أنا أؤمن بأنه توجـد عدالة سماويّة, وأن جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدنيا من مُنغصات انَّ هـو الاّ جـزاءٌ وفاق لِما أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور.ولهـذا يجب علينا أن نستقبلَ كلّ مـا يحـلّ بنـا من آلامِ الحياةِ ومآسيها غير مُتبرّمين ولا متذمّرين , بل قانعين بعدالةِ السماء ونُظمها السامية.

Highlighter
أحبُّ الكُتُبَ حبَّ السُكارى للخمر , لكنَّني كلَّما أزددتُ منها شرباً, زادتني صَحوا
ليس مّنْ يكتُبُ للهو كمَن يكتُبُ للحقيقة
الجمالُ والعفّــة فـردوسٌ سماويّ .
لا معنى لحياةِ ألأنسان اذا لم يقم بعملٍ انسانيٍّ جليل .
اعمل الخير , وأعضد المساكين , تحصل على السعادة .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقـوم بأعمالِ الخير نحـو ألأنسانيّة .
الموتُ يقظةٌ جميلة ينشُدها كل مَنْ صَفَتْ نفسه وطَهرت روحه , ويخافها كلّ من ثقُلت أفكاره وزادت أوزاره .
ان أجسامنا الماديّة ستمتدّ اليها يـد ألأقـدار فتحطِّمها , ثمّ تعمل فيها أنامل الدهـر فتتَّغير معالمها , وتجعلها مهزلةً مرذولة . أمّا ألأعمال الصالحة وألأتجاهات النبيلة السّامية , فهي هي التي يتنسَّم ملائكة اللّه عبيرها الخالد .
نأتي إلى هذا العالمِ باكين مُعولين، و نغادره باكين مُعولين! فواهً لك يا عالمَ البكاء والعويل!
جميعنا مُغترٌّ مخدوعٌ ببعضه البعض.
العدلُ كلمة خُرافية مُضحكة.
أمجادُ هذا العالم وهمٌ باطل، و لونٌ حائل، و ظلٌّ زائل.
لا باركَ الله في تلك الساعة التي فتحتُ فيها عينيّ فإذا بي في مكانٍ يطلقون عليه اسم العالم .
أنا غريبٌ في هذا العالم، و كم احنُّ إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياةُ سفينةٌ عظيمة رائعة تمخرُ في بحرٍ، ماؤه الآثام البشريَّة الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيميَّة الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
كلّنا ذلك الذئبُ المُفترس , يردع غيره عن اتيانِ الموبقاتِ وهو زعيمها وحامل لوائها , المُقوّض لصروح الفضيلة , ورافع أساس بناءِ الرذيلة .
الحياةُ سلسلة اضطراباتٍ وأهوال , والمرءُ يتقلَّب في أعماقها , حتى يأتيه داعي الموت, فيذهب الى المجهولِ الرهيب , وهو يجهلُ موته , كما كان يجهلُ حياته .
من العارِ أن تموتَ قبل أن تقومَ بأعمالِ الخير نحو الانسانيّة .
المالُ ميزان الشرِّ في هذا العالم .
السعادةُ ليست في المال , ولكن في هدوءِ البال .
كلُّ شيءٍ عظيمٍ في النفسِ العظيمة , أمّا في النفسِ الحقيرة فكلُّ شيءٍ حقير .
الرُّوح نسمةٌ يُرسلها الخالق لخلائقه لأجل , ثم تعودُ اليه بعجل .
الرُّوح نفثةٌ الهيَّة تحتلُّ الخلائق , وكل منها للعودة الى خالقها تائق .
الرُّوح سرٌّ الهيٌّ موصَدْ لا يعرفه الاّ خالق الأرواح بارادته , فمنه أتتْ واليه تعود .
أنا أؤمن بأنه توجـد عدالةٌ سماويّة , وأنَّ جميع ما يُصيبنا في الحياةِ الدُّنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ انَّ هـو الاَّ جـزاء وفاق لمِا أجترحناه في أدوارنا السابقة من آثـامٍ وشـرور . ولهـذا يجب علينا أن نستقبل كلَّ مـا يحـلُّ بنـا من آلام الحياة ومآسيها غير م
الحرّيةُ منحة من السماءِ لأبناءِ ألأرض .
الموتُ ملاكُ رحمةٍ سماويّ يعطف على البشر المُتألّمين , وبلمسةٍ سحريّة من أنامله اللطيفة يُنيلهم الهناء العلويّ .
ما أنقى من يتغلّب على ميولِ جسده الوضيع الفاني , ويتبع ما تُريده الرُّوح النقيّة .
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
الراحة التامّة مفقودة في هذا العالم , وكيفما بحثت عنها فأنت عائدٌ منها بصفقةِ الخاسر المَغبون .
ليس أللّــه مع الظالم بل مع الحقّ.
ان الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنو على القانطين , وما أقلَّ تنفيذهم القول.
يظنُّ بعض ألأنذال ألأدنياء أنّهم يُبيّضون صحائفهم بتسويدِ صحائف الأبرياء , غير عالمين بأنَّ الدوائر ستدور عليهم وتُشهّرهم.
ما أبعدَ الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغَ مرفأ السَّلام ومحطَّ الأماني والأحلام .
رهبة المجهول شقاء للبشرِ الجاهلين للأسرارِ الروحيَّة , وسعادة للذين تكشّفت لهم الحقائق السماويَّة .
الموتُ نهاية كل حيّ , ولكنه فترة انتقال : امّا الى نعيم , وامّا الى جحيم .
الحياةُ خير معلِّمٍ ومُؤدِّب , وخيرَ واقٍ للمرءِ من الأنزلاقِ الى مهاوي الحضيض .
حين تشكُّ بأقربِ المُقرَّبين اليك تبدأ في فهمِ حقائق هذا الكون .
مَنْ يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطرُ المرأة في باله ؟ لو وجدَ هذا لشبَّهته بالآلهة .
المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السُّلطان. و هي تحملُ بيدها سيفاً قاطعاً لو حاولَ رجالُ الأرض قاطبةً انتزاعه منها لباؤوا بالفشلِ و الخذلان .

انتقلت الأخت الداهشيَّة خديجة شميساني في صباح هذا اليوم الموافق الأول من شباط 1918، طالبين من العزَّة الالهيَّة الرحمة والغفران والارتقاء لها.

وصيّتي

اطلب تنفيذها من اخوتي وأخواتي الداهشيين

أعزائي الأحباء!

سلامٌ على أرواحكم الطافحة بالحنان

وقلوبكم النبيلة العامرة بالإيمان, وبعد,

هذه هي وصيّتي إليكم,راجياً منكم أن تنفذوها بحذافيرها عندما تقضي إرادة الموجد المهيمن بردّي إلى وطني الحقيقي بعد أن ذُقت الأمرّين في أرض الشقاء والعناء.

نعم يا اخوتي! 

إنني أطمع لأن أخلع عني ردائي المادي الفاني,

وأتسربل الرداء الروحاني الخالد,

مخلّفاً ورائي أتعاب هذه الدنيا الزائلة التي تزخر بالشرور والآثام.

لقد آن لي أن أستريح بعد أن كلّت قدماي من السير في مفاوز هذه الفانية.

وعندما تأفل حياتي, ويكفّ قلبي عن الخفقان,

وتغمض عيناي عن مشاهدة مهازل هذه الأرض الزرية,

وتنطلق روحي حيث جنّات الخلد السرمدية…

إذ ذاك انقلوا جثماني والحدوه في مقرّه الأخير,

واتلوا عليه القطع التالية التي خلّفتها لكم, وابدأوا

أولاً بصلاة (النّبي الحبيب الهادي),

ثانياً بقطعة (أيها الموت),

ثالثاً بقطعة (عندما أغادركم),

رابعاً قطعة (اذكرني ولا تنسني),

خامساً قطعة (عد إليّ سريعاً),

سادساً قطعة (ضمّوا رفاتي إلى رفاتها),

سابعاً قطعة (اعصفي يا رياح),

ثامناً قطعة (سلام),

وفي الختام, لتحرسكم عين العناية التي لا تنام,

طالباً إليه أن يجمعني بكم قريباً.

صلاة النّبي الحبيب الهادي

يا أبي وأبا البرايا,

ارحم ضعفنا الموروث.

شدّد قلوبنا كي نؤمن بقدرتك ونحدّث بعجائبك.

اغرس في أعماقنا بذور الحبّ والشفقة والرحمة والحنان.

أبعد عنّا التجارب التي تريد غوايتنا وإسقاطنا في دياجير الخطايا.

سدّد خطواتنا في طريق النور والحقّ واليقين.

أبعد عنّا الأفكار الدنيئة ولا تدعّها تَقرُبُ منّا.

أنت خالق البرايا وما فيها.

فرحمتك وحنانك يسعان كل الكائنات, معلومها ومجهولها.

أشفق علينا يا اللّه ولا تحاسبنا مثلما نستحق فنهلك.

لا تدع الطمع يستولي علينا فيجرفنا بتياره الرهيب.

دع القناعة تحتلُّ أرواحنا فلا نطلب سوى القوت فنمجّدك.

أبعد عنّا الأشرار والهازئين بكلام اللّه, أَنِر بصائرهم.

طهّر أرواح الخطأة, وأرسل لهم قبساً من أنوارك الإلهية فيخشعوا لعظمتك.

أقلنا من العثرات الرهيبة واشمل الجميع بعين عنايتك الساهرة.

أيها الآب العطوف,

كل من ألقى إتكاله عليك, وعمل بوصاياك,

وضحّى من أجل اسمك, واحتقر رغباته الأرضية,

ونبذ الدنيويات, وعطف على البؤساء,

وبشّر بعجائبك, وآمن بنبيّك الحبيب الهادي,

  فله السعادة والسماء, والنور والسناء,

هناك حيث الضياء والبهاء, إذ يخلد مع الخالدين,

ويتنعم بأنوارك الوضّاءة حتى أبد الآبدين, آمين.

أيها الموت

يا موت!

أيها الحبيب الشفيق, ويا نِعمَ الصديق.

أيها الطيف الساري والقضاء الذي لا بد منه.

أيها الخيال الذي أراك في منامي وأتخيلك في أحلامي.

يا سمير وحدتي, وأنيس يقظتي, ومخفّف بلوتي.

يا طِلابَ نفسي, ومطمح روحي, ومهوى فؤادي.

يا عشيقي البعيد, ومرادي القريب.

يا عروسي الهائم في مشارق الأرض ومغاربها, وفي معالمها ومجاهلها.

أيها العاصفة الجبارة المجتاحة كل من يقاوم إرادتها البتّارة.

يا شِبعَ نفسي الجائعة, وريّ روحي الظامئة.

يا فردوسي المفقود, وأملي المنشود.

يا مَنحى نفسي, وخِفية روحي, ومسرى ضميري.

يا سعادتي وهنائي, ويا ماحي شقوتي ومزيل عنائي.

يا ابن الخفاء ورسول السلام, ويا بارقة الرجاء ومزيل الآلام.

يا موقِفَ نبضات القلوب, ومجتثَّ حركات الأجسام.

يا كَفَنَ المطامع, ونعشَ المظالم, ورمسَ الأحقاد.

أيها الهادم الباني, والمقوّض المعمّر, والعابس الباسم , والقلق المُطمَئِن.

أيها العابسُ المُشفِق, والشجاع الوجل, والمَرِح الحزين, والمضطرب الهادئ.

يا رسول الآلهة, ومُنَفذ الإرادة المجهولة الأبدية السرمدية.

أيها الغائب الحاضر, الباطن الظاهر, المعلوم المجهول.

أيها الهازئ بشرورنا, الساخر بآثامنا, المشفق على جهالتنا.

أيها الشاهد ما ترتكبه البشرية من مظالم, وما ترمي إليه الإنسانية من أطماع.

أيها الموجود في كل زمان ومكان,

في الماء والهواء, في السهول والجبال, وفي المنخفضات والمرتفعات,

في الأودية والحزون, في المعالم والمجاهل, في الأبعاد والأسحاق.

أيها الناظر غير المنظور, الحاصر غير المحصور.

أيها المحصي علينا أعمالنا بكل دقّةٍ وإمعان.

أيها القائم وحدك بما تعجز عنه البشر قاطبةً.

أيها المعجزة الفريدة, بل يا معجزة المعجزات.

أيها الحاكم بأمره, السارية كلمته قانوناً نافذاً ودستوراً حاسماً.

أيها الناظر بلا شيءٍ إلى كل شيءٍ.

أيها الكأس التي ذاقها الأوّلون وسيذوقها الآخرون.

يا إمام رغائبي, ودليل ميولي, ومتّجه آمالي.

يا عزيزي وحبيبي, وصباحي ومغيبي.

يا أملي ومناي, ومطمحي ورجاي.

يا باعث إحساسي, ومرهِف شعوري.

يا ملاذ نفسي, ومعاذ روحي.

أيها الكرى المعسول الذي يراودنا بين فترة وأخرى.

يا حبيبي الموت!

أقفل عينيّ يا حبيبي!

أقفلهما فقد تعبتا من النظر إلى هذا العالم القذر الموبوء.

نَعَم, وأوقِف ضربات قلبي.

هذا القلب المحطم الذي أجهدته كثرة الضربات دون جدوى.

وأخفِت أنفاسي, فقد عافت استنشاق هواء هذا العالم الفاسد.

وأفقد فيّ حاسة الشمّ,

إذ بحسبي ما تنسمّت من رائحة هذه الحياة الكريهة النتنة المفعمة بالأرجاس.

وقيّدني بقيودك الخفيّة الخفيفة الظِل.

فقد تعبت قدماي من السير في مفاوز هذا العالم المليء بالشرور والآثام,

الزاخر بالحسرات والآلام.

وأنِخ عليّ بكلكلك المريح,

فقد ضاق صدري بسخافات البشر وسخريات القَدَر.

وضَع بَلسَمَكَ الشافي على جراحات روحي الحائرة الحزينة,

فقد آن لها أن تستشعر نعيم السعادة الأزلية,

والغبطة السرمدية, والنشوة الخالدة القدّسية.

أُدنُ مني… لا تنأ عني.

فإني أتذوق الراحة إلى قربك,

وأتلظى في جحيم العذاب لبُعدِك.

وأشفق عليّ يا حبيبي فقد تعبت نفسي من البقاء في هذا العالمالبارد المخيف.

هاتِ يدك الحارة وضعها على يدي الباردة.

ودع قلبي يخفق خفقات الغبطة والحبور.

هاتِ يا حبيبي ولا تقسُ عليّ,

إذ حسبي في هذا العالم الفاني قسوة من يعيشون فيه.

هاتِ يا حبيبي!

وارحمني من هذا العالم واختطفني من هذه الحياة.

آه يا حبيبي! ما أتعس هذا العالم!

وما أمَضَّ آلام هذه الحياة!

وما أشقى هذا الوجود وما أقساه!

للّه!… وما أجمل عالمك وأبهاه!

رحماك,رحماك, يا حبيبي الموت ألا تسمع؟

عندما أغادر كم

عندما يضرب البُعد بيني وبينكم حاجزاً منيعاً,

وأغيب عن أعينكم المشتاقة لرؤية وجهي المعروف لديكم,

ويلحُّ بكم الشوق العميق لأن تعودوا فتجتمعوا معي كالسابق,

إذ ذاك تذكّروا أقوالي لكم, وقرّبوا صورتي إلى مخيلتكم,

وتأكدوا بأن ما تتمنّونه هو أمنيتي التي كنت لا أحيا إلا لها,

لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً! …

عندما يتأكّد لكم إنني جُلدتُ وصُفعتُ وأُهنتُ,

وساقني الجلاّدون تحت الإهانة والشتم المرذول,

وزجّوا بي في أعماق سجنٍ مرعبٍ مخيف,

وهناك لم يقدّموا لي ما أسدُّ به جوعي الشديد وعطشي المهلك,

إذ ذاك تذكروني يا أحبّائي مثلما تكون ذكراكم ممتزجةً في روحي,

لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً! …

عندما تمضي الأيام , وتنصرم الشهور, وتفنى الأعوام,

وأنتم تترقّبون عودتي المبتغاة, لأمكث بينكم,

ولكن رغبتكم الملحّة تبقى حبيسة في صدوركم دون أن تتحقّق أمنيتكم,

إذ ذاك , تذكّروا يا أعزائي إجتماعاتي السابقة بكم وقولوا: لقد كان حلماً عذباً طوّف في عالمنا للحظات ثم توارى,

لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً! …

عندما تتبدد أمالكم في إمكان عودتي حيث أنتم,

ويطوي الزمان أعوامه في  لُجَجِهِ الُمدلهمة ,

وتطوّف تذكاراتي في أفئدتكم فتقرأون ما خلّفته لكم,

إذ ذاك قولوا: لقد توارى عن عالمنا كالبرق الخاطف,

وتأكدوا بأنني أنظركم من عالمي البعيد بشوقٍ وحنين,

لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً! …

اذكرني ولا تنسني

عندما تُطوى صحيفتي من هذا الوجود,

وبعدما تتأكد يا أخي الحبيب بأنني لن أعود,

وبعدما يبلُغُكَ أنني قد اخترقت السدود, واجتزت الحدود,

وخلعت عن نفسي تلك القيود, وبَلَغتُ بروحي عالم الخلود,

وعندما أكون قد التحقت بمن سبقني من الآباء والجدود,

فإياك, إياك أن تستسلم لسلطان الحزن والجمود,

بل اذكرني, اذكرني يا أخي الحبيب ولا تنسني!…

عندما تراودك ذكريات أيامنا العذبة الزاهية,

وتخامرك تذكارات أويقات سعادتنا الهانئة الذاهية,

وتمرُّ بك أطياف أمانيّ الخلابة والمصوّحة الآفلة,

وترى ورود رغباتي الذاوية,

وأزهار أشواقي الذابلة,

وبعدما أكون قد حلّقت بعيداً بعيداً عن هذه الفانية,

لا تسكب عبراتك, لأنني أكون في جنّةٍ قطوفها دانية,

بل اذكرني, اذكرني يا أخي الحبيب ولا تنسني! …

عندما تشعر بنسماتٍ لطيفةٍ تداعبك وتُحييك,

ثم تحوّم حولك برقّةٍ فائقةٍ كي تُحَيّيك,

وتهبط الأطيار الفائقة الفتنة على الأيك وتناغيك,

وتُطلِقُ لك أغاريدها العذبة فتذكِّرُك بهاديك,

وبعدما تُبعَثُ أحلامك من مراقدها وتنطلق أمانيك,

فاعلم بأنها جميعها من وحي روحي تناجيك,

فاذكرني, اذكرني يا أخي الحبيب ولا تنسني! … 

عُد إليّ سريعاً

مهداة إلى روح مجدا العزيزة

أهكذا انقضت أوقات سعادتنا وتلاشت دقائقها؟

أهذه هي إرادة اللّه أن نخوض في محيط من الأحزان والدموع؟

ويلاه … وهل حقاً مضت إلى غير ما أوبة حتى يوم النشور؟

ربّاه … وهل قُضي عليّ أن لا أعود فأراها حتى تواريني القبور؟

للّه! … لقد كانت لأيام خلت رافلةً بثوب العافية,

تحيطني بعنايتها وتشملني بعين رعايتها.

