داهش: "عشروت وأدونيس" (بيروت، 1943).
Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.