إِيه أيها المنزل الرَحبُ الفسيح القاعات.

إن غيبة ملكتك أحال نورك ظلاماً, وردَّ بهجتك قُتاماً.

فسواءٌ لديّ اليوم البؤس والشقاء واللوعة والبكاء.

وسيّان عندي أقضيتُ في الغداة أو في العشيّة.

لأن حلمي الذي بُتُّ اليوم أتمنّاهُ وأتوقُ إلى مرآهُ,

هو اجتماعي بمن خلّفتّني وحيداً في صحراء هذه الدنيا التعسة.

إنني أراها في يقظتي ورُقادي,

وأرى شبحها اللطيف ماثلاً دوماً أمامي,

سواء أكان هذا في الليل أم في النهار,

في أوقات الصلاة والعبادة أم في أويقات التأملات الحزينة.

إنني أراها في الماء والهواء والسماء وقبّة الفضاء.

أراها في نور البدر الناعم الأضواء.

أراها في جمال الشَفَقِ البعيد الحالم.

أراها كقطرةِ الطلّ النديّة التي تُتوّجُ الزهرة البهيّة.

أراها من خلال الغيوم التي تكللُ هامة السماء القصيّة.

أراها مُتَلَفِعَةً بالضبابِ السابحِ في فضاء اللانهاية.

أراها من خلال دموعي الحرّى التي تتساقط على وجنتيّ الذابلتين.

أراها من خلال آلامي العميقة وأحزاني السحيقة.

أراها من خلال تأوهاتي التي تمزِّقُ قلبي الكئيب من أجلِ بُعدها الرهيب.

أراها هناك هناك …

حيث لا يستطيع أن يبلغ إليه فكريَّ الخياليَّ الهائم في بيداء تصوراته الشعرية.   

أراها من وراء السُدُمِ العجيبة وهي تمرحُ بين أترابها من ملائكة اللّه الحيّ,

تنظرُ إلى عينيّ المقرّحتين وهي تبتسم ليّ بعطفٍ سماويٍ,

وترنو إليّ بعينها الروحيّة التي تذوب بالعاطفة الإلهية,

فأُلقي بنفسي في غمرة لذّتي ونشوتي بين أحضان عالم الأرواح بالمُتَع,

وأمكث مع فتاتي الفتّانة التي ضحّت بزهرة عُمرها وريّان صباها لأجلي.

هذه الفتاة التي بذلت نفسها وقدّمت روحها قرباناً على مذبح حُبّي …

وأقضي الساعات وأنا أرشفُ من رحيق وحيها وحُبّها,

وجوارحي تطلب من لقائها المزيد.

وعندما تهبط بنات النور إلى عالم الأرض المظلم ترتقي قمم الغيوم,

وتعود إلى موطن السلام الدائم وهي تلوّحُ ليّ بأناملها المعبودة وكأنها تقول ليّ اخلع رداءك المادي! وعُد إليّ يا حبيبي سريعاًكي نحّيا معاً في ربوع هذهالفراديس الخلاّبة حتى انقضاء الأعمار والأدهار. فتُجيبها روحي الحزينة:

لبّيك يا زهرة عمّري! …  لبّيك يا حبيبة آمالي! … لبّيك!

ضمّوا رفاتي إلى رفاتها

عندما تدقّ ساعتي الأخيرة السعيدة,

معلنةً انتهاء آلامي في أرض الشقاء والعناء,

وتهبط روح الطهر لترافقني إلى عالم البهاء والهناء,

فأوغلُ معها بمرحٍ وحبورٍ وفرحٍ وسرورٍ,

قاطعاً المسافات, مرتقياً الأبعاد السماويّة,

يدفعني الشوق الذي يقصّر عنه وصفي

كي اجتمع "بمجدا" الحبيبة …" مجدا" المفدّاة.

إذ ذاك … أطلب إليكم يا أحبّائي أن تضمّوا رفاتي إلى رفاتها

كي يطمئن جسدي الترابي الفاني بالمكوث معها,

 مثلما تكون روحي الخالدة الشجيّة قد انتشت من امتزاجها بروحها النقيّة!! …

عندما تُقفل عيناي, وتَثقُلُ أذناي, وتصفرُّ وجنتاي,

وتهمد حركات الحياة في جسدي الراقد رقاده الأبديّ,

وتنطلق روحي في المسافات الزرقاء اللانهائية,

باحثةً عن روح "مجدا" التي بكيتها كثيراً, ونشدُّتها كثيراً, وحزنت عليها كثيراً …

حتى تجدها في فراديس الحُبِّ الحقيقي الخالد,

فتمتزج بها, وتغمرها بعطفها ولطفها وحنانها الأبديّ …

إذ ذاك … أرجوكم يا أعزائي الأوفياء أن تجمعوا بين رفاتي ورفاتها

كي يطمئن جسدي الغريب بالقرب من جسدها العجيب,

مثلما تكون روحي الفرحة قد امتزجت بروحها المرحة!! …

عندما يقف قلبي عن ضرباته المعتادة,

ويصبح جسدي كميّةً مهملةً لا شأن لها,

وتدبُّ برودة الموت في أطرافي المتصلّبة,

وتنسج يد الفناء رسومها الغريبة على أسارير وجهي الشاحب,

وتسبح روحي منقّبةً عوالم النجوم عن "مجدا" التي أحبّتها روحي,

وتجوس الفراديس الإلهية حتى تكتشف مقرّها الخلاب,

وتحيا بقرب روحها اللطيفة, وترتشف معها كؤوس المسرّات الروحيّة,

إذ ذاك … أضرع إليكم يا خلاّني الأمناء

أن تمزجوا رفاتي الخامدة برفاتها اللطيفة الهامدة

كي يطمئن جسدي البالي لانضمامه إلى جسدها الغالي,

مثلما تكون روحي الشقيّة قد سعدت باجتماعها بروحها الزكية.

عندما تنظرون جثّتي التي غادرتها الروح,

وتشاهدون السكينة الخرساء الأبديّة التي تغمرها,

وتلمسون جلال الموت يظللني بجناحيه الكئيبين,

وتخاطبوني فلا تسمعون مني الجواب,

لا تحزنوا عليّ إذ ذاك … ولا تنتحبوا,

بل اطربوا في أعماق قلوبكم واغتبطوا,

لأنني أكون إذ ذاك قد اجتمعت بروح "مجدا" الحبيبة, "مجدا" المفدّاة,

فتاة أحلامي الذهبية, وربة آمالي الشعرية,

"مجدا" من ضحّت بحياتها لأجل حياتي,وبذلت روحها لأجلروحي.

وأوصيكم يا أحبّائي الأعزاء أن تضعوا رفاتي مع رفاتها

كي يبتهج جسدي بانضمامه إلى جسدها,

مثلما تكون روحي الحائرة قد اجتمعت بروحها الطاهرة!! …

إعصفي يا رياح

القرار

إعصفييا رياح           واهطلي يا سماء

وانتحب يا صباح          واكتئب يا مساء

واضطرب يا زمان             واصطخب يا قدر

بعد ذات النقاء

هناك فيالهضاب              هناك في الضباب

"مجدا" ابنة السحاب                 قد لاقت الصحاب

فاعصفي, فاعصفي                 يا رياح, يا رياح

بعد ذات الوفاء, الوفاء!

                       

مرّت على الغيوم               واجتازت الغموم

يا سعدها تحوم                 في ذروة النجوم

فاهطلي, فاهطلي               يا سماء, يا سماء

بعد ذات الصفاء, الصفاء!

                    

يا غادةَ الحُبِّ              وحَبَّةَ القلب

طيري على السُحُب         لرؤية الربِّ

      وانتحب, وانتحب           يا صباح, يا صباح

بعد ذات السناء, السناء!

                

في ثغرك البسيم                 ووجهك الوسيم

عذوبة النسيم               في جنّة النعيم

فاكتئب, فاكتئب                يا مساء, يا مساء

بعد ذات الهناء, الهناء!

طوفي معالرياح               في عالم الأرواح

فأنت في الأفراح                ونحن في الأتراح

فاضطرب, فاضطرب          يا زمان, يا زمان

بعد ذات الولاء, الولاء!

                     

يا خالق السماء                ومبدع الأكوان

أرسل لنا العزاء                وبلسم السلوان

فاصطخب, فاصطخب           يا قدر, يا قدر

بعد ذات البهاء, البهاء!

واسمع بكا الحزين           والدمع والأنين

  وأطلق المسكين                 واجمعه بالخدين

   والتهب, والتهب                يا جنان, يا جنان

بعد ذات الضياء, الضياء!

فأنت ربُّ الجود         ومصدر الوجود

أَرجِع فتى القيود            لموطن الخلود

فاحتجب, فاحتجب         يا قمر, يا قمر

بعد ذات النقاء, النقاء!

القرار

إعصفي يا رياح           واهطلي يا سماء

وانتحب يا صباح             واكتئب يا مساء

واضطرب يا زمان           واصطخب يا قدر

والتهب يا جنان               واحتجب يا قمر

بعد ذات النقاء

سلام

سلامٌ على ذلك العالم الروحي المضيء الخالد.

سلامٌ على تلك الأنوار الدائمة السطوع.

سلامٌ على ذلك المجد الإلهي الفائق البهاء.

سلامٌ على تلك الديار التي أحنُّ إليها أبداً.

سلامٌ على تلك الربوع المقدسة النقية.

سلامٌ على ذلك الملأ السرمدي الطاهر.

سلامٌ على قاطنيه الأبرار المعاينين أنواره الباهرة السنيّة.

سلامٌ على العالم المجهول الذي لا خباء له ولا أفول.

سلامٌ على تلك الأماكن الأرجة العبير.

سلامٌ على مَن مكّنتهم قدسيتهم من ولوج ذلك المكان الحصين الأمين.

سلامٌ على مَن اضُطهدوا وعُذِبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقَّة.

سلامٌ على مَن ذاقوا الهوان وشربوا كأسها المريرة حتى ثمالتها.

سلامٌ على أرواحهم السعيدة من الأزل وإلى الأبد.

سلامٌ أنثره على هذا الطرسْ من قلبٍ كسيرٍ خافقٍ حزينٍ مكلومٍ ممزّق.

سلامٌ على عالمٍ غير عالمنا المادي المرذول.

سلامٌ عبقٌ فوّاحٌ عطريٌ لا ماديٌ موبوءٌ قذرٌ.

سلامٌ أبديٌ إلى أحكامه العادلة النافذة.

سلامٌ من عالمي الحقير هذا أرسله إلى ذلك العالم العظيم السامي.

سلامٌ من "مسكينٍ" ملأ الكون بآثامه وهو يضرع إلى اللّه أن يغفر له آثامه تلك!

وأن يَسَعَهُ بمراحمهِ التي شملت الكائنات وطغت عليها!

نعم! … سلامٌ … سلامٌ … سلامٌ!

في مدينةِ الأموات

دخلتُ (مدينةَ الأمواتِ) الصامتة!

ثم وقفتُ أمام جدثٍ تعلوه رخامةٌ مصقولة!

وإذا بي أقرأ اسمَ (الصبية) التي تثوي تحتها!

فوجمتُ، وانهمرتْ من عيني دمعةٌ حارّة!

لقد حَصَدها منجلُ (الموت)

ولمَّا تُكملِ الثامنةَ عشرةَ من سنيها!

إنها زهرةٌ نديّة، وغصنُ أُملودٌ رطب،

وكاعبٌ هيفاءُ نافرة!

لها آمالٌ عذبةٌ لم تُحققها لها الأيامُ الغاشمة،

فانطوتْ صحيفتُها وأصبحتْ في ذمِة الأبد،

تضمُّها حفرتُها الخاليةُ، الباردةُ، المنسيّةُ، حتى يومِ النشور!

وانتقلتُ إلى قبرٍ آخر... وقرأتُ اسمَ قاطنهِ!

فإذا بهِ (شابٌ) في الحادية والعشرين!...

لله أيّها (الموتُ) ما أقساك!

وما أبعدَ الرحمةَ عن فؤادك!...

أتهصرُ غصنَ هذا (الشاب) وتُوردهُ موارد التهلكة،

وهو ما يزالُ في ميعةِ الصّبا وعنفوانِ الشباب؟

ألمْ تعطفْ على والديهِ المُسنين، المسكينين، المهدمين؟!

ألم ترحمْ شيخوختهما الذابلة،

فتترك لهما وحيدّهما، ومُعيلهما؟!

ألم تأخُذكَ بهما رحمةٌ فتُشيحَ بوجهكَ عنه؟

 تُرى؟.. ما هي الحكمةُ في طيِّ صفحةِ هذا الشاب!،

وإبقاءِ الشيخِ المُسِنِّ الذابل؟

... وانسكبتْ عبرةٌ أخرى من عيني!...

فشعرتُ بها تلذعُني كالجمرةِ المتقد!...

وسرتُ الهُوَيْنى، وأنا مُنكَّسُ الرأس،

والحزنُ يسري في أحشائي...

وأنا تائهُ اللّبِّ، مضطربُ الجَنانِ، معقودُ اللسان!

فاصطدمتُ بمجموعةٍ كبيرةٍ من القبورِ، تعلوها الأنصاب،

وقد نُقِشَتْ  على لوحاتِها أسماءُ مَنْ يرقدون تحتها وأعمارُهم.

وقد لفَتَ نظري أسماءُ بعضِ الأطفال

الذين لم يتجاوزوا الثالثةَ، والخامسةَ،

وقد طواهم (الموتُ) بجَبَروتِه الصارم!

فعفَتْ آثارُهم، بعد أن تصرَّمَتْ حبالُ أعمارهم!

وللحال، رحتُ أتأمَّلُ في حياةِ الإنسان الغريبة العجيبة:

تُرى ما هي (الحكمةُ) الإلهيَّةُ من خَلْقنا،

ثمَّ دفعنا إلى وادي الدموعِ والآلام؟!

ولِمَ ينتهي أجَلُ تلك الصبيةِ وهي ما تزالُ في إبّانِ صباها،

ورَيَّانِ أمانيها؟!

وذلك الشابّ؟ وهو بعدُ لم يعرفْ خيرَ الحياةِ من شرّها!

وما الداعي للقضاءِ على هؤلاءِ الأطفال الأبرياء

الذين لم يجنوا ذنبًا يستوجبُ عليهم القصاص؟

تُرى ما هي الحكمةُ من قصةِ الحياةِ ثم الموت؟!

أطرقت!... ثم فكرتُ، ولكن عبثًا!

إذْ ما عادت عليَّ هذه الأفكارُ بطائل!

ولمّا أعياني البحثُ والاستقصاءُ خرجتُ من (مدينةِ الأموات)،

وأنا أجهلُ مني ساعةَ ولجتُها!

وكان صوتٌ رهيبٌ يُدّوِّي في أعماقي قائلاً:

إعتبرْ أيها المسكينُ مما شاهدتَ، وسِرْ على الطريقِ القويم،

كي يُكتبَ اسمُك في سِجِلِّ العالمِ الخالد.

واعلَمْ أنَّ حياةَ الإنسان مهما طالت فهي قصيرة!

فأجبتهُ بضميري: نَعَمْ نَعَمْ، سأفعل.

                                                بيروت، مساءَ 22 كانون الثاني 1943

لي ولكم

 

لكم ميولكم، ولي ميولي.

لكم اتجاهاتُكم، ولي اتجاهاتي.

لكم تخيلاتكم، ولي تخيلاتي.

لكم مُرشِدوكم، ولي (مُرشِدي)

لكم مذهبُكم، ولي (مذهبي).

لكم أحلامُكم، ولي أحلامي.

لكم آمالكم، ولي آمالي.

لكم إغراقُكم في مَلَذاتِ (الجسد).

ولي إغراقي في تقشفات (الروح)

لكم حنينُكم، ولي حنيني.

لكم مطامِحُكم، ولي مطامحي.

لكم آراؤكم، ولي آرائي.

لكم صَلاتُكم، ولي صلاتي.

لكم صِلاتُكم، ولي صِلاتي.

لكم أرضُكم ومَنْ عليها، ولي سمائي ومَنْ فيها.

لكم (تبتُلُكم) المزعوم، ولي (تَبتُّلي) المعلوم.

لكم إغراقُكم في الضلالة، ولي إغراقي في الهداية.

لكم رُقادُكم، ولي (يَقَظتي).

لكم أفراحَكم، ولكنها أتراح!

ولي أتراحي، ولكنها أفراح!

لكم ابتساماتُكم، ولكنّها دموع!

ولي دموعي، ولكنّها ابتسامات!

لكم أزهارُ الحياة، ولكنّها أشواك!

ولي أشواكُ الموت، ولكنها أزهار!

لكم أعباؤكم الخفيفة، ولكنها ثقيلة!

ولي أعبائي الثقيلة، ولكنّها خفيفة!

لكم النساءُ والخمرُ والجاهُ والمالُ، والنفوذُ والسلطانُ والحياة... ولي اللهُ، والسماءُ، والحقُّ، والمعرفةُ، والعدالةُ، والمجهولُ، والإندماجُ بِـ (القوَّة الموجِدة)!

لكم  ما ليس لي،

ولي ما ليس لكم!

تلك هي آمالُكم وأمانيُّكم،

وهذه هي مطامحي ورغائبُ نفسي!

وشتّانَ ما بين (الاثنين)!

                                                       القدس، في 7 كانون الثاني سنة 1935

ولادة النجوم

                            

من أقاصيص     زينة حدّاد

قدرة الله قائمة في كل مكان. من قبل التكوين، لم يكن للخير والشر أي وجود. كانت الجمالات تضمّخ مملكة الله. كان كل شيءٍ نورًا، لا شيء سوى النور، النجوم إثرَ تدور وتندفع في الفضاء اللامتناهي.

          آهٍ، لو كان بامكاننا أن نعود فنعاين المجد والغبطة الأزليّين اللذين كانا سائدين في تلك الأزمنة. الأقلام والكلمات تقف عاجزةً عن توصيف هذه الأبهة المقدسة، إذ لا امكانية أن يصل إلينا على هذه الأرض بعض من اللمحات البعيدة عن ذلك. وإن ما تيقظت في ذاكرتنا لصار لنا من دموعنا أثواب لكلّ يوم وبالطبع لكان الجنون رفيقنا لأننا خسرنا كل شيء.

          وكان زمنٌ تفجر فيه غضب الله وثارت ثورته في جميع مملكته وغيّرت الكوارث والنكبات وجه السماوات، وتصادمت عوالم الأزليّ وتشتّتت، وامّحت غالبية النجوم. وبعد أن طرد ملائكته الخاطئين المُستكبرين، وضع الله حدًّا بين مملكته والقسم الآخر من مقاطعاته الملكيّة إذ ألقى بحجابٍ صفيقٍ فاصلاً بذلك عوالم السماوات عن العوالم السفليّة، وأصبح الله غير منظور.

                                                أولم يقلْ فيكتور هوغو:

الإنسان إله لكنه سقط من السماوات وما يزال يتذكر ذلك.

          والله قال:

- أيتها الأنوار والكواكب وشرارات الضوء، إمّحي عن عوالم الفساد! وتمّ ذلك. فقد حجب النجوم والنيّرات عقابا للخاطئين.

          وكانت المأساة، فقد ألقي معظم الملائكة ورؤساء الملائكة في الأعماق الجحيمية. وكان عقاب البعض الآخر أقلّ قساوة، كما فرض على البعض التكفير عن خطاياهم بشكل مغاير.

          أردت سرد هذه القصة بسبب حقيقة واحدة أو صُدفة واحدة شجعتني على حمل قلمي والكتابة لطالما أحببت النجوم، فلدي شغف في تأمل جمالها في ساعات فراغي واستراحتي.

          ذات ليلة صيف حارة كنت جالسة على أحد المقاعد أشاهد نيرات الله وأتأمل الجمالات السماوية رافعة المجد أمام جلالة الآله المُبدع، ورحتُ أعبّر عن اعجابي وشغفي بصوتٍ عالٍ. وفجأة شاهدت بالقرب مني فتًى أشقر ذا قسمات رقيقة، شديدة الجمال، دخل من أحد الأبواب المُوصلة إلى الحديقة، وأدركت للتّو بأنه غريب، غير معروف.

          ألقى عليَّ التحيّة وقال:

-    استميحك عذرًا، فقد أردت فقط مشاهدة حديقتك، فقد بدتْ لي من الخارج أنها على قدرٍ من الجمال والعناية.

شكرته على إطراءه ودعوته للجلوس بجانبي. كان حديثه جذّابًا، شيّقًا، ولاحظ أنني مهتمَّة بالنجوم فقال لي أيضًا:

سوف أروي لك قصّة أو أسطورة سمعتها من أهلي الّذين سمعوها هم بدورهم من أهلهم وهكذا دواليك.

-    قبل الخلق والتكوين وقبل آدم وحوّاء حصل سقوط الملائكة. وفي ذروة غضبه مسح الله أمراء العوالم التي لا قدرة لنا على إحصائها،

ولم يكن باستطاعة أحد أن يقدّر ويتخيل الغضب الإلهيّ الذي عمّ جميع الأرجاء. وبسقوطهم توزَّع الخطأة كلّ بحسب ارتكابه في أرجاء الجحيم. كان العقاب بالنسبة للبعض خفيفًا فقد حكم عليهم بطريقة مختلفة عن غيرهم، فما كان عليهم سوي التكفير عن خطاياهم.

          في هذه الأثناء كان الله قد فصل مملكته عن مناطق تواجد الخطأة، فقد وضع غشاءً صفيقًا على مملكته حاجبا نوره عن النفاذ إلى طبقات العوالم السفلية حيث كانت ظلمة مُطبقة، تحت هذه القباب القاتمة كان بعض الملائكة والأرواح يكفِّرون عن آثامهم في ليلٍ دائم أزليّ. كانت هذه الأرواح مزوّدة بأجنحة بيضاء وكانت تائهة تهوّم في الأحواء. اعتادت عيونها على الظلمة والسواد. هؤلاء الملائكة الساقطون كانوا يشكلون موكبًا لا نهاية له في هذه الأماكن المُظلمة، ومن أجل أن ينالوا قسطًا من الراحة كانوا يتكئون بأجنحتهم الواحد على الآخر.

          كان الله حين ذلك قد أزال النجوم من السماء وجميع الكواكب، والملائكة الساقطون يتلقون عقابهم ويبكون حرقة على الأيام الخوالي. لم يكن لهم الحقّ بالاستراحة فعليهم أن يحلِّقوا دون توقف في هذا العدم الحزين.

          إلا أن عطف الإله وشفقته كانا يتجلّيان أحيانًا. فقد كان هناك كوكب ذو جلال وعظمة، يظهر لمدّة من الزمن. كان بالغ الارتفاع، مُرصعًا بنجوم رائعة باهرة متعددة الألوان. أحبّه ملائكة الزمن القديم وأعجبوا به وأخذ بهم الحنين.

كانوا يعودون بالذاكرة إلى ذكريات قديمة من العصور البائدة خاصة لحظة سقوطهم، ويتذكرون أيضًا الأماكن التي كانوا يقيمون فيها.

          كانوا يرون أزهاراً ملوّنة ترسل أنواراً متألقة وتدور في رقص سماوي. هذه الأزهار ذات الألوان المتساوقة كانت جواهر تبرز أعناقها من تربة أسمها شمس الشموس. وكانت طيور سحرية فاتنة تنشد بأصوات مُنسجمة أناشيد سماوية.

          وتتدفَّق شلالات ساحرة مُبدعةً أقواس قزح تسكبها علينا وعلى هذه الفراديس الصغيرة المزدانة بأعداد لا تحصى من الزهور والثمار التي لم تكن سوى حجارة ثمينة، وكل حليةٍ من هذه الفحلى الرائعة التي لا تقدّر بثمنٍ يتمثل فيها روح سماوي. ومع مرور الأيام "راحت الأزهار والثمار تزداد قيمة وجمالاً ونقاءً، وفي هذا الألق الشفاف النقيّ يتمرّى وجه ونقاءً، وفي هذا الألق الشفاف النقيّ يتمرّى وجه من وجوه القدسية السماوية.

          إن ظهور هذا الكوكب الفتّان كان رأفة بخطأة الأزمنة الماضية. وبقدر ما كان هذا الظهور عابرًا، إلا أنه اعاد إحياء ذكرى الإله الكلّي القدرة في نفوسهم وغمرها بندمٍ شديد لأنها عصته وخالفت أوامره. وتكشفت رحمة الله بكامل مجدها، فقد تذكَّر الله ملائكته الساقطين لأنه كان وما يزال يحبها.

          وعمّت رأفة الله جميع عوالمه، فانتشر نورٌ أزرق في الفضاء، وأُبدعت السماء الزرقاء، واقتطف الله من كوكبه نورًا أحمر فكانت الشمس، ثم أطلق في عتمة الليل غمامة من شرارات الضوء التي تفرقت في الجلد الأسود، شرارات الله السرمديّ هائلة عملاقة، وتثبَّتت في الفلك لتصبح نيّرات الليل.

وتذكر الله بعظيم عطفه أولاده الساقطين بعد أن قاسوا وتحمّلوا قدرًا عظيمًا من العذابات والآلام، فوهب نجمة لكل واحدٍ من الذين تابوا إليه. وهكذا كانت ولادة النجوم.

ينبغي أن نتذكر رحمة الله وعطفه كلّما نظرنا وتأملنا نجوم السماء.

ورفعت عينيّ نحو الأعالي وكنت غاية في السعادة إذ استمعت إلى ذلك الشاب الذي روى لي هذه الحكاية الجميلة عن ولادة النجوم. وإذ استدرت نحوه لأشكره، كان قد اختفى.

هل هو يا ترى واحد من هذه الملائكة الذين سقطوا وجاء بعد أن تاب إلى الله، ليقصُّ علينا قصته؟ لست أعلم، غير أنني نقلت لكم بكل أمانة ما سمعته على لسانه.

الشجرة الطائرة

                                                                             من أقاصيص: دانية حدّاد

         

كان هناك جبل شاهق الارتفاع، تتوُّجه شجرة ذات جلالة وتتربَّع على قمّته. جذعها غاية في الضخامة واغصانها الكثيفة الملتفّة تتوزع فيما بينها الأوراق الخضراء الزمردية التي تنشر ظلالها على الجبل بأكمله.

          إنها سنديانة الفيّة السنين. حالها مثل حال رجلٍ عجوز موقّر، ذي لحية بيضاء طويلة، تزوره رعيّته لتقدّم له واجب الاحترام والتسبيح.

          تعيدني هذه السنديانة بالتفكير إلى أسياد أجلاّء من الكتاب المقدس، فأتخيلهم وقد زنّر هاماتهم شعر ملوكي، وتحيط بوجوههم لِحىً جديرة بالاهتمام والاحترام.

          وهي بمثابة ملك في مملكته والشجيرات من حولها تقدم لها فروض الاحترام والإجلال وترجو الريح غالباً أن تساعدها على الإنحناء أمام السنديانة.

          شجرة السنديان، ملكة القمم، تطاول الغيوم وتحتضن بين أغصانها ألوف الطيور وزيزان الحصاد والسناجب وكلّ أصناف الحيوانات اللطيفة وغير العدائية.

          كان يسمع أحيانًا زقزقاتٌ حادّةٌ، فحيواناتنا الصغيرة لا تعرف الانضباط على الإطلاق، ومشادّاتها المسائية تملأ المقام بالفوضى والاضطراب.

          كفى، كفى، كان الملك الطيّب يقول لها، وإلاّ سأطردك من مملكتي.

          إلاّ أنّ بعض الصغار العنيدة استمرّت بالشجار والتسبّب بالفوضى ممّا جعل السنديانة تنفّذ ما هدّدت به، فحرّكت بشكل عنيفٍ الأغصان التي كانت الحيوانات ما تزال تتشاجر فوقها، ورمت بها على الأرض وحرصت ألاّ تتسبب لها بأذىً أو سوٍ، فقد كان هدفها أن تعلمها الطاعة.

وأصدر الملك (السنديانة) حكمة:

- أحكم عليك بخمسة عشر يومًا من المنفى أيها السنجاب.

- أتضرّع إليك يا سيدي أن تغفرَ لي، فلن أعود إلى مضايقة الزيزان بعد الآن. ولعظم طيبته ومحبَّته غفر الملك للسنجاب، العفريت، الذي كان يَعِد بعدم تكرار أخطائه، وحذره من ذلك "الويل لك، ثم الويل! فلن أدعك تتخذ لنفسك ملجأً عندي بعد ذلك".

          وعاد السنجاب إلى أحضان السنديانة حيث إخوته الّذين كان تأثير التهديد شديدًا عليهم.

          وراحت الطيور من أعشاشها وسكان السنديانة الآخرون يفسّرون الحدث ويعبّرون عن انطباعاتهم وكلّ بلغته الخاصة، فكان الوضع عندئذٍ أشبه ببرج بابل!

-    إنّها غلطة الزيز، قال الدوري للعندليب مؤكدًا فهو مُحتال، كما أنه لطّخ له ذيله الجميل بالأوساخ.

أجاب العندليب بأنشودة وانتهى إلى القول:

-    أنا شاعر وموسيقيّ، ولا أتدخّل أبدًا بأمور وضيعة وغير ذات معنىً، وعاد إلى استئناف إنشاده.

كانت السنديانة تفهم وتتقن جميع هذه اللهجات، وكانت تهدّئ نزلائها، فعملاق الجبل هذا كان يحجب سرًّا. هلاّ تخيّلتم شجرة جذعها مجوّف وآهل بالسكان؟ أجل ويوجد فيه فتحة، ويمكن الدخول إليها عبر مغارة نباتيّة حيث يمكننا أن نجد عالمًا بأكمله، ووسط كل غصن من الأغصان شارعًا وحدائق وغابات ومروحًا. وامتشقت الطبيعة ريشات الرسم والألوان الأكثر جمالاً لكي تبدع هذه المناظر الرائعة.

شجرة لامتناهية هي هذه السنديانة العملاقة الهائلة، وسكانها الكليّو الجمال والفتنة، الذين لا عد لهم، هم حيوانات مُسالمة تنتظمُ بفرح وحبور. لقد غاب عن بالي أن أقول لكم أنها حيوانات صغيرة مُفعمة بالحيوية. الطواويس تتهادى وتتفاوى، وتمرّ عربات تجرّها الغزلان ناقلةً السياح، وتجتاز الأنهار والسواقي. انظروا! هذه وردة طائرة تشبه الطيور. بتلاتها النديّة ترف بفرح وتحفظ الايقاع وهي تدندن لأزمة النشيد المُعطرة. وتنير شموس صغيرة هذه النواحي الساحر.

          كنت أفكر فيما إذا كانت هذه الشجرة ستعيش إلى الأبد. وما إن مرّ هذا السؤال ببالي، حتى اجابني صوت قائلاً:

-    نعم، ستُحيَ إلى الأبد كما هو النبي إيليا الحي. ستصعد نحو السماوات. إن ما تظنينه شجرة ليس إلا أحد الأسياد القديسين.

وفي هذه اللحظة، اهتزت الأرض، وراحت البروق ترسم خطوطًا من نور على التلال، واندلعت العاصفة. وشاهدت لفرط ذهولي أوراق السنديانة الألفيّة السنين تتحول إلى أرياش. ولكي تحتمي من هولِ العاصفة، لجأت الحيوانات الصغيرة التي تسكن من الأغصان إلى حضن السنديانة المضيافة. عندئذ، وفي ثورة غضبها تلقفت الريح منجلاً من نار واجتثت السنديانة من جذورها، وتحولت الأرياش إلى ألوف من الأجنحة وحلّقت بالشجرة وبنزلائها إلى أعلى أعالي السماوات، وكانت كلّما ازدادت ارتفاعًا تصبح أكبر فأكبر وكذلك كل من يعيش فيها، حتى أصبحت مجرّة وكان اسمها الشجرة الطائرة.

متحف

                                      من أقاصيص زينة حداد

                                                                   ترجمة سمير الحداد

هناك في الأفق الخفيّ عن انظار أهل أرضنا يتألق كوكب غاية في الكبر حتى أن حياة المرء ينبغي أن تدوم بلايين السنين لكي تتمكن من زيارة جميع معالمه.

          بلدٌ ساحر لا اعتبار للوقت عليه ولا يشعر المرءُ بمرور سنوات عمره. وما أن يُعرب الزائر عن رغبته في معاينة كلّ الأشياء الجميلة على هذا الكوكب، حتى تتحقَّق رغبته في غمضة عين.

          اسم هذا الكوكب "متحف" مكتوبٌ بحروفٍ من نار وضياء، تخطط دروبه وممرّاته جنائن مزهرة زاهية، وتتعانق فيه أزهار باسمة تتشارك فرح الحياة وهي تتزييَ بالألوان حسب إراداتها، وإلى كل ذلك، فهي لها وجوه ملائكة صغار تحيط بها هالاتٌ من البتلات الناعمة الدقيقة.

          أمّا الأشجار فهي باسقة تتهادى وتترنَّح في أوقيانوس من الأنوار، وأوراقها الوارفة الكثيفة تتميز بشفافية تحاكي رقّة المياه. تربة هذا الكوكب تتكون من جواهر وأحجار ثمينة. والشموس العديدة ذات الألوان الجمّة والتي الكثير منها غير معروف لدينا تتألق وتجمع فرادة كل منها وتضمّ النعومة في تلاوينها حتى تحاكي في ذلك قوس قزح يكون امتداده على مدى الكوكب.

          شموس هذا الكوكب لها مهمّة تؤديها، فكل واحدة منها تمثل شخصيّة استأهلت أن تُرفع إلى قمة المجد في هذا الفلك حتى يضيء محيطه من تألق هذه الشلالات المُبهرة ويصبح نجمًا من نتاج الفنّ الإلهيّ الكليّ السمو. إنهم فنانون كاملو الأوصاف وينعمون بموهبة إبداع كل ما هو جميل ورائع في ما يعود لهم من المطارح، وهم يشكلّون على هواهم الأعمال الفنية البديعة، فالله وبكامل قدرته يتناهى ليكون الجمال الأبدي الخالد. فبالنسبة له الفن هو التقدمة الأكثر جمالاً.

          هؤلاء النحاتون والرسامون يتوقون لأن يتخطّوا ذواتهم في ما يبدعونه من أعمال. أمّا وقد أصبحوا هم نجومًا تنسكب شعاعاتها المتعدّدة الألوان في دفقات من الضياء. هذه الشعاعات عينها سيختار الرسام منها ريشته يرسم بها ويلوّن لوحاته، ويأخذ منها النحّاتون أزاميلهم. هؤلاء الفنانون يجولون في فضاء لا حدود له، يجولون فيه كأرباب البيت! إنهم عبقريو الفنون. ذكاؤهم يخلق ويجسّد الموضوعات المتغايرة والأكثر جمالاً، سواء كان ذلك رسمًا، نحتًا، عمارة أو توشية.

          في ذلك المكان الشاسع توجد فنون مجهولة من قبلنا، فهناك من ينحت النار أو الضوء ثم يجعل الحياة تدبّ فيها! كثيرة هي الأمور التي تُمارس في ذلك العالم مما ليس بمقدورنا القيام به. هذه التحف والآيات الرائعة تصبح أموارًا خالد.

          لقد تسنّى لي ذات يوم أن أشاهد احدى ربّات الوحي تنحتُ الغيوم، فقد حوّلت بعضها أشخاصًا وحيوانات وأزهاراً. لقد أبدع هؤلاء الفنانون فردوسًا شديد الجمال لا طاقة للغتنا على الأتيان بأوصاف له.

          أوراق الأشجار والنباتات في هذا المكان الساحر ما هي إلاّ لوحاتٍ حقيقيةٍ وكل ورقة مُزيّنة بالرسوم. بعض الأشجار خُصّصت للوحات النصفية، أخرى للمناظر الطبيعية، وأخرى في النهاية تسجل للخلود الأحداث التاريخية الكبرى في العوالم. ويمكننا أن نجزم. بأن شجرة واحدة فقط هي متحف وهو بالتأكيد أكبر من متاحف الأرض مُجتمعة. وجمال الفنون في السماء البعيدة يفوق قدرتنا على التخيّل ولا مجال لمقارنتها بفنوننا.

          وتغوص ربّات الوحي أحيانًا في البحيرات وتعكس أنوارها المُختلفة الألوان نحو السماوات وتقوم بنحتها بفضل أشعتها السحريّة. قطرات الماء العملاقة تشكل تماثيلاً، وتبرز عند ذلك قارّة مائيّة ساحرة تتحوّل التموّجات إلى اكسيرٍ للعيون، وتنتشي السابحات أمام الشلاّلات التي تجري وتسيل جاعلة بعض الأفلاك تدور مُحدّثةً عن مجد الخلود.

          هل من المُحتمل أن يكون رسّامونا ونحّاتونا أمثالُ براكسيتيل، مايكل انجلو ورافايل قد عاشوا في زمنٍ ماضٍ بعيد على ذلك الكوكب حتى تمكّنوا من تقديم لمحة مُوجزة عن الفنون التي تنعّموا بها هناك؟!

          هل نحصل على الأجوبة والدلائل؟ ربّما في يوم من الأيام.

في ذكرى انتقال الأخ فريد أبو سليمان

هو من عائلةٍ عريقةٍ من عائلات لبنان, طبيبٌ مُتخصِّصٌ, درس الطبَّ في أشهر جامعات فرنسا, وله باعٌ طويل في تشخيص الأمراض والنفوس, وهو على دراية لا يستهان بها للتمييز بين السحر والشعوذة والمعجزات الروحيَّة, تعرَّف الى ذلك الفتى, فرأى نور الحقيقة يشعُّ من وجهه, وخوارق القوانين الطبيعيَّة تُخرَقُ أمام عينيه, والمعجزات الروحيَّة تُجترّح على يديه, آمن به وبرسالته الألهيّة, غير عابءٍ برجال دين أو دنيا, ولا بمناصب رفيعة أو أغراءات ماديّة من رجال سلطة, ولا من تهديدٍ أو وعيد. وأعلن ايمانه على الملاء, فكان المؤمن السادس.

سار على درب الحبيب, حتى لازمه, دافع عنه حتى اضطُهِدَ من أجله, سُجِنَ مع من سُجِنَ من أصحابه وأخوته, ليخرج من سجنه مرفوع الرأس, ثابتاً في ايمانه, راسخاً في عقيدته, مُحتَقِراً سجَّانيه وزبانيتهم, منقضّاً انقضاض النسور على جلاَّديه, المتمثليين بصحافةٍ مأجورة, ورجال دين مُتغطرسين, وحكّامٍ ظالمين, مستمدّين من سلطاتهم سلطاناً لجورهم وتعسّفهم, وتشويه الحقائق, مدفوعين بأحقاد الباطل, وطغينة الرذيلة, غير آبهين بحريّةٍ فرد أو فكرٍ أو مُعتقد, رغم حماية الدستور لتلك الحرّية المقدَّسة, والمستمدّة من السماء.

زَهُدَ بمن حوله من أقارب وأترابٍ , ومن خلاَّن وأصحاب, والتفَّ مع من التفَّ حول مؤسِّسَ الداهشيَّة آنذاك من عليَّة القوم واصفاهم نفساً, وترفعهم خُلقاً. تفانى في حبّه واخلاصه, واضعاً نفسه بتصرّفه, في أي زمانٍ ومكان, وفي السرّاء والضرّاء, حتى عُرِفَ ب رفيق النبيِّ الحبيب الهادي.

تخلى عن حياة الرُغدِ والبذخِ, وهو ابن الحسبِ والنسب, ومالك الجاه والمال ,وصاحب الرفعة والشان, خرج على التقاليد والعادات التي أورثوها له كما لغيره, أبى الاَّ أن يكون حراً بتصرفاته وأفكاره حتى خرج على الكنيسة والرعيّة, لم يأبه من غدر الزمان, ولا من تهديد بالحرمان, ولا من تهويل والد او راهبٍ أو سلطان.

كان لديه من القوَّة الفكريَّة والعقليَّة ما لم تُنْعمَ به السماء على الكثير من أترابه, حتى أصبح مثالاً يُحتذى به, في انفته وعزَّته, في جهاده وتضحياته, في اخلاصه ووفاءه, في تواضعه وترفُّعه عن الصغائر والكبائر , ملتزماً أخلاقاً حميدة, متخلِّياً عمَّا هو دون السماء, فما دونها فهو باطل. مُسيطراً على شهواته ورغباته, نابذاً ايَّاها وما لها. مبشراً بمبادىء روحيَّة تهدي الأنام الى الخلاص , مجاهداً في سبيلها حتى الرمق الأخير, مضَّحياً بكل ما له في الحياة الدنيا , ومستمدَّاً قوَّةً لا يستهان بها من قوّة ذلك الفتى. حتى أصبح التكلّم بالرسالة الداهشيّة دأبه الدائم, في حلِّه وترحاله, مُحدِّثاً بالتعاليم الألهيّة, وبالمعجزات الروحيَّة التي تمَّت على يديّ الحبيب داهش,. كما هاجم السحرة والمشعوذين أينما حلّوا, وعلى مسارحهم, وفي عقر دارهم. وكشف كذبهم وتدجيلهم وخزعبلاتهم, التي لا تنطلي الاَّ على الجهلة والأغبياء من الناس. وكان له في ذلك صولات وجولات.

لقد كان الدكتور داهش مثله الأعلى في الأرض كما في السماء. حتى انتقاله الى عالمه البعيد السعيد, ولقاءه حبيبه وهاديه ومُرشده, وكانت الفرحة العظمى.

فسلامٌ الى روحك الطاهرة في ذكرى انتقالك, على أمل اللقاء بك باءذن الله .

حسين يونس الداهشيّ

كوانزو 20 نيسان 2015 .

إلى الأُمّ شمُوني

                                                بقلم ماري حدَّاد1

أُختي الحبيبة!

رحلتِ فجأةً من بيننا، وعادت روحُك النقيَّة إلى باريها.

رَقدِتِ رُقادَك الأبدي،

وعلى وجهك المتالّمِ المعذَّبِ ظهرَت علاماتُ السرور،

وعلى أساريرك بشائرُ الانبساط والغبطة.

لقد كنت أُمَّ الآلامِ الثانية مريم أُمّ يسوع.

إنَّ ولَدَك انتُزعَ منكَ بقوَة الظُلم.

وكم كنت تنوحين وتقولين وقلبُك جريحٌ ونفسُك منسحقة:

-       إبني طاهر... إبني بريء... والله كبير. فلتكن مشيئتُه.

ومع أنّ عينيك كانتا مغمورتَين بالدموع السخينة،

فإنّ روحَك بقيَت صامدةً أمام العاصفة الهوجاء.

أمّا جسمُك الجبّار كالسنديانة،

فقد مال منحنيًا، وخانك على طريق الجُلجُلة.

فرزَحت تحت أعباءِ الحياة القاسية.

ولكن هناك مَن ساعدَك في حَملِ صليبِ آلامِ...

هو ذلك (الكتابُ المقدَّس) الذي كان يُرافقُك ليلَ نهار.

وكنتِ تُردِّدين كلماتِه،

وشفتاك تتلُوانِ بهدوءٍ وسكينةٍ ما يحتويه من روح الحياة والعزاء.

ولذلك لم تشائي أن تعرفي في حياتك كلِّها كتابًا غير الإنجيل الطاهر.

--------------------------------------------

1- تراجَع النبذة الشخصيَّة عنها في مقالتها السابقة. والأمُّ شموني هي والدة الدكتور داهش، والمقالة رثاءٌ لها بُعَيد وفاتها، كُتبتْ باللغة الفرنسية. وقد اقتُبستْ من كتاب "أناشيد حزينة". جمعه ماجد مهدي (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1991)، ص 42.

----------------------------------------------------

أليس فيه معرفةُ الحقيقة؟

لقد رافقَك من مهد الطفولةِ إلى القبر.

وقد تكشَّفت لك أسرارُه منذ نعومةِ أظفارِكِ

حتَّى أصبح معلمَك الوحيد ومدرستَك الكبرى.

وقد وهبَك اللَّه نعمةَ الذكاء الفطريّ الخارق

الذي يُنشئُ النوابغَ الخالدين،

فاصبحتِ مستحقةً لأن تكوني، بكلِّ جدارةٍ، والدةَ داهش.

ولأوَلِ مرةٍ تعرفتُ بك أصبحتِ لي أُختًا حقيقيَّة،

وأُلفتُنا مَكّنَتْ بيننا صلةَ المحبةِ الراسخة.

وكتُ أقولُ دائمًا:
- ما أطيبَ الحياة مع هذه الأخُتِ العظيمة، النبيلة الصادقة،

الباذلة لنا بوَداعةٍ كلَّ ما يزخرُ به قلبُها الكبيرُ الكريم.

لقد اقتبَستُ فوائدَ غاليةً من مزاياك العالية.

وكنتُ أُريدُ البُلوغَ إلى درجتِكِ.

ولكن من أين لي ذلك؟

لقد ترصَّدك الموتُ، يا أُختي، في أواخر هذا العام،

وأخذَك من بيننا.

وفرَّقَ الدهرُ شملَنا على هذه الفانية.

وها أنا جالسةٌ على حافّة الطريق في منعطف الحياة،

أتَلفَّتُ يمينًا وشَمالاً، وإلى الأُفقِ البعيد.

فتوارَيتِ سريعًا، وأنا أُفتشُ عبثًا عنك، فلا أجدُك،

بعد أن كنت بقُربي منذ هُنيهة.

وها أنا الآن لا أرى آثاراً جديدةً لأقدامِك

على رمال هذه الحياة الفانية.

إنّ روحَك كانت كسهمٍ منطلقٍ ومتَجهٍ دائمًا إلى العلاء، إلى فوق.

أمّا قدماك فقد كانتا وحدَهما فقط تلمسان الأرض،

بينما روحُك تُجاورُ السماءَ وتُلامسُها.

إنّ كنوزَك كانت مكدَّسةً في الأهراء الخالدة

حيث لا يُصيبُها صّدأٌ ولا يأكلُها الدود.

لقد انفصلَت روحُك من هذه الأرض بلا ألَمٍ ولا جهود،

كالثمرة الناضجةِ المعدَّةِ للحصاد الإلهيّ.

وبينما أنا أُعانقُك الآن للمرّة الأخيرة

أستَودعُك رسالةً لا شكّ أنّك ستقومين بتأديتها هناك.

واللَّه وحدَه يعلمُ عددَ الأيّام التي ستفصلُ بيننا.

وإنِّي أطلبُ من اللَّه القدير أن أُكملَ الحياةَ الأرضيّة الباقية لي

بالكمال الذي أكملتِ به رسالتَك على هذه الأرض.

فإلى اللقاء، يا أختي، إلى اللقاء.

                                                في 24 تشرين الثاني 1949

الدكتور محمد علي شمس الدين

شاعرٌ لبناني. يحمل دكتوراه دولة في التاريخ من الجامعة اللبنانية. عضو الهيئة الإدارية في "اتحاد الكتاب اللبنانيين" وعضوٌ في "اتحاد الكتاب العرب" بدمشق. شارك في عدة مؤتمرات وملتقيات شعرية وفكرية وأدبية في لبنان وخارجه. ترجم شعره إلى لغاتٍ أجنبية، وكان موضوعًا لدراسات وأبحاث كثيرة. من أعماله الشعرية: "قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا" (1975)، "أناديك يا ملكي وحبيبي" (1979)، "الشوكة البنفسجية" (1981)، "منازل النرد" (1999)، "شيرازيات" (2005). ومن مؤلفاته النثرية: "رياحٌ حجرية" (1981)، "كتاب الطواف" (1987).

 

"نشيد الأنشاد"

قصيدة الحبِّ الخالد

سيرة الكتاب

بين مؤلفات الدكتور داهش(1909 – 1984) الأدبية التي تربو على المئتين، شعرًا ونثرًا وسيرة، يأخذ كتابهُ الجميل في الحب "نشيد الأنشاد" موقعًا خاصًا. فهو يُعيد من خلاله صياغة قصة الحب الخالدة المنسوبة للملك سُليمان، كما وردت في أحد أسقار العهد القديم، مع إضافاتٍ وافتراضاتٍ إبداعية، بلُغةٍ شعريةٍ شفافة، ومن خلال أناشيد متتالية في الحب والرغبة، هي أشبهُ ما تكون بأمواجٍ هادئةٍ للبحر العظيم الذي هو بحر الحب، تتدافع على شاطئ الوجود.

          كتب المؤلف هذا السفر الجميل في العام 1943، أو على وجه الدقة، كما ورد في الصفحة الأخيرة منه، في 25 نيسان 1943، يوم الأحد، في بيروت؛ أي بعد عام ونيفٍ من تأسس العقيدة الداهشية، وإعلان دعوته في 23 آذار 1942. واهتمامُه بالحب هو جزءٌ من اهتمامه الروحي الشامل؛ ذلك أن الحب من العالم هو بمثابة القلب من الجسد. والمؤلف مبكر في صيرورته الكتابية؛ "فنشيد الأنشاد" هو العشرون في سلسلة تراثه الإبداعي. ولعل دافعَه إلى كتابته، على ما وردَ في الصفحة الأولى منه، هو رغبتُه في إدراك كُنه الحياة، وملامسةِ سرِّها العميق الخفي المتمنع على سعي الكائن البشري مهما أوتي من العظمة والقدرة على الغرائب والمعجزات. فهو يقول مخاطبًا الإنسان.

          "ليت شعري، أيها المرءُ... إذ مهما كنتَ عظيمًا] ...[ فإن في أعماق الحياة شيئًا لا يُدرك، ولا تُعرف ماهيته وكُنهه".

          كما إنه، في إشارةٍ له كتبها في الولايات المتحدة الأميركية (الساعة الخامسة بعد ظهر 3- 1 – 1983)، يلخص قوة الحب والمرأة من خلال سلطتها على "نبي كريم وملكٍ عظيم وذكيًّ فهيم ولوذعي حكيم" هو الملك سُليمان، النبي الخالد الذي يُهدي إليه كتابه. وقد صدر بطبعةٍ قشيبةٍ مُزينةٍ بالرسوم الطبيعية والفنية، ومخطوطةٍ بقلم الشاعر الفنان ياسر بدر الدين، عن "الدار الداهشية للنشر" (نيويورك، 1985). فالدكتور داهش، مفتونًا بنشيد الملك العظيم النبي سليمان الحكيم الذي أنشدهُ قبل ثلاثة آلافٍ من الأعوام، يُعيد إلى النبع ما أخذه، ولكنه يكون قد اغتسل بماء النبع، وتعمَّد بمعموديته.

نشيد الأنشاد: النص الخصب

عُرف هذا السفر العبري القديم من العهد العتيق من الكتاب المقدس، المكتوب بالآرامية، وشاع باسم"نشيد الأناشيد". ومثلما يقال "معنى المعنى" أو "روح الروح"، فإن "نشيد الأناشيد" هو النشيد الأسمى بين الأناشيد، أو الأفضل. وإذا كانت "الأنشاد"، كما في عنوان الدكتور داهش، جمْعَ نشيد، مثلما هي الأناشيد، فيكون المعنى واحدًا. أما إذا كانت كلمة "إنشاد" بالهمزة المكسورة لا المفتوحة، فيغدو الإنشاد مصدرًا، فالمعنى يختلف قليلاً، ولكنه لا يبتعد عن الأصل، والقصدُ جوهرُ الأناشيد. وقد وقعتُ في العربية على ترجمات لـ"نشيد الأناشيد"، بعضُها عن الفرنسية وبعضها عن الإنجليزية. من بينها ترجمةُ الكاتب الفلسطين محمود شُريح التي ضمنها كتابه "نشيد الأناشيد وصِلتُه بأغاني الزفاف الفلسطينية في سورية القديمة" (دار نلسن، ط1، 2008). كما إن الشاعر اللبناني أُنسى الحاج ألَّفَ نصًا على "نشيد الأناشيد"، سمَّاه التسمية نفسها، واعتبر صنيعه هذا "توزيعًا" جديدًا للنص الأم، وأعطاهُ شكل قصيدة النثر، ووزعه على مطلعٍ وأربع عشرة قصيدةً وخاتمةٍ. كما إنه جرده من تسمية النبي سليمان، والصبية العاشقة المعشوقة، الشولمية، وبنات أورشليم، ليجعل الأناشيد على لسان العاشق الذي يسميه "هو"، والعاشقة التي يرمز إليها بـ"هي"، والجوقة... وهذا الصنيع هو نصٌ على نص، بأخذ روحه وكيانه من النشيد الأم. وهو من منشورات "دار النهار للنشر"، الطبعة الأولى 1967.

          من خلال المقارنة، نلاحظ أن الدكتور داهش قد سبق بكتابه "نشيد الأنشاد" كلاً من كاتب النص على النص، أُنسي الحاج، بحوالى ربع قرن (بين 1943 و1967)، ومترجمِ "النشيد" إلى العربية من الإنكليزية محمود شريح بخمسةٍ وستين عامًا (بين 1943 و2008). فهو، على عذوبة نصه الشعري، أسبقُ مبادرة، وأكثر تبكيرًا من سواه، للارتواء من نبع الحب السرمديِّ "نشيد الأناشيد". وكتابة الدكتو داهش في كتابه ليست ترجمة للكتاب الأم، ولكنها نصٌّ شعريٌّ على نص آخر. لهذه الناحية، فإن كتاب أنسي الحاج مسبوقٌ بكتاب الدكتور داهش. وهناك تغييرٌ آخر عن النص الأم يجريه الدكتور داهش، ويتعلق بالصبية؛ فهي هنا الملكة سبأ، كما يسميها، ولعل المقصود "بلقيس" ملكة سبأ في اليمن التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وما كان بينها وبين الملك سليمان من قصة، وتباري الجن في سرعة نقل عرشها إلى قصر الملك...

هذا، على أن "نشيد الأناشيد"، كما هو في أصله من العهد القديم في الكتاب المقدس، يجعل الصبية المعشوقة المتيمة من بلاد كنعان؛ ففي النص المقدس ذكرٌ لبعض الأماكن السورية القديمة، ولم يرد فيه ذكر لسبأ واليمن وبلقيس. يقول العاشق:

          "هلمي معي من لبنان أيتها العروس، معي من لبنان، انظري من رأس أمانة، من راس سنير وحرمون، من مرابض الأسود، من جبال النمور." (8:4 – ص 61، شريح، محمود: "نشيد الأناشيد") ؛ كما ثمة ذكر لأرز لبنان:

"ساقاه عمودًا رخام موضوعان على قاعدتين من إبريز، وطلعته كلبنان. هو مختار كالأرز." (15:5 – ص 66، شريح، المرجع السابق). ويرد أيضًا ذكر مكان في لبنان: "باتر"، وجبل جلعاد في فلسطين:

          "شعرك كقطيع معزٍ يبدو من جبل جلعاد" (4:6 – ص 67، شريح، المرجع السابق).

          وهكذا، فالإشارات المكانية في النص الأم هي لبلاد كنعان، ولبنان، وسورية القديمة. لكن ما يستوقفنا هو وصف الصبية لنفسها بالسواد. والسواد ليس لونَ سكان تلك المناطق، بل لعله أقرب من سكان اليمن؛ وهو لون بلقيس ملكة سبأ. جاء في "نشيد الأناشيد" نصًا:

          "أنا سوداء، لكني جميلةٌ، يا بنات أُورشليم، كأخبية قيدار، كسرداق سليمان. لا تلتفتنَ إلى كوني سوداء، فإن الشمس قد لوحتني. قد غضب عليَّ بنو أُمِّي، فجعلوني ناطورةً للكروم، والكرم الذي لي لم أنظُرْه" (4:1 و 5:1 "نشيد الأناشيد"، ص 51 و52، شريح)

          هناك، أيضًا، في "نشيد الأنشاد" للدكتور داهش مقطعٌ يتكرر على لسان العاشق "سليمان" موجَّه إلى بنات أورشليم، يقسم فيه عليهنَّ بالاَّ يوقطن حبيبته إلا حين تشاء:

          " يا بناتِ أورشليم،

          أقسمُ عليكنَّ

          بخشفِ الغابِ

          وبمهى الأدغال،

          أن لا توقظنَ فاتنتي

          حتَى تشاء!..." (ص 40،"نشيد الأنشاد")

          يُعادُ الطلب ذاتُه ص (50) وص )106) مرتين، وهو بلسان الملك سليمان، وذلك على خلاف ما وردَ في الأصل من "نشيد الأناشيد" من حيث أن الطلب معكوس؛ فهو يردُ على لسان الصبية ويتعلق بعدم إيقاظ سليمان، وليس العكس.

          "أستحلفكنَّ، يا بنات أُورشليم، بظباء وأيائل الصحراء أن لا تُنهضن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء". (2:7 – ص 55، شريح). كذلك يتكرر الطلب نفسُه في أماكنَ أُخرى بالصيغة نفسها. (5:3 – ص 58 و 4:8 – ص 73)

          حافظ الدكتور داهش في نصِّه الشعريِّ على روح "نشيد الأناشيد" لجهة أنَّه إنشادٌ رعويٌّ للحبِّ والرغبة، كما حافظَ على الشكل الحواريِّ المسرحيِّ لأناشيد الحبِّ المتتالية. فنحن في الحقيقة، وعلى وجه الدقَّة، لسنا أمام عملٍ مسرحيٍّ لجهة الأشخاص والمصائر والحوار والمسرح، سواءٌ كان ذلك بالمفهوم اليونانيِّ القديم للمسرح أو بالمفهوم الحديث. ولكننا أمام أناشيد متتالية، على لسان كل من العاشق والعاشقة وبنات أُورشليم (الجوقة أو الجماعة المُنشِدة)؛ وهي أقرَبُ لأن تكون مونولوجات (خطابات إفرادَّية) أكثرَ ممَّا هي ديالوجات (حوارات بين اثنين وأكثر). كما إن المسرح شاسعٌ واسع هو بمساحة مملكة النبي سليمان القديمة. وعلى الرغم من أن الكاتب يجعل الصبية هي الملكة سبأ، أي يُخرجها من صفوف عامَّة الناس أو الرعية الرعوية، فإنَّه يحافظ على الصيغة الثلاثية لأشخاص الأناشيد، وهم: صوت الملك النبي العاشق سليمان، وصوت العاشقة الملكة سبأ، وصوت الجماعة أو الجوقة المتمثل بعذارى أورشليم أو بنات صهيون. كما حافظ على جعل علاقة الحب والغزل تنشأُ فقط بين كلٍّ من الملك سليمان والملكة سبأ، ولم يُدخل إلى هذه العلاقة عنصرًا ثالثاً يحوِّرها أو يصرفها عن أساسها.

          فـ"نشيد الأناشيد"، في أساسه، أناشيدُ حبٍّ يبلغ عددها مئةً وسبعةَ عشرة، موزعةً على ثمانية فصول، تتبادلها صبيَّةٌ عاشقة مع عاشقها في بيئةٍ رعويَّة أو في بريَّةٍ رعويَّة – هي في حدود البيئة السورية القديمة، المتمثلة أساسًا في فلسطين ولبنان وسورية – وقطبا العشق: الصبية الراعية والعاشق الراعي، والراعي هو "ملكها"، كما تناديه؛ وهذا ما ترك احتمالاً لدى بعض المحللين للنص الأم يرى إلى علاقة الحب الرعوية على أنها ثلاثيةٌ لا ثُنائية، أي هي قائمة بين الصبية الراعية العاشقة والراعي العاشق، يدخل على هذه العلاقة الثنانية الملكُ سليمان، فتغدو العلاقة ثلاثية؛ فهو يستميلها إليه بقوته وجمالها وجبروته، وينقلها إلى قصره، لكنها تبقى وفيةً لحبيبها الراعي، فيعيدُها الملك إليه.

          وكان أوَّل من أشار إلى هذا الاحتمال الباحث اليهودي ابن إزرا Ibn Ezra الذي يرى العلاقة ثلاثية، وليست ثنائية. ولكن ما العمل بمناداة الملك وتسميته في الأناشيد؟

          يرى الباحث Wetzstein، في بحثٍ له نشره في العام 1873 ودرس فيه عاداتِ وتقاليدَ الأعراس والزواج في بلاد الشام والألقابَ التي كان يطلقها الفلاحون على كل من العريس والعروس خلال احتفالات الزواج، أنهم كانوا يعاملون العريس والعروس، على امتداد أيام الاحتفال السبعة، على أنهما ملك وملكة. لذلك فإن تسمية الملك، ليست مخصصة للملك الحاكم الفعليّ، بل هي لقبٌ مؤقت لكل عريس على امتداد سبعة أيام العرس. وقد رأى باحثٌ آخر هو Budde في نشيد الأناشيد "مجموعة أغانٍ فلسطينية تُنشد في الأعراس" (يُنظر شريح، ص 79 – 80). وثمة من رأى من الباحثين أن "نشيد الأناشيد" لم يُكتبْ في عصرٍ واحدٍ هو عصرُ الملك سليمان (في القرن الخامس عشر قبل الميلاد)، بل هو مكتوبٌ على امتداد عشرة قرون تبدأ من القرن الخامس عشر وتنتهي في أيام الحكم الفارسي في القرن الخامس قبل الميلاد. وهذا الرأي يراه غوردس Gordis في العام 1954. كما كان رأي جاسترو Jastrow، في العام 1911، أن مؤلف الأناشيد ليس واحدًا، بل عدَّةُ مؤلفين، وبالتالي فهو تراثٌ شعبيٌ يضيف الخلفُ فيه للسلفَ على غرار ما هو كتاب "ألف ليلة وليلة" في العربية.

          إلا أن كلا الرأيين (لكل من غورديس وجاسترو) تنقصُه وحدةُ أسلوب الأناشيد، وعدمُ تغيّره بين نشيدٍ وآخر، الأمر الذي يُرجِّح أن كاتب الكتاب واحد، قد يكون الملك سليمان نفسه، أو قيل على لسانه. كما إن اتِّساقَ الأناشيد، ووحدةَ أسلوبها، وتسلسُلها الحكائيَّ النمطيّ، تُشيرُ إلىا أنها كُتبت في عصرٍ واحد.

          ومثلما تمَّ الاختلاف حول أصل الأناشيد، وكاتبها، كذلك برزَتْ وجهاتُ نظرٍ في تأويلها، والبحث عن أبعادها ومراميها. فمن الملاحظ أن "نشيد الأناشيد"، على الرغم من أنه أحد أسفار العهد القديم، في الكتاب المقدس، ليس نصًا دينيًّا، لا في معانيه ولا لغته ولا طقوسه. فلا يَرِدُ ذكرُ الله فيه إلا مرةً واحدة. وهو لا ينطوي على أية عِبرةٍ دينية أو موعظةٍ دينية؛ فهو كتاب عشقٍ من الدرجة الأولى. وما انطوى عليه من عباراتٍ ومقاطع تلامس حدود البوح بالرغبة الجسدية جعل بعضَ الباحثين، مثل روس Reuss 1879، يدعو إلى إخراجه من الكتاب المقدس. لكن هذا النص الموحي والخصب لم يعدم مَن يُخضعه للتأويل الديني المسيحي، تارةً الكاثوليكي باعتبار الصبية هي مريم العذراء، والعاشق هو المسيح. لكنَّ ذلك لا يستقيم نظرًا لبعض الأوصاف الحسية في النص، في حين أن لوثر مؤسس البروتستانتية رأى أن العروس هي الدولة. ورأى الفيلسوف إيمانويل بن سلومون Immanuel ben Salomon أن العلاقةت بين النبي العاشق والصبية المعشوقة (والعاشقة) هي رمزٌ لعلاقة العقل الفعَّال بالعقل المنفعل (حسب الأفلاطونية الحديثة والفلسفة الهلنستية). ورأى آخرون في النشيد علاقة الماضي بالمستقبل وشيئًا من معنى الزمان من خلال الحب الخالد بحسب تارغوم Targum.

          لكنْ، في التأكيد، ومن خلال "نشيد الأناشيد"، يتغلب الحبُّ بين الرجل والمرأة على القوة والحكمة المتمثلتين بالنبي الملك سليمان. وهذه هي فلسفة النص على ما نرى، بل جوهرُه وقيمتُه.

          وقد يُضاف إلى التأويلات الدينية المسيحية أو اليهودية للنص تأويلاتٌ أسبقُ من الديانات السماويَّة، وهي التأويلات الوثنية المتعلقة بأساطير سُومر وأكاد وبلاد كنعان، حول أدونيس وتمُّوز وعشتروت، وما وصفته لنا هذه الأساطير من خلال ما اكتشف من رُقُم وحفريَّات في رأس شمرا وأوغاريت وتلّ العمارنة، من حبٍّ وموتٍ وولادةٍ جديدة، وتحوُّلٍ مع الفصول...

          وفي وسط الاحتمالات والدراسات والافتراضات، يقف نصُّ "نشيد الأناشيد" نصًا خصبًا وقابلاً للاستعادة والتوليد، بل هو نصٌّ فحلٌ أو نصٌّ أبويٌّ أموميٌّ في تاريخ البشرية.

         

"نشيد الأَنشاد"

          نستطيع أن نعتبر "نشيد الأنشاد" للدكتور داهش فرعًا أو غصنًا جميلاً من شجرة "نشيد الأناشيد". وهو هنا نشيدٌ فردوسيّ، يتكامل فيه الحبُّ في أسمى معانيه. لذلك غالبًا ما يتكرَّر في الأناشيد المقطع التالي: "أنا لحبيبي، وحبيبي لي".

          والكتاب، في طبعته القشيبة الصادرة عن "الدار الداهشية للنشر" (نيويورك، 1985) من خلال إخراجه، والصور الطبيعية والفنية التي تَحفُّ بالأناشيد، يظهرُ وكأنه مودع في بستان أو فردوس. لكنَّ فردوسيته ليست من خلال اللوحات والمناظر الطبيعية والصور التي توشِّي الصفحات، والخطوط الشعرية الحساسة التي ابتكرها الشاعر ياسر بدر الدين، فحسب، بل هي من جوهر أشعاره ومناخها وأوصافها لجهة الطبيعة البكر الغناء، والبيئة الرعوية، وفطرة العناصر، وكأن طرفي العشق (العاشق الرجُل والعاشقة المرأة) يعيشان في الجنة أو في الفردوس الأول، قبل الطرد من الجنة.

          إن النشيد الأول في الكتاب يحدث في حديقةٍ غناء، حيث تعزفُ "الملكة سبأ" على قيثارها أنشودة الحبِّ الخالد.

          والنشيد يبدأ بدعوة العاشقة لحبيبها، للقبلات:

          "قبلني بقبلاتِ فمك،
فإن حبك العذب

          أطيبُ من أعتق الخمور،

          وعطر جسدك

          أعبَقُ من أفخر العطور".

          ثم تنتقل الملكة سبأ، في هذا النشيد، إلى وصف نفسها، فهي لا تخرج أيضًا عن الوصف الحسيِّ لمفاتن الجسد من لونٍ وعَبَق:

          "بشرتي كقطعةٍ من بخورٍ سمراء،

          ولكني رائعةُ الفتنة.

          يا عذارى أُورشليم...

          لا تحدِّقن في سمرتي،

          فشمسُ تمُّوز قد خضَّبتني".

          وهي إذ تخاطب حبيبها الفاتن "سليمان" فإنها تخاطبه وكأنه راعٍ للأغنام.

"أنبئني في أي مكانٍ أنت؟

          وفي أية غابةٍ تظلل نعاجك؟

          ولِمَ أنا تائهةٌ عن قطعانك؟"

          وقد يكون هذا النداءُ الرعويُّ حقيقيًّا. وقد يكون محمولاً على محمل الرمز. ولكنه، فثي كلا الاحتمالين، يرسم الحدودَ الرعويَّة لمسرح الحب بين الحبيبين المتناجيين.

          في النشيد الثاني، وهو على لسان سليمان، وصفٌ للمحبوبة وللمكان. وهو وصفٌ حسيٌّ بدوره لجهة التشبيه والاستعارة. فهي "أَبهى من الشمس وألطَفُ من نور البدر". وهي أيضًا "كفرس الملاك جبرائيل" بين الغيوم، "شفتاها بلون المرجان،" و"بنانُها عقدٌ من الجُمان"... وهو يُمنِّيها، إذا تبعَته، بعقود الذهب الخالص المطعَّم بأنقى الفضة.

          والبيئة أيضًا، كما يظهر من النشيد، بيئةُ رَعْي:

          أطلقي سراح عنزاتِك البيضاء

          في هذا الفردوس الفسيح"

          في النشيد الثالث، خطابٌ للملكة سبأ، تصفُ فيه نشوتها بعناق سليمان، إذ إنَّه بلسمُ الشفاء لقلبها المتيم، وباقةٌ من حَبَق الغاب تضمُّها بين نهدَيها، وعنقودٌ ناضجٌ من كرمة المدينة المقدسة.

          ولا يخرجُ خطاب سليمان، في النشيد الرابع القصير، وخطابُ ملكة سبأ في النشيد الخامس المختصَر، عن كلام الحبِّ المتبادل بين حبيبين على بساط اللذة، وهو هنا "بساط الطبيعة الدائمة الاخضرار"... وليست الأناشيد التالية (السادس والسابع والثامن والتاسع) سوى محطاتِ حوارٍ مُستطرد بين العاشقين على بساط اللذة: هو يَعِدُها بأن يبني لها قصرًا عظيمًا من خشب أرز لبنان الخالد، يُزخرفه بالسرو والشربين، وهي تصف نفسها بنرجسة الوادي وسوسنة الجبال الزرقاء. هو يؤكد رغبته فيها، وهي تمتدحُ رائحته كشجر التفاح بين الأزدرخت، وتدعوه لإدخالها في "قُدس أقداسه"... ثم توجه نداءها إلى نساء المدينة لكي يطيبن قلبها بالزبيب وينعشن روحها بالتفاح الذهبي الأحمر...

          "فإنيِّ من عمق حبي مريضة!

          آهٍ يا سليمان،

          احتط جسدي بشمالِك،

          وداعبني بيمينك".

          يضع الشاعر هنا فاصلاً كستارةٍ تُسدَل على المسرح، إذ إنه يجعل العاشقين يستغرقان في سُباتٍ عميق. لكنه سرعان ما يستأنف الحوار بينهما، وهو على صورة كلام منفرد لكلِّ طرفٍ على حدة أكثرَ مما هو حوار يدور بين اثنين في علائق الكلام المتبادل. ففي النشيد العاشر، ينادي "سليمان" على بنات أورشليم وهو يتأمل حبيبته نائمة بين يديه:

          "أقسم عليكُنَّ.

          بخِشف الغاب

          وبمهى الأدغال،

          أنْ لا توقظن فاتنتي

          حتى تشاء!..."

          وحين تفتح الملكة سبأ، في النشيد الحادي عشر، عينيها، تستأنف كلامًا سابقًا لها حول معبودها، وتنظر إليه وهو يقفز على رؤوس الجبال ويعدو بين باسق الأشجار وكأنه رجل الغابات، أو إنسان البرار والأدغال:

          "أراه أسرع من غزال الصحراء

          وقطا المروج".

          يجري ويدعوها للحاق به قبل أن ترقد الشمس؛ فقد انتهى فصل الأمطار، وبدأت الحقول تتزين بالورود والرياحين. الطيور تشدو على الأفنان واليمامة تسجع بين الزروع. شجرة التين نضج ثمرها وعبقت روائح الكرمة الزكيَّة.

          هو يدعوها إلى لقائه "كاليمامة":

          "أسرعي، يا يمامتي اللطيفة،

          فالكرمة قد أزهرتْ،

          والطبيعة قد ثملتْ وابتسمتْ."

          وهذا النداء البشريُّ من الحبيب لحبيبته هو نداءُ الحب العميق الرائع المعقودِ بين الرجل والمرأة وغيرِ المفصول عن نداءات الطبيعة بكافة عناصرها من شجرٍ وجبالٍ وطيرٍ وحيوان... والمسافات والجبال التي افترضها الشاعر قد فرَّقت بين الحبيبين هي مسافات الزمن وتحولاته... وهي التحولات التي تُدخل عنصرَ الخوف على الحب. لذلك، فإن نداء سليمان لحبيبته كي تلحق به في الوديان والجبال، تستجيبُ له هي بدعوته للعودة بخفة الظبي، وقطع التلال والجبال التي فرقت بينهما. وهي، إذ تفتقدُه ولا تجدُه، تهيم في المدينة على وجهها تسأل عنه، وقد اصطدمَتْ بالعَسَس وسألتهم: هل شاهدتم من أهواه؟ فأجابوها بالنفي. لكنها، حين ابتعدت عنهم، وجدَتْ مَن اختارته روحُها، فأخذته إلى المنزل بشغف، وأدخلته إلى الغرفة الفاخرة التي حملَتْ فيها أُمُّها بها.

          "وجدتُ مَن اختارته روحي!

          فطوَّقتُه بمعصمي،

          ولم أدَعْه ينجو منِّي،

          وذهبتُ به إلى بيت أُمِّي

          وأدخلتُه الحجرة الفاخرة

          التي حبلَتْ فيها

          أُمِّي بي!"

          ينتهي المشهد الحادي عشر لكي ينفتح النشيدُ الثاني عشر بما يشبه اللازمةَ المكررة التي تشكل مُراوَحةً بين مشهدين، فنرى سليمان يستحلفُ مجددًا عذارى أورشليم بألا يوقطن الأميرة النائمة التي اختارتها روحه إلا حين تشاء. ويوالي تأمُّله في النشيد الثالث عشر فيقول، كمن يتخيل تخيُّلاً، ما هو راهنٌ ومُحقَّق أمامه وبين يديه:

          "مَن هي تلك الصاعدة من أعماق الوادي.

          كعمودٍ من دخان ناصع البياض،

          مضمَّخةً بالمرّ واللبان،

          وبأحقاقٍ من البخور الأشقر؟!"

          فيعلو نشيدُ الجوقة، في النشيد الرابع عشر، وهو يمجِّد عظمة الملك سليمان الذي يحفُّ به ستُّون جبَّارًا من الجبابرة، متقلدين سيوفَهم المرهفة الحد الجاهزةَ لجزِّ رؤوس أعدائه، ويمجِّد عظمة سريره الملكي المصنوع من الصندل وخشب الأرز، أسلاكثه من ذَهَب وأعمدتُه من فضَّة، وهو مرصَّعٌ بالياقوت، وفراشُه من أجنحة الفراش... أما تاجُه المرصَّع على رأسه، فقد توَّجته به أمُّه في يوم فرح قلبه.

          وهذا النشيد حول أُبهة وجبروت وعظمة الملك سليمان يظهرُ وكأنه يُومئ إلى أن عظمة سليمان تخضع للجمال والحبّ. ففي النشيد التالي (الرابع عشر)، وهو نشيد طويل، بل لعله الأطولُ بين الأناشيد، ينفردُ سليمان في وصف جمال الملكة سبأ، الصغيرة البهية، ذات العنيني الحالمتين كحمامتين مودعتين تحت نقابها الشفاف، وذاتِ الشعر الذي هو كقطعي ماعز يغتسل بماء الأردن، والأسنان البيضاء وكأنها مجموعةُ نعاجٍ مجزوزةٍ صحيحة وسليمة تتمرَّغ على الشاطئ، والشفتعين المتحلبتين بالرضاب الشهي، والفمِ السحري، والخد الملتهب بلون الأفق كقلب رمانة أُضجت حباتها بأشعة الشمس، والعتق الذي هو صرحٌ من العاج موشى بألوان المساء، والثديين الشقيقين بل التوأمين من بطن غزالة نافرة... ثم يدعوها للمسارعة إليه قبل أن تزولَ معالمُ هذا الجمال، ويناديها يا عروستي، ليتنعما في قمة البخور، في أودية لبنان، ويصعدا إلى قمة حرمون، ويدخلا إلى كهف الفهود، حيث تقطن الأسود، ليتوجها هناك على عرش قلبه.

          وهو يناديها يا عروسي وأختي، وحبها أشهى من ماء الكوثر، ويقول لها:

          "أنتِ الشجرة ذات الثمرة المحرمة،

          ولكن قلبي يشتهيها!..."

          ليستعيدَ من خلال هذا النشيد الرائع كلَّ ذكريات الفردوس والمرأة والثمرة المحرمة التي تفيض بها الكتب السماويَّة، وتعبق بها الميثولوجيا الدينية.
          بعد النشيد الرابع عشر الذي يظهرُ وكأنَّه وصفٌ للجنة والمرأة والثمرة الجميلة المحرَّمة، تفتح الملكة سبأ، في النشيد الخامس عشر، لحبيبها باب الجنة، وتدعوه إليها لكي يجني أشهى ثمراتها: فيدخل مُلبيًا مذهولاً، ويقتحمُ ملذات حبيبته، يقطفُ زهرها، ويأكل العسل، ويغمس أصابعه في الخمر واللبن. ثمَّ يدعو صحابه لمثل هذه الوليمة:

          "كلوا حتّى تتخموا،

          واشربوا حتى تثملوا.

          فالحياة دون حبٍّ ليل رهيب ثقيل الوطأة!" (النشيد السادس عشر)

          في النشيد السابع عشر، أوصافُ بلقيس للحظات الوصال.

          "أدخل حبيبي يده من الكوَّة الجميلة،

          فتحرَّكت جوانحي".

          ولكنَّ الوصال لا يدوم، فيظهر وكأنَّه حلم، ما إن تفيق منه العاشقة حتى يختفي ويزول. فتتبعُه في المدينة، وتسأل عَسَسَ الليل عن حبيبها أين هو، وهل رآه أحد منهم. فيضربُها العَسَس ويجرحونها، ويرفع عنها حرس الأسوار إزاها... وهنا تستحلف عذارى أورشليم أن يُعلمنَ حبيبها، إذا التقين به، بأنَّها من الحبِّ مريضة. فيرتفع صوت الجوقة، في النشيد التالي (الثامن عشر)، بلسان عذارى أورشليم وهنَّ يسألنها عن هذا الحبيب المميَّز بين الناس مَن هو، فتأتي أوصافُه بلسانها أَنَّه كالفضَّة المعجونة بالذهب، عالٍ يفوق الربوات،رأسُه من الذهب الخالص، وغدائره تتمَّوج كليلة شتائية، وعيناه حمامتان تستحمَّان على شواطئ لبنان، وشفتاه كطيب الناردين، ويداه طوقان من الذهب، وجسدُه عاجٌ نحتَتْه يدُ نحَّات حاذق، وساقاه عمودان من الرخام وقد قاما على قاعدتين من الألماس.

          "إنَّه جميل مثل (وادي قاديشا)!

وجليلٌ في تهاديه كأسدٍ إفريقي!

وفي خفَّته كالنمر الهنديّ!" (النشيد الثامن عشر)

تعود العذارى فيسألْن، كجوقةٍ، إلى أيِّ البقاع رحل حبيبُها، كي يبحثن معها عنه (النشيد التاسع عشر)، فتجيبُ بأنه يجوس الفردوس ويرعى قطيعه بين الجبال. وتعيد قائلة:

"أنا لحبيبي وحبيبي لي!" (النشيد العشرون)

هنا يظهر سليمان وهو يناجي نفسه، أو يناجي حبيبته بقوله إنها أجملُ من عشتروت، ورائعة كأُورشليم، ومَهيبة كجحافل ذاتِ بنود، شَعرثها كقطيع ماعز رابض في أرض جلعاد، وأسنانها جحافل نعاج خارجة من الماء،

"ومن بين ستين ملكةً وألفِ حظية،

من بين عذارى لا يُعرَف عددهنّ،

أنت وحدكِ أمنيتي." (النشيد الحادي والعشرون)

تردِّد الجوقةُ بلسان نساء القصر، وكأنهنَّ يكملن ما كان بدأه سليمان من أوصاف الملكة، فيسألن عن تلك المرتدية وشاحَ الفجر، المتوَّجة بأشعة البدر، النقية كنور الشمس، الرهيبة كجحافلَ كاملةِ الأعلام. (النشيد الثاني والعشرون).

فيُسمع همس الملكة سبأ وهي تتحدَّث عن شوقها العظيم، وتفقدها لحدائق الجوز ويناع الكروم، وإزهار الرمَّان، وانتثار شقائق النعمان... وكأنها تبحث فيها عن حبٍّ ضاع منها، أو حبٍّ تنتظر عودته إليها (النشيد الثالث والعشرون).

فيعلو صوتُ بنات صهيون (الجوقة) يناشدنها العودة (النشيد الرابع والعشرون).

          في النشيدين الخامس والعشرين والسادس والعشرين، يتكلم سليمان مباهيًا بحبيبته ويمامته "بنات صهيون"، مستطردًا إلى أوصاف مليكته بقدميها الصغيرتين واستدارة فخذيها كمعجزتين، وسُرَّتها ككوبٍ بلوريٍّ بشرابٍ ملكيٍّ، وببطنٍ طريٍّ معجونٍ من حنطة الله، وثديين خِشفَين رضيعين من بطن ظبية نافرة، وعنقٍ برجٍ من عاجٍ نادر، وعينين كبحيرة تانا الحبشية، وأنفٍ شامخ كأرز لبنان، ورأسٍ قائم كجبل الكرمل، وشَعرٍ كالحرير الناعم الممزوج بالأرجوان... ويصفها بين يديه في ساعة الملذات:

          "أنت نخلةٌ، وثدياك ثمرها؛

          أُحدِّث نفسي

          أن اعتليها وأُمسكَ بسَعَفها.

فليكن ثدياك كالعناقيد الناضجة!"

وكصدى لصوت سليمان، يأتي صوت الملكة سبأ لتكرِّر قولها القديم:

"أنا لحبيبي وحبيبي لي,"

ولتستعيدَ أوصافه حيث الشهدُ يقطر من فمه، والرحيقُ ينسكبُ من بين شفتيه. ثم تدعوه للخروج إلى المروج والهيام في الغابات، للسؤال عن زهنر الر مَّان وتفتحُّ الورود وصوْغ زهر البيلسان...

"آه!...

ليتك كاخٍ لي

الراضع من ثدي مَن ولدتني

كي أقبلك أمام الملإ

دون أن يُخزوني!...

ليتني أذهب بك إلى مضجع أمِّي؛

وهناك هي تُدرِّبني،

فأسقيك من خمرة حبي المعتقة

الممزوجة بشهوة أماني..." (النشيد السادس والعشرون)

هنا تغرق الملكة في سباتٍ عميق، فيعيد سليمان اللازمة مستحلفًا فتيات أورشليم أن لا يوقظن حبيبته حتى تشاء (النشيد السابع والعشرون). فيعلو سؤال النساء وهنَّ يحطن بسليمان وملكة سبأ: مَنْ هذه الصبية الساحرة المتوكئة على ذراع مليكها؟ (النشيد الثامن والعشرون)

وتنتهي الأناشيد، وعددُها أربعة وثلاثون، بستَّة أناشيد في المناجاة بين سليمان والملكة سبأ، تُستعاد فيها أوصافُ جمال كلٍّ من الحبيبين، وقوة الحبّ، وقدرته على الموت. تقول الملكة سبأ في نشيد من أجمل أناشيد الكتاب:

"يا مليك قلبي!

          صُغني خاتمًا واطبعْ به فؤادك،

          أو اجعلْني حلقةً أدخلْها في ذراعك،

          لأنَّ حبِّي لك

          أقوى من صولة الموت البطَّاش."

وتنتهي الأناشيد بنشيدٍ لسبأ تدعو فيه سليمان للهروب إلى قمم الجبال والعيش هناك:

"أنفرْ يا حبيبي بخفةٍ،

مثلما ينفر ظبْيُ الأدغال!

وأسرعْ

كأَيِّل المروج،

ولنقطُنْ هناك بعيدًا

على قمَّة الجبال الفوَّاجة العبير!"

الأديبة دعد طويل قنواتي

شاعرة ومترجمة سورية. تحمل إجازة في اللغة الإنكليزية وآدابها من جامعة دمشق. زاولت التدريس الجامعي في "جامعة البعث" بحمص. عضو في اتحاد الكتاب العرب. ألقت عدة محاضرات وشاركت في ندوات ومهرجانات كثيرة في عدد من البلدان. من مؤلفاتها الشعرية "حزمة ضوء" (1986)، و"حصاد الأسئلة" (2007). ومن ترجماتها عن الإنكليزية "الملحمة الشرقية" للدكتور وليد سلامة (2008).

 

حول الشعر الداهشي

من الصعب أن نلِجَ عالمَ الكلمة الداهشية ونغادرَه وقد عُجنا كما كنا قبل مواجهة ذلك الخضم من الأفكار والأبعاد والآفاق، وما يقودُ إليه ذلك من ردود أفعالٍ وانطباعاتٍ وتساؤلاتٍ لا تجدُ دائمًا أجوبةً عنها، ولا انسجامًا تامًا فيما بينها في كثير من الأحيان. أو قد تهدأُ النفسُ وتستكين إلى ما توصلت إليه فإاذا بها وكأنها ضمن مياهٍ صافية، هادئة كما ماءُ بحيرة، تنظرُ من خلاله إلى تلك العوالم الممتدة أمامها، وتراها كما هي، لم يعترها أو يشوهها انكسار، ولم تتلاعب بصورتها موجاتٌ متلاطمة، ثم تنتبهُ فجأةً إلى أن تقاسيم روحها قد اتخذت، برغم كل هذه السكينة، ملامح التفكير والحيرة والانذهال، وأن نوعًا من العجب قد تملك هذه النفس، فكأن كل معارفها كانت معلوماتٍ أولية يجدرُ بها، بعد هذا الاطلاع، أن يعادَ النظرُ فيها مجددًا، وترتعش النفس أمام هذه المسؤولية التي أُلقيت على عاتقها.

          وقد تنشدُّ النفسُ إلى هذا المطلب الجديد، ويستولي عليها التوقُ إلى استكمال معارفها، فتودُّ أن تبدأ رحلةَ النهلِ التي تشتاقُها، وتتركَ ما أُوكل إليها من مُهمةِ دراسةِ ما تمكنت من الحصول عليه من مؤلفاتٍ ونصوص، لولا وعيٌ يُهيب بها إلى أن تُتمَّ ما التزمتْ به، فإذا بها تتبنى، على بعضِ ألَمٍ، نوعَ النشاط الذهني الذي تحتاجُه الدراسة، وتُرجُئ مُهمة استكمال النهل والتحليق، وفي يقينها أن بانتظارها سماواتٍ وجنائن من مُتع يبثُّ انتظارُها في عُمق هذه النفس رضًى وارتياحًا يمدانها بالصبر على حدَّة التوقت ولذعة النهم.

          نحن، إذاً، أمام عملية محاولةِ احتواءٍ لهذا العالم نقتربُ فيه من ملامحه، فنفصلُ بين ما هو شعرٌ وما هو نثرٌ، وبين ما ندعوه "شكلاً، وما ندعوه "محتوى، ثم نتلمس الطريقَ إلى سمات هذا العالم وأبعاده، على ما فيه من تنوعٍ وغنًى.

          ولا بدَّ، في البدء، من الإشارة إلى أن كل ما هو بين يديَّ من نتاج القريحة الداهشية ينتمي إلى جنس الشعر، منظومًا أو منثورًا، ضمن أُطُرٍ من لغةٍ وصُورٍ وموسيقى، تنسكبُ ابتهالاتٍ ووجدانياتٍ وتأملاتٍ متنوعةً في أمور الحياة والمرأة والمجتمع والدنيا والآخرة، وكثيرٍ سوى هذا، مما نحاول، من خلاله، أن نستشف صورة الشاعر أُفقًا ومزاجًا وتجربة.

          وإذا ابتدئُ باللغة، وهي مادةُ الأدب الأولى، لا بد أن نذكرَ وجودَ عددٍ من القصائد المكتوبة بالعامية، وهي قليلةُ العدد. أما ما تبقى فأكثره من الشعر المنثور، ويشكل حوالى ثلثي الإنتاج، والباقي من الشعر المنظوم. وينقسمُ الشعر المنثور إلى قسمين، في أحدهما ينتهي كلُّ بيت، أو ربما كلُّ سطرٍ، بكلمةٍ أو بمقطع أخير من كلمةٍ تتماثلُ وزنًا وقافيةً مع كلماتِ نهاية الأبيات الباقية، أو قد يبقى هذا الشعرُ المنثور حرًّا لا يُقيده وزنٌ ولا قافية.

          وفي كلا النوعين، المنثور والمنظوم، نجدُ لغةَ الشاعر قويةً، وقاموسة غنيًا، ونُفاجأُ، في أحيانٍ كثيرة، بانتقال لغة الشاعر من العصري الشائع إلى النادر الاستعمال، كما في "مُماذق" و"حندسٍ" و"جوب" و"عِهنٍ" و"أحْوى" و"أشقم"، ومعظمُه مما لا نُصادفه في لغة المعاصرين له. وقد نتساءلُ، في البدء، هل هذا نتيجةُ رغبةً في إظهار تضلعُ الشاعر باللغة، ثم نتوصل إلى قناعةٍ مفادُها أن سعة اطلاع الشاعر وغزارة مطالعته جعلتاه على أُلفةٍ مع اللغة، قديمها وحديثها، الأمر الذي أدى إلى كسر حاجزِ الغُربة بينه وبين بعض المُفردات، ومن ثم إلى وُقوعِ هوًى بينه وبينها، مما هو معروفٌ وشائعٌ لدى الأدباء والشعراء.

          ولعلَّ أكثرَ خصائص اللغة الداهشية تفرُّدًا جرأةُ الشاعر على سَكِّ المفردات الجديدة واشتقاق الأفعال من الأسماء، كما في "تخنجر" و"تعبقر" و"مُقنبلة" و"مُؤبلسة"؛ وفي هذا إسباغُ حيويةٍ وحركةٍ على المُفردة، وريادةٌ في هذا الجانب الذي بات ميزةً م ميزات لغة الشعر المعاصر.

          وفي كل الأحوال، تبقى اللغة الداهشية عاليةً، رفيعةً ودقيقة، يتوهج قاموسُها بغنى يَمدُّ المفردات بجزالةٍ تزولُ معها صبغةُ التكلفُ أو المعاناة التي نتوقعُها من إيراد حَشدٍ من المفردات المتماثلة وزنًا وقافيةً في نهايات القصائد الطويلة، كما في قصيدة "نشيدُ الجُحود"1 أو قصيدة "تراب"2 حيث نجدُ ستةً وسبعين بيتًا تنتهي بالوزن ذاته وبالقافية ذاتها، مع نُدرةٍ في تكرار المفردات. إن هذا الغنى في القاموس الداهشي يثيرُ العجب، ويُشكل سِمةً مميزةً نتوجَّهُ إليها بالإعجاب في مواجهةِ فقرِ قاموس الشعر المعاصر.

          ويعتمد الأسلوبُ الداهشي على الصورة في نقل المشاعر، فيُوكلُ إلى عناصر الطبيعة مهمة خلق الأجواء الملائمة. وهكذا نجدُ فيضًا من الأشجار والوديان والبطاح والورود والأعشاب والبرق والرعد والمطر وفصول السنة وكل ما يُمكن أن يمتد بين المجرات والأرض يتدفق بغزراة، فكأن للشاعر نوعين من مفردات: واحدًا من لغةٍ وواحدًا من صورَ، يتدافعان ويتسابقان لينقلا ما في نفس الشاعر إلى إطار العبارة المحملة باللون والموسيقى والحركة، كما بالمعنى والإيحاء. وغالباً ما تمتزجُ الصورَ البصرية بالصوت والحركة كما في قصيدة "أنا الجدول الرقراق".

"أرى ألطفَ الأطيار تشدوني...

على رؤوس الأشجار تمرحُ بطربٍ وتدعوني من أعاليها...

ويردُ، ليرتويَ من كوثري السلسبيل، ظبيٌّ شَرود...

أما النسيم فيدغدغُ صفحتي ويُلاعبُني".3

          وإن أشراك أكثر من حاسةٍ في صورةٍ واحدة يزيد من حيوية هذه الصورة ومن تأثيرها في نفس المتلقي. وتُضيفُ نزعةُ "الأنسنة" الغالبةُ في الشعر الداهشي من قوة تأثيرِ هذه الصور، حيث تدبُّ الحياةُ في مكونات الصورة واهبةً إياها بذلك أُلفةً وأنسًا.

          وتعتبرُ الصورةُ من أهمِّ مكونات الشعر في مفهوم الشعر الحديث والمعاصر.

وهي سِمةٌ أساسية أيضًا في الشعر الرومانسي الذي يحفلُ بالمشاهد الطبيعية مستحيلاً بذلك إلى سلسلة من اللوحات. أما الشعرث الحديث فيلجأ إلى الصورة وسيلةً لمخاطبة

----------------------------------------------------

1 الدكتور داهش: "قيثارة أورفيوس" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 69.

2 المصدر نفسه، ص 144.

3 الدكتور داهش: "أوهام سرابية وتخيلات ترابية" (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1991)، ص 33.

-------------------------------------------------------------

النفس والحواس تجنبًا لطريقة التقرير المباشر، وتوخيًا لخلق مناخ من الأيحاءات ينقلُ حالة الشاعر الوجدانية إلى المتلقي بافضل مما تنقله الكلمات المجردة. ومن هنا نستطيعُ أن ننسب الشعر الداهشي إلى المدرسة الرومانسية من حيث كثافةُ وجود صُور الطبيعة فيه، ولكننا حين نتوغل في قراءة هذا الشعر نجدُ كثيرًا كثيرًا من القصائد التي تتناول الإنسان والمجتمع بشكلٍ عامٍّ، والتي تحوكُ نسيجها بخيوط حياة الكائن البشري بدلاً من الطبيعة، فيكون في وسعنا هنا أن ننسبَ هذا الشعر إلى المدرسة الكلاسيكية، أو الكلاسيكية الحديثة، كما في شعر Pope مثلاُ، حيث الإنسانُ محورُ الشعر، همومًا وقضايا. وهنا نستطيعُ أن نُضيفَ إلى رومانسية الشعر الداهشي صفة التأمل في الحياة والانشغال بالإنسان، فإذا به روماسيٌّ وكلاسيكيٌّ في آنٍ.

          ولكن هل ف وسعنا أن نأسر الشعر الداهشي داخل إطار مدرسةٍ أو اثنتين، والمدرسةُ أفقٌ محدودُ الأطراف، ينتهي دورُه بعدما سعى إلى تدارك نقائص مرحلةٍ سابقة وإلى تأسيس مرحلةٍ جديدة، بينما عالمُ الشعر الداهشي مستمرٌّ ودائمُ التدفق، لا يحدُّ ما يتناولُه زمانٌ ولا مكان، ولا يرتبطُ بأي شرطٍ سوى حقيقة تفاعُل النفس الإنسانية مع عوامل الكون الواسع؟

          إن العالم الداهشي بالغُ التنوع، فيه الطبيعةُ والإنسان، والموسيقى والفنون، والأسطاير والمجرات، والحاضرُ والماضي والمستقبل، والفردُ والمجتمع، والأحداثُ العامة والشخصية، والدنيا والآخرة. فهو إذًا عالمٌ واسع، غيرُ ضيق ولا محدود، يشتملُ على مفردات الكون بجميع مكوناته وتحولاته. وإن هذا ليخولنا أن ندعو هذا الشعر بالشعر الحي، حسبَ تعبير الناقد الأميركي روبرت بلاي في كتابه "الشعر الأميركي"1، حيث يطلق على الشعر المقتصر على الإنسان، دون سائر الكائنات اللاإنسانية في الخليقة، اسم "الشعر الميت"؛ وهو شعرٌ يُضطرُّ إلى اعتماد الإثارة أو التطرُّف بُغية تحقيق التأثير المنشود. ذلك أن الإنسان، في عُرفِ بلاي، أحدُ مكوِّنات الخليقة، يموت الشعر إذا ما انحصر في إطاره دون أن يُشركَ معه سائرَ الخليقة في عملية التأثُّر والتأثير التي لا بدَّ أن تجري بين مفردات الوجود المشترك.

          ولا بدَّ هنا من الإشارة إلى نضارةِ الشعر الداهشي، حيث لكل بيتٍ تفرُّدُه، ولكل

---------------------------------------------

1 Robert bly. Amercian Poetry (Harper & Row Publishers, New York 1990), pp. 23 – 34..

---------------------------------------------

عُنصر من عناصر الطبيعة أو الوجود، مهما تكرر ذكره، تصرفه الخاص الجديد. فلا يمكنُ لنا، في هذه الحال، أن نتجاوزَ بيتًا ما بحُجة أنه يشملُ على المفردات نفسها أو يدورُ حول الموضوع ذاته، سواءٌ كان هذا صبوةً روحيةً، أو نفثةً وحدانية، أو نقدًا اجتماعيًا. وإن هذا يذكر بأدب جبران خليل جبران حيث لا تخلو عبارةٌ من دفقةٍ مُلهمة، وحيث لا وجودَ لَما ندعوه "باهتًا" أو "حائلاً" أو "خافتًا" أو "ناصلاً"، لا يثبتُ في ذاكرة ولا يفعل في مخيلة. ولا بد أن معيارَ "النضارة" هذا من جملة ما حدا شاعرَنا على انتقادِ أدب ميخائيل نعيمة في قصيدة "من فمه أدينُه"،1 وعلى وَصفه، أدبًا وشخصًا، بالسخيفِ التافه.

          ولقد انعكس هذا الفيضُ من التصورات والرؤى والشُّحنات الوجدانية على موسيقى الشعر الداهشي، فانسابت رقراقةً عذبةً، لا سيما في شعره الموزون ذي البحور المجزوءة، حيث الإيقاع، حارًّا كان أو هادئًا، يمضي بسلاسةٍ تعكسُ سلاسةَ النفس التي أثمرته، مثلما في "أيّها العصفور عُدْت":2

          أيُّها العصفورُ عُـــــــدْتَ                         بعد تَعدادِ السنينْ

          كيف أنت؟ أين كُنتَ                        يـــــــــا سميرَ التائهينْ

أو في "لستُ أدري ما يكون":3

          لست أدري ما يكونْ                         في ضجيج أو سكونْ

          أسكبُ الدمعَ الهَتونْ                         فادْنُ منِّي يــــــــــــا مَنونْ

                             وأرِحني من عذابي

                             بعدما ولَّى شبابي

                             أنت روحٌ لا تُحابي

          وفي هذه الأخيرة تنويعٌ في نظام القافية ممَّا شاعَ في الشعر والمهجري، ثم في الشعر العربي الحديث بعد تأثره بالشعرين المهجريِّ والأجنبي.

          ولا بد هنا من الإشارة إلى المقطوعات الغزلية القصيرة، النثرية منها والمنظومة، وهي التي تبدو كسحائبِ صيفٍ بيضٍ عبرتْ مدفوعةً برياحٍ قصيرةِ الأمَد، فكأنها دخيلةٌ.

-----------------------------------------------

1 الدكتور داهش: "مفاتن الشعر المنثور" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 137.

2 "مفاتن الشعر المنثور"، ص 45.

3 المصدر نفسه، ص 31.

-------------------------------------------------------------

على الشعر الداهشي، في تكرارها لمُفرداتٍ وعبارات وصُور ليس فيها النفس الداهشي الذي تحدثنا عنه، ولا الشحنة الوجدانية العميقة، مثل "شفتين معسولتين" أو "صدرُ كاعب" أو "صدرٌ ناهضٌ استلب لُبي وأفقدني رُشدي" أو "فمٌ خمريٌّ صارخٌ بجماله ورُوائه" أو "كاعبٌ سحرتني بحسنها" أو "رمانتين شهيتين"... وهذه كلها مأخوذةٌ من عدة قصائد امتدت على صفحات "مفاتن الشعر المنثور".

          إن هذه المقطوعات المتمحورة حول صور معينة وتعتمدُ مفرداتٍ متكررة لا تمثلُ عُمقَ مفهوم الحب في النفس الداهشية. وقد تكونُ صوتًا عابرًا وسطحيًا في مجرى حياة كاتبها. وقد يكون في قصرها ما يناسبُ سطحية هذه المشاعر ومرورها العابر في نفسه.

          أما القصائد العاطفية الطويلة فهي شأنٌ آخر، يتناسبُ غناها اللغوي والفني مع عمقها الوجداني والورحي. وقد يكون في تناول قصيدة "سأكتبُ اسمك"1 تمهيدٌ حسَنٌ للانتقال إلى الجانب الآخر من الشعر الداهشيِّ، وهو جانبُ المحتوى وما يضمُّه من أبوابٍ وموضوعات، وما يرشحُ منه من مواقفَ وآراء.

          تتألف هذه القصيدة من أربعة عشر مقطعًا من الشعر المنثور المتحرر من النهايات المقفاة الموزونة، ومن شرط التساوي في عددِ أبيات المقاطع. وقد أهدى الشاعر هذه القصيدة إلى "فوته"، وهي شخصيةٌ واقعيةٌ كما يبدو من بعض القصائد الأخرى.

          وفي هذه القصيدة يعلنُ الشاعرُ عن عزمِه كتابةَ اسم المحبوبة على عددٍ من مُفردات الوجود والطبيعة كالمجرَّات والفضاء والأشجار والورود والصخور والبحار. ثمَّ يُعرِّجُ، من عالم الحيوان على الفراش والوعول والظِّباء، ومن عالم الجماد على الأبواب والنوافذ والأسرة ومن عالم الفنون على القيثارة. ثم ينتقل إلى عالَم الإنسان والمجتمع متمثلاً بالمعارك. ويلتفت، بعد ذلك، إلى قلبه المولَّه فيحنو عليه ويَشملُه بنعمة كتابة الاسم الحبيب.

          وتتجلى فنيةُ هذه القصيدة وجزالةُ مفردات الشاعر باستعمال عدة أفعالٍ غير "أكتب" ليسجل واقعةَ حضور اسمها في الموجودات، فنرى هنا "أَنقُشُ" و"أُزخرِف" و"أرسم" و"أُدوِّن" و"أُزين" و"أحفر" و"أُدبج" و"أُعلِّق"؛ كلُّ فعلٍ حسب طبيعة ما سينزل عليه الاسمُ المبارك. وتتجلى رهافةُ الشاعر حين يتجنب كتابة اسم المحبوبة على

-----------------------------------------------------

1 "مفاتن الشعر المنثور"، ص 98.

-----------------------------------------------------------

أية آلةٍ من آلات الحرب كيلا يُدنس هذا الاسم، فيتركَ لاسمها الإلهي أن يمثل في مجال رؤية المتحاربين حتى إذا ما رأوه، صمتَ أزيزُ الرشاشات وخرسَ دويٌّ القنابل...

          ولا يعمد الشاعر هنا إلى التعبير عن الحب عن طريق الإعلان المباشر، بل يتركُ لنا أن نستنج بأنفسنا عمق مفعول الحب في النفس البشرية.

          ففي المقطع الأول، وبعد كتابة الاسم المحبوب على شاطئ البحر، ستأتي الأمواجُ المتشابكة المتلاحقة لتقبله بشغفٍ ووله؛ فالحبُّ إذاً يُروضُ العنف في النفس، فتتحولُ الأمواج إلى تقبيل الشاطئ بدل أن ترتطم مُفتتة صخوره إلى حصًى، ومن ثم إلى رمال. وسيكون لاسمها إذا ما دُوِّن على أغصان الشجر أن تزداد روعةُ تغريد الطيور التي تحط عليها؛ وإذا ما رُسم على أجنحة الفرلاش أن تزداد ألوانها بهاءً وزُهًا؛ وإذا ما حُفِر في الصخر أن تلينَ الصخور، وتدبَّ فيها الروح، فتخشعَ أمام مجد الخالق؛ وإذا ما رُسِم في الفضاء، أن يُدبَّ فيه الكرمُ فيسخو مطرًا، فيعمَّ الخير وتطمئنَّ أنفُسُ الفقراء. أما إذ    ازُخرفتْ به قرونُ الوعول، فسيملأُها الزهوُ والشُموخ. وسيكون لاسمها يدُ النعمة على النفس البشرية، فإذا ما دُبِّج على أبواب ونوافذ وأسرة الحزانى والأيامى، فستتحول أحزانُهم إلى أفراح، وسينتقلون من وهدة الأسى إلى فرَحِ تمجيد الله، خالقِ البرية والكائنات. وسيكون لاسمها قدرةُ أن يحلَّ السلامُ بين المتحاربين. أما وقد جاء دورُ الشاعر نفسه، فسيكتبُ الاسمَ الإلهيَّ في أعماق قلبه بعد أن هداه إلى شاطئ الطمأنينة، وعلى فؤاده المتيم، في ساعته الأخيرة، حتى يرافقه في رحلة السعادة إلى العالم الآخر.

          ليس هنالك من قصيدةٍ استطاعت أن تُصور كرمَ الحب وفعلهُ السحري كما فعلت هذه القصيدة حين أشركتْ عناصر الكون، من أعلاها إلى أدناها، ومن أقواها إلى أضعفها، ومن جمادها إلى كائناتها الحية في التأثر بنعمة الحب. فجعلت الحب بهذا عرسًا كونيًا، كما هو بالفعل، يجودُ على الأنفس فتسمو إلى أقصى ما يمكن لها أن تسمو، وتسخو أكثر ما في وسعها أن تسخو، وتتوهج فتُسبغ، لا على المتحابين فقط، بل على الكون كلِّه جمالاً لم يكن له من قبل مُلامسته هذه العاطفة.

          ولقد أعطى الشاعرُ هذه القصيدة ما تستحقُّه من أُبهة، فلم يغادر صورةً قبل أن يستكمل بناءها، ولم يسمح لمفرداتٍ أن تتكرر، وانسحبَ ليتركَ لتجليات الحب أن تحتل الساحة. فإذا ما جاء دورُه في تلقي نعمةِ الحب ترك لفؤاده أن يستقبل، وألغى لفظةَ "أنا" من كل القصيدة لأنه لا وجود "للأنا" حيث يكون الحبُّ الحقيقيُّ.

          وقد يمرُّ ببالٍ أن هذه القصيدة تخاطبُ إحدى القيم العُليا التي دأب الشاعرُ على أنسنتها، كالحق والخير والجمال. غير أن لكل أثرٍ أدبي كيانًا مستقلاً يخوله أن يكتسبَ المعنى الذي يُوحي به من دون الرجوع إلى حياةِ مُبدعةِ أو واقعِه. وهكذا يمكننا هنا القولُ إن هذه القصيدة تُمثِّل رأي الشاعر في مفهوم "الحب" الذي صوره قُدرةً تفجر كل ينابيع الجود والخير والرقة والفرح في النفس البشرية، ومفتاحًا للشفاء والتعزية والسلام، رافعًا الحب إلى مستوى النعمة والعناية الإلهية.

          وهنا ليس في وسعنا إلا أن ندهش مما تحملُه قصائدُ أخرى من مواقفَ سلبيةٍ من المرأة. ففي قصيدة "والشرُّ كامنٌ بفتنة الحسان"1 يقول: "أحمد الله على أني بعيدٌ عن أشراكهنّ. وفي قصيدة "حتى الأبد":2

اسمعـــــــوا مني وصايـــــــــا ناصح                 أنبذوا النسوة نبـــــذ العِلَلِ

واحقروهن فمـــــــــــــا من مــــرأةٍ                 صدقت في قولها مع رجل

حشوهنَّ الفِسقُ والمكرُ ولا                 همـــــــَّ يحدوهنَّ غيرُ السفَلِ

          وقد يبدو هذا متناقضًا مع الصورة السابقة التي قدمها عن المرأة. وهنا يتداركُ الشاعرُ هذا، فيُعلن استثناءَه شريحةً معينة من النساء من حُكمه القاسي:

          لستُ أستثني سوى تلك التي                خُلِقتْ أُنثى الهوى والأمَلِ

          إذاً هنالك ثنائيةُ الوجود، تتجلى في وجود نقيضين من كل شيء: نورٌ وظلام، خيرٌ وشرٌّ، ملائكيٌّ وشيطانيٌّ، ولكل تجربةٍ صوتُها الشعريٌّ الخاصُّ الذي ينقلُها.

          وكما التقينا موقفَ الشاعر من المرأة والحبِّ، نستطيعُ أن نتابعَ بحثنا عن مواقفه من عددٍ من الأمور الأخرى. فالمدينةُ تبدو في الشعر الداهشي رمزَ الفساد والشرّ. ففي قصيدة "كلُّ ذئب لأخيه حفرةً قد حَفَر" يقول: 3

          "آه، ليتني أعيشُ بقيَّةَ عمري في القفر،

----------------------------------------------

1 "مفاتن الشعر المنثور"، ص 85.

2 "قيثارة أورفيوس"، ص 29.

3" مفاتن الشعر المنثور"، ص 84.

--------------------------------------------

فمن سكن المدن وانغمس في رذائلها فلنفسه قد حقر.

ففي العواصم تجد كل ذئبٍ لأخيه حفرةً سحيقةً قد حفر".

إن هذه الإدانة التي تتردد في الشعر الداهشي لم تأتِ عن عبَث. فالتكالبُ على المال والملذات الجسدية والنفاقُ والسخافة قد اجتمعتْ على تجريد الفرد من التزاماته الروحية والأخلاقية؛ فالمجتمع بمجله منغمسٌ في الدنايا. وفي قصيدة "طلبُ الانعتاق"1 يُعبر الشاعرُ عن ملله من هذا الواقع:

ملَلتُ خداعًا وغشًا ورِجسا

مللتُ بُغـــــاءً وفُحشًا ورِكْسا

وفي قصيدة "اشمئزاز"2 يرددُ المقولة ذاتها:

          كل ما في الأرضِ رجِسٌ وخيانهْ

          وازورارٌ ورِيـــــــــاءٌ وفُسوقٌ ومَهانهْ

والشاعر يَخصُّ رجالَ الدين بنقدٍ ألذع وأقسى لما بين ما يمثلونه من قيم ومثل وما هو عليه واقعهم الأخلاقي من تباينٍ جسيمٍ يشينهم أكثر مما يشينُ الفرد العادي. ففي قصيدة "كاهن مارقٌ زَنتْ عينُه"3 يقول: "أعلاكم رتبةً هو أشدُّكم دعارةً، وغائصٌ في مستنقعات عُهره مع أنذاله". ويسترسل الشاعرُ في وصف واقع رجال الدين في قصائد متعددة تدلُّ عناوينها على محتواها.

          ولا عجَبَ بعد هذا السبر لغور البشر وطبيعةِ المجتمع أن يفقد الأمل، ولا يرى في الواقع البشري غيرَ العدَم والعبثية. ففي قصيدة "عدم"، يرى أن "دنيانا تعافُها الأفاعي! كل ما فيها سخم". وفي "أُضحوكة الحياة" لا يجدُ في الحياة "غيرَ وهم باطل سوف يزول".

          إن هذه النظرة العدمية التي ترى في كل شيء، بما في ذلك الطبيعةُ والمجرات، "باطل الأباطيل، لا جديد تحت الشمس"، تتردَّدُ في كثيرس من القصائد. والشاعر هنا لا يرى السعادة الحقيقية إلا في الموت، لا كنهاية في حدِّ ذاته، بل كطريقٍ يقودُ إلى العوالم العُليا حيث الحبُّ والطهرُ والجَمالُ والعدالة.

-----------------------------------------

1 المصدر نفسه، ص 161.

2 المصدر نفسه، ص 157.

3 المصدر نفسه، ص 171.

4 الدكتور داهش: "نبال ونصال" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1971)، ص 35.

5 قيثارة أورفيوس"، ص 35.

----------------------------------------------

أن شهوةَ الموت تتملك نفس الشاعر توقًا إلى الالتحاق بعالم الأعالي حيث "لا حزن مرير أو شقاء، ولا نشيج أو بكاء"."1 إن السعادة، في العالم الداهشي، "ليست في المال، إنما هي في راحة البال،"2 و"الجحيم هو عذابُ النفس والفكر،3 هنالك حيث أشباحُ القلق تُطل عليه من كُواها المدلهمة. وقد يتخلصُ الآثمُ من هذه الجحيم إذا تاب توبةً صادقة، حتى لينال الشيطانُ نفسه، في الرؤية الداهشية، مغفرة الله حينما يعترف بذنوبه. ففي قصيدة "حلمٌ شيطانيّ"4 يعترفُ الشيطانُ بمعاصيه، فإذا به يسمعُ صوتَ الله العميق يقول له: "لقد غُفرت ذنوبُك وعُفيّ عنك". وتنسحبُ عدالة الله هذه على البشر بشقيها: القصاص والجزاء. ففي قصيدة "العدالة الإلهية"5 فمُسخَ كلبًا هزيلاً تعيسًا شريدا

                             عُواؤه دوَّى في الآفاق ونباحُه أزعج الخلائق

لو كان مستقميًا لَما انقلب كلبًا طريدا                                                                                            ولَكان يرفلُ بفُتُوةٍ نضارتها رائعة وجمالها فائقْ

إنّ كل ما سبق محاولةٌ للوصول إلى رؤية الدكتور داهش إلى بعض القضايا كالسعادة والشقاء والتوبة والمغفرة والحب والمرأة والمجتمع. وفي هذا صعوبةٌ بالغة لكون الشخصية التي يتناولها هذا المسعى غنية إلى حد قدرتها على ملء أكثر من نفسٍ واحدة بالنوازع والميول والصبوات. ولكن الفضول المعرفي يستهينُ بصعوبة التقصي، ويتحرك لمعرفة الأكثر، ويتساءل: كيف، يا تُرى، قدم الدكتور داهش نفسه إلى العالم؟

          يُقرُّ الدكتور داهش بتقلبات نفسه في "نفسي العجيبة"،6 فيقول:

                   حالاتُ نفسي تحوي                          عناصرًا من جنونِ

                   والحـــــقُ لا عيبَ فيه                          وذاك حــــقُّ اليقين

-----------------------------

1" مفاتن الشعر المنثور"، ص 88.

2 المصدر نفسه، ص 111.

3 المصدر نفسه، ص 86.

4 المصدر نفسه، ص 140

5 المصدر نفسه، ص 244.

6 "قيثارة أورفيوس"، ص 50.

------------------------------------------

إن مُراجعةَ شِعر الدكتور داهش تُظهر قدرته على كتابة ثلاثِ مقطوعاتٍ شعرية في مدة ثلاثين دقيقة. وكل من هذه المقطوعات تُظهر مِزاجًا مختلفًا عمَّا في الاثنتين. وهو لا يحاول أن يقدم نفسه كملاكٍ مترفع عن القلق أو الحزن أو النقمة أو الحيرة، بل يعترفُ باشتراكه، مع من يتناولهم بالدم في شعره، بترابية الطبيعة، فيقول في "تراب":1 "حقًا إننا من التراب، وسنعودُ إلى التراب." وهو يستعمل هنا ضميرَ المتكلم في صيغة الجمع ليؤكد مساواته بسائر البشر. ويستطردُ في القصيدة ذاتها، فيقول إننا "جميعنا أشرار... جميعنا نتمسكُ بالقشور التافهة دون اللباب". وهو يعترفُ أمام ربه في قصيدةِ "رفعتُ شكواي لخالقي"2 بأنه "خاطئٌ معترفاً بذنوبه،" كما يعلن إيمانه بالنصيب والاستحقاق في قصيدة "لكل منا نصيبه"3 فيقول: "ولذا، بتُّ أُؤمن بأن كلا منا يأتيه استحقاقُه ونصيبُه". ويتساءلُ الشاعر في "هل جُوزيتُ لزلاتي"4 هل ما حل بإحدى يديه من ضررٍ جسيمٍ نوعٌ من العقاب عن أخطائه.

          ويتواضع الدكتور داهش ويعترف، على الرغم من كل قدراته الخارقة، بعجزه عن إدراك أسرار الحياة والكون، فيقول في قصيدة "تراب":5 "حيرتني هذه الخليقة بالصامت منها وبالصخاب." ولا يترفع عن التصريح بانكساره أمام الألم، كما في قصيدة "من يدي اليمنى":6 "روضتني سقطة الهول فأصبحتُ وديعًا، فأين عُنفي؟" ويُعلنُ في "لستُ أدري"7 عن حيرته في شأن المعتقد الديني الذي سيركُنُ إليه:

"لست أدري

يا أُخيا، يا خليلي

هل أدينُ بمحمد أم بالجليلي

أم ببوذا أم بموسى الإسرائيلي؟!

--------------------------------------

1 المصدر نفسه، ص 127.

2 المصدر نفسه، ص 202.

3 المصدر نفسه، ص 210.

4 المصدر نفسه، ص 200.

5 المصدر نفسه، ص 127.

6 المصدر نفسه، ص 214.

7 "مفاتن الشعر المنثور "، ص 224.

-------------------------------------

أنبئيني، يا سماء، مَنْ يكون لي دليلي؟

                             لستُ أدري!"

          وهو لا يستنكفُ عن إبداء حزنه الشديد على رحيل أصدقائه وأحبابه، ولا يُصور نفسه قادرًا على احتواء كلِّ آلام الحياة ومآسيها. إن المرء ليحارُ في مدى تواضُع هذه النفس التي قُرَ لها أن تتمتع بقُدراتٍ وتقوم بإنجازاتٍ لم يسبق لها مثيل، وظلت مع هذا معترفةً بخضوعها للشرط الإنساني، ولما يمليه التراب من معاناةٍ وألمٍ ويأسٍ ونقمةٍ وغضبٍ وبلبلة، في الوقت نفسه الذي لا ينسى فيه الشق الآخر النوراني من نفسه، حين يسألها في "أُخاطب روحي":1

                   "مِن أيِّ عالم هبطت لعالَم دُنيانا

                   وما كنتِ تطئينهُ لو عرفِت دَنايانا

                   غادرتِ عالَم المُثُلِ بعد أن نعمتِ فيه اطمئنانا

                   وإذاكِ في عالَمٍ مخيفٍ يحمهُ الشرُّ شيطانا"

ومثلما أقر بشقه الترابي، يعلنُ بكل ثقةٍ في قصيدة "سأعود" أنه سيعود

                   "إلى هذا الوطن الأخاذ الذي منحته العناية للمتعبين...

                   هناك حيث لا يستطيع الفكرُ أن يبلغ إليه،

                   وإلى المكان الذي أعد الله فيه لأعزائه الأحباء

                   ما لا يخطر على فكرٍ وما لم يسطرْهُ قلَم..."

         

          إلى ذلك المكان الذي "جاء" منه، يُعلنُ يقينه من عودته. ولا بد لنا من وقفةٍ مع هذا الإعلان الذي يفسِّر شيئًا كثيرًا من الروح التي تُسيطر على الشعر الداهشيِّ، والتي تتبلورُ، في ابتهالاته الروحية وتوقِه الدائم إلى معانقة الحق والخير والجمال، على شكل حنينٍ واشتياقٍ أكثر مما تظهرُ على شكل تضوُّرٍ وتحرُّق. إن هذا النفس لا تتمزق شوقًا إلى ما تشك بوجوده أو تيأس من بلوغه. إنها تحنُّ وتشتاقُ إلى عالَمٍ عرفته وعاشتْ فيه، وعاينتْ مباهجه وأفراحَه، قبل أن تُفارقَهُ إلى عالم البشر المملوء بالشقاء. وإن هذا الحنين

----------------------------------------

"مفاتن الشعر المنثور"، ص 166.

"قيثارة أورفيوس"، ص 125.

------------------------------------------

والثقة التي ترافقه يضفيان على الصبوات الداهشية صفة الوداعة والسلام، ويبسطان على الكلمات أقواسً قُزح من فرحٍ وأمل.

          ثمة تغير في المزاج يحدث فور تذكُّر آفاق النعمة العليا المشتهاة، فتتروضُ النفس، وتنسى آلامها لتجثوَ في خشوعٍ وانصياع أمام مجد القدرة العليا.

          إن الأدب الداهشي ليس أدبًا بالمعنى الرائج. إنه سفرٌ شاقٌّ وشائقٌ بين عوالم متعددة فيها السلام والنعم حتى لتعجب كيف لم تُخلق أجنحة للورق، وفيه النارُ والشقاء حتى لتعجب كيف لم يحترق هذا الورق. وإن دخول العالم الداهشي من خلال مطالعة عدد من الكتب لا يبلغُ العشرة، وعددٍ أكبر من القصائد المتفرقة، لا يعدو عن كونه مُلامسة لجانب ضيقٍ من عالم بالغ السعة والعُمق والعلو. وإن في إطلاعي على ما أُتيح لي من آثارٍ بدايةٌ لسعي حثيثٍ إلى دخول أعمقَ في هذا العالم المترامي الأطراف، تتوقُ نفسي إليه بكل ما فيها من اندفاع وصبوٍ وتوقع للفرح. وإن مهابة كبيرةً تتملكُ النفس في وقفتها أمام هذا الفيض من الآمال والآلام، والصبوات والانكسارات، في خفقها الدائم صوبَ باري الوجود، وفي اضطرابها أمام عناء الحياة. وفي عناء تكبد صاحبها حقيقةَ اختلافه عن سائر البشر، اختلافا لا شبيه له، ينشدُ فيه إلى عالمين مختلفين، عاينت روحُه أنوارَ واحدٍ منها، وساكنَ جسدُه ترابَ ثانيها، ولم يفقد، في لجةِ هذا الخضم، صفاءَ تفكيره أو نقاءَ روحه، فبقي مُقرًا بتبعية التراب، ومُعلنًا، في الوقت نفسه، وبيقينٍ كامل، انتماءه إلى عالَمِ النور وثقته بعودته إليه.

                                                                   7/4/2009

مراجع:

  • ·Robert Bly. American Poetry. Haper& Row Poblishers, New York 1990.
  • ·الدكتور داهش: "نبال ونصال" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1971).
  • ·الدكتور داهش: "مفاتن الشعر المنثور" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984).
  • ·الدكتور داهش: "قيثارة أورفيوس" (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984).
  • ·الدكتور داهش: "نشيد الأنشاد"، ط 1 (مطابع صادر ريحاني، بيروت 1943).
  • ·الدكتور داهش: "عشروت وأدونيس" (بيروت، 1943).

في ذكرى انتقال الأخ فريد أبو سليمان

هو من عائلةٍ عريقةٍ من عائلات لبنان, طبيبٌ مُتخصِّصٌ, درس الطبَّ في أشهر جامعات فرنسا, وله باعٌ طويل في تشخيص الأمراض والنفوس, وهو على دراية لا يستهان بها للتمييز بين السحر والشعوذة والمعجزات الروحيَّة, تعرَّف الى ذلك الفتى, فرأى نور الحقيقة يشعُّ من وجهه, وخوارق القوانين الطبيعيَّة تُخرَقُ أمام عينيه, والمعجزات الروحيَّة تُجترّح على يديه, آمن به وبرسالته الألهيّة, غير عابءٍ برجال دين أو دنيا, ولا بمناصب رفيعة أو أغراءات ماديّة من رجال سلطة, ولا من تهديدٍ أو وعيد. وأعلن ايمانه على الملاء, فكان المؤمن السادس.

سار على درب الحبيب, حتى لازمه, دافع عنه حتى اضطُهِدَ من أجله, سُجِنَ مع من سُجِنَ من أصحابه وأخوته, ليخرج من سجنه مرفوع الرأس, ثابتاً في ايمانه, راسخاً في عقيدته, مُحتَقِراً سجَّانيه وزبانيتهم, منقضّاً انقضاض النسور على جلاَّديه, المتمثليين بصحافةٍ مأجورة, ورجال دين مُتغطرسين, وحكّامٍ ظالمين, مستمدّين من سلطاتهم سلطاناً لجورهم وتعسّفهم, وتشويه الحقائق, مدفوعين بأحقاد الباطل, وطغينة الرذيلة, غير آبهين بحريّةٍ فرد أو فكرٍ أو مُعتقد, رغم حماية الدستور لتلك الحرّية المقدَّسة, والمستمدّة من السماء.

زَهُدَ بمن حوله من أقارب وأترابٍ , ومن خلاَّن وأصحاب, والتفَّ مع من التفَّ حول مؤسِّسَ الداهشيَّة آنذاك من عليَّة القوم واصفاهم نفساً, وترفعهم خُلقاً. تفانى في حبّه واخلاصه, واضعاً نفسه بتصرّفه, في أي زمانٍ ومكان, وفي السرّاء والضرّاء, حتى عُرِفَ ب رفيق النبيِّ الحبيب الهادي.

تخلى عن حياة الرُغدِ والبذخِ, وهو ابن الحسبِ والنسب, ومالك الجاه والمال ,وصاحب الرفعة والشان, خرج على التقاليد والعادات التي أورثوها له كما لغيره, أبى الاَّ أن يكون حراً بتصرفاته وأفكاره حتى خرج على الكنيسة والرعيّة, لم يأبه من غدر الزمان, ولا من تهديد بالحرمان, ولا من تهويل والد او راهبٍ أو سلطان.

كان لديه من القوَّة الفكريَّة والعقليَّة ما لم تُنْعمَ به السماء على الكثير من أترابه, حتى أصبح مثالاً يُحتذى به, في انفته وعزَّته, في جهاده وتضحياته, في اخلاصه ووفاءه, في تواضعه وترفُّعه عن الصغائر والكبائر , ملتزماً أخلاقاً حميدة, متخلِّياً عمَّا هو دون السماء, فما دونها فهو باطل. مُسيطراً على شهواته ورغباته, نابذاً ايَّاها وما لها. مبشراً بمبادىء روحيَّة تهدي الأنام الى الخلاص , مجاهداً في سبيلها حتى الرمق الأخير, مضَّحياً بكل ما له في الحياة الدنيا , ومستمدَّاً قوَّةً لا يستهان بها من قوّة ذلك الفتى. حتى أصبح التكلّم بالرسالة الداهشيّة دأبه الدائم, في حلِّه وترحاله, مُحدِّثاً بالتعاليم الألهيّة, وبالمعجزات الروحيَّة التي تمَّت على يديّ الحبيب داهش,. كما هاجم السحرة والمشعوذين أينما حلّوا, وعلى مسارحهم, وفي عقر دارهم. وكشف كذبهم وتدجيلهم وخزعبلاتهم, التي لا تنطلي الاَّ على الجهلة والأغبياء من الناس. وكان له في ذلك صولات وجولات.

لقد كان الدكتور داهش مثله الأعلى في الأرض كما في السماء. حتى انتقاله الى عالمه البعيد السعيد, ولقاءه حبيبه وهاديه ومُرشده, وكانت الفرحة العظمى.

فسلامٌ الى روحك الطاهرة في ذكرى انتقالك, على أمل اللقاء بك باءذن الله .

حسين يونس الداهشيّ

كوانزو 20 نيسان 2015 .

Developed by WARM Studios        Copyright 2016 This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it. All Right Reseved This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.